وترحلين يا سِنيِّ العمر
منيرة الفهري
​
هاهي سنة أخرى تضاف على سني العمر الكثيرة ..قالوا إنني ولدت في مثل هذا اليوم : الخامس عشر من نوفمبر...شعور غريب يتملكني..لا أعرف هل أفرح أم أبكي؟ هل أضحك أم أتأملني؟
من أنا طيلة سنوات عمري التي انقضت؟ ماذا فعلتُ بي؟ ماذا فعلتْ بي السنون؟ ...
ضيق ينتابني..حزن...ألم...وجع لا أعرف مصدره...
أذكر أُمِّي و إشراقها في بيتنا القديم..و ضحكتها الجميلة و هي تراني أحاول أن أكبر قبل عمري...
يمر خيال أبي أمامي بهيبته و وقاره و طوله الفاره و كلماته الجميلة و هو يتباهى بي عند كل إملاء فرنسية...
و للَّا فطيمة ...هذه المرأة التي وعيت على الدنيا لأجدها أُمًّا حنونا..أبكي فتحضنني..أنادي فتجيبني...تلبّي كل رغباتي مهما كانت مشطّة...كنت ألاحظ أنها تميزني عن باقي إخوتي و تحبني أكثر منهم..فينتابني شعور بالغرور الصبياني الجميل...اعتقدتُ لسنوات أنها أُمِّي مع أُمِّي ..ثم عندما كبرتُ قليلا عرفت أنها أختي..و حين كبرت جدا تبين لي أنها مربيتي و أنها قريبة أُمِّي ...
أذكر يوما أني رجوت أُمِّي أن تعلمني الطبيخ و كانت للَّا فطيمة معنا في مطبخنا الصغير ذي الباب الأصفر غير العادي...ضحكت أُمِّي و قبلتني بحرارة قائلة: يا منيرة مازلت صغيرة .." اتْلْهِي بِقْرايْتِك..ما عندك وين هاربة مِنه التَّطِيب..المهم قرايتك"...
لكني كنت نجيبة جدّا في دراستي ...فماذا يريدون مني أكثر؟ ...
في اليوم التالي اغتنمت للَّا فطيمة فرصة غياب أُمِّي التي كانت توزع الأدوية للمحتاجين في القرى النائية تطوعا منها و مساعدة لأبي الذي كان طبيب القرية أنذاك...
نادتني للَّا فطيمة و همست لي : ستكونين أنت من يعدّ الغداء ..اسمعي سأقول لك ماذا تضعين في القدر و كيف تفعلين و سنفاجئ الجميع اليوم...
و كم كان لذيذا غداؤنا ذلك اليوم و كم فرحت أُمِّي و لم يصدق أبي أن من طبخ هي منيرة...ابنة الثامنة ربيعا...
كنت ألازم للَّا فطيمة و أتعلم منها كل شيء...كم أحببتها بكل جوارحي..و مازال حبّها يملأ قلبي و يُنشيه...أطال الله عمرها في الخير...
يسترسل الشريط أمامي و تراني بين أُمِّي و أبي و إخوتي في بيتنا العتيق حول المائدة نأكل ألذ شكشوكة و أشهى خبز كانت تعدّه أُمِّي في الفرن الترابي..لايزال طعمه المميز في فمي...
كنا بسطاء جدا و كنا سعداء جدا...
أذكر أن أخي الذي يكبرني بسنتين كان يبحث عن هفوات أرتكبها ليقول لأُمِّي : انظري ماذا فعلت ابنتك المدللة...لكن أُمِّي كانت لا تعاقبني و يبقى محمد الهادي يمتص غيظه و ينظر لي شزرا و عندما تلتقي عينانا كان يضحك و يقول: "خسارة حَبّيتِك تاكْلِي طْريحة...لكن أُمِّي فهمت قصدي و لم تضربك" و نستمر في الضحك..ثم سرعان ما تجدنا نتسابق و نلعب لعبة الشخص المجهول....
و الآن رحل محمد الهادي توأم روحي ..و رحل معه شكري أخي الصغير المدلل و تركاني حزينة تائهة....لا شيء بات يستهويني بعدهما...لا طعم لساعات الزمن التي تمضي ثقيلة حزينة...كل شيء تغير...حتى الهواء لم يعد نفس الهواء الذي استنشقناه معا...حتى شجر حديقتي فقد رونقه و بهت لونه..و قهوتي لم يعد لها طعم....
انتبهت من أفكاري تلك على صوت المنبه...هذا موعد الدواء...مددت يدي لقارورة الماء أمامي و اخذت القرص من علبة فوق الطاولة...و ضحكت بصوت عال....أي عيد ميلاد و أنا في الستين من عمري؟
منيرة الفهري
​

هاهي سنة أخرى تضاف على سني العمر الكثيرة ..قالوا إنني ولدت في مثل هذا اليوم : الخامس عشر من نوفمبر...شعور غريب يتملكني..لا أعرف هل أفرح أم أبكي؟ هل أضحك أم أتأملني؟
من أنا طيلة سنوات عمري التي انقضت؟ ماذا فعلتُ بي؟ ماذا فعلتْ بي السنون؟ ...
ضيق ينتابني..حزن...ألم...وجع لا أعرف مصدره...
أذكر أُمِّي و إشراقها في بيتنا القديم..و ضحكتها الجميلة و هي تراني أحاول أن أكبر قبل عمري...
يمر خيال أبي أمامي بهيبته و وقاره و طوله الفاره و كلماته الجميلة و هو يتباهى بي عند كل إملاء فرنسية...
و للَّا فطيمة ...هذه المرأة التي وعيت على الدنيا لأجدها أُمًّا حنونا..أبكي فتحضنني..أنادي فتجيبني...تلبّي كل رغباتي مهما كانت مشطّة...كنت ألاحظ أنها تميزني عن باقي إخوتي و تحبني أكثر منهم..فينتابني شعور بالغرور الصبياني الجميل...اعتقدتُ لسنوات أنها أُمِّي مع أُمِّي ..ثم عندما كبرتُ قليلا عرفت أنها أختي..و حين كبرت جدا تبين لي أنها مربيتي و أنها قريبة أُمِّي ...
أذكر يوما أني رجوت أُمِّي أن تعلمني الطبيخ و كانت للَّا فطيمة معنا في مطبخنا الصغير ذي الباب الأصفر غير العادي...ضحكت أُمِّي و قبلتني بحرارة قائلة: يا منيرة مازلت صغيرة .." اتْلْهِي بِقْرايْتِك..ما عندك وين هاربة مِنه التَّطِيب..المهم قرايتك"...
لكني كنت نجيبة جدّا في دراستي ...فماذا يريدون مني أكثر؟ ...
في اليوم التالي اغتنمت للَّا فطيمة فرصة غياب أُمِّي التي كانت توزع الأدوية للمحتاجين في القرى النائية تطوعا منها و مساعدة لأبي الذي كان طبيب القرية أنذاك...
نادتني للَّا فطيمة و همست لي : ستكونين أنت من يعدّ الغداء ..اسمعي سأقول لك ماذا تضعين في القدر و كيف تفعلين و سنفاجئ الجميع اليوم...
و كم كان لذيذا غداؤنا ذلك اليوم و كم فرحت أُمِّي و لم يصدق أبي أن من طبخ هي منيرة...ابنة الثامنة ربيعا...
كنت ألازم للَّا فطيمة و أتعلم منها كل شيء...كم أحببتها بكل جوارحي..و مازال حبّها يملأ قلبي و يُنشيه...أطال الله عمرها في الخير...
يسترسل الشريط أمامي و تراني بين أُمِّي و أبي و إخوتي في بيتنا العتيق حول المائدة نأكل ألذ شكشوكة و أشهى خبز كانت تعدّه أُمِّي في الفرن الترابي..لايزال طعمه المميز في فمي...
كنا بسطاء جدا و كنا سعداء جدا...
أذكر أن أخي الذي يكبرني بسنتين كان يبحث عن هفوات أرتكبها ليقول لأُمِّي : انظري ماذا فعلت ابنتك المدللة...لكن أُمِّي كانت لا تعاقبني و يبقى محمد الهادي يمتص غيظه و ينظر لي شزرا و عندما تلتقي عينانا كان يضحك و يقول: "خسارة حَبّيتِك تاكْلِي طْريحة...لكن أُمِّي فهمت قصدي و لم تضربك" و نستمر في الضحك..ثم سرعان ما تجدنا نتسابق و نلعب لعبة الشخص المجهول....
و الآن رحل محمد الهادي توأم روحي ..و رحل معه شكري أخي الصغير المدلل و تركاني حزينة تائهة....لا شيء بات يستهويني بعدهما...لا طعم لساعات الزمن التي تمضي ثقيلة حزينة...كل شيء تغير...حتى الهواء لم يعد نفس الهواء الذي استنشقناه معا...حتى شجر حديقتي فقد رونقه و بهت لونه..و قهوتي لم يعد لها طعم....
انتبهت من أفكاري تلك على صوت المنبه...هذا موعد الدواء...مددت يدي لقارورة الماء أمامي و اخذت القرص من علبة فوق الطاولة...و ضحكت بصوت عال....أي عيد ميلاد و أنا في الستين من عمري؟
تعليق