في النَّقد الأدبي: النّاقد أديبٌ فاشلٌ (؟!)
سبق لي أن قلت في مقالة سابقة في النّقد الأدبيِّ: النّاقد ذوّاقة: "النقد إبداع عن إبداع، و لذا فهو لا يقل أهمية عن الكتابة الفنية الأصلية، و هو كتابة جديدة للنص المنقود، لكنه، و زيادة عن شروط الكتابة الفنية، يخضع لشروط إضافية تمس الناقد ذاته أكثر مما تمس العملية النقدية، و من هنا أرى أن نركز في حديثنا على "الناقد" و ليس على النقد، و من ثمة فسيكون حديثي السريع هذا عن "الناقد" من حيث ذاتيته" اهـ، فالناقد قبل أن يكون ناقدا هو أديب بامتياز يكون قد تعاطى الكتابة الأدبية بمختلف أنواعها عموما وإن تخصص في نوع واحد أو نوعين اثنين وتفرَّغ لهما فلا بأس، والمواهب تتفاوت كما تتفاوت الأرزاق والحظوظ من الدنيا.
ولا أريد أن أدخل في شُعَب تعاريف النقد اللغوية والاصطلاحية فكتبه متوفرة وكذلك مواقعه في الشبكة العنكبية(2) العالمية، وعلى من أراد التوسع أن يرجع إليها بحثا ودراسة للاستفادة، وقد اخترت هذا التعريف: "النقد هو دراسة الأعمال الأدبية والفنون وتفسيرها وتحليلها وموازنتها بغيرها المشابه لها والكشف عما فيها من جوانب القوة والضعف والجمال والقبح ثم الحكم عليها ببيان قيمتها ودرجتها"(3) للاستئناس به في حديثنا، أما نحن هنا فنتحدث عن ممارسته وأنواعه فكما أن الأدب أنواع فكذلك النقد أنواع، فمنه النقد "العلمي" المعلَّل (بفتح اللام المضاعفة) المبرهن عليه وإن كان في وصف النقد بالعلمي نظر و... نقد؛ ومنه النقد الانطباعي الاعتباطي العفوي المرتجل كما كان يمارس في الأدب القديم الجاهلي ويمارس اليوم في المواقع "السيبيرية" في الشبكة العنكبية.
أساسُ النقد الأدبي التحليل والتعليلُ في التقويم ثم التركيب، تعليل الملاحظة وتبرير الإعجاب، فلا يُستحسن نصٌّ كله أو بعضه إلا بدليل، أو تعليل، بالإجابة عن السؤال:"لماذا هو كذلك ؟" أو "بماذا صار كذلك ؟" بعد تحليل النص إلى عناصره الأساسية، الوحدات اللغوية/الأدبية ثم إعادة تركيبه لإبراز قيمته إيجابا أو سلبا، أما إبداء الإعجاب المحض، وإن كان من حق أي قارئ، فلا يُسمَّى نقدا بالمعنى الدقيق لكلمة "نقد" وإنما هو انطباع تباع لذوق القارئ واستحسانه الشخصي، والأذواق تتفاوت بتفاوت الثقافة والتربية، ونسمي الشخصَ هنا قارئا متذوقا فقط وليس ناقدا أدبيا، ونسمي نقدَه ذاتيا وليس نقدا موضوعيا، ومن هنا وحتى يصير النقد "علميا" والناقد موضوعيا لا بد من ثقافة أدبية نظرية واسعة وممارسة إبداعية عملية طويلة إما في أنواع الأدب كلها، وهذا صعب التحقيق، وإما في نوع منها أو نوعين، كما يكون الناقد الأدبي قد استكمل أدواته من معرفة اللغة وعلومها المختلفة وفنونها المتنوعة، ومن هنا تصير العبارة "الناقد أديب فاشل" عبارة فارغة لا محمول لها ولا قيمة ولا تلزم إلا قائلها المغرور تماما كما تصير إليه العُمْلة المزيفة بالنقد المصرفي لا قيمة لها ولا تلزم إلا حاملها المخدوع؛ والقراء مع النصوص وأصحابها (الشُّخوص = جمع شخص) أربعة أصناف لا خامس لها حسب القسمة العقلية(4)، وهي:
1- قراء يحبون النص والشخص، صاحبه (+ +)؛
2- قراء يحبون النص ولا يحبون الشخص (+ -)؛
3- قراء لا يحبون النص ويحبون الشخص (- +)؛
4- قراء لا يحبون النص ولا يحبون الشخص (- -)؛ والحديث الآن هو: لماذا يحب الناس النُّصوص والشُّخوص، أهو من باب العاطفة لسبب من الأسباب الذاتية أم هو لدواعٍ موضوعية تخص قيمة النصوص وأصحابها؟ ولماذا يكرهون هذا أو ذاك؟
كما أن النقد الأدبي ليس مقصودا لذاته من أجل تشريح النصوص وتجريح الشخوص والتنفيس عن رغبة مكبوتة في تحطيم أديب أو من أجل الإنقاص من قدره، إنما هو عملية تقويمية لتقدير قيمة النص من حيث جمالياته الأدائية البلاغية والوظيفية الأخلاقية ولا علاقة له بالشخص كشخص، فالكتابة رسالة تبلغ إلى القارئين وأمانة تؤدى إلى المتلقين لترقية الأداء الأدبي نثرا وشعرا ومن هنا تظهر واجبات الإبداع الأدبي بهاءاته الثلاث: هاء الهدف، وهاء الهدوء، وهاء الهداية، فكيف تعرف هذه الهاءات الثلاث لولا تحليل النصوص ومعرفة ثقافة الشخوص وما يرمون إليه بكتاباتهم المتنوعة؟ غير أن بعض الكُتَّاب لما يرونه في أنفسهم من العظمة والقدر يأنفون من كل نقد وإن كان موضوعيا إلا نقدا يطريهم ويدغدغ نفوسهم الحساسة الرقيقة بالمدح والتنويه المبالغ فيه ومن هنا جاءت مقولتهم النكراء: "الناقد أديب فاشل" الفراغة من كل موضوع الخاوية من كل محمول، ولئن صحت هذه المقولة وهي غير صحيحة ألبتة فإن المقولة المضادة "الأديب ناقد فاشل" تصير صحيحة هي كذلك وما هي بالصحيحة أبدا.
البُليْدة، عشية يوم الثلاثاء 20 شعبان 1438 الموافق 16 مايو/أيار 2017.
____________(1) لي في الموضوع عدد من المقالات هي إلى الانطباعات الشخصية أقرب منها إلى الدراسات العلمية، منها:
-في النّقد الأدبيِّ : النّاقد ذوّاقة؛
- في النقد الأدبي: صادات النقد الخمس (بل السّبع)؛
- فيه شي غلط في الكتابة الأدبية أو ... فيَّ!. (مقالة ساخرة)؛
- جدليّة اللّغة و الفكر عند "النّاصين" سلامةً و سقامةً.
- نَصْ/ناصٌّ (خواطر عابرة).
- فن القص و فن التلفيق القصصي.
(2) نقول "العنكبية" نسبة إلى العنكبوت كما نقول حضرمي نسبة إلى حضرموت.
(3) تعريف النقد؛ وتعريف النقد - شبكة الألوكة؛ مفهوم النقد الأدبي.
(4) ينظر موضوعي:قسمة عقلية رياضية صارمة (الشُّخوص و النُّصوص).
تعليق