رصاصة واحدة لا تكفي..
المؤلف: حاتم سعيد
سنة الاصدار 2017

على جدار طاحونة عثرت على ما كنت أبحث عنه، لم أكن متأكّدا من بقائه بعد كلّ السنين التي غبت فيها عن مسقط رأسى.
مجرّد لوحة لم تعد تعنى الكثير لمن يسكنون القرية فلا أحد ينتبه إلى المكتوب لأنه قصّة قديمة من زمن الأجداد توارت تفاصيلها بين الألم والحلم.
أعترف أنّ عدّة أشياء قد تغيّرت بالبلدة التي حفظت منذ الصِّبى أركانها وزواياها، إلاّ أنّ مجرّد مشاهدة بعض التّفاصيل الصّغيرة الباقية، كان كفيلا بأن يعيد إلى مخيّلتي شريطا طويلا من الذكريات.
أجل، هذه هي اللّوحة وهذا هو الشّارع الذي تمّ اختياره لتخليد حادثة مأساويّة راح ضحيّتها بطل رفض السّكوت عن الظّلم زمن الاستعمار مطالبا مع رفاقه من العمّال بحقّهم في المساواة بينهم وبين الأجانب، فكان نصيبهم التّنكيل من قوّات محتلّة مارست الجبروت والقمع لتحمي شركاتها وتمارس عمليّة الإذلال للشّعب التونسيّ المستضعف.
هذه اللاّفتة هي تقريبا كلّ ما بقِي من ذكرى ذلك البطل الشّهيد الذي تمّ إزالة قبره مع آخرين لإيجاد مساحة واسعة تُبْنى فيها مؤسّسات دولة الاستقلال.
دولة الزّعيم القائد مؤسّس الجمهوريّة الأولى كما يسميّها الكثيرون، ذاك الرّئيس الذي قيل إنّ الشّعب اختاره ليكون حاكمه مدى الحياة، فكانت له اليد الطولى ليرسم سياسة البلاد .
لأجل ذلك ربّما، كُتِبتْ صفحاتُ النّضال باسمه والحركة التحريريّة ببصمته والإنجازات الثوريّة بعبقريّته، وكأنّ لا شيء ممّا قدّمه غيره كان يستحقُّ الذّكر أو التّخليد حتّى الذين دفعوا أرواحهم الزّكيّة من أجل الوطن.
ربّما هي سخرية القدر أن يقدّم شهيد هذه اللّوحة الماثلة أمامي روحه دفاعا عن الحقّ زمن الاستعمار، وقبره الذي وارى جسده، لبناء انجازات الاستقلال في قرية منسيّة فوق التّلال على شواطئ الشّمال.
لم يجد بناة الجمهوريّة التونسيّة في هذه القرية مكانا غير المقبرة لينبشوا أرماس الموتى ويشيّدوا مكانها المدرسة والبلدية ومركز البريد..
نحن في زمن ما بعد الثّورة على الحاكم المنقذ الذي خلف الزّعيم سنة 1987 بعد أن غادر البلاد مطرودا في 2011، إنّنا في فترة تشكيل الجمهوريّة الثّانية، ولأنّ المستقبل كما يراه الحكماء من السّياسيين لا يمكن أن ينطلق من فراغ فقد عاد هؤلاء إلى أسطورة باني الدولة الحديثة الأوّلِ كلٌّ يُفتِّت بمِعْوله ما يتماشى مع مصالحه.كم أمقتُ هذا التّاريخ الذي يكتبه أدباء البلاط، إنّه تاريخٌ لا يحمل في طيّاته نقدا ولا نظرا أو تحقيقا، يتناسى أنّ الحكّام بشرٌ يصيبون ويخطئون بل وفي كثير من الأحيان دمى تحرّكها أصابع خلف السّتار.
ذلك هو تاريخ البلدان التي تعتبر جذورها عربيّة، فهو إمّا أن يخلّد أصحاب الكراسي من الخلفاء والملوك والبايات والرّؤساء ويستلهم من جليل أعمالهم، أو يطرحهم في ركن مظلم ليحمّلهم مسؤوليّة كل ما فات، وفي المقابل يتمّ تجاهل أصحاب الرّأي من المفكّرين والأدباء والعلماء.
في مدارسنا تعلّمنا أنّ 20 مارس 1956 هو يوم الاستقلال عن الفرنسيّين ولكن الوقائع تثبت أنّ جنودهم لم يخرجوا إلا عام 1963 وحتّى بعض العقود السّخيفة المبرمة معهم لا تزال سارية لم نتخلّص منها في زمننا الحاضر، أمّا ثقافتهم فهي باقية مهيمنة على النّخبة التي ترفع شعار الثّقافة في وطننا متغلغلة في مناهج التّدريس وعديد المجالات.
هذا الإستقلال.. هل كان عن سلطة الفرنسيين أو عن البايات الذين شرّعوا لبقائهم بقوانين عهد الأمان ووثيقة الحماية؟ سؤال لم أجد من يطرحه.
لماذا لا نصارح أنفسنا أنّ ذلك التّاريخ لا يزيد عن نهاية مرحلة وبداية أخرى مع حاكم جديد مثل كلّ التواريخ التي نؤرخ بها للسلطة؟
عندما عسكر الفرنسيون يوم 12 ماي 1881 بالقرب من قصر باردو، دخل قنصلهم بكلّ بساطة ووقاحة لمقابلة محمّد الناصر باي حاملا نسختين من معاهدة معدّة سلفا ليطلب منه التّوقيع عليها، ساعات معدودة كانت كافية ليتحكّم المحتلّ الجديد بالأرض والعباد.
نصّت البنود على أنّ الاحتلال مؤقّت وأنّ القوّات ستبقى ببعض الجهات على الحدود والشواطئ التي تراها لازمة لاستتباب الأمن، وأنّ العساكر سوف ترحل عندما تكون الإدارة التّونسيّة قادرة على حفظ الرّاحة والأمن والنّظام مع الالتزام بحماية الباي وأسرته وحكمه.
لم يجد الباي حرجا في الامضاء على تلك الإتّفاقيّة بل أصبح مباشرة حريصا على قتال من لم يكن راضيا بوجود تلك الجيوش الغريبة متجاهلا معارضة شعبه الذي هبّ في كلّ مكان إلى مقاومة المحتلّ.
عندما مرّت السّنوات وتبيّن للتّونسيّين زيف الوعود الفرنسيّة وأنّ جنودها باقون في البلاد بقاء الإحتلال الدّائم جنبا إلى جنب مع البايات لا أحد منهما يعمل على إحراج الآخر، انتهت مدّة الصّلوحية لتلك المعاهدة ليتقرّر استبدالها بصيغة جديدة لا يتمّ بموجبها محاكمة المحتلّ عن جرائمه أو مطالبته بالتّعويض ولا تحميل البايات مسؤوليّة التّقصير. وهكذا، تمّ الاختيار على مجموعة الزّعيم التي يبدو أنّها قدّمت التنازلات المناسبة ليستقرّ عليها عرض السّلطة.
مجرّد اتّفاق شكليّ مع وجوه سياسيّة مغايرة بغطاء الاستقلال لمستقبل يعرفون أنّه قادم لا محالة يقطع مع الماضي ويبني علاقة من الإخاء والصّداقة ونسيان ما فات لأنّ الشّعب التونسيّ على مرّ التّاريخ متسامح إلى حدّ النّخاع مع الغرباء.
ذلك هو التّاريخ كما لا يريد المؤرّخون أن نقرأه، نسخة طبق الأصل منذ أسطورة قرطاج وسطوة الرّومان إلى الفتح العربي والوجود العثمانيّ.
في كلّ مرّة تتدخل قوّة عسكريّة لتهيمن على البلاد وتعيّن من يواليها ويضمن مصالحها.
ولدت بعد توقيع معاهدة الاستقلال بربع قرن ولم أشهد من الفترة الاستعماريّة شيئا، ولكنّني تعلّمت حين دخلت المدرسة الابتدائية بالقرية أنّ اللون الأحمر في علم البلاد يرمز إلى دماء الشهداء وأنّ الموت واجب مقدّس لأجل الوطن وحمايته من الأعداء والغرباء ولكنّني لم أفهم كيف حُكمت هذه البلاد على مرّ العقود السّالفة من الأجانب؟.
كان أخي الأكبر عثمان من بين نخبة المعلّمين في تلك المدرسة وقد اشتهر في الوسط التربوي عند عودته من قرية تاجروين الحدوديّة مع الجزائر "بالعفيف".
أذكر أنّني حين زرته في تلك البلدة قام بمرافقتي في جولة إلى ساقيــة سيدي يوسف وقصّ على مسامعي أحداث ملحمة استشهاد الأشقاء من تونس والجزائر إثر عدوان الجيوش الفرنسية.
كانت مجزرة وحشيّة راح ضحيّتها أعداد هائلة من الأبرياء العـزّل، ففي يوم الثامن من شهر فيفري 1958 أغارت أسراب الطائرات على القرية الحدوديّة لتخلّف تحت الأنقاض أكثر من مائة وثلاثين شخصا وأربعمائة جريح وأشلاء من الجثث المتناثرة في الطّرقات.
كانت الذريعة الوحيدة لهذه الحرب، حقّ ملاحقة ومطاردة الثوّار الجزائريين واستقبال القرية الحدوديّة للمرضى والمصابين من اللاجئين الفارّين من أتون الحرب الدائرة بين جيش التحرير الجزائري والمستعمر الفرنسيّ دون احترام لسيادة البلاد التونسيّة المستقلة سنة 1956 .
لم يكن هذا الهجوم أول خرق للتّراب التّونسيّ، ولا أوّل صدام مع الجيش الفرنسيّ، بل كان حسب المصادر التونسية الاعتداء الرابع والثمانين، وقد تمّ فيه تهديم جزء كبير من بنايات القرية كالمنازل والمتاجر والمدارس، وكان أكثر الضحايا أطفال وتلاميذ.
كل هذا جعلني أشعر منذ الصّغر بالنقمة تجاه فرنسا وجنودها وتعزّز ذلك الشّعور بعد أن أخبرني أخي عن معارك تحرير بنزرت وأعداد القتلى والجرحى من المواطنين العزّل.
المؤلف: حاتم سعيد
سنة الاصدار 2017

على جدار طاحونة عثرت على ما كنت أبحث عنه، لم أكن متأكّدا من بقائه بعد كلّ السنين التي غبت فيها عن مسقط رأسى.
مجرّد لوحة لم تعد تعنى الكثير لمن يسكنون القرية فلا أحد ينتبه إلى المكتوب لأنه قصّة قديمة من زمن الأجداد توارت تفاصيلها بين الألم والحلم.
أعترف أنّ عدّة أشياء قد تغيّرت بالبلدة التي حفظت منذ الصِّبى أركانها وزواياها، إلاّ أنّ مجرّد مشاهدة بعض التّفاصيل الصّغيرة الباقية، كان كفيلا بأن يعيد إلى مخيّلتي شريطا طويلا من الذكريات.
أجل، هذه هي اللّوحة وهذا هو الشّارع الذي تمّ اختياره لتخليد حادثة مأساويّة راح ضحيّتها بطل رفض السّكوت عن الظّلم زمن الاستعمار مطالبا مع رفاقه من العمّال بحقّهم في المساواة بينهم وبين الأجانب، فكان نصيبهم التّنكيل من قوّات محتلّة مارست الجبروت والقمع لتحمي شركاتها وتمارس عمليّة الإذلال للشّعب التونسيّ المستضعف.
هذه اللاّفتة هي تقريبا كلّ ما بقِي من ذكرى ذلك البطل الشّهيد الذي تمّ إزالة قبره مع آخرين لإيجاد مساحة واسعة تُبْنى فيها مؤسّسات دولة الاستقلال.
دولة الزّعيم القائد مؤسّس الجمهوريّة الأولى كما يسميّها الكثيرون، ذاك الرّئيس الذي قيل إنّ الشّعب اختاره ليكون حاكمه مدى الحياة، فكانت له اليد الطولى ليرسم سياسة البلاد .
لأجل ذلك ربّما، كُتِبتْ صفحاتُ النّضال باسمه والحركة التحريريّة ببصمته والإنجازات الثوريّة بعبقريّته، وكأنّ لا شيء ممّا قدّمه غيره كان يستحقُّ الذّكر أو التّخليد حتّى الذين دفعوا أرواحهم الزّكيّة من أجل الوطن.
ربّما هي سخرية القدر أن يقدّم شهيد هذه اللّوحة الماثلة أمامي روحه دفاعا عن الحقّ زمن الاستعمار، وقبره الذي وارى جسده، لبناء انجازات الاستقلال في قرية منسيّة فوق التّلال على شواطئ الشّمال.
لم يجد بناة الجمهوريّة التونسيّة في هذه القرية مكانا غير المقبرة لينبشوا أرماس الموتى ويشيّدوا مكانها المدرسة والبلدية ومركز البريد..
نحن في زمن ما بعد الثّورة على الحاكم المنقذ الذي خلف الزّعيم سنة 1987 بعد أن غادر البلاد مطرودا في 2011، إنّنا في فترة تشكيل الجمهوريّة الثّانية، ولأنّ المستقبل كما يراه الحكماء من السّياسيين لا يمكن أن ينطلق من فراغ فقد عاد هؤلاء إلى أسطورة باني الدولة الحديثة الأوّلِ كلٌّ يُفتِّت بمِعْوله ما يتماشى مع مصالحه.كم أمقتُ هذا التّاريخ الذي يكتبه أدباء البلاط، إنّه تاريخٌ لا يحمل في طيّاته نقدا ولا نظرا أو تحقيقا، يتناسى أنّ الحكّام بشرٌ يصيبون ويخطئون بل وفي كثير من الأحيان دمى تحرّكها أصابع خلف السّتار.
ذلك هو تاريخ البلدان التي تعتبر جذورها عربيّة، فهو إمّا أن يخلّد أصحاب الكراسي من الخلفاء والملوك والبايات والرّؤساء ويستلهم من جليل أعمالهم، أو يطرحهم في ركن مظلم ليحمّلهم مسؤوليّة كل ما فات، وفي المقابل يتمّ تجاهل أصحاب الرّأي من المفكّرين والأدباء والعلماء.
في مدارسنا تعلّمنا أنّ 20 مارس 1956 هو يوم الاستقلال عن الفرنسيّين ولكن الوقائع تثبت أنّ جنودهم لم يخرجوا إلا عام 1963 وحتّى بعض العقود السّخيفة المبرمة معهم لا تزال سارية لم نتخلّص منها في زمننا الحاضر، أمّا ثقافتهم فهي باقية مهيمنة على النّخبة التي ترفع شعار الثّقافة في وطننا متغلغلة في مناهج التّدريس وعديد المجالات.
هذا الإستقلال.. هل كان عن سلطة الفرنسيين أو عن البايات الذين شرّعوا لبقائهم بقوانين عهد الأمان ووثيقة الحماية؟ سؤال لم أجد من يطرحه.
لماذا لا نصارح أنفسنا أنّ ذلك التّاريخ لا يزيد عن نهاية مرحلة وبداية أخرى مع حاكم جديد مثل كلّ التواريخ التي نؤرخ بها للسلطة؟
عندما عسكر الفرنسيون يوم 12 ماي 1881 بالقرب من قصر باردو، دخل قنصلهم بكلّ بساطة ووقاحة لمقابلة محمّد الناصر باي حاملا نسختين من معاهدة معدّة سلفا ليطلب منه التّوقيع عليها، ساعات معدودة كانت كافية ليتحكّم المحتلّ الجديد بالأرض والعباد.
نصّت البنود على أنّ الاحتلال مؤقّت وأنّ القوّات ستبقى ببعض الجهات على الحدود والشواطئ التي تراها لازمة لاستتباب الأمن، وأنّ العساكر سوف ترحل عندما تكون الإدارة التّونسيّة قادرة على حفظ الرّاحة والأمن والنّظام مع الالتزام بحماية الباي وأسرته وحكمه.
لم يجد الباي حرجا في الامضاء على تلك الإتّفاقيّة بل أصبح مباشرة حريصا على قتال من لم يكن راضيا بوجود تلك الجيوش الغريبة متجاهلا معارضة شعبه الذي هبّ في كلّ مكان إلى مقاومة المحتلّ.
عندما مرّت السّنوات وتبيّن للتّونسيّين زيف الوعود الفرنسيّة وأنّ جنودها باقون في البلاد بقاء الإحتلال الدّائم جنبا إلى جنب مع البايات لا أحد منهما يعمل على إحراج الآخر، انتهت مدّة الصّلوحية لتلك المعاهدة ليتقرّر استبدالها بصيغة جديدة لا يتمّ بموجبها محاكمة المحتلّ عن جرائمه أو مطالبته بالتّعويض ولا تحميل البايات مسؤوليّة التّقصير. وهكذا، تمّ الاختيار على مجموعة الزّعيم التي يبدو أنّها قدّمت التنازلات المناسبة ليستقرّ عليها عرض السّلطة.
مجرّد اتّفاق شكليّ مع وجوه سياسيّة مغايرة بغطاء الاستقلال لمستقبل يعرفون أنّه قادم لا محالة يقطع مع الماضي ويبني علاقة من الإخاء والصّداقة ونسيان ما فات لأنّ الشّعب التونسيّ على مرّ التّاريخ متسامح إلى حدّ النّخاع مع الغرباء.
ذلك هو التّاريخ كما لا يريد المؤرّخون أن نقرأه، نسخة طبق الأصل منذ أسطورة قرطاج وسطوة الرّومان إلى الفتح العربي والوجود العثمانيّ.
في كلّ مرّة تتدخل قوّة عسكريّة لتهيمن على البلاد وتعيّن من يواليها ويضمن مصالحها.
ولدت بعد توقيع معاهدة الاستقلال بربع قرن ولم أشهد من الفترة الاستعماريّة شيئا، ولكنّني تعلّمت حين دخلت المدرسة الابتدائية بالقرية أنّ اللون الأحمر في علم البلاد يرمز إلى دماء الشهداء وأنّ الموت واجب مقدّس لأجل الوطن وحمايته من الأعداء والغرباء ولكنّني لم أفهم كيف حُكمت هذه البلاد على مرّ العقود السّالفة من الأجانب؟.
كان أخي الأكبر عثمان من بين نخبة المعلّمين في تلك المدرسة وقد اشتهر في الوسط التربوي عند عودته من قرية تاجروين الحدوديّة مع الجزائر "بالعفيف".
أذكر أنّني حين زرته في تلك البلدة قام بمرافقتي في جولة إلى ساقيــة سيدي يوسف وقصّ على مسامعي أحداث ملحمة استشهاد الأشقاء من تونس والجزائر إثر عدوان الجيوش الفرنسية.
كانت مجزرة وحشيّة راح ضحيّتها أعداد هائلة من الأبرياء العـزّل، ففي يوم الثامن من شهر فيفري 1958 أغارت أسراب الطائرات على القرية الحدوديّة لتخلّف تحت الأنقاض أكثر من مائة وثلاثين شخصا وأربعمائة جريح وأشلاء من الجثث المتناثرة في الطّرقات.
كانت الذريعة الوحيدة لهذه الحرب، حقّ ملاحقة ومطاردة الثوّار الجزائريين واستقبال القرية الحدوديّة للمرضى والمصابين من اللاجئين الفارّين من أتون الحرب الدائرة بين جيش التحرير الجزائري والمستعمر الفرنسيّ دون احترام لسيادة البلاد التونسيّة المستقلة سنة 1956 .
لم يكن هذا الهجوم أول خرق للتّراب التّونسيّ، ولا أوّل صدام مع الجيش الفرنسيّ، بل كان حسب المصادر التونسية الاعتداء الرابع والثمانين، وقد تمّ فيه تهديم جزء كبير من بنايات القرية كالمنازل والمتاجر والمدارس، وكان أكثر الضحايا أطفال وتلاميذ.
كل هذا جعلني أشعر منذ الصّغر بالنقمة تجاه فرنسا وجنودها وتعزّز ذلك الشّعور بعد أن أخبرني أخي عن معارك تحرير بنزرت وأعداد القتلى والجرحى من المواطنين العزّل.
تعليق