[align=center]بقلم : د. خادم حسين إلهي بخش ، جامعة الطائف
من الأسس المتفقة بين البشر أن قيمة المرء تنحصر في حياته بما يقدمه فيها من خير خَدم به الإنسانية جمعاء ، أو أفراد الشعب في الدولة التي يسكنها ، أو القبيلة التي ينتمي إليها ، أو الوطن الذي يعيش فيه ، وأما بعد مماته فيُقَوِّم الناسُ جميع أعماله ، وما قدمت يداه من خير أو شر ، فتُصْدِر فيها حكم القاضي عدلاً وإنصافا .
وقلما يخطئ مثل هذا الحكم ، حين يكون بناؤه على الأدلة الملموسة والشواهد المنظورة والبراهين القائمة .
وحين ننظر إلى محمود درويش من هذه الزاوية وما خلفه من الأعمال من الشعر النثري ( النبطي ) أو النثر المبسوط تبرز لنا الحقائق التالية :
1 / ولد محمود درويش عام 1941م قبل نكبة فلسطين عام 1947م ، وأتم تعليمه الابتدائي والثانوي في ظل النكبة والاحتلال ، وشعر بما يشعر به كل شاب صَادر اليهودُ ممتلكاته ، واحتلوا أرضه ، وشردوا أسرته ....... ، فقد ابتلع المحتل نصف فلسطين ، ويرى العالم كل ذلك و يبارك له مثل هذه الخطوات ، ويقدم التهاني إلى الشعب اليهودي لعودته إلى أرض فلسطين .
2/ المسلمون في أضعف أحوالهم ، أصبحت دولة الخلافة الإسلامية أثراً بعد عين ، خرجت لتوها من الحرب العالمية الثانية ، بعد أن قُطِعَتْ كلُ أطرافها من البلاد الإسلامية الممتدة ، وأصبحت محصورة في الجزء الضيق من الأرض ، أو بما يسمى الجمهورية التركية بعد إلغاء الخلافة من قبل أتاتورك .
3/ النصارى وقد حَوَاهم اليهود ، وغرسوا في نفوسهم أنهم الأتباع ، لأن الأناجيل تأمرهم باحترام التوراة والإقتداء بها ، وأن الديانة اليهودية هي الأساس لديانتهم .
4/ أما اليهود فهم القوة الاقتصادية المسيطرة على العالم كله ، ولاسيما على أميركا ، القوة الفتية الناشئة ، وقد تمكنت من تفجير الذرة ، وإلقاء قنبلتين ذريتين على المدن اليابانية .
ففي مثل هذا الجو الذي يقود إلى اليأس شب الفتى محمود درويش وبلغ العشرين من عمره ، وقد نال شهادته الثانوية ، ويرى أمام عينيه مظالم دولة اليهود من قتل وتشريد ومصادرة للممتلكات الفلسطينية دون نكير ، فجال ببصره بحثاً عن طريق الخلاص له ولشعبه ، من المظالم المتراكمة التي تزداد يوماً بعد آخر .
فوقع بصره على الشعارات البراقة : من نصرة المظلوم ، وإعادة الحق إلى أصحابه ، ومنع القتل ، واغتصاب الأرض ، والتهجير بالقوة .... ، ويتمثل كل ذلك في النظام الشيوعي السوفيتي فانبهر به ، وازداد يقينا حين سافر إليها لإتمام دراسته في ذلك البلد الملحد .
والمعروف من تاريخ اليهود أنهم يلعبون على كل الحبال ، فإن كانوا هم المنشئون للنظام الرأسمالي الغربي ـ الماص لثروات العالم ـ على يد آدم سميث فإنهم المؤسسون للنظام الشيوعي الإباحي ـ المبتلع للدول الإسلامية الواقعة في جنوبه ـ على يد كارل ماركس اليهودي وصديقه إنجلز .
فَتَوَهَّم الفتى أن الخلاص من الاحتلال وتوابعه هو الانضمام إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي ، فانضم إليه في مقتبل شبابه ، فعمل محرراً ومترجما لصحيفته ( الإتحاد ) ومجلته ( الجديد ) التابعين للحزب .
وازداد الفتى تمسكا بالمبادئ الشيوعية حين ضُيق عليه من قبل الدولة السامرية بين عامي 1961م ـ 1971م وقدمت إليه الدولة السوفيتية منحة دراسية لإكمال دراسته عام 1972م في موسكو ، وأحكم السوفيت شباكهم حوله بمنحه وِسَامَين من أعظم أوسمة الإتحاد السوفيتي أثناء وجوده فيه .
تلك هي فترة تيه الفتى وضلاله ، وقد تبنته اليهودية العالمية دون شعور منه ، ووجهته الوجهة التي تخدم مصالحها الخفية العظمى ، وأبرزته في صورة مناضل يقاوم الاحتلال ، ويحث الشعب على الثورة والنضال ضد الغاصب والمحتل .
بينما هي التي أنشأت الحزب الشيوعي الإسرائيلي ، وسهلت انضمام محمود إليه ، كما قدمت له المنحة الدراسية ليزداد ترسخا بالمبادئ الشيوعية الملحدة التي تزيل المقاومة إلى الأبد وتعطي الشرعية التامة لبقاء اليهود في أرض فلسطين .
أبرزت اليهودية العالمية أمام محمود درويش أن الاحتلال ناشئ عن الضعف ، وأن الضعف منبعه التمسك بالموروث القديم ، والنظريات البالية ، والإيمان بغيبيات لا وجود لها على أرض الواقع ، وأن معتقدات العجائز هي مكمن الضعف ، وأن الخلاص من كل ذلك هو منبع القوة لاسترداد الحقوق ، وطرد الاحتلال وهذا ما تدعو إليه الشيوعية ، إذ ينص دستور الاتحاد السوفيتي { لا إله والحياة مادة } كما ينص على نفي الغيبيات بقوله { أرحام تدفع وأرض تبلع } فلا حساب ولا جنة ولا نار .
فأخذ محمود درويش :
1/ يهدم كل قديم ، مهما كانت مكانته لدى الفلسطينيين وغيرهم من المسلمين ، تحقيقاً لمبدأ التلمود ( يجب علينا أن ننزع فكرة الله ذاتها من عقول الأمميين ـ الأممي من ليس يهودياً ـ ، وأن نضع مكانها عمليات حسابية وضرورات مادية )
فانقض محمود درويش على هدم كل موروث لأمة التوحيد ، بغض النظر عن حقيقته الكونية ، أو قيمته الاجتماعية ، أو مكانته الأسرية ، أو صلته بالغيبيات الثابتة الحقة ...........
2/ يقدم البديل لكل ما هدمه ، وذلك بتوسيع معاني المصطلحات الإسلامية ، وإلباسها أثوابا لم تنزل من أجلها ، باسم التجديد في الفكر الديني .
ويطلق أيتام محمود درويش على الجانبين مصطلح ( الرموز) وأن الرجل ادخل الرمزية في الشعر المعاصر .
وعند إمعان النظر في الجانب الأول نجد محمود درويش يسخر بالإله وبوجوده ، وأنه نائم لا يدري عما يجري في العالم ، رغم أنه يقال عنه إنه شرطي العالم وجَلادُه ، وإنه قديم بالٍ لا مكان له في الوجود ، وإنه يتعرى ويعشق ، وإن مريم زوجه ، وإن عيسى ابنه .
يستهزئ بقضاء الله وقدره ، ويسخر بدعاء أبيه لربه ، وبالصلاة إليه ، والصوم من أجله ، وأن الشهادة في سبيله ضرب من الوهم والخيال ، وإن كثرة أسمائه تقود إلى الجدب والقحط .
لا يُخْفِي محمود استهزاءه بالنبوة والأنبياء ، فيرميهم بكل نقيصة ، وإن وجودهم يشبه الأساطير ، وإن مكانتهم الاجتماعية لا تتعدي جسده وحذاءه ، وإن الشعر بمثابة كلام النبي ، وإن الشعراء هم الأنبياء ، وإن هذا الباب غير مغلق ، وإن الشعراء ينجبون الأنبياء .
وسخرية الرجل بالقرآن أمر غير منكر ، وأنه سبب النكبات والتخلف ، وإن الإسلام الذي جاء به القرآن قد أكل عليه الدهر وشرب ، فلا مكان له في دنيا الحياة ، لذلك تجده يكثر من نقد هذا الجانب ، ويرمز إليه بالرَمْل والمرايا والنخل ، وتلك هديته لأيتامه ليتبعوه في هدم أساس الموروث .
وفي جانب تقديم البديل ، وسد الثغرات التي أحدثها بالهدم ، تجد الرجل يوسع المفاهيم الشرعية ، ويعطيها مفاهيم لم تنزل من اجلها ، فالصلاة والصوم لا تختصان بالله ، بل يعطي أباه حق الصلاة والصوم لابنته ، لأن الإنسان مع هذا التقدم المطرد أصبح إلهاً ، فمن حقه أن يحل محل الإله الذي لا يُرى ولا ينزل ليدافع عن المظلومين .
ويوسع مفهوم العبادة فيبيح عبادة الأرض ، وعبادة الإنسان وعبادة المعشوقة ، ويصل به التوسع في المفاهيم والغايات إلى حد الإسفاف بالإنسان ، وإن خلقه غلطة ، وفي غفلة من الزمن .
ومقابل هدم الموروث الإسلامي ، وتقديم البديل المناقض للإسلام ، تجد محمود درويش يمدح الصليب ، وإن حب الوطن جاءه من أخشابه ، وإن عيسى صلب ، وإن الصلب مصدر هدايته ونوره .
وأما حبه لليهود فيظهر ذلك جلياً ، إذ لا تجد له عشيقة سوى ( ريتا )اليهودية ، فكم قصيدة أنشدها من أجلها ، وكم آلاماً قاسى للالتقاء بها ، وكم تمنى وجودها في كل لقمة يرفعها إلى فيه ، وفي كل شَربة يرفعها إلى فمه .
تلك هي الحقائق التي يصل إليها كل من يقرأ كلام محمود درويش ، ويدرس الظروف التي عاش فيها ، فلا يستطيع أحد إنكارها ، ودواوينه النبطية وكتبه النثرية شاهدة على كل ما أشرت إليه ، فليتق الله أيتامه ، وليعودوا إلى رشدهم ، فإن الحكمة ضالة المؤمن متى وجدها أخذها ، ومن ضل الطريق صباحا واهتدى إليه ليلاً لا يُعَدُّ تائها .
اللهم أهد ضال المسلمين ، وبصره بدينك إنك قوي عزيز . [/align]
من الأسس المتفقة بين البشر أن قيمة المرء تنحصر في حياته بما يقدمه فيها من خير خَدم به الإنسانية جمعاء ، أو أفراد الشعب في الدولة التي يسكنها ، أو القبيلة التي ينتمي إليها ، أو الوطن الذي يعيش فيه ، وأما بعد مماته فيُقَوِّم الناسُ جميع أعماله ، وما قدمت يداه من خير أو شر ، فتُصْدِر فيها حكم القاضي عدلاً وإنصافا .
وقلما يخطئ مثل هذا الحكم ، حين يكون بناؤه على الأدلة الملموسة والشواهد المنظورة والبراهين القائمة .
وحين ننظر إلى محمود درويش من هذه الزاوية وما خلفه من الأعمال من الشعر النثري ( النبطي ) أو النثر المبسوط تبرز لنا الحقائق التالية :
1 / ولد محمود درويش عام 1941م قبل نكبة فلسطين عام 1947م ، وأتم تعليمه الابتدائي والثانوي في ظل النكبة والاحتلال ، وشعر بما يشعر به كل شاب صَادر اليهودُ ممتلكاته ، واحتلوا أرضه ، وشردوا أسرته ....... ، فقد ابتلع المحتل نصف فلسطين ، ويرى العالم كل ذلك و يبارك له مثل هذه الخطوات ، ويقدم التهاني إلى الشعب اليهودي لعودته إلى أرض فلسطين .
2/ المسلمون في أضعف أحوالهم ، أصبحت دولة الخلافة الإسلامية أثراً بعد عين ، خرجت لتوها من الحرب العالمية الثانية ، بعد أن قُطِعَتْ كلُ أطرافها من البلاد الإسلامية الممتدة ، وأصبحت محصورة في الجزء الضيق من الأرض ، أو بما يسمى الجمهورية التركية بعد إلغاء الخلافة من قبل أتاتورك .
3/ النصارى وقد حَوَاهم اليهود ، وغرسوا في نفوسهم أنهم الأتباع ، لأن الأناجيل تأمرهم باحترام التوراة والإقتداء بها ، وأن الديانة اليهودية هي الأساس لديانتهم .
4/ أما اليهود فهم القوة الاقتصادية المسيطرة على العالم كله ، ولاسيما على أميركا ، القوة الفتية الناشئة ، وقد تمكنت من تفجير الذرة ، وإلقاء قنبلتين ذريتين على المدن اليابانية .
ففي مثل هذا الجو الذي يقود إلى اليأس شب الفتى محمود درويش وبلغ العشرين من عمره ، وقد نال شهادته الثانوية ، ويرى أمام عينيه مظالم دولة اليهود من قتل وتشريد ومصادرة للممتلكات الفلسطينية دون نكير ، فجال ببصره بحثاً عن طريق الخلاص له ولشعبه ، من المظالم المتراكمة التي تزداد يوماً بعد آخر .
فوقع بصره على الشعارات البراقة : من نصرة المظلوم ، وإعادة الحق إلى أصحابه ، ومنع القتل ، واغتصاب الأرض ، والتهجير بالقوة .... ، ويتمثل كل ذلك في النظام الشيوعي السوفيتي فانبهر به ، وازداد يقينا حين سافر إليها لإتمام دراسته في ذلك البلد الملحد .
والمعروف من تاريخ اليهود أنهم يلعبون على كل الحبال ، فإن كانوا هم المنشئون للنظام الرأسمالي الغربي ـ الماص لثروات العالم ـ على يد آدم سميث فإنهم المؤسسون للنظام الشيوعي الإباحي ـ المبتلع للدول الإسلامية الواقعة في جنوبه ـ على يد كارل ماركس اليهودي وصديقه إنجلز .
فَتَوَهَّم الفتى أن الخلاص من الاحتلال وتوابعه هو الانضمام إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي ، فانضم إليه في مقتبل شبابه ، فعمل محرراً ومترجما لصحيفته ( الإتحاد ) ومجلته ( الجديد ) التابعين للحزب .
وازداد الفتى تمسكا بالمبادئ الشيوعية حين ضُيق عليه من قبل الدولة السامرية بين عامي 1961م ـ 1971م وقدمت إليه الدولة السوفيتية منحة دراسية لإكمال دراسته عام 1972م في موسكو ، وأحكم السوفيت شباكهم حوله بمنحه وِسَامَين من أعظم أوسمة الإتحاد السوفيتي أثناء وجوده فيه .
تلك هي فترة تيه الفتى وضلاله ، وقد تبنته اليهودية العالمية دون شعور منه ، ووجهته الوجهة التي تخدم مصالحها الخفية العظمى ، وأبرزته في صورة مناضل يقاوم الاحتلال ، ويحث الشعب على الثورة والنضال ضد الغاصب والمحتل .
بينما هي التي أنشأت الحزب الشيوعي الإسرائيلي ، وسهلت انضمام محمود إليه ، كما قدمت له المنحة الدراسية ليزداد ترسخا بالمبادئ الشيوعية الملحدة التي تزيل المقاومة إلى الأبد وتعطي الشرعية التامة لبقاء اليهود في أرض فلسطين .
أبرزت اليهودية العالمية أمام محمود درويش أن الاحتلال ناشئ عن الضعف ، وأن الضعف منبعه التمسك بالموروث القديم ، والنظريات البالية ، والإيمان بغيبيات لا وجود لها على أرض الواقع ، وأن معتقدات العجائز هي مكمن الضعف ، وأن الخلاص من كل ذلك هو منبع القوة لاسترداد الحقوق ، وطرد الاحتلال وهذا ما تدعو إليه الشيوعية ، إذ ينص دستور الاتحاد السوفيتي { لا إله والحياة مادة } كما ينص على نفي الغيبيات بقوله { أرحام تدفع وأرض تبلع } فلا حساب ولا جنة ولا نار .
فأخذ محمود درويش :
1/ يهدم كل قديم ، مهما كانت مكانته لدى الفلسطينيين وغيرهم من المسلمين ، تحقيقاً لمبدأ التلمود ( يجب علينا أن ننزع فكرة الله ذاتها من عقول الأمميين ـ الأممي من ليس يهودياً ـ ، وأن نضع مكانها عمليات حسابية وضرورات مادية )
فانقض محمود درويش على هدم كل موروث لأمة التوحيد ، بغض النظر عن حقيقته الكونية ، أو قيمته الاجتماعية ، أو مكانته الأسرية ، أو صلته بالغيبيات الثابتة الحقة ...........
2/ يقدم البديل لكل ما هدمه ، وذلك بتوسيع معاني المصطلحات الإسلامية ، وإلباسها أثوابا لم تنزل من أجلها ، باسم التجديد في الفكر الديني .
ويطلق أيتام محمود درويش على الجانبين مصطلح ( الرموز) وأن الرجل ادخل الرمزية في الشعر المعاصر .
وعند إمعان النظر في الجانب الأول نجد محمود درويش يسخر بالإله وبوجوده ، وأنه نائم لا يدري عما يجري في العالم ، رغم أنه يقال عنه إنه شرطي العالم وجَلادُه ، وإنه قديم بالٍ لا مكان له في الوجود ، وإنه يتعرى ويعشق ، وإن مريم زوجه ، وإن عيسى ابنه .
يستهزئ بقضاء الله وقدره ، ويسخر بدعاء أبيه لربه ، وبالصلاة إليه ، والصوم من أجله ، وأن الشهادة في سبيله ضرب من الوهم والخيال ، وإن كثرة أسمائه تقود إلى الجدب والقحط .
لا يُخْفِي محمود استهزاءه بالنبوة والأنبياء ، فيرميهم بكل نقيصة ، وإن وجودهم يشبه الأساطير ، وإن مكانتهم الاجتماعية لا تتعدي جسده وحذاءه ، وإن الشعر بمثابة كلام النبي ، وإن الشعراء هم الأنبياء ، وإن هذا الباب غير مغلق ، وإن الشعراء ينجبون الأنبياء .
وسخرية الرجل بالقرآن أمر غير منكر ، وأنه سبب النكبات والتخلف ، وإن الإسلام الذي جاء به القرآن قد أكل عليه الدهر وشرب ، فلا مكان له في دنيا الحياة ، لذلك تجده يكثر من نقد هذا الجانب ، ويرمز إليه بالرَمْل والمرايا والنخل ، وتلك هديته لأيتامه ليتبعوه في هدم أساس الموروث .
وفي جانب تقديم البديل ، وسد الثغرات التي أحدثها بالهدم ، تجد الرجل يوسع المفاهيم الشرعية ، ويعطيها مفاهيم لم تنزل من اجلها ، فالصلاة والصوم لا تختصان بالله ، بل يعطي أباه حق الصلاة والصوم لابنته ، لأن الإنسان مع هذا التقدم المطرد أصبح إلهاً ، فمن حقه أن يحل محل الإله الذي لا يُرى ولا ينزل ليدافع عن المظلومين .
ويوسع مفهوم العبادة فيبيح عبادة الأرض ، وعبادة الإنسان وعبادة المعشوقة ، ويصل به التوسع في المفاهيم والغايات إلى حد الإسفاف بالإنسان ، وإن خلقه غلطة ، وفي غفلة من الزمن .
ومقابل هدم الموروث الإسلامي ، وتقديم البديل المناقض للإسلام ، تجد محمود درويش يمدح الصليب ، وإن حب الوطن جاءه من أخشابه ، وإن عيسى صلب ، وإن الصلب مصدر هدايته ونوره .
وأما حبه لليهود فيظهر ذلك جلياً ، إذ لا تجد له عشيقة سوى ( ريتا )اليهودية ، فكم قصيدة أنشدها من أجلها ، وكم آلاماً قاسى للالتقاء بها ، وكم تمنى وجودها في كل لقمة يرفعها إلى فيه ، وفي كل شَربة يرفعها إلى فمه .
تلك هي الحقائق التي يصل إليها كل من يقرأ كلام محمود درويش ، ويدرس الظروف التي عاش فيها ، فلا يستطيع أحد إنكارها ، ودواوينه النبطية وكتبه النثرية شاهدة على كل ما أشرت إليه ، فليتق الله أيتامه ، وليعودوا إلى رشدهم ، فإن الحكمة ضالة المؤمن متى وجدها أخذها ، ومن ضل الطريق صباحا واهتدى إليه ليلاً لا يُعَدُّ تائها .
اللهم أهد ضال المسلمين ، وبصره بدينك إنك قوي عزيز . [/align]
تعليق