
الحمد لله أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، قيما، ووفق الذين يتبعون أسلوبه إلى السداد دائما، الحمد لله، هو الرحمان، لا إله إلا هو سبحانه وتعالى، علَّم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان، والصلاة والسلام على أفصح العرب لسانا وأقواهم بيانا وأقصدهم خطابا وأصدقهم تعبيرا وأخصرهم حديثا.
ثم أما بعد، لعلها كانت لحظة من لحظات الإلهام تلك التي ورد فيها هذا العنوان على بالي فأثبتت الأيام صدقه وبرر الأنام صوابه فثبت أن للكلمة قوة منوِّرة تسر المحبين أو قوة مدمِّرة تضر الشانئين، وقد سبق لي عام 2009 في "قوّة الكلمة"، في بداياتي هنا في الملتقى، أن عالجت مثل هذا الموضوع، فالحمد لله الذي ألْهم عبده الجاهل كلمات أثبتت الأيام صدقها وبرر الأنام صوابها، الحمد لله.
ثم أما بعد، لا يستهين بفعالية الكلمة/الكلمات وتأثيرها في النفوس إلا جاهل بقوتها غافل عن جدواها وهي الفاعلة في صمت والمؤثرة في سكون، تصل من بعيد وتفعل ما تريد، توسوس في صدور الناس كأنها من نفث الجن أو تُلهم كأنها من وحي المَلَك وهي، في الأساس، كلمات من حروف، حروف يُلَقَّنُها الأطفال في المدارس لكنها حروف لها كمياؤها الفاعلة وإن بدت حروفا جامدة.
تلك الكمياء الفاعلة هي روح الحروف وهي نورها التي يستنير به العاقلون، أو هي نارها التي يحترق بها الجاهلون ولنا في القرآن الكريم ما يبرهن على هذا الزعم بوضوح تام، فهو، القرآن، كما يقول الله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيد}(سورة فصلت: الآية 44)، فالقرآن الكريم ذو مفعول مزدوج، فهو هدى وشفاء للمؤمنين وفي الوقت نفسه هو وقر في آذان الذين لا يؤمنون وهو عليهم عمى، نسأل الله السلامة والعافية.
وهكذا الكلمات النابعة من القلوب الصادقة تفعل مفعولها المزدوج رغما عن الكاتب، وهذا مشاهد ومَعِيش فعلا، فلا إله إلا الله محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فعلى الكاتب ذي الرسالة، الكاتب الرسالي، أن يخلص في كتابته وأن يجودها قدر استطاعته وأن يحرص الحرص كله ليكون كلامه، من خلال جُمله وعباراته وأسلوبه، قرآني المصدر إسلامي الهدف ثم لا عليه إن قبله القراء أو ردوه، فما دامت الغاية نبيلة فلا تثريب عليه بعد ذلك، والله الموفق إلى الخير.
اترك تعليق: