الـخَـنـوع
"بين الحين والحين يأتي ذكره على لسانك، ما الذي يثيرك في الرجل؟ فلا وسامة تسم ملامحه لتكحّل عينيك، ولا لطف يرصّع كلامه ليشنّف أذنيك" هكذا وجهت صفيّة كلامها المباشر هذه المرّة لزوجها الذي رجّه الإرباك، فحكّ أنفه مرّتين قبل أن يجيبها: "إنّك تتحاملين على الرّجل فهو طيّب القلب، نقيّ السّريرة، ليّن الإحساس، حتّى وإن بدت من لسانه غلظة وطبعت سلوكه بعض رعونة، فلتعلمي يا حبيبتي أنّ الإنسان لا يخلو من عيب، ولا يفوتك أن الرّجل سند ظهورنا يتدخل في الحالات العصيبة، ألا تتذكرين صنيعه مع الأرملة فاطمة؟ أنسيت أنّه من زوّجها؟ وتفضّل على بعلها بإحدى شقق العمارة."
قطّبت الزوجة جبينها: "مهلا، مهلا، كلّما قلت لك أن الرجل خبيث خبث إخوة يوسف، وإن الرجل عنيد عناد السّامري، وإنّ له لسانا طويلا يمتدّ ليد تطعمه، فيبتر البذل من جذوره ويجفّف غدران الكرم من ينابيعها، أتيت على الأرملة وخسيسها متناسيا أنه أعطى شيئا لا يخصّه. فالشقّة للّذي أمّنه عليها و ولاّه تدبير أملاكه، وقد نصّب هذا الخسيس عينا تنقل إليه صغائر الأمور قبل كبائرها، و بوقا يزخرف مكره و خداعه، ويدا خشنة تقترف ثقيل المهام. زد ادعاءك بتنزيه دواخله، وأنت العليم أننا لا نستطيع كشف السّرائر، ولا نصدّق إلا ما تكشّف من الفعال، وما بدا من الأقوال. ألا ترى أنك متورّط في محبّته فحجب عنك الهوى حموضته، وصُمّت عدالتك عن بذاءته الحاملة للأعلام، وعميت بصيرتك عن ابتزازه الدّائم."
قال الرّجل و الحشرجة تلوث قريحته، فالخرص كاد يخرسه وقد تضخم لسانه من فرط الصمت، فمال صوته عن البيان و اتّخذ الهمس ستارا: " ما بك يا امرأة؟ نحن أهل العفّة، إنّنا والله لفي عيش رغيد هنيء، نقفل بابنا في وجه الهموم والمتاعب، أقسى ما يرعبني أن تنزّ الأهوال علينا من خصاص عذريّة مشاعرك، إنّنا نرى الشّيء بعين و بالأخرى نتّقي شرّ الرؤى، ونسير على هدي القوم فإن صدحوا مستنكرين أومأنا برؤوسنا وإن سكتوا، ابتعدنا وغنّينا أغنية السّلام."
تعليق