مقتطفات من روايتي الجديدة " رصاصة واحدة لا تكفي.."

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حاتم سعيد
    رئيس ملتقى فرعي
    • 02-10-2013
    • 1180

    مقتطفات من روايتي الجديدة " رصاصة واحدة لا تكفي.."

    رصاصة واحدة لا تكفي..
    المؤلف: حاتم سعيد
    سنة الاصدار 2017

    Log into Facebook to start sharing and connecting with your friends, family, and people you know.



    على جدار طاحونة عثرت على ما كنت أبحث عنه، لم أكن متأكّدا من بقائه بعد كلّ السنين التي غبت فيها عن مسقط رأسى.
    مجرّد لوحة لم تعد تعنى الكثير لمن يسكنون القرية فلا أحد ينتبه إلى المكتوب لأنه قصّة قديمة من زمن الأجداد توارت تفاصيلها بين الألم والحلم.
    أعترف أنّ عدّة أشياء قد تغيّرت بالبلدة التي حفظت منذ الصِّبى أركانها وزواياها، إلاّ أنّ مجرّد مشاهدة بعض التّفاصيل الصّغيرة الباقية، كان كفيلا بأن يعيد إلى مخيّلتي شريطا طويلا من الذكريات.
    أجل، هذه هي اللّوحة وهذا هو الشّارع الذي تمّ اختياره لتخليد حادثة مأساويّة راح ضحيّتها بطل رفض السّكوت عن الظّلم زمن الاستعمار مطالبا مع رفاقه من العمّال بحقّهم في المساواة بينهم وبين الأجانب، فكان نصيبهم التّنكيل من قوّات محتلّة مارست الجبروت والقمع لتحمي شركاتها وتمارس عمليّة الإذلال للشّعب التونسيّ المستضعف.
    هذه اللاّفتة هي تقريبا كلّ ما بقِي من ذكرى ذلك البطل الشّهيد الذي تمّ إزالة قبره مع آخرين لإيجاد مساحة واسعة تُبْنى فيها مؤسّسات دولة الاستقلال.
    دولة الزّعيم القائد مؤسّس الجمهوريّة الأولى كما يسميّها الكثيرون، ذاك الرّئيس الذي قيل إنّ الشّعب اختاره ليكون حاكمه مدى الحياة، فكانت له اليد الطولى ليرسم سياسة البلاد .
    لأجل ذلك ربّما، كُتِبتْ صفحاتُ النّضال باسمه والحركة التحريريّة ببصمته والإنجازات الثوريّة بعبقريّته، وكأنّ لا شيء ممّا قدّمه غيره كان يستحقُّ الذّكر أو التّخليد حتّى الذين دفعوا أرواحهم الزّكيّة من أجل الوطن.
    ربّما هي سخرية القدر أن يقدّم شهيد هذه اللّوحة الماثلة أمامي روحه دفاعا عن الحقّ زمن الاستعمار، وقبره الذي وارى جسده، لبناء انجازات الاستقلال في قرية منسيّة فوق التّلال على شواطئ الشّمال.
    لم يجد بناة الجمهوريّة التونسيّة في هذه القرية مكانا غير المقبرة لينبشوا أرماس الموتى ويشيّدوا مكانها المدرسة والبلدية ومركز البريد..
    نحن في زمن ما بعد الثّورة على الحاكم المنقذ الذي خلف الزّعيم سنة 1987 بعد أن غادر البلاد مطرودا في 2011، إنّنا في فترة تشكيل الجمهوريّة الثّانية، ولأنّ المستقبل كما يراه الحكماء من السّياسيين لا يمكن أن ينطلق من فراغ فقد عاد هؤلاء إلى أسطورة باني الدولة الحديثة الأوّلِ كلٌّ يُفتِّت بمِعْوله ما يتماشى مع مصالحه.كم أمقتُ هذا التّاريخ الذي يكتبه أدباء البلاط، إنّه تاريخٌ لا يحمل في طيّاته نقدا ولا نظرا أو تحقيقا، يتناسى أنّ الحكّام بشرٌ يصيبون ويخطئون بل وفي كثير من الأحيان دمى تحرّكها أصابع خلف السّتار.
    ذلك هو تاريخ البلدان التي تعتبر جذورها عربيّة، فهو إمّا أن يخلّد أصحاب الكراسي من الخلفاء والملوك والبايات والرّؤساء ويستلهم من جليل أعمالهم، أو يطرحهم في ركن مظلم ليحمّلهم مسؤوليّة كل ما فات، وفي المقابل يتمّ تجاهل أصحاب الرّأي من المفكّرين والأدباء والعلماء.
    في مدارسنا تعلّمنا أنّ 20 مارس 1956 هو يوم الاستقلال عن الفرنسيّين ولكن الوقائع تثبت أنّ جنودهم لم يخرجوا إلا عام 1963 وحتّى بعض العقود السّخيفة المبرمة معهم لا تزال سارية لم نتخلّص منها في زمننا الحاضر، أمّا ثقافتهم فهي باقية مهيمنة على النّخبة التي ترفع شعار الثّقافة في وطننا متغلغلة في مناهج التّدريس وعديد المجالات.
    هذا الإستقلال.. هل كان عن سلطة الفرنسيين أو عن البايات الذين شرّعوا لبقائهم بقوانين عهد الأمان ووثيقة الحماية؟ سؤال لم أجد من يطرحه.
    لماذا لا نصارح أنفسنا أنّ ذلك التّاريخ لا يزيد عن نهاية مرحلة وبداية أخرى مع حاكم جديد مثل كلّ التواريخ التي نؤرخ بها للسلطة؟
    عندما عسكر الفرنسيون يوم 12 ماي 1881 بالقرب من قصر باردو، دخل قنصلهم بكلّ بساطة ووقاحة لمقابلة محمّد الناصر باي حاملا نسختين من معاهدة معدّة سلفا ليطلب منه التّوقيع عليها، ساعات معدودة كانت كافية ليتحكّم المحتلّ الجديد بالأرض والعباد.
    نصّت البنود على أنّ الاحتلال مؤقّت وأنّ القوّات ستبقى ببعض الجهات على الحدود والشواطئ التي تراها لازمة لاستتباب الأمن، وأنّ العساكر سوف ترحل عندما تكون الإدارة التّونسيّة قادرة على حفظ الرّاحة والأمن والنّظام مع الالتزام بحماية الباي وأسرته وحكمه.
    لم يجد الباي حرجا في الامضاء على تلك الإتّفاقيّة بل أصبح مباشرة حريصا على قتال من لم يكن راضيا بوجود تلك الجيوش الغريبة متجاهلا معارضة شعبه الذي هبّ في كلّ مكان إلى مقاومة المحتلّ.

    عندما مرّت السّنوات وتبيّن للتّونسيّين زيف الوعود الفرنسيّة وأنّ جنودها باقون في البلاد بقاء الإحتلال الدّائم جنبا إلى جنب مع البايات لا أحد منهما يعمل على إحراج الآخر، انتهت مدّة الصّلوحية لتلك المعاهدة ليتقرّر استبدالها بصيغة جديدة لا يتمّ بموجبها محاكمة المحتلّ عن جرائمه أو مطالبته بالتّعويض ولا تحميل البايات مسؤوليّة التّقصير. وهكذا، تمّ الاختيار على مجموعة الزّعيم التي يبدو أنّها قدّمت التنازلات المناسبة ليستقرّ عليها عرض السّلطة.
    مجرّد اتّفاق شكليّ مع وجوه سياسيّة مغايرة بغطاء الاستقلال لمستقبل يعرفون أنّه قادم لا محالة يقطع مع الماضي ويبني علاقة من الإخاء والصّداقة ونسيان ما فات لأنّ الشّعب التونسيّ على مرّ التّاريخ متسامح إلى حدّ النّخاع مع الغرباء.
    ذلك هو التّاريخ كما لا يريد المؤرّخون أن نقرأه، نسخة طبق الأصل منذ أسطورة قرطاج وسطوة الرّومان إلى الفتح العربي والوجود العثمانيّ.
    في كلّ مرّة تتدخل قوّة عسكريّة لتهيمن على البلاد وتعيّن من يواليها ويضمن مصالحها.
    ولدت بعد توقيع معاهدة الاستقلال بربع قرن ولم أشهد من الفترة الاستعماريّة شيئا، ولكنّني تعلّمت حين دخلت المدرسة الابتدائية بالقرية أنّ اللون الأحمر في علم البلاد يرمز إلى دماء الشهداء وأنّ الموت واجب مقدّس لأجل الوطن وحمايته من الأعداء والغرباء ولكنّني لم أفهم كيف حُكمت هذه البلاد على مرّ العقود السّالفة من الأجانب؟.
    كان أخي الأكبر عثمان من بين نخبة المعلّمين في تلك المدرسة وقد اشتهر في الوسط التربوي عند عودته من قرية تاجروين الحدوديّة مع الجزائر "بالعفيف".
    أذكر أنّني حين زرته في تلك البلدة قام بمرافقتي في جولة إلى ساقيــة سيدي يوسف وقصّ على مسامعي أحداث ملحمة استشهاد الأشقاء من تونس والجزائر إثر عدوان الجيوش الفرنسية.
    كانت مجزرة وحشيّة راح ضحيّتها أعداد هائلة من الأبرياء العـزّل، ففي يوم الثامن من شهر فيفري 1958 أغارت أسراب الطائرات على القرية الحدوديّة لتخلّف تحت الأنقاض أكثر من مائة وثلاثين شخصا وأربعمائة جريح وأشلاء من الجثث المتناثرة في الطّرقات.
    كانت الذريعة الوحيدة لهذه الحرب، حقّ ملاحقة ومطاردة الثوّار الجزائريين واستقبال القرية الحدوديّة للمرضى والمصابين من اللاجئين الفارّين من أتون الحرب الدائرة بين جيش التحرير الجزائري والمستعمر الفرنسيّ دون احترام لسيادة البلاد التونسيّة المستقلة سنة 1956 .
    لم يكن هذا الهجوم أول خرق للتّراب التّونسيّ، ولا أوّل صدام مع الجيش الفرنسيّ، بل كان حسب المصادر التونسية الاعتداء الرابع والثمانين، وقد تمّ فيه تهديم جزء كبير من بنايات القرية كالمنازل والمتاجر والمدارس، وكان أكثر الضحايا أطفال وتلاميذ.
    كل هذا جعلني أشعر منذ الصّغر بالنقمة تجاه فرنسا وجنودها وتعزّز ذلك الشّعور بعد أن أخبرني أخي عن معارك تحرير بنزرت وأعداد القتلى والجرحى من المواطنين العزّل.

    من أقوال الامام علي عليه السلام

    (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
    حملت طيباً)

    محمد نجيب بلحاج حسين
    أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
    نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

  • منيره الفهري
    مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
    • 21-12-2010
    • 9870

    #2
    رااائعة بكل المقاييس
    الأستاذ الباحث التونسي الكبير
    و الأخ العزيز
    حاتم سعيد أبو هادي
    مبروووك الاصدار الجديد..ألف مبروك
    أعجبني جدااا ما قرات هنا...حتى أقرأ الرواية كاملة ان شاء الله
    مزيدا مز الألق و التميز
    تحياتي و كل التقدير

    تعليق

    • المختار محمد الدرعي
      مستشار أدبي. نائب رئيس ملتقى الترجمة
      • 15-04-2011
      • 4257

      #3
      أنت تعيد كتابة التاريخ و تعيد الحق لأصحابه و هم في القبور
      كم نحن بحاجة إلى إعادة كتابة تارخينا المجيد
      و تنقيته من الزيف و الخداع ...
      هل يعقل أن يكافح بورقيبة لوحده و يأتي بالإستقلال بمفرده ؟؟
      ثم نؤمن بمقولة أنه من (جاب الصيد من وذنه)
      هل يعقل أن يصمت مؤرخينا في تونس مثل الأستاذ هادي سعيد و غيره
      إزاء هذا التنكر لمن خدموا البلاد و ضحوا بأرواحهم من أجل استقلالها ؟؟
      هل يعقل أن تسرق أقلام مؤرخي و كتاب السلطة زمن الإستقلال نضالات الشعب التونسي بأكمله و تمنحه لشخص الحبيب بورقيبة ؟؟
      إنها المهزلة لو لم يتحرك أهل الإختصاص لكتابة التاريخ من جديد و إعادة الحق لأصحابه ....
      أمتعتنا و أحييت فينا روح الوطنية أستاذ هادي
      خالص ودي و تقديري
      [youtube]8TY1bD6WxLg[/youtube]
      الابتسامة كلمة طيبة بغير حروف



      تعليق

      • حاتم سعيد
        رئيس ملتقى فرعي
        • 02-10-2013
        • 1180

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة منيره الفهري مشاهدة المشاركة
        رااائعة بكل المقاييس
        الأخ العزيز
        حاتم سعيد أبو هادي
        مبروووك الاصدار الجديد..ألف مبروك
        أعجبني جدااا ما قرات هنا...حتى أقرأ الرواية كاملة ان شاء الله
        مزيدا مز الألق و التميز
        تحياتي و كل التقدير
        أختي وسيّدتي وأستاذة الأجيال العزيزة "منيرة الفهريّة" كم أسعدتني مرورك الطيّب واستمتاعك بمقدّمة الرّواية الجديدة.
        الرّواية في طريقها إلى الطبع وستصلك نسختك إن شاء الله قريبا، وهذا ما يشفع لي غيابي الطويل عنكم.
        تحيّتي إلى جميع الأصدقاء.

        من أقوال الامام علي عليه السلام

        (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
        حملت طيباً)

        محمد نجيب بلحاج حسين
        أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
        نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

        تعليق

        • حاتم سعيد
          رئيس ملتقى فرعي
          • 02-10-2013
          • 1180

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة المختار محمد الدرعي مشاهدة المشاركة
          أنت تعيد كتابة التاريخ و تعيد الحق لأصحابه و هم في القبور
          كم نحن بحاجة إلى إعادة كتابة تارخينا المجيد و تنقيته من الزيف و الخداع ...
          هل يعقل أن يكافح بورقيبة لوحده و يأتي بالإستقلال بمفرده ؟؟
          ثم نؤمن بمقولة أنه من (جاب الصيد من وذنه)
          خالص ودي و تقديري
          أخي الرّائع وأستاذي المحترم المختار محمّد الدرعي:
          صحيح (نحن بحاجة إلى إعادة كتابة تارخينا المجيد و تنقيته من الزيف و الخداع ..) بكل أسف، التاريخ لا ينصف الجميع وهو يتحوّل في كثير من الأحيان إلى كتب تمجيد لبعض الشخصيّات التي تعتلي كرسيّ السلطة.
          رغم أنّ العمل الجديد يحمل طابع الرّواية فقد كتبته بنفس تاريخيّ وهي مجّرد محاولة أتمنّى أن يجد فيها القارئ كتابة مختلفة لما تعوّد على سماعه.
          جزيل الشكر أخي المختار

          من أقوال الامام علي عليه السلام

          (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
          حملت طيباً)

          محمد نجيب بلحاج حسين
          أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
          نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

          تعليق

          • حاتم سعيد
            رئيس ملتقى فرعي
            • 02-10-2013
            • 1180

            #6
            مقتطفات من الحوار الذي أجرته معي الصّحفيّة رشيدة الشارني حول الرّواية:

            منارات: ـ اخترت أن تنقل ولعك بالتاريخ إلى الرّواية من خلال عملك الأخير "رصاصة واحدة لا تكفي " لماذا هذا التحوّل المفاجئ ؟

            الكاتب: -الرّواية يمكن أن تكون شكلا آخر من أشكال الكتابة التاريخيّة وميزتها أنّها تمنح الكاتب أفقا أرحب للإبداع بما تقدّمه من إمكانيّة للتّخيّل من خلال قراءة ما وراء السّطور وهذا ما عملت عليه.
            "رصاصة واحدة لا تكفي" رواية تحملك بين الحاضر والماضي لتقدّم ما أصبحنا عليه وما كنّا نعيشه من خلال التعريف بحادثة 2 أوت 1937 التي تمثّل استشهاد بطل من أبطال تونس، فالأحداث التاريخيّة حقيقيّة والكثير من الشّخصيّات كان لهم وجود فعليّ، ولكن لم تتناولهم صفحات التاريخ. حاولت أن أعود بخيالي إلى ذلك الماضي لأرسمه من جديد وأقدّمه للقارئ ليقارن بين الأزمنة ويتساءل عن أسرار الحياة والموت وتطوّر المجتمعات وهذا ما تفتقده بشكل مباشر كتب التاريخ التي تثبت الوقائع ولا تنبش في الأسباب الموضوعيّة.

            منارات: ـ يقف هذا العمل عند محطات نضالية رائدة للعمل النقابي ويتعرّض لحادثة 2 أوت 1937 واستشهاد البشير بن سعيد..هل تعتقد (بالرجوع إلى هذه الأحداث) أن التاريخ تصنعه الجماعات أيضا ؟

            الكاتب:-الجماعات لا تصنع التاريخ ولكنّها تقتنص ما يصنعه الأفراد فتلبس نفسها حلّة النضال، الجماعة يمكن أن تكون الاطار والشّكل والرّؤية ولكنّ القائد الذي يخوض التّجربة يكون مدفوعا بما يؤمن به شخصه لأنّ من يتعرّض للموقف لا يمكن أن يكون مثل الجالس على الرّبوة ويقوم بالتنظير.

            منارات: ـ تعتبر الرّواية التاريخية من أصعب الفنون، ما هي الشّروط الضّرورية لكتابتها حسب رأيك ؟

            الكاتب:- الرّواية التاريخية، هي ذلك الموروث الشفويّ المسكوت عنه، وتلك المشاعر والعلاقات الانسانيّة بين أفراد المجتمع الواحد التي ترسمها مخيّلة الكاتب. الرّواية التاريخيّة أيضا، هي روح التاريخ لأنها تمنحه الحركيّة والايقاع والمعاصرة، والكاتب ضمن الرّواية التاريخيّة قد يتكلّم بلسان شخصيّاته ليوصل أفكارهم إلى أجيال لم تعرف عنهم شيئا، وهذا ما يعطي العمل بعدا يتجاوز الزّمان والمكان. أمّا الشّروط فلا يمكنني أن أضع شرطا غير الصّدق في الكتابة لأنّ من يطالع الرّواية التاريخيّة سيحكم على الشخوص المتحدّث عنها من خلال ما وصفه الكاتب. دور الرّوائيّ نقل مواقف شخصيّاته دون التعبير عن انطباعه وهذا الدّور يصبح صعبا إذا كان مشاركا في الأحداث ويتناول قضيّة الوطن أمام من يريد استباحته.

            من أقوال الامام علي عليه السلام

            (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
            حملت طيباً)

            محمد نجيب بلحاج حسين
            أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
            نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

            تعليق

            • محمد نجيب بلحاج حسين
              مدير عام
              • 09-10-2008
              • 619

              #7
              مبروك الرواية الجديدة أستاذ حاتم سعيد
              و كم نحتاج كتابة التاريخ من جديد
              أخوك محمد نجيب
              [align=center]محمد نجيب بلحاج حسين
              الميدة - تونس[/align]

              تعليق

              • حاتم سعيد
                رئيس ملتقى فرعي
                • 02-10-2013
                • 1180

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة محمد نجيب بلحاج حسين مشاهدة المشاركة
                مبروك الرواية الجديدة أستاذ حاتم سعيد
                و كم نحتاج كتابة التاريخ من جديد
                أخوك محمد نجيب
                أخي العزيز محمّد نجيب أشكر لك مرورك الكريم على هذا المتصفّح والمقتطف من روايتي الجديدة، سعدت بوجودك وكلماتك الطيّبة
                شكرا جزيلا، البعض يخاف من قراءتنا للتاريخ خاصّة إذا أعلنوا ضمنيّا أنّ ما كتب لا يحتاج إلى تساؤل أو نقاش أو معارضة وكأنّ التاريخ يتحوّل ضمنيّا إلى نص دينيّ وجب عدم التلاعب بمحتوياته وأنا لا أرى حرجا في ذلك لأنّ الحقيقة تغيب في كثير من الأحيان تحت أكوام التراب ولكنّها تظهر للعيان إذا تعلّقت همتنا بمعرفتها.
                الذين كتبوا التاريخ أخي الكريم كانوا أحببنا أم كرهنا ممّن انتخبتهم السلطة لفعل ذلك وإلاّ لما وجدوا سبيلا لفعل ذلك، نحن نعلم جميعا أن عديد الآثار قد نهبت وحرّفت وحرّقت بسبب الحروب التي كان قادتها لا يؤمنون باختلاف الرّأي، وهكذا فكل رابح يسعى إلى جعل حكمه عنوان مجد وافتخار وما قبله عنوان تخلّف وجهل..
                دمت رفيقا وصديقا

                من أقوال الامام علي عليه السلام

                (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
                حملت طيباً)

                محمد نجيب بلحاج حسين
                أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
                نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

                تعليق

                • حاتم سعيد
                  رئيس ملتقى فرعي
                  • 02-10-2013
                  • 1180

                  #9
                  رصاصة واحدة لا تكفي..عاش رجلا ومات بطلا.
                  مختارات من الرّواية
                  شغل أخي أيضا في تلك الفترة خطّة رئيس اللجنة الثقافيّة فشجّعني كثيرا على المطالعة وتلخيص القصص في المكتبة العموميّة التي ضمّت كتب الصّغار والكبار وأطلق عليّ لقب "الفيلسوف"، بسبب أسئلتي الكثيرة وعدم قبولي للإجابات بسهولة.
                  في تلك المكتبة تعرّفت على السيّد عبد المجيد وهو رجل صارم كثيرا ما يطرد التلاميذ بسبب الضّجيج الذي يحدثونه في القاعة، يضرب الأرض بقدمه وبإشارة واحدة من عينيه يطلب من "المشوّش" المغادرة ليعود الهدوء للمكان.
                  كنّا ندعوه "الكمبة" نظرا إلى بدلته الخضراء ذات الجيوب الكثيرة التى لا تفارقه صيفا أو شتاء وهي تشبه إلى حدّ بعيد ما يلبسه الجنديّ المقاتل.
                  تلك هي الألقاب في قريتنا تصبح بين عشيّة وضحاها المعرّف الوحيد لأفرادها فتشتهر وتنسى في كثير من الأحيان الأسماء الحقيقيّة، وبينما يعتزّ البعض ويفتخر بتلك التّسمية الجديدة، تصبح عند آخرين مدعاة قلق وانزعاج..
                  توطّدت صداقتي بأمين المكتبة بمرور الأيّام فأصبح يطلعني على جديد العناوين ويمدّني بالقصص التاريخية التي تستهويني أكثر من غيرها ويسمح لي باستعارة أكثر من كتاب.
                  عندما التحقت بالمعهد الثانوي برأس الجبل سجّلت انضمامي إلى فوج الكشّافة فكانت استفادتي كبيرة من أنشطتها خاصّة في المخيّمات والجولات الاستطلاعيّة.
                  تعلّمت الانضباط واحترام المواعيد والشعور بالمسؤوليّة والإصرار على تحدّي الصّعوبات والاعتماد على النفس كما تعرّفت على خفايا المنطقة وما تحويه من آثار قديمة وجمال طبيعي يسحر الألباب وكان يسعدني أن أكتب مذكّراتي حول ما أتعلّمه أو أشاهده قبل النوم.
                  لازلت أتذكّر حادثة اكتشاف أحد الفلاحين أثناء حراثة أرضه لآثار بناية قديمة وعندما وصل الخبر إلى فوجنا قرّرنا الذهاب لمعاينتها.
                  عند الوصول إلى ذلك المكان البعيد القريب من سدّ القرية، لم نكد نصدّق أنّه يمكن أن يحتوي على تلك الآثار الرّومانيّة لابتعاده عن الشاطئ والشريط السّاحلي حيث اعتدنا أن نجد النقود القديمة والجرار المكسورة والقناديل الزيتيّة التي غمرها الموج والموقع عبارة عن ضيعة معزولة لأحد الاقطاعيين من القدماء ولكنّ خيبتنا كانت كبيرة فلا شيء ممّا وجدناه كان سليما سوى بعض اللوحات الفسيفسائية وبيتا مقبّبا تداعت هياكله تحت الأرض.
                  كانت الأخبار تتواتر عن عديد الاكتشافات ذات القيمة التاريخيّة العالية في المنطقة ولكن لم نكن نعلم عنها شيئا، وهو ما جعل سيْلاً من الأسئلة يلتصق بأذهاننا حول شأننا في الماضي.
                  كلّ تلك الأسئلة دفعتني شخصيّا للبحث عن الإجابات بحضور المسامرات التاريخيّة والاستماع إلى القصص والحكايات التي يرويها الأجداد ومحاولة الإطّلاع على المصادر المكتوبة، وكلّما توصّلت إلى إجابة أنطلق منها لطرح استفسارات أخرى.
                  في نفس تلك الفترة، انضممت إلى فرقة القدس للقادريّة حيث تعرّفت علي التراث الصّوفي ببلادنا بمختلف أشكاله الطرقيّة.
                  كانت الفرقة تقدّم في المناسبات سهرة تحتوى على فقرات متنوّعة تبدأ بوصلة من المالوف الأندلسيّ يعتمد على الدّربوكة والرّقّ مع النقيقريات نسمّيها "النغرات" وبعده مباشرة يبدأ العرض الصّوفي الذي يتكوّن عادة من المدائح القادريّة بواسطة آلة البندير مع الحضرة، وكلّما تسارع الايقاع يهبّ من بين المدعوّين فتيان وكهول يجلبون معهم نبات التين الشوكي ليقدّموا استعراضا يتمثّل في قدرتهم على تحمّل آلام أشواكه وقد يشارك من بين الحاضرين من يكون عرضه المشيُ على الجمر أو تحمّل لهيب النار أو أكل الزّجاج فلا يتوقّف الإنشاد والإيقاع إلاّ عندما ينتهي الجميع من تخميرتهم بذكر اسم الله في آذانهم.
                  في نهاية كلّ فقرة وخلال فترة الرّاحة يقوم خالي إسماعيل بلبل الفرقة الصّادح بتأمين عرض فرديّ من العروبيّات لا يجاريه أحد في ذلك ليمكّن المجموعة من استرجاع أنفاسها وقد اشتهر بيننا بلقب "القرنوبي" وتعني "الزّمني" أي القديم، أمّا إذا استمعنا إلى قولته الشهيرة:"المقرونة طابت والشمس علينا غابت"، فنعلم أنّ السّهرة قد انتهت.

                  من أقوال الامام علي عليه السلام

                  (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
                  حملت طيباً)

                  محمد نجيب بلحاج حسين
                  أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
                  نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

                  تعليق

                  • حاتم سعيد
                    رئيس ملتقى فرعي
                    • 02-10-2013
                    • 1180

                    #10
                    مختارات جديدة:
                    الفرق بين ما كان وماهو كائن:
                    هذا الشريط المتداخل من صور الماضي والحاضر جعلني أقارن بين ما كان وما هو كائن لأفهم سرّ تعلّق الأجداد بانتمائهم لهذه الأرض وحنينهم للعودة بعد كل ابتعاد بينما الكثير من شباب اليوم يريد أن يغادر القرية ويركب الأخطار في قوارب الموت للهجرة.
                    أدركت عند المقارنة أنّ روابط قد غابت واندثرت بين أسر القرية فقدّمت جيلا جديدا يشعر بالغربة في مسقط رأسه، شباب طمست هويّته الثقافيّة والدينيّة والأخلاقيّة وانحلّت علاقاته فلم يعد يفكّر إلا في نفسه.
                    نتائج رأيتها طبيعيّة لتطوّر المجتمعات والحياة الأسريّة، كيف لا يحدث ذلك وقد حلّت المربّية والحاضنة محلّ الأبوين، والقنوات والحاسوب عوض كبار السّن من الأقارب والأجوار، والملاهي والحدائق والمنتزهات بدل الحيّ والشارع؟ كيف لا ينقطع حبل الوصال بين عالم شباب اليوم الصاخب والقرية الحالمة التي ينشؤون فيها؟
                    لست أشكّ أن جيل الحاضر قد سُجن أكثر من الأجيال السابقة داخل قمقم العالم الافتراضيّ للشّبكة المعلوماتيّة التي تجعله منبهرا بما وصلت إليه الحضارة الحديثة.
                    كأنّ هذا الجيل لم يعد يشاهد في محيطه غير البؤس والشقاء وانسداد الأفق فيسعى إلى تقليد ما يراه في المجتمعات المتحضّرة بل وتوّاقا للتشبّه بها في مأكلها وملبسها وثقافتها واستعمال الاختراعات الحديثة المبهرة التي تنتجها..
                    إنّه الاستعمار بشكله الجديد حيث تعشّش الحضارة الغربيّة في عقول أطفالنا وشبابنا لمحاربة ما بقي من الأخلاق والعادات والمثل عندهم، يريدون أن يغرسوا فيهم التبعيّة ليجعلوا من الشّعوب المختلفة شعبا واحدا بتوجّهات وأفكار وأمنيات متشابهة وقيم إنسانيّة ترى أنّ الهدف من الحياة إشباع للغرائز وامتلاك للثروة في أقصر الآجال، استعمار تباع فيه البضائع عن بعد منمّقة مزيّنة من دون مبالاة بالتأثيرات السّلبيّة مضمّنة بالأفكار الشيطانيّة التي تقترح تغييرا كاملا لكلّ ما تربّت عليه الأجيال السابقة تحت شعار "لا تنظر إلى خلفك حتىّ لا يفوتك المستقبل".
                    عندما التفتّ إلى الجهة المقابلة للطاحونة تذكّرت من جديد أدقّ تفاصيل اللّقاء الذي جمعني بوالدي للحديث عن الشّهيد الذي أبرزت اللّوحة إسمه.
                    حوار كنت في حاجة ماسّة إليه لأدرك أن للحياة أوجها عديدة، منها ما يكون خافيا ومنها ما يبرز للعيان فأيقنت بفضله أنّ ثنائيّة الحياة والموت لا يمكن فهمها أو إدراك كنهها إلاّ بالتعرّف على تجارب الآخرين لاكتساب اللقاح المناسب أمام المعضلات.
                    تعلّمت من والدي في ذلك اللقاء أن الكثير من الأحياء يعيشون حياة الفناء بينما العديد من الأموات يبقون خالدين في ذاكرة الأمم.

                    من أقوال الامام علي عليه السلام

                    (صُحبة الأخيار تكسبُ الخير كالريح إذا مّرت بالطيّب
                    حملت طيباً)

                    محمد نجيب بلحاج حسين
                    أكْرِمْ بحاتمَ ، والإبحارُ يجلبُهُ...
                    نحو الفصيح ، فلا ينتابه الغرقُ.

                    تعليق

                    يعمل...
                    X