جدتي عكا بقلم : حلا بشار عبوشي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حلا بشار عبوشي
    أديب وكاتب
    • 17-01-2017
    • 3

    جدتي عكا بقلم : حلا بشار عبوشي

    في ليلة تشرينية، عندما كنت جالسة أمام المدفأة أحتسي كوباً من القهوة المرة كمرارة الصباحات ، و أستمتع بصوت الموسيقى الصادر عن مداعبة أغصان شجرة الزيتون لزجاج النافذة ، و أمتع ناظري بجدتي التي كانت جالسة على الكرسي الهزاز خاصتها منذ ساعات و تقوم بتطريز ثوب فلكلوري ، شعرت أن شيئاً غريباً يراودني ، و كأنني أشاهد فلما و أعيشه في هذه الأجواء ..
    قالت لي جدتي التي كانت قد انتبهت لشرودي : يذكرني يا ابنتي هذا الصوت بشجرة الزيتون التي كانت تزين حديقة منزلي في عكا ، كان صوتها مزعجاً لكن لم نشعر يوما بشيء سوا الراحة عند سماع صوتها ، كانت تلك الشجرة أجمل ما في الحديقة ، كنت أظنها الزهور لكنني اكتشفت ذلك بعد مغادرتي لذلك البيت ، و مغادرتي للحارة و حتى المدينة ..
    قلت - غير قاصدة تغيير الموضوع - : لمن تطرزين هذا الثوب ؟
    قالت : لي ، أم ترين أنني أصبحت أكبر من أن أرتدي الملابس المطرزة الجديدة ! طرزته لأرتديه يوم العودة يا ابنتي ، لقد خرجت من بيتي بثوبي المنزلي الممزق و حجابي المتسخ ، لكنني سأعود بثوب مطرز بألوان عزتنا و صبرنا و انتظارنا لذلك اليوم ، لأظهر للبيت أنني كنت سعيدة بلقائه عكس انكساري عند اللجوء ، سأكون عند العودة أجمل ، بالرغم من أنني قد كبرت 50 عاما ، و معالم وجهي التي كانت فاتنة تحولت لتجاعيد ..
    قلت : لكن عيناك لا تزال كما هي ، كالقهوة ، أحبها لكنها مرة ، تزداد تجاعيد وجهك لكن عيناك لا تتغير ، اللمعة ذاتها و الامل ذاته ، أتعلمين ؟ كلما نظرت لعينيك رأيت عكا ، لم أرى عكا قط لأشبه شيئا عليها ، لكن عيناك عكا ، أرى فيها مآذن تنادي : حي على الكفاح ، حي على العودة ، أرى فيها أجراس الكنائس تدق ، و أراني .. جالسة على سور عكا ، و للمرة الأولى لا أعاني من دوار البحر ..
    قالت : في ذلك اليوم تركت طبخة الملوخية على الموقد ، و خرجت دون أن أحزم أمتعتي ، دون أن آخذ ملابسنا ولا حتى دمية طفلتي ، لم أكن لأعرف أن - الاستراحة المؤقتة - كانت لتدوم ..
    قاطعتها : لكنها لن تدوم ! كنت على صواب !
    قالت - بابتسامة خيبة - : نعم ، لن تدوم ، حتما لن تدوم ..
    أردفَت سائلة - ببعض من الخجل - : اذن ، ذكريني ، ما اسمك يا ابنتي ؟
    أدركت حينها أن النسيان تمكن منها حتما ، و الزهايمر استولى على ذاكرتها ، لكن لم يقدر على تاريخنا ، مهما خانتنا الذاكرة ، لا ننسى أين خبأنا مفاتيح منازلنا إلى حين العودة ، حتى و إن أصبحت ركاماً .
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    للبيت منازل في الذّاكرة و الوجدان لا يتمكّن منها الزهايمر.
    الزهايمر مرض لكنّ النسيان خيانة، لذلك لم تنس الجدّة رغم ما أحدثته فيها الطّبيعة.
    نصّ جميل حقّا.
    أرحّب بك حلا و أشكرك على اللوحة الفلسطينية الملوّنة بالشجن و الأمل.
    خالص الودّ.
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    • أحمد الغانم
      عضو الملتقى
      • 21-10-2016
      • 185

      #3
      الاستاذة القاصة القديرة حلا بشار عبوشي
      تحية طيبة
      سعدت بقراءة نصك الذي مد خيطا سرديا جميلا
      تلبسته ذكريات سنوات طويلة لم تهرب الامال فيها
      من ذاكرة الجدة في البهجة للعودة للبيت
      التي تاخر عنها (غودو) كثيرا وانتظارها
      نتيجة المكر الدولي وخبث الاقربون
      تحياتي لك وكل الاماني الجميلة بالالق والابداع

      تعليق

      • أميمة محمد
        مشرف
        • 27-05-2015
        • 4960

        #4
        أعجبني ما قرأت حلا ومرحبا بك
        تأنقت سرديتك بواقعيتها وأحداثها فنقشت واقعيتها وصدقها بإتقان دون تكلف
        نتمنى تجدد عطاءك

        تعليق

        • عبير هلال
          أميرة الرومانسية
          • 23-06-2007
          • 6758

          #5
          أحوال البلاد
          في ليلة تشرينية، عندما كنت جالسة أمام المدفأة أحتسي كوباً من القهوة المرة كمرارة الصباحات ، و أستمتع بصوت الموسيقى الصادر عن مداعبة أغصان شجرة الزيتون لزجاج النافذة ، و أمتع ناظري بجدتي التي كانت جالسة على الكرسي الهزاز خاصتها منذ ساعات و تقوم بتطريز ثوب فلكلوري ، شعرت أن شيئاً غريباً يراودني ، و كأنني أشاهد فلما و أعيشه في هذه الأجواء ..
          قالت لي جدتي التي كانت قد انتبهت لشرودي : يذكرني يا ابنتي هذا الصوت بشجرة الزيتون التي كانت تزين حديقة منزلي في عكا ، كان صوتها مزعجا لكن لم نشعر يوما بشيء سوا الراحة عند سماع صوتها ، كانت تلك الشجرة أجمل ما في الحديقة ، كنت أظنها الزهور لكنني اكتشفت ذلك بعد مغادرتي لذلك البيت ، و مغادرتي للحارة و حتى المدينةة ..
          قلت - غير قاصدة تغيير الموضوع - : لمن تطرزين هذا الثوب ؟
          قالت : لي ، أم ترين أنني أصبحت أكبر من أن أرتدي الملابس المطرزة الجديدة ! طرزته لأرتديه يوم العودة يا ابنتي ، لقد خرجت من بيتي بثوبي المنزلي الممزق و حجابي المتسخ ، لكنني سأعود بثوب مطرز بألوان عزتنا و صبرنا و انتظارنا لذلك اليوم ، لأظهر للبيت أنني كنت سعيدة بلقائه عكس انكساري عند اللجوء ، سأكون عند العودة أجمل ، بالرغم من أنني قد كبرت 50 عاما ، و معالم وجهي التي كانت فاتنة تحولت لتجاعيد ..
          قلت : لكن عيناك لا تزال كما هي ، كالقهوة ، أحبها لكنها مرة ، تزداد تجاعيد وجهك لكن عيناك لا تتغير ، اللمعة ذاتها و الامل ذاته ، أتعلمين ؟ كلما نظرت لعينيك رأيت عكا ، لم أرى عكا قط لأشبه شيئا عليها ، لكن عيناك عكا ، أرى فيها مآذن تنادي : حي على الكفاح ، حي على العودة ، أرى فيها أجراس الكنائس تدق ، و أراني .. جالسة على سور عكا ، و للمرة الأولى لا أعاني من دوار البحر ..
          قالت : في ذلك اليوم تركت طبخة الملوخية على الموقد ، و خرجت دون أن أحزم أمتعتي ، دون أن آخذ ملابسنا ولا حتى دمية طفلتي ، لم أكن لأعرف أن - الاستراحة المؤقتة - كانت لتدوم ..
          قاطعتها : لكنها لن تدوم ! كنت على صواب !
          قالت - بابتسامة خيبة - : نعم ، لن تدوم ، حتما لن تدوم ..
          أردفَت سائلة - ببعض من الخجل - : اذن ، ذكريني ، ما اسمك يا ابنتي ؟
          أدركت حينها أن النسيان تمكن منها حتما ، و الزهايمر استولى على ذاكرتها ، لكن لم يقدر على تاريخنا ، مهما خانتنا الذاكرة ، لا ننسى أين خبأنا مفاتيح منازلنا إلى حين العودة ، حتى و إن أصبحت ركاماً .
          /

          قرأت القصة في هذا الموقع تحت مسمى قصة وعبرة فأعجبتني وكم تمنيت لو وضعوا اسم مؤلفها .








          تحياتي ومرحبا بك بيننا


          sigpic

          تعليق

          • عباس العكري
            أديب وكاتب
            • 07-07-2016
            • 139

            #6
            [aimg=borderSize=0,borderType=none,borderColor=blac k,imgAlign=none,imgWidth=,imgHeight=]https://4.bp.blogspot.com/-uI5Bs1eGZCc/WIJ9xMpXyRI/AAAAAAAAFcg/xmwhvwzA0ME5AX7YZXZ3I1ezPrQ95NHMACLcB/s1600/%25D8%25AC%25D8%25AF%25D8%25AA%25D9%258A%2B%25D8%2 5B9%25D9%2583%25D8%25A7.png[/aimg]
            التعديل الأخير تم بواسطة عباس العكري; الساعة 20-01-2017, 20:16.

            تعليق

            • عجلان أجاويد
              مشاكس و عنيد
              • 03-01-2017
              • 238

              #7
              مرحبا حلا (بهلولة) قرأت قصتك جدتي عكا في عدة مواقع وتشرفت بقراءتها في ملتقى الأدباء و المبدعين العرب سأعود لقراءتها قراءة تحليلية

              تعليق

              • حلا بشار عبوشي
                أديب وكاتب
                • 17-01-2017
                • 3

                #8
                شكراً ، شهادة أعتز بها 💜

                تعليق

                • حلا بشار عبوشي
                  أديب وكاتب
                  • 17-01-2017
                  • 3

                  #9
                  شكراً جزيلاً ❤❤❤❤
                  أسعدتني ..

                  تعليق

                  يعمل...
                  X