وعود القرآن بالتمكين

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • السعيد ابراهيم الفقي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 24-03-2012
    • 8288

    وعود القرآن بالتمكين


    الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي

    يقول المؤلف : قد يغفل بعض المسلمين المعاصرين عن هذه (الوعود القرآنية) الصادقة، في زحمة تعرضهم للهجمة اليهودية الصليبية الحالية، وبذلك قد تتدسسُ إليهم بعض مشاعر اليأس والإحباط والقنوط. لذلك دعت الحاجة الميدانية الواقعية إلى تقديم هذه الوعود القرآنية الصادقة، للمسلمين المواجهين لأعداء الله، ليتعرفوا على قرآنهم العظيم، ويزدادوا إقبالاً عليه، واستمساكاً به، وتطبيقاً لأحكامه، وتصديقاً بوعوده، وتصميماً على مواجهة أعدائه، ليقرِّبوا هذه الوعود القاطعة، ويعملوا على تحققها وإيجادها في عالم الواقع .. ولأجل ذلك أعددنا هذا الكتاب، الذي هو الحلقة الحادية عشرة، من سلسلتنا القرآنية: (من كنوز القرآن).
    ====



  • السعيد ابراهيم الفقي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 24-03-2012
    • 8288

    #2
    المقدمة
    الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونتوب إليه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
    أما بعد:
    فإن أوضاع المسلمين في هذا الزمان عجيبة غريبة، وهم يعيشون حياة خاصة شاذة، لا يُقاس عليها، ولا تُقاس على غيرها، ولم يسبق أن عاشها المسلمون السابقون في مختلف فترات تاريخهم.
    ابتعد كثير من المسلمين عن إسلامهم، بنسب متفاوتة، وخرج بعضهم عن الإسلام خروجاً صريحاً، وعاش بعضهم (ازدواجية) عجيبة، بين الفكر والسلوك، والإيمان والعمل، تناقضوا فيها بين ما هو في تصوّراتهم وأفكارهم، وبين ما هو في تصرفاتهم وأعمالهم، وانطبق عليهم في هذا الجانب قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) [الصف: 2 - 3].
    ونتج عن هذه الحالة المرَضيّة ظهور أجيال جديدة من أبناء المسلمين، ليس لها من الإسلام إلا الأسماء التي تسمّوا بها، وإلا بعض المشاعر والعواطف القلبية، وبعض الأفكار العقلية، وبعض الممارسات الإسلامية في المناسبات.
    وهذا لا ينفي وجود أفراد مؤمنين صالحين، رجالاً ونساء، في كل قطر أو مدينة أو بلدة من بلاد المسلمين، ومختلف بلاد العالم. ومن وجود دعوات وحركات وتنظيمات إسلامية هنا وهناك، تعمل على توعية المسلمين وتبصيرهم، وإعادتهم إلى دينهم .. وأحدثت هذه الحركات (صحوة) إسلامية مباركة، تمثّلت في عدة ظواهر ومظاهر، علمية وعملية، في بلاد المسلمين .. لكن أنصار هذه الصحوة ما زالوا قلائل في مجتمعاتهم، وما زالوا (غرباء) بين أهليهم، يعيشون غربتهم القاسية بصبر وثبات، واحتساب وتوكل على الله!.
    ونجح الأعداء في هذا الزمان، في إبعاد الإسلام عن الوجود الفعلي الحي المؤثر في حياة المسلمين، وإقصائه عن مجتمعاتهم وتشريعاتهم، وحياتهم العامة؛ السياسية والاجتماعية، والاقتصادية والأخلاقية، والتربوية والإعلامية، والفنية والداخلية والخارجية. وكانت البداية في القضاء على الخلافة في الربع الأول من القرن العشرين، ثم توالت المشكلات المتلاحقة على المسلمين.
    وصاحبَ ابتعاد كثير من المسلمين عن إسلامهم (حروباً) عالمية، شنّها أعداء الأمة على إسلامها، منذ مطلع القرن العشرين المنصرم، حيث قام الأعداء الإنكليز والفرنسيون، والإسبان والطليان، والهولنديون والبلجيكيون، والروس والصينيون، في احتلال واستعمار مختلف بلاد المسلمين .. وأعطى هؤلاء الأعداء الأرضَ المقدسة (فلسطين) وطناً قومياً لليهود.
    وقُبيل منتصف القرن العشرين أقام اليهود دولتهم على الأرض المقدسة فلسطين، ووسط الدعم المتتابع من الأعداء لليهود، والتراجع المتتابع من العرب والمسلمين، أتم اليهود احتلال فلسطين كلها، وأجزاء من دول عربية أخرى عام 1967م.
    وبدل أن يحارب العرب الغاصبين اليهود، ويُحرروا الأرض المقدسة منهم، عقدوا معهم اتفاقيات، سمّوها (اتفاقيات سلام)، تمكّن اليهود بسببها من الانتشار، والاستعمار الاقتصادي والفكري، والأخلاقي والإعلامي، والفني والسياسي، في بلاد المسلمين.
    واستمرت الحرب الصليبية التلمودية ضد المسلمين، واتخذت لها عدة مظاهر وجوانب، وصور ونماذج ! .
    وشهدت بداية القرن الحادي والعشرين تصعيداً خطيراً في هذه الحرب، من قِبَل اليهود والصليبيين، قام فيها اليهود بتصعيد العدوان على أهل فلسطين وغيرهم، وقام فيها الأمريكان بتصعيد العدوان على بلاد المسلمين، واحتلال أفغانستان والعراق ...
    وفتح كثير من المسلمين عيونهم على الخطر اليهودي الصليبي المدمّر، وازدادوا بصيرة به، وحذراً منه، وانحازوا إلى إسلامهم، وصمّموا على مواجهة الأعداء، ورفع راية الإسلام، وصبروا على الأذى الذي صبّه الأعداء عليهم، وجاهدوهم جهاداً مبروراً، متشعّب الميادين والمجالات والجوانب!.
    و (فَزَع) هؤلاء المؤمنون الثابتون إلى إسلامهم، يأخذون منه المدد والزاد، والعلم والوعي، والبصيرة والمعرفة، ولجؤوا إلى الله، متوكلين عليه، مجاهدين في سبيله، محتسبين كل ما يصيبهم عنده، طالبين منه التوفيق والسّداد، والتثبيت والرشاد، والأجر والثواب.
    وأمام عنف وشدة وقسوة الحرب اليهودية الصليبية، ضعفَت همم وعزائم بعض المسلمين، وأصيبوا في آمالهم وتطلعاتهم ورؤاهم، وتدسّس اليأس والإحباط إليهم، وفقدوا النظرة المستقبلية الآملة الواعدة، وذهبوا إلى أنها القاصمة القاضية، التي أُصيبَ بها المسلمون على أيدي اليهود والصليبيين، وأنها هي النهاية في مسلسل المواجهة بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، وأنه كُتبَ في خاتمة هذا المسلسل للكفار السيطرة والهيمنة الدائمة على بلاد المسلمين! وأن هذه هي نهاية الدنيا، وأن الساعة أصبحت وشيكة!!.
    وهذه حالة مرضية، يعاني منها هؤلاء المسلمون المصابون في آمالهم وتطلعاتهم، وتتعارض مع حقائق الإسلام الثابتة الواعدة، الصادقة الآملة، المبشِّرة، التي تُقدّم (وعوداً) واثقة قاطعة، بالمستقبل المشرق للإسلام!.
    وقد أصدر العلماء والباحثون المعاصرون بعض الدراسات الإسلامية، وقدّموا فيها ما وقفوا عليه، وما هداهم الله إليه، من هذه الوعود الإسلامية الصادقة، ودعوا المسلمين إلى الثقة واليقين بها، والعمل المتواصل لتحقيقها.
    ومن الكتب التي شكلت البدايات الأولى في هذا الجانب كتاب: (المستقبل لهذا الدين) للمفكر الإسلامي الرائد الشهيد سيد قطب، الذي أصدره قبل حوالي خمسين عاماً. ومنها كتاب: (الإسلام ومستقبل البشرية) للعالِم المجاهد الشهيد الدكتور عبد الله عزام. ومنها كتاب: (المبشّرات بانتصار الإسلام) للفقيه الداعية الدكتور يوسف القرضاوي.
    وساهم المسلمون المهتدون في الغرب، الذين بحثوا عن الحقيقة، فاهتدوا إلى الإسلام، وجعلوه ديناً لهم، في دراساتهم الناقدة للحضارة الغربية، التي هي على وشك الأفول والغياب، واعتبروا الإسلام هو (الدين العالمي) القادم، وأن له مهمة عظيمة، ينتظر العالم الغربي المعذّب منه أن يؤدّيها.
    ومن الدراسات المترجمة إلى اللغة العربية كتاب (وعود الإسلام) للمفكر المهتدي (رجاء جارودي)، و (الإسلام كبديل) للمفكر الألماني المهتدي (مراد هوفمان). وقد كتب المفكران الباحثان الكتابَيْن وفق نظرتهما للإسلام، التي قد يكون لنا عليها بعض الملاحظات والتحفظات، والتي قد تحتاج إلى مزيد من المراجعة والبحث والتجليل. لكنهما كتابان مفيدان، يستفيد منهما المسلم المعاصر كثيراً، بشرط استصحابه لهذه الملاحظة التحذيرية الإرشادية!.
    وإن آيات القرآن تضمنت (وعوداً) عديدة، وعدها الله عباده المؤمنين الصادقين، وبشّرهم فيها بانتصار الإسلام، والتمكين له في الأرض، وإظهاره على الأديان كلها، وإزهاق الحق للباطل، وهزيمة الكفر وأهله.
    وقد يغفل بعض المسلمين المعاصرين عن هذه (الوعود القرآنية) الصادقة، في زحمة تعرضهم للهجمة اليهودية الصليبية الحالية، وبذلك قد تتدسسُ إليهم بعض مشاعر اليأس والإحباط والقنوط.
    لذلك دعت الحاجة الميدانية الواقعية إلى تقديم هذه الوعود القرآنية الصادقة، للمسلمين المواجهين لأعداء الله، ليتعرفوا على قرآنهم العظيم، ويزدادوا إقبالاً عليه، واستمساكاً به، وتطبيقاً لأحكامه، وتصديقاً بوعوده، وتصميماً على مواجهة أعدائه، ليقرِّبوا هذه الوعود القاطعة، ويعملوا على تحققها وإيجادها في عالم الواقع ..
    ولأجل ذلك أعددنا هذا الكتاب، الذي هو الحلقة الحادية عشرة، من سلسلتنا القرآنية: (من كنوز القرآن).
    خصصنا هذا الكتاب للحديث عن: (وعود القرآن بالتمكين للإسلام)، لأن الله أكمل لنا ديننا، وأتم علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام ديناً، وجعله الدين الوحيد المقبول عنده، ونسخ به الأديان السابقة، ووعد أن ينصره وينشره، ويمكّن له في الأرض، ويظهره على الأديان كلها ..
    ولكن طريق الإسلام صعبة شاقة، وليست سهلة مفروشة بالورود، لأنه يواجه الهجمة الشرسة من أعدائه الكثيرين، على اختلاف أديانهم، ولكنه يخرج منها ظافراً منصوراً، بإذن الله.
    جعلتُ الكتاب أقساماً ثلاثة:
    القسم الأول: بين يدي الوعود القرآنية:
    جعلته تمهيداً للحديث عن وعود القرآن، وأساساً ننطلق منه للنظر إلى تلك الوعود، والتعامل معها، وتحدثت فيه عن المباحث التالية:
    1 - إن الله لا يخلف الميعاد.
    2 - مَنْ أصدق من الله حديثاً؟.
    3 - بين الوعد الحق والوعد الباطل.
    4 - الموقف من وعد الله: بين تصديق المؤمنين وتكذيب المنافقين.
    5 - وجوب الثقة المطلقة بالنص القرآني.
    6 - تحققُ الأخبار المستقبلية في القرآن.
    7 - استمرار المواجهة بين المسلمين والكافرين.
    8 - القرآن يبشر المؤمنين الصالحين.
    القسم الثاني: الوعود القرآنية في السور المكية:
    تحدثت فيه عن أشهر الوعود القرآنية في عشر سور مكية، مرتبة حسب ترتيب المصحف، وهي سور: الأنعام، والأعراف، ويونس، وهود، ويوسف، وإبراهيم، والإسراء، والأنبياء، والروم، والقمر.
    القسم الثالث: الوعود القرآنية في السور المدنية:
    تحدثت فيه عن أشهر الوعود القرآنية في اثنتي عشرة سورة مدنية، مرتبة حسب ترتيب المصحف، وهي سور: البقرة، وآل عمران، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والحج، والنور، ومحمد، والفتح، والمجادلة، والحشر، والصف.
    وختمتُ الكتاب بخاتمة، أشرت فيها إلى بعض وعود رسول الله صلى الله عليه وسلم المبشّرة بانتصار الإسلام، وإلى تحقّقها في حياة أصحابه عند جهادهم وفتوحهم البلاد، ذكرت وعد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى خبّاب بن الأرَت، وإلى سراقة بن مالك، وإلى عَدي بن حاتم الطائي، رضي الله عنهم.
    وأقدّم هذا الكتاب إلى المسلمين الصادقين، ليزدادوا ثقة بتحقيق هذه الوعود القرآنية الصادقة، وليستشرفوا المستقبل المشرق للإسلام، وليتحركوا بهذا الدين، وليعملوا على تقريب تحقيق هذه الوعود.
    وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
    السبت 19/ 5/1424هـ 19/ 7/2003م الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي

    التعديل الأخير تم بواسطة السعيد ابراهيم الفقي; الساعة 05-02-2018, 15:24.

    تعليق

    • السعيد ابراهيم الفقي
      رئيس ملتقى فرعي
      • 24-03-2012
      • 8288

      #3
      الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي

      القسم الأول بين يدي الوعود القرآنية
      الفصل الأول إن الله لا يخلف الميعاد

      الله العظيم القادر، له صفات الكمال والجلال والعظمة، وهو منزّه عن كل نقص أو ضعف أو عجز .. وهو على كل شيء قدير، لا راد لأمره، ولا مبدل لكلماته، ولا مبطل لقضائه، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن .. لا يُعجزُه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا تقف أمامه قوة، مهما كبرت وعظمت.
      إذا أراد شيئاً فعله، وإذا أمر بشيء أنفذه، وإذا وعد بشيء أنجزه، وهو الحكيم في كل شيء أراده وقاله وفعله، القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، الفاعل لكل شيء، خلق كل شيء بقدره وقدرته، وعلم كل ما كان وما سيكون، وأمْره بين الكاف والنون، إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن؛ فيكون.
      آيات تقرر هذه الحقيقة:
      هذه حقيقة إيمانية، صادقة قاطعة، قررتها آيات القرآن العديدة، ودعتنا تلك الآيات إلى فقهها وتصديقها، والإيمان الجازم بها، واليقين القاطع بتحققها ووقوعها .. ومن شك فيها لم يُقدِّر الله حق قدره، ولم يؤمن بالله حق الإيمان، ولم يعرفه حق المعرفة، وبذلك ييأس من روح الله، ومعلوم أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.
      والله لا يخلف الميعاد. وهذه حقيقة قرآنية، وردت في أكثر من آية كريمة، ولننظر نظرة سريعة في تلك الآيات:
      1 - من سورة الرعد:
      قال تعالى: (وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [الرعد: 31].
      وردت الآية في سياق تكذيب الكفار بالقرآن، وحربهم للحق وأهله، وأخذِ الله لهم، بعد إمهال واستدراج.
      وتخبر الآية عن استمرار عقاب الله للكفار، بسبب جرائمهم وطغيانهم، فلا تزال تصيبهم القوارع، وتنزل بهم النوازل، وهذه القوارع والمصائب إما أن تقع على رؤوسهم وتدمّر بيوتهم، وإما أن تقع في مناطق قريبة من ديارهم، لِلَفْت أنظارهم، وإيقاظ قلوبهم .. وهذه القوارع والنوازل قد تكون في صورة زلازل، أو براكين، أو عواصف، أو فيضانات، أو حروب، أو أمراض، أو غير ذلك.
      ستبقى هذه المصائب تصيبهم، وفق حكمة الله، مهما طال زمانها، واتسع مكانها، حتى يأتي وعد الله.
      وإما أن يأتي وعد الله في الدنيا، بتحقق ما وعد به سبحانه عملياً، وانطباقه على أرض الواقع، وإما أن يأتي يوم القيامة، حيث توعد الله الكفار بنار جهنم، وسوف يعذبهم بها بعد حسابهم في الآخرة.
      وما وعد الله الكفار به من صور العقاب والعذاب واقع آت متحقق، لأن الله لا يخلف الميعاد: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ).
      ومعنى: (لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ): لا يوقِفُ ميعاده، ولا يلغي وعده، لأنه لا يعجز عن إنجازه، ولا تقف أية قوة أمامه، لأن الله لا يُعجزه أي شيء في الأرض ولا في السماء.
      ولا يُخلف الوعد إلا عاجز، والله لا يعجزه أي شيء .. ولا يتخلى عن وعده إلا كاذب، والله هو الأصدق حديثاً.
      بعض الناس قد لا يعرف حدود طاقته، ومجال قدرته، فيعِدُ وعوداً أكبر من طاقته ووسعه، وعندما يحين موعد إنجاز الوعود، يعجز عن ذلك، لضعف قوته، وتدني قدرته، ونقص ماله، وبذلك يُخلف الميعاد.
      ومعلوم أن خُلف الوعد صفة من صفات المنافقين المذمومة، أما المؤمنون فإن أحدهم إذا وعد أوفى، لأنه لا يَعِدُ إلا بما هو ضمن قدرته.
      وقد ذُكر الوعد في الآية مرتين: (حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللّهِ) (إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ).
      و (وَعْدُ): مصدر الفعل الثلاثي: تقول: وَعَدَ، يَعِدُ، وَعْداً.
      و (ميعاد): مصدر آخر للفعل الثلاثي: تقول: وَعَدَ، ميعاداً، كما تقول: فَعَل، مِفْعالاً. وهو مثل: ميقات.
      وفي (ميعاد) من التأكيد والتحقق والمبالغة، أكثر مما في (وَعْد)، لأن (ميعاد) مزيد بحرفين، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى!.
      وورود المصدرَيْن (وَعْد، وميعاد) متجاورَيْن، في جملتين متتابعتين في الآية، مظهر من مظاهر الإعجاز البياني العجيب في القرآن.
      2 - من سورة الحج:
      قال تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ، وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) [الحج: 47 - 48].
      الآيتان في سياق المواجهة بين الحق والباطل، سبقتها آيات تتحدث عن مصارع الكافرين السابقين، وتدعو إلى الاعتبار من ما جرى لهم.
      وتذكر الآيتان أن كفار قريش كانوا يستعجلون الرسول صلى الله عليه وسلم بالعذاب، فعندما كان صلى الله عليه وسلم يتوعدهم بالعقاب والهلاك، إن استمروا على كفرهم وتكذيبهم وعداوتهم، كانوا يكذبون بذلك ويستبعدونه، ويسخرون من الرسول صلى الله عليه وسلم، ويستهزؤون به .. ويستعجلون بالعذاب، من باب التكذيب والاستبعاد والإنكار، ويقولون له: إن كنت صادقاً فيما تقول، فأتنا بما تعدنا به من العذاب!.
      ويرد الله على استعجالهم بأنه لن يخلف وعده: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ)، أي: إذا وعدهم العذاب أنفذه وأنجزه، وإذا أراد تعذيبهم فعل ذلك، لأنه لا يخلف وعده، ولا يعجز عن إمضائه وإيقاعه.
      3 - من سورة الروم:
      قال تعالى: (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [الروم: 4 - 6].
      وعد الله في سورة الروم بانتصار الروم الكتابيّين على الفرس المشركين، في بضع سنين، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
      وسنتحدث عن ذلك في مباحث الكتاب القادمة بعون الله.
      وأخبر أن هذا وعد قاطع ماض من الله، لا يتوقف ولا يتخلف، لأن الله لا يخلف وعده.
      وذمّ الكفار الذين لا يُصدقون بذلك، ووصفهم بأنهم جاهلون، لا يعلمون هذه الحقيقة الإيمانية، ولا يوقنون بها.
      وهذا معناه: أن المؤمنين عالمون، لأنهم يُصدّقون بما وعد الله، ويوقنون بتحقّقه ووقوعه، في مقابل جهل الكافرين المنكرين لذلك.
      4 - من سورة الزمر:
      قال تعالى: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ، لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ) [الزمر: 19 - 20].
      تقدم الآيتان بعض ما توعد الله به الكفار من عذاب النار في الآخرة، وبعض ما وعد به المؤمنين المتقين من نعيم الجنة.
      وتخبر أن هذا وعد من الله، واقع ناجز، لأن الله لا يخلف الميعاد، ولذلك يوقن المؤمن بتحققه ووقوعه.
      5 - من سورة آل عمران:
      قال تعالى: (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [آل عمران: 9].
      تسجل الآية دعاء الصالحين الراسخين في العلم، الذي يعلنون فيه إيمانهم باليوم الآخر، ويقينهم بأن الله سيجمع الناس جميعاً في يوم القيامة، ليحاسبهم، ويعاقب المذنبين، ويثيب الصالحين، ويعقِّبون على ذلك بذكر الحقيقة الإيمانية من أن الله لا يخلف الميعاد، فبما أنه وعد ذلك، فسينجز وعده.
      وقال تعالى: (رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [آل عمران: 194].
      تسجل الآية دعاء أولي الألباب، الذاكرين الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، والمتفكرين في خلق السموات والأرض، والمطبقين لشرع الله، يرجون الله أن يؤتيهم ما وعدهم، على ألسنة رسله، عليهم الصلاة والسلام.
      لقد كان كل رسول –من آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام- يبشر المؤمنين الصالحين، ويعدهم حسن الثواب ونعيم الجنة في الآخرة، وها هم أولوا الألباب يرجون الله إنجاز وعده، بأن يدخلهم الجنة، وينَعِّمهم فيها، وهم يأملون ذلك، لأنهم يوقنون أن الله لا يخلف الميعاد.
      وندعو إلى الالتفات إلى هذه اللطيفة من لطائف سورة آل عمران:
      فالآية التاسعة في مقدمة السورة تسجل دعاء الراسخين في العلم، الموقنين بوعد الله في جمع الناس يوم القيامة، لأنه لا يخلف الميعاد .. والآية الرابعة والتسعون بعد المئة تسجل دعاء أولي الألباب، الذين يرجون الله إنجاز وعده وإدخالهم الجنة، لأنه لا يخلف الميعاد. فأول السورة يُقرر أن الله لا يخلف الميعاد، وآخرها يقرر أن الله لا يخلف الميعاد، وتلتقي على هذه الحقيقة القاطعة بداية السورة ونهايتها.
      وكل مؤمن يوقن بهذه الحقيقة، ولا يشك فيها لحظة من حياته!.
      * ... * ... *



      تعليق

      • السعيد ابراهيم الفقي
        رئيس ملتقى فرعي
        • 24-03-2012
        • 8288

        #4
        الفصل الثاني من أصدق من الله حديثاً

        يوقن المؤمن بأن الله ينجز وعده، ولا يخلف الميعاد، لأنه يوقن أنه لا أحد أصدق من الله حديثاً وقولاً.
        والله هو الأصدق حديثاً .. حقيقة إيمانية قاطعة، قررتها آيات عديدة من القرآن، نقف معها فيما يلي وقفة سريعة:
        1 - من سورة النساء:
        قال تعالى: (اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً) [النساء:87].
        تبدأ الآية بتقرير توحيد الألوهية، فالله سبحانه لا إله إلا هو، ثم تقرر أن الله سيجمع الناس جميعاً يوم القيامة، وأن ذلك اليوم آت لا ريب فيه.
        وبما أن الله أخبر عن مجيء ذلك اليوم، فإنه آت بدون شك أو ريب، لأن الله تعالى صادق في حديثه، ولا أحد أصدق حديثاً من الله.
        وصيغت هذه الحقيقة في الآية بأسلوب الاستفهام: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً)؟ والاستفهام هنا تقريري، والحقيقة المقررة أنه لا أحد أصدق حديثاً من الله.
        ومن السنة للمسلم أنه عندما يقرأ الآية وينطق بالاستفهام أن يجيب: لا أحد أصدق حديثاً من الله!.
        وقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً) [النساء: 122].
        وعد الله المؤمنين المتقين الذين يعملون الصالحات، أن يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وأن يجعلهم منعمين، خالدين فيها أبداً.
        وهذا الوعد الإلهي حق، أي: متحقق واقع لا محالة، مثل باقي وعود الله الحقة.
        وجاء هذا الوعد المتحقق في كلام الله وحديثه وقوله، وقول الله صادق، ولا أحد أصدق قولاً من الله.
        والاستفهام في الآية تقريري، وعندما يقرؤه المؤمن أو يسمعه من غيره، يجيب قائلاً: لا أحد أصدق من الله قولاً!.
        وندعو إلى الالتفات إلى ورود الاستفهامين التقريريّيْن في سورة النساء: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً)؟ و (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً)؟.
        2 - من سورة الزمر:
        قال تعالى: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [الزمر: 74].
        أخبرت الآية عن ما سيقوله المؤمنون، عندما يدخلهم الله الجنة، وينعمهم بنعيمها، حيث سيحمدون الله ويشكرونه، على إنجاز وعده لهم، فقد وعدهم في الدنيا الجنة ونعيمها، إن استقاموا على طاعته، ونفّذوا في الدنيا أحكامه، طالبين رضوانه، متطلعين إلى نيل موعوده.
        وها هو سبحانه يَصدُقُهم الوعد، ويدخلهم الجنة برحمته وفضله، وها هم يرثون الجنة، ويتبوؤون منها حيث شاؤوا.
        وصدق الوعد بمعنى تحققه في عالم الواقع، وإنجازه للموعودين به، فالوعد له صورة نظرية، وهي ذكره في آيات القرآن، وتبشير المؤمنين به، وله صورة عملية واقعية، وهي إنفاذه وإمضاؤه يوم القيامة، حيث يتنعّم المؤمنون في الجنة.
        والله يصدق وعده لأنه لا يخلف الميعاد!.
        3 - من سورة الأنبياء:
        قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ، وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ، ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) [الأنبياء: 7 - 9].
        يخبر الله أنه أرسل رسلاً رجالاً، قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصبروا على ما لاقوه من قومهم، من كفر وتكذيب وحرب، وقد وعدهم الله النصر على أعدائهم، ولما انتهت دعوتهم مع قومهم، صدقهم الله الوعد، فأنجاهم مع أتباعهم المؤمنين، وأهلك الأعداء الكافرين.
        ومعنى (صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ): أنجزنا لهم ما وعدناهم، فصدق الوعد: تطبيقه، وتحويله إلى واقع، ونقله من دائرة الكلام النظري إلى حالة الوجود العملي.
        4 - من سورة آل عمران:
        قال تعالى: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ... ) [آل عمران: 152].
        هذه الآية في سياق الحديث عن غزوة أحد، التي جرى فيها ما جرى للمسلمين، حيث انتصر المسلمون في الجولة الأولى منها، ولما ارتكبوا مخالفتهم بحسن نية، أدبهم الله، ورجع المشركون عليهم، وأصابوا منهم القتلى والجرحى، وتعلموا من ذلك الدروس والعبر!.
        يخبر الله المسلمين في هذه الآية أنه: (صدقهم وعده) وتفسير هذه الجملة في الجملة التي تليها مباشرة: (إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ... )، ومعناها: إذ تقتلون المشركين بإذن الله.
        وهذه إشارة إلى الجولة الأولى من غزوة أحد، التي لم تستمر إلا فترة قصيرة جداً، حيث قتلوا من قتلوا من المشركين، وانهزم المشركون أمامهم.
        وصدقهم الله وعده في هذه الجولة بأن سلطهم على المشركين، وجعلهم يغلبونهم ويهزمونهم، ونصرهم عليهم، وقد وعدهم النصر في آيات عديدة قبل غزوة أحد، وتحقق هذا الوعد عملياً على أرض أحد، في المرحلة الأولى من المعركة.
        وسمي هذا التحقق العملي صدقاً وتصديقاً للوعد.
        5 - من سورة الأحزاب:
        قال تعالى: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً) [الأحزاب: 22].
        تخبر الآية عن موقف المؤمنين من هجوم الكفار عليهم في غزوة الأحزاب، من العرب المشركين واليهود الماكرين والمنافقين، فلما رأوا المدينة محاصرة من أحزاب الكفر، لم يُحبطوا أو يُرعبوا، وإنما قالوا: هذا ما وعد الله ورسوله، وصدق الله ورسوله .. وازدادوا إيماناً بالله، وتصديقاً بكلامه، وتسليماً لقضائه، وثباتاً على قتال أعدائه.
        لما رأوا أحزاب الكافرين، تذكّروا ما وعدهم الله إياه، حيث وعدهم قتال الكفار لهم، وهجومهم عليهم، ثم وعدهم النصر عليهم، إن نصروا الله وثبتوا في القتال، وكان هجوم الأحزاب عليهم تصديقاً من الله لهم، حيث تحوّل به الوعد من الصورة النظرية إلى الصورة العملية الواقعية، ولذلك قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله.
        تدل هذه الآيات –وغيرها كثير في القرآن- على أن الله يَصْدُقُ عباده وعوده التي يعدهم إياها، وهذا الصدق هو تحويل تلك الوعود من صورتها النظرية (الوعدية) إلى صورتها العملية التطبيقية الواقعية.
        والله يفعل ذلك لأنه هو الأصدق حديثاً، والأصدق قولاً ووعداً، وهو لا يخلف الميعاد، سبحانه وتعالى.
        * ... * ... *

        تعليق

        • السعيد ابراهيم الفقي
          رئيس ملتقى فرعي
          • 24-03-2012
          • 8288

          #5
          الفصل الثالث بين الوعد الحق والوعد الباطل

          بما أن الله لا يخلف الميعاد، وبما أنه يصدق عباده وعده، وينجزه لهم، لأنه الأصدق وعداً وقولاً وحديثاً، لذلك وصَف وعده بأنه الوعد الحق. أي: هو الوعد الصادق، الذي يتحقق عملياً على أرض الواقع. فالحق بمعنى الصحة والصدق والصواب، ولذلك ينجَزُ ويُنْفَّذ عملياً.
          آيات في وعد الله الحق:
          الآيات التي وصفت وعد الله بأنه (الوعد الحق) كثيرة، منها هذه الآيات:
          أولاً- قال تعالى: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [القصص: 13].
          الآية في سياق آيات، تتحدث عن ميلاد موسى عليه السلام. فقد أوحى الله إلى أم موسى بالتصرف المناسب، لإنقاذ موسى الوليد من خطر فرعون، ووعدها أن يرده إليها. قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) [القصص: 7].
          ورد الله الوليد إلى أمه، وفق تدبيره وتقديره الحكيم سبحانه، وكان ردّه إليها تحقيقاً لوعده النظري لها. فقد قال لها: (إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ)، ولكنها لم تعرف كيف يرده الله إليها .. ومن حِكَم رده إليها أن تقرّ عينها، وأن لا تحزن، ومن حكمه أيضاً أن تعلم أن وعد الله لها حق. أي: أن ترى تحقّقه العملي أمامها، بأن يكون ابنها معها.
          ثانياً –قال تعالى: (أَلا إِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) [يونس: 55].
          تربط الآية بين ملك الله لكل ما في السموات والأرض، وبين كون وعده هو الحق، وهذا الربط مقصود ومراد، لأنه لا ينفِّذ ما وعد به إلا من كان قادراً على ذلك، ولا يقدرُ على ذلك إلا إذا كان مالكاً غنياً، قاهراً قوياً، وإن لم يكن كذلك كان عاجزاً، وعجزه يقعدُ به عن تحقيق الوعد.
          والله هو المالك الغني، والقادر القوي، وملكه للسموات والأرض مرتبط مع قدرته على تحقيق وعده.
          ووعده الحق هو وعده المنجَز المتحقق، المنطبق على الواقع، وفق ما وعد به. والمؤمنون يوقنون بذلك، والكافرون ينكرونه، لأنهم لا يعلمون قدرة الله وقوته!.
          ثالثاً –قال تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) [الأحقاف: 16].
          أثنى الله في الآية السابقة من السورة على المؤمنين الصالحين، البارّين بوالديهم، الشاكرين لربهم، وفي هذه الآية أخبر أنه سيتقبل عنهم أحسن أعمالهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، ويدخلهم الجنة، ويجعلهم مع أصحابها المنعّمين فيها.
          ثم أخبر أنه وعد هؤلاء المتقين الجنة وهم في الدنيا، ووعده حق وصدق، ولذلك ينجزه لهم، فيدخلهم برحمته جنته.
          وأخبر في الآية التي بعدها مباشرة أن رجلاً كان كافراً بالله، عاقاً لوالديه، مكذباً بوعد الله، بينما كان والداه مؤمنَيْن بالله، موقنين بأن وعده حق. قال تعالى: (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) [الأحقاف: 17].
          الوالدان مؤمنان، يوقنان أن وعد الله حق، وهو ما أخبر عنه من بعْث الناس يوم القيامة، وهو آت لا محالة، سيتحقق فعلاً كما أخبر عنه الله.
          آيات في وعد الشيطان الباطل:
          في مقابل وعد الله الحق، يأتي وعد الشيطان الباطل، القائم على الغرور والخداع، والكذب والافتراء.
          يَعِد الشيطان أولياءه الكثير من الوعود، لكنها وعود زائفة، لا تتحقق، ولا توجد في الواقع، لأن الشيطان كاذب في الوعد بها، هدفه منها هو الاستحواذ على جنوده، وإسقاطهم وإضلالهم، ولذلك يعدهم ويمنيهم!.
          والآيات التي أخبرت عن الغرور والخداع في وعد الشيطان عديدة، منها:
          أولاً –قال تعالى: (إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً، لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً، وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً، يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً) [النساء: 117 - 120].
          بعد أن ذكرت الآيات بعض وسائل الشيطان في إسقاط أتباعه، علّقت عليها بأنها من وعود الشيطان لهم، فهو يعدهم الوعود البراقة، ويمنيهم الأماني الفارغة، ويريهم أن الخير كله ينتظرهم، إن استجابوا له وساروا معه.
          وما يعدهم الشيطان هو (غرور) وخداع، وسراب لا وجود له. وأتباعه يعرفون هذا بأنفسهم، فعندما يُصدقونه ويستسلمون له، ويطالبونه بتحقيق وعوده، يضحك عليهم ويسخر منهم، ويعلن براءته منهم، وعند ذلك يعرفون خسارتهم، لكن بعد فوات الأوان!: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً)!.
          ثانياً –قال تعالى: (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً، قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُوراً، وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً، إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً) [الإسراء: 62 - 65].
          هذه الآيات من سورة الإسراء، قريبة من معاني الآيات السابقة من سورة النساء، فهي تذكر بعض أسلحة الشيطان في إضلال أتباعه، وتخبر أن الشيطان يعدهم الوعود الكبيرة، ولكن هذه الوعود خيالية خادعة، لن تتحقق، وهدف الشيطان منها خداع أتباعه.
          أما عباد الله الصالحون فهم في أمان من غرور الشيطان ووعوده، وليس له سلطان عليهم، لأنهم في حفظ الله ورعايته.
          الشيطان يتخلى عن أتباعه في الدنيا:
          ثالثاً –قوله تعالى: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال: 48].
          تشير الآية إلى نموذج من وعود الشيطان الخادعة، غير المتحققة .. ومناسبة نزولها ما جرى بين الشيطان وبين كفار قريش، قبيل خروجهم إلى غزوة بدر.
          فقد كان قادة قريش، كأبي جهل وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف، يتدارسون تجهيز الجيش، والخروج لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم كانوا يخافون مهاجمة قبائل عربية معادية لمكة أثناء غيابهم، فأتاهم الشيطان، وزين لهم الخروج، وأراهم أنهم على صواب، وطمأنهم أنه معهم، وأنه (جار لهم) سيحيد القبائل المعادية، ووعدهم النصر والفوز!.
          واستجابوا لتزيينه، وطمعوا في وعوده، وخرجوا بقيادة أبي جهل إلى بدر.
          ونشبت معركة بدر، وفوجئ المشركون بقوة المسلمين، وهجومهم عليهم، وتذكروا وعود الشيطان بالنصر والتأييد، وهو معهم في ميدان المعركة، ولكنه نكث العهود، وتخلى عن الوعود، ونكص على عقبيه، وولى هارباً، وأسلم أتباعه إلى أسلحة المسلمين.
          وقال لهم: (إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ)!.
          أعلن براءته منهم، وعلل ذلك بأنه يرى ما لا يرون، والراجح أن الذي رآه هم الملائكة، الذين أنزلهم الله مدداً للصحابة في المعركة.
          وكذَب عليهم في زعمه الخوف من الله: (إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ) وهل يخاف الشيطان الله رب العالمين؟!.
          رابعاً –قال تعالى: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ) [الحشر: 16 - 17].
          تذكر الآية إغواء الشيطان لأحد أتباعه، عندما طلب منه أن يكفر بالله، وقدم له وعوده وأمانيه، بحصوله على الخير كله، وأنه سيبقى معه مدافعاً عنه .. ولما استجاب التعيس له، وصدّقه في وعوده، وأعلن كفره بالله، تخلى عنه الشيطان وغرّه وخدعه، وقال له: إني بريء منك، إني أخاف الله رب العالمين!.
          خامساً –قال تعالى: (بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً) [فاطر: 40].
          إذا كان الشيطان كاذباً في وعوده الخادعة، فإن أتباعه من الظالمين يقتدون به في هذا الكذب والخداع، وما يعد بعضهم بعضاً من الوعود ما هي إلا غرور وخداع، لا يلتزمون بها، ولا يُنفذونها.
          الشيطان يتخلى عن أتباعه في الآخرة:
          يوم القيامة يتخلى الشيطان عن أتباعه، ويفرق الجميع بين وعود الله الحقة، التي حققها سبحانه لعباده الصالحين، وصدقهم إياها، وبين وعود إبليس الخادعة، التي كذب على جنوده بها.
          قال تعالى: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [إبراهيم: 22].
          هذه خطبة إبليس، يلقيها على أتباعه في نار جهنم، بعد أن يستقرّوا فيها، ويعترف لهم بأنه غرهم وخدعهم، ثم يؤنبهم ويوبخهم: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم). ويذكر لهم أنه عاجز عن إنقاذهم، كما أنهم عاجزون عن إنقاذه: (مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ).
          ويتخلى عنهم، ويعلن براءته منهم: (إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ).
          والشاهد في الآية مقارنة إبليس بين وعد الله الحق ووعده الباطل: (إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ).
          أي: صدق الله عباده وعده، وأنجزه لهم، وبذلك كان وعده حقاً، متحققاً على أرض الواقع، أما إبليس فقد وعدهم فأخلفهم، ولم يُنجز لهم ما وعدهم به، وبذلك خدعهم وغرّهم، وكان وعده باطلاً ضالاً!!.
          بين وعد الله ووعد الشيطان:
          قال تعالى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 268].
          تقارن الآية بين وعد الشيطان الباطل ووعد الله الحق، فالشيطان يخوِّف أولياءه، ويجعلهم في تفكير دائم، في التخطيط للمستقبل، حذرين من الفقر، ولذلك يأمرهم بالفحشاء، والبخل بالمال، خوف الفقر. وهذا خداع منه لهم.
          أما الله فإنه يعد أولياءه الغنى والسعادة، والمغفرة والرحمة، ولذلك يدعوهم إلى الإنفاق على المحتاجين، ويضمن لهم الفضل والغنى. ووَعْده سبحانه نافذ، متحقق في الواقع.
          تحقيق وعد الله لأهل النار وأهل الجنة:
          قال تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ) [الأعراف: 44].
          تذكر الآية ما يجري بين أهل الجنة وأهل النار، بعد استقرار كل فريق في داره، فيتذكر أصحاب الجنة حياتهم في الدنيا، وما وعدهم الله به على الاستقامة والطاعة، فها هم يجدون ذلك الوعد حقاً متحققاً، وها هم يتنعمون به.
          عند ذلك يتذكرون أهل النار، فينادونهم قائلين: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟.
          فيجيبهم الكفار قائلين: نعم، فقد وعدنا الله النار، وها نحن نجدُ هذا الوعد حقاً متحققاً، وها نحن نحترق بالنار!!.
          * ... * ... *

          تعليق

          • السعيد ابراهيم الفقي
            رئيس ملتقى فرعي
            • 24-03-2012
            • 8288

            #6
            الفصل الرابع الموقف من وعد الله
            بين تصديق المؤمنين وتكذيب المنافقين

            ينظر المؤمنون إلى وعد الله نظرة إيمانية إيجابية، فيصدقون به، ويوقنون بتحققه ووقوعه، ويزيدهم ذلك إيماناً وتسليماً.
            أما المنافقون فإن نظرتهم إلى وعد الله سلبية متشككة، لأنهم يكذّبون به، وينكرون وقوعه.
            نظرة المؤمنين الإيجابية ناتجة عن إيمانهم بالله، وبأنه لا يخلف الميعاد، وأن وعده حق وصدق، وأنه لا ناقض له. ونظرة المنافقين السلبية ناتجة عن كفرهم وشكهم، وعدم تصورهم لمظاهر قوة الله وقدرته، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
            الجوّ العام في غزوة الأحزاب:
            وُجدَت النظرتان في غزوة الأحزاب، التي وقعت في السنة الخامسة من الهجرة، حيث عمل زعيم يهود بني النضير – (حُيَيُّ بن أخطب) - على تهييج كفار قريش لغزو المدينة والقضاء على الإسلام والمسلمين فيها .. واتفق كفار قريش مع كفار غطفان على التوجه إلى المدينة لهذه الغاية، ولما علم الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك أمر بحفر الخندق حول المدينة.
            ولما حاصر أحزاب الكفر المدينة، أقنع (حيي بن أخطب) صاحبه (كعب بن أسد) زعيم يهود بني قريظة على نقض عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والانضمام إلى تحالف أحزاب الكفر!.
            واشتد الأمر على المسلمين، وعظُمَ الخطر بتحالف قريش وغطفان واليهود، وحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على تثبيت المسلمين، ورفع معنوياتهم، وثبت المؤمنون المجاهدون على الحق، واقتدوا في ذلك بالرسول صلى الله عليه وسلم، بينما حرص المنافقون على نشر الإشاعات، لإضعاف المجاهدين، وعلى التشكيك بما يقوله ويفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم.
            وقد ذكر القرآن موقف المؤمنين وموقف المنافقين، عندما صوّرت آياته الحالة العامة الخطيرة التي عاشها المسلمون في غزوة الأحزاب.
            قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً، إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً، وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً، وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً، وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً) [الأحزاب: 9 - 14].
            وقال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً، وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) [الأحزاب: 21 - 23].
            ندعو إلى تدبر هذه الآيات، التي تصور الأجواء العامة لغزوة الأحزاب، ومواقف وتحركات أطرافها، ولسنا في معرض تفسيرها هنا.
            المؤمنون والزلزال الكبير:
            بدأت الآيات بتذكير المؤمنين بنعمة الله عليهم، عندما خلّصهم من جنود الكفار، حيث أرسل عليهم ريحاً وجنوداً من الملائكة، وجعلهم يُؤْثرون الانسحاب للنجاة بأنفسهم.
            جاء فريق من الكفار من فوق المسلمين، وهم المشركون من قريش وغطفان، بينما جاء فريق آخر منهم من أسفل، وهم يهود بني قريظة، بعدما نقضوا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك أطبق الكفار على المسلمين من جميع الجوانب.
            وتأثر المسلمون بالأحداث، وشعروا بالخطر، وخافوا خوفاً شديداً، يكفي لمعرفة خطورته تدبّر قوله تعالى: (وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً).
            زاغت أبصار فريق من المؤمنين من الخوف، وبلغت قلوبهم حناجرهم من شدة الرعب والقلق، وظنوا بالله ظنوناً عديدة، ووقع الزلزال الكبير، الذي هز نفوسهم ومشاعرهم وأعصابهم هزاً عنيفاً، وابتلاهم الله ابتلاء قوياً!.
            ولم يستمر الخوف والفزع والرعب والقلق عند المجاهدين إلا فترة قصيرة، تجاوزوها بسرعة، وتغلبوا عليها بفاعلية، إذ سرعان ما عاد إليهم يقينهم وهدوؤهم واطمئنانهم، وقويت عزائمهم وهممهم، فثبتوا وجاهدوا، ووثقوا بوعد الله، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنّ عليهم بالنصر.
            الشاكون في وعد الله فريقان:
            ذكر الله تثبيط المنافقين للمؤمنين، وشكهم في وعد الله، فقال تعالى: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً).
            الذين شكوا في وعد الله فريقان:
            الفريق الأول: المنافقون: وهم الذين يُخفون في قلوبهم الكفر، ويظهرون أمام المسلمين الإيمان والإسلام، وهؤلاء كفار في الحقيقة.
            الفريق الثاني: الذين في قلوبهم مرض، وهم مسلمون ليسوا منافقين، لكنهم ضعفاء الإيمان، ومرض قلوبهم هو الشك والضعف، وسقوط الهمة والعزيمة.
            وهؤلاء تأثروا بإشاعات ودعايات المنافقين، وصاروا يرددونها معهم، بهدف إضعاف المسلمين المجاهدين.
            أعلن الفريقان –المنافقون ومرضى القلوب- الشك في وعد الله، وقالوا: (مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً).
            أي: أنتم أيها المسلمون، تزعمون أن الله وعدكم النصر على أعدائكم، ونجاتكم من الخطر، وأن الرسول –صلى الله عليه وسلم- بشّركم بقرب تحققه ووقوعه على أرض الواقع! لا تحلموا بذلك، فإنه لن يتحقق على أرض الواقع، ووعد الله ورسوله لكم ما هو إلا غرور وخداع، وأوهام وأمان خيالية!.
            وهذا الكلام الخطير من المنافقين ومرضى القلوب، شكٌّ في تحقق وعد الله، وتكذيب بوقوعه، وتشكيك المؤمنين به .. ووعد الله بالنسبة لهم ليس حقاً، وليس صدقاً! وهذا تكذيب صريح منهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
            بشارات الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء حفر الخندق:
            ذكرت روايات السيرة تبشير الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بالنصر والتمكين، وظهور الإسلام في العالم، وذلك أثناء حفر الخندق، قُبيل حصار المشركين للمدينة.
            روى أحمد في المسند [4/ 303]، والنسائي [6/ 43 - 44] عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: لما كان حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، عرضت لنا في بعض الخندق صخرة، لا تأخذ فيها المعاول، فاشتكينا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءنا فأخذ المعول، فقال: "بسم الله"، فضرب ضربة، فكسر ثلثها، وقال: "الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة! ". ثم ضرب الثانية، فقطع الثلث الآخر، فقال: "الله أكبر، أعطيتُ مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض! .. ". ثم ضرب الثالثة، وقال: "بسم الله"، فقطع بقية الحجر، فقال: "الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة! .. ".
            وروى ابن إسحاق هذه الحادثة بلفظ آخر، قال: "قال سلمان الفارسي: ضربْتُ في ناحية من الخندق، فغلظت عليّ صخرة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب مني، فلما رآني أضرب، ورأى شدة المكان علي، نزل، فأخذ المعول من يدي .. فضرب به ضربة، فلمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب به ضربة أخرى، فلمعت تحته برقة أخرى، ثم ضرب به الثالثة، فلمعت تحته برقة أخرى.
            فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله. ما هذا الذي رأيت، لمع تحت المعول وأنت تضرب؟.
            قال: "أوقد رأيت ذلك يا سلمان؟ ".
            قلت: نعم!.
            قال: "أما الأولى، فإن الله فتح علي بها اليمن، وأما الثانية فإن الله فتح علي بها الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله فتح علي بها المشرق! ".
            قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتّهم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول، حين فُتِحَت هذه الأمصار، زمن عمر وعثمان: افتحوا ما بدا لكم، فوالذي نفس أبي هريرة بيده، ما افتتحتم من مدينة، ولا تفتتحونها إلى يوم القيامة، إلا وقد أعطى الله سبحانه محمداً صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك! " [سيرة ابن هشام: 3/ 199 - 200].
            الرسول صلى الله عليه وسلم يرفع معنويات أصحابه:
            الرسول صلى الله عليه وسلم حريص على رفع معنويات أصحابه، وتقديم البشرى والأمل لهم، ليزدادوا جهاداً وعملاً وثباتاً، وتصديقاً بوعد الله.
            فها هو يضرب الصخرة في الخندق ثلاث ضربات، وبعد كل ضربة يقدم للمسلمين بشرى بالنصر في المستقبل. بشّرهم بعد الضربة الأولى بفتح قصور الشام، وبشّرهم بعد الضربة الثانية بفتح قصور فارس، وبشّرهم في الضربة الثالثة بفتح قصور اليمن!.
            واللطيف في البشرى، أنها جاءت والمسلمون في حالة حصار شديد، ووجودهم نفسه في خطر، وأحزاب الكفر تحيط بهم، لتقضي عليهم، وقد لا يخرجون من هذه المحنة سالمين، وفق التوقعات البشرية!.
            في هذا الجو المكروب، لا يبشرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجاوز المحنة والنجاة من الخطر فقط، وإنما يبشرهم بفتح بلاد الشام والعراق واليمن، ودخول أهلها في الإسلام!.
            وهو لا يقول هذا من عنده، إنما بتوجيه من الله، الذي أوحى له بذلك، وملأ قلبه يقيناً بتحققه، وطلب منه تبشير المؤمنين بذلك، ليقتدوا به في هذا الأمل!.
            موقف المنافقين والمؤمنين من وعد الرسول صلى الله عليه وسلم:
            لما سمع المنافقون والذين في قلوبهم مرض ذلك، كذبوا به، وشكوا في وقوعه، وشككوا المسلمين بذلك، وقالوا: (مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً).
            وأورد ابن إسحاق ما قاله أحدهم، فقال: " ... وعظُمَ عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال (معتب بن قُشَيْر): كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط!! ... " [سيرة ابن هشام: 3/ 202].
            وإذا كان هذا هو موقف المنافقين من وعد الله، قائماً على التكذيب به، والإنكار لوقوعه، فإن موقف المؤمنين قائم على اليقين به، والجزم بتحققه ووقوعه، وتصديق الله ورسوله.
            وأخبر الله عن موقفهم الإيجابي العظيم في قوله تعالى: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً) [الأحزاب: 22].
            لما رأوا جنود الأحزاب لم يجبُنوا، ولم ينسحبوا، ولم ينهزموا ولم يفروا، وبقي كل واحد منهم على إيمانه ويقينه، وثباته وتصديقه، وقالوا: (هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ).
            أي: لقد وعدنا الله في آيات قرآنية سابقة، أن يحاربنا الأعداء، وأن يصيبنا البلاء والابتلاء، لكنه وعدنا بعد ذلك النصر القريب، إن صبرنا وثبتنا .. ومجيء أحزاب الكفر إلينا هو تصديق واقعي لذلك الوعد الرباني، وعلينا أن نصبر ونثبت، لننال نتيجة ذلك.
            أورد ابن كثير في تفسيره قول ابن عباس وقتادة في معنى الآية: "قال ابن عباس وقتادة: يعنون بقولهم: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) [البقرة: 214].
            أي: هذا ما وعدنا الله ورسوله، من الابتلاء والاختبار والامتحان، الذي يعقبه النصر القريب .. وما زادهم ذلك الحال والضيق والشدة إلا إيماناً بالله، وتسليماً وانقياداً لأوامره، وطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم" [تفسير ابن كثير: 3/ 457].
            ما فعله المنافقون والمؤمنون في الميدان:
            شك المنافقين ومرضى القلوب بوعد الله، وتكذيبهم له، موقفٌ سلبي، نتج عنه فعل خبيث، صدر عنهم، قال الله عنه: (وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً) [الأحزاب: 13].
            تركوا مواقعهم في الميدان، وفروا من المواجهة والجهاد، وكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبّطوا همم المجاهدين، ودعوهم إلى ترك مواقعهم الجهادية، والذهاب إلى بيوتهم، طلباً للنجاة والسلامة!.
            أما تصديق المؤمنين المجاهدين بوعد الله، وتأكدهم من وقوعه، ويقينهم بتحققه في الواقع، فإنه موقف إيجابي عظيم، نتج عنه موقف جهادي كبير، أثنى الله عليهم من أجله. قال تعالى عنه: (وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) [الأحزاب: 22 - 23].
            زادهم تصديقهم بوعد الله إيماناً بالله، وتسليماً لأمره، وطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، وثباتاً على الحق، وجهاداً في سبيل الله.
            الموقفان مكروران في التاريخ الإسلامي:
            هذا الموقفان من وعد الله، مكروران في المسلمين، بعد نزول الآيات من سورة الأحزاب، على اختلاف الزمان .. وأوضح ما يكونان عند المحن الكبرى والشدائد العظمى؛ فالذين في قلوبهم مرض يكذبون ويشككون، ويقولون: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً .. والمؤمنون المجاهدون الثابتون يقولون: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، وما زاداهم إلا إيماناً وتسليماً.
            وأكثر ما يكون الموقفان وضوحاً في هذا العصر، الذي ابتُلي المسلمون بما ابتلوا به من المصائب والمحن والابتلاءات!!.
            * ... * ... *

            تعليق

            • السعيد ابراهيم الفقي
              رئيس ملتقى فرعي
              • 24-03-2012
              • 8288

              #7
              الفصل الخامس وجوب الثقة المطلقة بالنص القرآني

              اليقين بأن الله لا يخلف الميعاد، وأن وعده حق وصدق، لا بد أن يتحقق، يرتبط بقاعدة إيمانية أساسية، نتعامل مع نصوص القرآن على أساسها.
              هذه القاعدة تقرر وجوب الثقة المطلقة بالنص القرآني، والتسليم التام بدلالته، وإخضاع الواقع المخالف له، والتوفيق بين النص القرآني الجازم وبين الواقع المخالف في الظاهر له.
              وهذه القاعدة القرآنية ترتبط بنظرتنا إلى القرآن، وتدبرنا له، وتعاملنا معه، وإيماننا بالله الذي أنزله.
              كل ما في القرآن حق وصدق:
              من التعظيم والتقدير لله يكون التعظيم لكتابه، ومن التعظيم للقرآن يكون حسن الفهم لنصوصه، ومن حسن الفهم لنصوصه تكون الثقة المطلقة بها، واليقين التام بدلالاتها.
              إن ما قاله الله في القرآن هو الحق والصدق والصواب، وإنا ما قرره هو الصحيح، ولا يجوز أن يتطرق إلينا في ذلك شك أو ريب.
              تجب الثقة المطلقة في حقائق القرآن التاريخية، والتشريعية، والعلمية، والإنسانية، والأخلاقية، والجهادية ... وغير ذلك.
              ولنذكر بعض الآيات التي قد لا يثق بعض الناس بها، ولا يسلمون بمدلولها، بزعم مخالفتها لمنطق العقل، أو لحركة التاريخ، أو للتقدم المعاصر.
              النار برد وسلام على إبراهيم عليه السلام:
              أولاً –قال تعالى: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ) [الأنبياء: 68 - 70].
              تخبر الآيات أن قوم إبراهيم عليه السلام أوقدوا له ناراً ضخمة، وألقوه فيها ليموت حرقاً، ولكن الله أنقذه منها، حيث أمرها أن لا تحرقه، وإنما تكون برداً وسلاماً عليه، فكانت كما أمرها الله، وبذلك خسر أعداؤه الكافرون.
              وأصحاب التفكير المادي لا يُصدقون بهذا، إذ كيف يكون رجل داخل نار مشتعلة ولا تحرقه؟! والنار من طبيعتها الإحراق ..
              عندما ننظر للمسألة من زاوية قدرة الله وإرادته، فلا نستغرب هذا، بل يكون آية من آيات الله، الدالة على قدرته المطلقة، وبما أن الله أراد ذلك، فهو متحقق بدون شك، وبما أنه أخبرنا عن ذلك بصريح القرآن، فإنه حصل عملياً كما أخبر الله!.
              آثار حرب الله على المرابين:
              ثانياً –قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ) [البقرة: 278 - 279].
              يدعو الله المؤمنين إلى تقواه، والتخلي عن الربا، ويهددهم بالحرب إن لم يفعلوا ذلك.
              والآية الثانية صريحة في إعلان الحرب على الذين يتعاملون بالربا، إن الله سبحانه هو الذي يعلن الحرب عليهم، وهو القوي القاهر الغالب سبحانه! ومن أعلن الله عليه الحرب فهو الخاسر الهالك، في الدنيا والآخرة.
              ولقد صدّق العالم المعاصر بكل حكوماته، الإشاعة الإسرائيلية المعاصرة المتعلقة بالاقتصاد، والتي تعتبر التعامل بالربا ضرورة اقتصادية، حتمية معاصرة، ولا يمكن لحكومة أو شركة أو تجارة أو فرد أو جماعة، النجاح في المال والاقتصاد والحياة، إلا بالتعامل بالربا! وبذلك انتشر الربا في جميع بلدان العالم، ومنها البلدان المسلمة.
              ومن باب الثقة المطلقة بالنص القرآني، على المتدبر للقرآن أن يلاحظ آثار الحقيقة التي تقرّرها، على الواقع من حوله، أي أن يرى مظاهر الحرب التي أعلنها الله على العالم المرابي اليوم.
              إن العالم اليوم يدفع أثمان إعلان الله الحرب عليه، بسبب إجماع حكوماته على أكل الربا، وهذه الحرب الربانية وصلت كل حكومة، وكل مؤسسة، وكل شركة، وكل دخل أو مال، وكل اقتصاد أو صناعة أو تجارة، والمؤمن البصير هو الذي يلحظ هذا!.
              الجهاد تجارة رابحة منجية:
              ثالثاً –قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) [الصف: 10 - 11].
              تقرر هذه الآيات أن الجهاد في سبيل الله هو التجارة الرابحة، المنجية من العذاب الأليم، وأن هذا الجهاد خير للمسلمين من القعود عنه وتركه.
              ولا بد للمسلم من الثقة المطلقة بما تقرره الآيات، واليقين الجازم بأن الجهاد تجارة رابحة، وأن القعود تجارة خاسرة هالكة، وأن هذا الجهاد خير للمسلمين، لأن الله العليم الحكيم هو الذي قرر هذا.
              وهذا معناه: أن لا يصدق المؤمن كلام أي إنسان، إذا تعارض مع هذه الآيات، كأن يعتبر الجهاد شراً وخسارة للأمة، لأن فيه تهوراً واندفاعاً و (توريطاً) لها!!.
              ضرُّ اليهود مجرد أذى خارجي:
              رابعاً- قال تعالى: (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى) [آل عمران: 111].
              هذه الآية في سياق آيات، تتحدث عن المواجهة بين المسلمين، وبين أهل الكتاب –واليهود منهم على وجه الخصوص-؛ يخبرنا الله فيها أن اليهود لن ينجحوا في القضاء على المسلمين، رغم ما يبذلون من جهود لأجل ذلك، وكل ما يمكن أن يضروا به المسلمين هو أذى!.
              والأذى ظاهري سطحي، يتمثل في الخسائر المادية، من تدمير أو هدم أو قطع، وفي الجرحى والشهداء، الذين يصابون في المواجهات، وفي الأسرى والمعتقلين، وما يصب عليهم من صنوف التعذيب والاضطهاد .. كل هذا أذى ظاهري، يمكن تحمله واحتماله، بالصبر والمصابرة والمرابطة والاحتساب!.
              والمؤمن المرابط المجاهد، الذي يتصدى للهجمة اليهودية المعاصرة على الإسلام والمسلمين، يوقن بهذه الحقيقة يقيناً جازماً، ويثق بها ثقة مطلقة، وهذا يدفعه إلى مزيد من المواجهة والتصدي، لأن الأذى يمكن تحمله والصبر عليه!.
              التوفيق بين الآيات والواقع:
              هناك بعض الحقائق، تقررها بعض الآيات، تصطدم في ظاهرها مع الواقع المعاصر، الذي يعيشه المسلمون، حيث يختلف هذا الواقع مع تلك الحقائق، وقد يشك بعض المسلمين في حقائق تلك الآيات، تحت ضغط الواقع الذي يعيشه، وبذلك يحصل الشك في الآيات، وتزول الثقة فيها.
              والمؤمن البصير يزيل التعارض الظاهري بين الآيات والواقع، ولا تتأثر ثقته المطلقة بالنص القرآني، فهو ينطلق من هذه الثقة المطلقة في إخضاع الواقع المخالف للنص، ويحيل السبب على هذا الواقع المخالف، وليس على الحقيقة القرآنية، وذلك بعدم تحقق الشروط التي تشترطها الآية، أو عدم تحقق الأجواء، أو الظروف، أو الزمان، أو المصلحة، أو غير ذلك.
              ذلّة اليهود وكيانهم المعاصر:
              لنذكر بعض الأمثلة القرآنية على ذلك:
              أولاً –قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ... ) [الأعراف: 167].
              تتحدث الآية عن اليهود، المخالفين لشرع الله، ويخبرنا الله فيها أنه قضى أن يبعث عليهم أقواماً، يسومونهم سوء العذاب، وسيبقى هذا حتى يوم القيامة، فالذلة والمسكنة ملازمة لليهود!.
              والواقع المعاصر لليهود في هذا الزمان، يتعارض ظاهرياً مع هذه الآية، فها هم يسيطرون على العالم أجمع، سياسياً وإعلامياً، واقتصادياً وفنياً، وقد نجحوا في إقامة دولة قوية لهم على أرض فلسطين .. وهم الذي يُذِلون الآخرين، ويسومونهم سوء العذاب!.
              ولا يتعارض ما عليه اليهود مع ما تقرره الآية، لأن ما هم عليه الآن ما هو إلا فترة قصيرة، يأذن الله لهم فيها بنوع من القوة والتمكين، يعودون بعدها إلى الذلة والمسكنة، ويبعث الله عليهم من يسومونهم سوء العذاب.
              ثم إن ما هم عليه في هذه الفترة الزمنية القصيرة، من قوة وتمكين، سيكون عاملاً من عوامل الإسراع في إذلالهم، لأنهم سيتكبرون على الآخرين ويستعبدونهم، ويذلونهم، وسيواجههم الآخرون بمزيد من الكراهية والبغضاء، والعمل على الأخذ بثأرهم منهم، والحرص على إذلالهم .. فاليهود في هذا الزمان صائرون إلى ما كتبه الله عليهم من الذلة والمسكنة.
              وأشارت آية أخرى إلى هذه المرحلة الانتقالية الخاصة، التي يمرون بها، في سيرهم من ذل الماضي إلى ذل المستقبل. قال تعالى: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ) [آل عمران: 112].
              نصر المؤمنين وواقعنا المعاصر:
              ثانياً –قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: 47].
              عندما كانت مهمة الرسل تنتهي عند أقوامهم، كان الله ينصر الرسل على الكافرين، وينجيهم من مكائدهم، وينتقم من الكافرين المجرمين، بإهلاكهم وتدميرهم.
              وكتب الله على نفسه نصر عباده المؤمنين: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) وهذه حقيقة قرآنية مطردة، تنطبق على أمثلة وشواهد عديدة في الماضي، ورد بعضها في التاريخ البعيد، وبعضها في تاريخ المسلمين الصالحين من هذه الأمة!.
              ولكن الواقع المعاصر للمسلمين لا يتفق مع هذه الحقيقة القرآنية، فقد هُزموا في كثير من المعارك التي خاضوها، وأعداؤهم هم الذين انتصروا عليهم! والسبب في ذلك هم المسلمون أنفسهم، لأن نصر الله للمؤمنين مشروط بنصرهم لله أولاً، قال تعالى: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [محمد: 7]. ولم ينصر المسلمون المعاصرون الله حقاً، ولذلك لم ينالوا نصر الله .. وسنة الله لا تتخلف، ولكن لا بد من الأخذ بشروطها!.
              * ... * ... *

              تعليق

              • السعيد ابراهيم الفقي
                رئيس ملتقى فرعي
                • 24-03-2012
                • 8288

                #8
                الفصل السادس تحقق الأخبار المستقبلية في القرآن

                من الحقائق الإيمانية القرآنية أن الله اختص بعلم الغيب، وهو ما غاب عن الناس، من العوالم والأحداث، والوقائع والأشياء، ولا يعلم أحد من البشر شيئاً من الغيب، إلا ما علمه الله إياه. قال تعالى: (قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً، عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً) [الجن: 25 - 27].
                وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعترف بأنه لا يعلم من الغيب، إلا ما علمه الله إياه. قال تعالى: (قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ... ) [الأعراف: 188].
                عوالم الغيب الثلاثة في القرآن:
                لقد تحدث القرآن حديثاً مفصلاً عن ثلاثة من عوالم الغيب:
                الأول- غيب الماضي: وهو الأحداث التي وقعت قبل بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنزال القرآن عليه، مثل الحديث عن خلق السموات والأرض، وتفاصيل خلق آدم أبي البشر عليه السلام، وما جرى بينه وبين إبليس، وإهباطه من الجنة إلى الأرض .. وتفاصيل ما جرى بين الرسل وأقوامهم، من نوج إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام.
                الثاني- غيب الحاضر: وهو حديث القرآن عن الأحداث، التي وقعت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان القرآن النازل عليه يشير إليها ويعالجها، ويستخلص دروسها وعبرها، ويدخل ضمن هذا الغيب العلم المسمى: (أسباب النزول).
                ومن غيب الحاضر حديث القرآن عن (عوالم) غيبية، موجودة في الواقع، لكننا لا نراها، مثل وجود الله وصفاته وأفعاله، ووجود الملائكة وأعمالهم، ووجود الجن وأصنافهم، ووجود الجنة والنار، وغير ذلك.
                الثالث- غيب المستقبل: وهو حديث القرآن عن أحداث مستقبلية قادمة، وجزمه بوقوعها .. وهذه الأحداث قد تكون قريبة من نزول الآية، ووقعت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد تكون بعيدة، وقعت بعد عهد الصحابة بفترة، ومنها ما هو واقع في هذا الزمان، ومنها ما سيقع في آخر عمر البشرية، ومنها ما سيقع في الآخرة بعد قيام الساعة!.
                تحقيق غيب المستقبل في القرآن:
                كل ما أخبر القرآن عنه من أحداث غيب المستقبل وقع وتحقق، كما أخبر عنه القرآن.
                وهذا متعلق بما سبق أن قررناه في المباحث السابقة، من أن كلام الله حق وصدق، ولا أحد أصدق في قوله وحديثه من الله، ومن أن الله أحاط علماً بكل شيء، بما كان وما سيكون، وهو قادر على كل شيء، ولا يحدث شيء في هذا الكون إلا بأمر الله وإرادته سبحانه.
                فالله علم أنه سيوجد كذا في وقت كذا، وعند مجيء ذلك الوقت، تتوجه إرادته سبحانه إليه، فيوجده كما شاءه وأراده.
                وتحقُّق الأخبار المستقبلية في القرآن، كما أخبر عنها، دليل على أن القرآن كلام الله، وليس كلام النبي صلى الله عليه وسلم. فلو كان من كلامه صلى الله عليه وسلم، لما عرف عليه الصلاة والسلام: أن تلك الأحداث ستقع، في المستقبل القريب أو البعيد، لأنه لا يعلم غيب المستقبل إلا الله! قال تعالى: (قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ) [الأحقاف: 9].
                انتصار الروم على الفرس:
                نقدم فيما يلي أمثلة للأخبار المستقبلية التي أخبر عنها القرآن، وتحققت كما أخبر عنها القرآن.
                أولاً-قال تعالى: (الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) [الروم: 1 - 5].
                تخبر الآيات عن هزيمة الروم أمام الفرس، في حرب وقعت قبل نزولها، ثم تخبر عن تغلب الروم على الفرس، بعد بضع سنين من نزولها.
                وسورة الروم مكية، وهذه الآيات أخبرت المسلمين، وهم مستضعفون في مكة، عن انتصار الروم على الفرس، خلال بضع سنين.
                وقد تحقق ما أخبرت عنه الآيات، حيث وقعت معركة فاصلة، بعد سبع سنوات من نزولها، هزم الروم فيها الفرس.
                روى الترمذي [برقم: 3194] عن (نيّار بن مكرّم الأسلمي) رضي الله عنه، قال: "لما نزل قوله تعالى: (الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ ... ) وكانت قريش تحب ظهور الفرس، لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب، ولا إيمان ببعث.
                فلما أنزل الله هذه الآيات، خرج أبو بكر رضي الله عنه يصيح في نواحي مكة، يردد قوله تعالى: (الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ... ).
                فقال أناس لأبي بكر: فذلك بيننا وبينكم! لقد زعم صاحبكم أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟.
                قال أبو بكر: بلى –وذلك قبل تحريم الرهان-.
                فارتهن أبو بكر والمشركون، وتواضعوا الرهان.
                وقالوا لأبي بكر: كم تجعل المدة؟ فإن البضع من ثلاث سنين إلى تسع سنين.
                قال أبو بكر: سموا ست سنين!.
                فمضت الست سنين، قبل أن يظهر الروم على الفرس، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على الفرس!.
                وعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين، لأن الله قال: (فِي بِضْعِ سِنِينَ) والبضع من الثلاث إلى التسع .. وأسلم عندئذ ناس كثير .. ".
                موت أبي لهب كافراً:
                ثانياً –قال تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ، سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ، وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ) [سورة المسد].
                أبو لهب هو عم النبي صلى الله عليه وسلم، كان شديد العداوة والبغضاء له، ويحرض قومه عليه.
                وقد أنزل الله هذه السورة يتوعده، ويقرر خسارته وتبابه، ويدعو عليه بتباب يده، وتباب حياته، وأنه لا ينفعه ماله، ولا يغني عنه كسبه ودخله وتجارته، وامرأته شريكة له في تبابه وخسارته ..
                وجزمت السورة أن أبا لهب وامرأته حمالة الحطب، سيموتان كافرين، وسيصليان ناراً ذات لهب!.
                ومع ذلك دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبا لهب، للدخول في الإسلام، ولكنه رفض الدعوة، وأصر على كفره وتكذيبه وعداوته.
                وتحقق ما جزم به القرآن، حول مصير أبي لهب، حيث مات كافراً بعد غزوة بدر. وهذا الجزم بمستقبله البائس، وتحققه في عالم الواقع، دليل على أن القرآن كلام الله، وعلى تحقق الأخبار المستقبلية التي وردت فيه.
                عجز الكفار الأبدي عن معارضة القرآن:
                ثالثاً- قال تعالى: (وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة: 23 - 24].
                الخطاب للكفار، الذين لا يؤمنون بأن القرآن كلام الله، أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ويرشدهم القرآن إلى وسيلة إزالة الريب والشك الذي هم فيه، وذلك بأن يعارضوا هذا القرآن، بالإتيان بسورة من مثله، ودعوة شهدائهم ليعينوهم على ذلك.
                وهذه الآية من آيات التحدي في القرآن، بهدف إقرار الكفار بالعجز، وإثبات أن القرآن كلام الله. وذلك أن هذا القرآن أنزل بلسان عربي مبين، ولغة الرسول صلى الله عليه وسلم لغة عربية فصيحة، والكافرون كانوا عرباً فصحاء بلغاء. ولما سمعوا القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنكروا أن يكون كلام الله، وزعموا أنه من تأليفه وصياغته هو.
                فتحداهم الله بهذه الآية وأمثالها، وطالبهم بالإتيان بسورة مثل هذا القرآن، في فصاحته وبلاغته وأسلوبه .. فإن كان القرآن من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم، فلن يعجزوا عن ذلك، وسيأتون بالسورة المطلوبة، لأنهم عرب فصحاء، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو الأفصح.
                فإن عجزوا عن الإتيان بالسورة المطلوبة، دل ذلك على أن القرآن كلام الله، أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ودل هذا على أن محمداً هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بد أن يقر الكفار العاجزون بذلك، ويدخلوا في الإسلام، قال تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ) [هود: 13 - 14].
                والشاهد في آية التحدي في سورة البقرة قوله تعالى: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ ... ).
                إن جملة "-ولن تفعلوا-" جملة معترضة، تخبر عن أمر مستقبلي، وتقرر فيه أن الكفار لن يفعلوا المطلوب، ولن ينجحوا في المعارضة، وسيعجزون عن الإتيان بالسورة.
                وقد تحقق ما قررته وجزمت به الآية، فرغم محاولات الكفار المستمرة، ورغم تمكنهم من اللغة، إلا أنهم عجزوا عن الإتيان بالسورة المطلوبة.
                والعجيب أن الجزم بعدم القدرة على المعارضة، جاء في سياق آية التحدي، ولا يمكن للرسول صلى الله عليه وسلم أن يجزم بذلك، لأنه لا يعلم الغيب المستقبلي، ولا يعلم حدود طاقة وقدرة الذين يتحداهم!! إنه لا يجزم بالعجز وعدم القدرة إلا من أحاط بكل شيء علماً، وكان عالماً بالغيب والشهادة، وكان عالماً بما كان، وعالماً بما سيكون، وهو الله سبحانه!.
                الدخان يغشى الكفار في مكة:
                رابعاً –قال تعالى: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ، فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ، أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ، إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ، يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ) [الدخان: 9 - 16].
                تخبر هذه الآيات عن أمر مستقبلي، وقع بعد نزولها، وهو الدخان الذي غشي أهل مكة، عقاباً من الله، لتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم.
                وقبل الحديث عن تحقق ووقوع ما أخبرت عنه الآيات، نورد كلام عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه حولها، وهو الذي شهد ما أخبرت عنه.
                روى البخاري [برقم: 1007] عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "إن النبي صلى الله عليه وسلم، لما رأى من الناس إدباراً، قال: "اللهم سبع كسبع يوسف! " فأخذتهم سنة، حصّت كل شيء، حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف، وينظر أحدهم إلى السماء، فيرى الدخان من الجوع!.
                فأتاه أبو سفيان، فقال: يا محمد! إنك تأمر بطاعة الله، وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادع الله لهم".
                وبعدما أورد ابن مسعود هذه الآيات الثمانية السابقة، قال: "فالبطشة يوم بدر، وقد مضى الدخان، والبطشة، واللزام، وآية الروم".
                وروى البخاري الحادثة برواية أخرى [برقم: 4809] عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "سأحدثكم عن الدخان؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قريشاً إلى الإسلام، فأبطؤوا عليه، فقال: "اللهم أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف".
                فأخذتهم سنة، فحصّت كل شيء، حتى أكلوا الميتة والجلود، حتى جعل الرجل يرى بينه وبين السماء دخاناً من الجوع.
                قال تعالى: (فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ، أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ، إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ) أفيكشف العذاب يوم القيامة؟.
                فكُشف العذاب، ثم عادوا في كفرهم، فأخذهم الله يوم بدر. قال تعالى: (يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ) ".
                خلاصة معنى الآيات، وكلام ابن مسعود رضي الله عنه حولها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا ربه أن يأخذ قريشاً بالشدة، بأن يجعل عليهم سبع سنوات محل وجدْب، مثل السنوات السبع الشداد، التي أصابت أهل مصر، في الرؤيا التي رآها الملك، وعبرها له يوسف عليه السلام.
                واستجاب الله دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخذ قريشاً بالسَّنة، وقضى المحل على كل شيء عند قريش، حتى أكلوا الميتة والجلود والجيف!.
                وجاعوا جوعاً شديداً، حتى إن الرجل كان إذا رفع رأسه إلى السماء، يرى فوق رأسه دخاناً بينه وبين السماء، من شدة الجوع.
                فأتى زعيم مكة أبو سفيان، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلب منه أن يرأف بأقاربه، لأنه يأمر بطاعة الله وبصلة الرحم، فإنهم قد هلكوا من شدة الجوع، ورجاه أن يدعو الله لهم بالفرَج.
                أما الآيات، فإنها تطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرتقب مجيء السماء بدخان مبين ظاهر، يغشى أهل مكة، وهو عذاب أليم من الله، يوقعه بهم، لكفرهم وتكذيبهم .. وعندما يصابون بالعذاب، سيدعون الله أن يكشفه عنهم، وسيتعهدون أن يؤمنوا .. ويخبرهم الله أنه سيكشف العذاب عنهم قليلاً، وسيزيل المحل والجوع عنهم، لكنهم سينقضون عهدهم، وسيعودون للكفر من جديد، وبعد ذلك سيبطش الله بهم البطشة الكبرى، وهي هزيمتهم في معركة بدر.
                وقد تحققت الأخبار الثلاثة بعد نزول هذه الآيات: الدخان الذي غشي كفار قريش .. وعودتهم للكفر بعد كشف الشدة عنهم .. والانتقام منهم بالبطشة الكبرى يوم بدر.
                * ... * ... *

                تعليق

                • السعيد ابراهيم الفقي
                  رئيس ملتقى فرعي
                  • 24-03-2012
                  • 8288

                  #9
                  الفصل السابع استمرار المواجهة بين المسلمين والكافرين
                  المواجهة بين الحق والباطل قديمة، بدأت منذ بداية الحياة البشرية، وتمثلت الحلقة الأولى منها في ما جرى بين آدم أبي البشر عليه السلام وبين إبليس، عندما كانا في الجنة، فلما نجح إبليس في إغواء آدم وزوجه، وأكلا من الشجرة المحرمة، أهبط الله الجميع إلى الأرض، وأخبرهم أن العداوة متأصلة بينهم، وأنهم سينقسمون إلى فريقين: مؤمنين متبعين لهدى الله، وكافرين متبعين للباطل.
                  وقد قررت هذه الحقيقة آيات كتاب الله. منها قوله تعالى: (وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ، فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 36 - 39].
                  وكان الرسل والأنبياء يقودون المؤمنين في مواجهة الكافرين، بينما كان إبليس وأعوانه من شياطين الجن والإنس يقودون الكافرين في هذه المواجهة.
                  واستمرت هذه المواجهة طيلة القرون العديدة، الممتدة من آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وكان الله يُنهي كل حلقة من حلقاتها، بإهلاك القوم الكافرين، وإنجاء القوم المؤمنين. وقد ذكر القرآن أمثلة عديدة لهذه الحقيقة؛ كقصة قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وقوم لوط ...
                  المسلمون وحدهم على الحق:
                  وانتهت قيادة جند الحق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصارت الأمة المسلمة هي الممثلة للحق، المتحركة به، الشاهدة على باقي الأمم.
                  واقتصر الهدى على ما مع هذه الأمة من رسالة ومنهج، ونسخ الله الأديان السابقة، وأمر أتباعها بالدخول في الإسلام، فإن لم يفعلوا ذلك كانوا كافرين مخلّدين في نار جهنم. قال تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران: 85].
                  وقابلت الأمم الأخرى هذه الأمة بالعداوة والبغضاء، وأعلنت عليها وعلى دينها الحرب الشديدة. وكان اليهود هم الأشد عداوة لهذه الأمة، يتحالفون مع الآخرين ضدها، ويُهيّجونهم على حربها. قال تعالى: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ) [المائدة: 82].
                  وبما أن المسلمين هم الشهداء على الأمم، فإن رسالتهم مستمرة حتى قيام الساعة، وشهادتهم مستمرة حتى قيام الساعة. قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) [البقرة: 143].
                  وهذا معناه: أن مواجهة أعدائها لها مستمرة، حتى قيام الساعة، لا يتوقفون عن حربها، والكيد ضدها، والتآمر عليها.
                  وقد ركّزت على هذه الحقيقة آيات عديدة في القرآن:
                  الكفار لا يحبون الخير للمسلمين:
                  أولاً- قال تعالى: (مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ) [البقرة: 105].
                  تجمع الآية بين الكفار من أهل الكتاب –اليهود والنصارى- وبين المشركين، وتخبر أنهم جميعاً يكرهون المسلمين، ويتمنون أن يبقوا في الشر والضيق والضنك والشقاء.
                  إن الكفار من أهل الكتاب والمشركين لا يودون أن ينزل على الأمة المسلمة أي خير من الله، لأن حصولها على ذلك الخير معناه قوة الأمة وحيويتها، والكفار يريدون أن تبقى الأمة في ضعف وذل وهوان.
                  وبما أن الخير للمسلمين محصور بالإسلام والقرآن، الذي هو النور والهدى، والروح والحياة، فالكفار حريصون على إبعاد المسلمين عن إسلامهم، مصدر الخير لهم.
                  والتعبير عن هذه الرغبة الخبيثة بالود مقصود، لأن الود أمر قلبي، وأمور القلب متجذرة فيه، وهذا معناه: أن حرمان المسلمين من الخير والعزة ليس شيئاً عارضاً عند الكفار من أهل الكتاب والمشركين، إنما هو قاعدة راسخة عندهم، وهدف استراتيجي لهم، هو الباعث والمحرك لمواجهاتهم ضد المسلمين.
                  وهذا معناه: أن كل خطط الكفار ضد المسلمين تهدف إلى حرمانهم من الخير، وإبعادهم عن الهدى، وإن أخفوا هذا الهدف، وأظهروا رغبتهم في نفع المسلمين وإصلاح أحوالهم .. وهذا معناه أيضاً: أن يحذر المسلمون أعداءهم المتآمرين عليهم، وأن يشكوا في كل ما يقدمونه لهم، لأن الذي يحركهم هو حرمان المسلمين من كل خير، وإبقاؤهم في الشر!.
                  حرص الكفار على ارتداد المسلمين:
                  ثانياً- قال تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) [البقرة: 109].
                  تخبر الآية عن مواجهة أهل الكتاب للمسلمين، وعن هدفهم الراسخ الثابت من هذه المواجهة.
                  إن كثيراً من أهل الكتاب –من اليهود والنصارى- يودون لو يردون المسلمين عن إسلامهم، ويعيدونهم إلى الكفر بعد الإيمان، والذي دفعهم إلى ذلك هو حسدهم للمسلمين، بعدما تبين لهم الحق، وأيقنوا أن هذا الحق مع المسلمين وحدهم.
                  وعندما ننظر في هذه الآية، التي تتحدث عن ما يحرك الكفار ضد المسلمين، فإننا سوف نستخرج منها الحقائق التالية:
                  1 - تبيَّنَ للكفار الحق، وعرفوا أن الله اختص به المؤمنين، وأن هؤلاء المؤمنين على هدى من ربهم، وقد عرف الكفار الكتابيون هذه الحقيقة، من خلال حديث كتبهم المقدسة عن الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم، وصفاته العامة، وخصائص الدين الخاتم الذي بعثه الله به، وبهذا التبين والوضوح قامت عليهم الحجة، لئلا يحتجوا بعدم المعرفة.
                  2 - تبين الحق لأهل الكتاب لم يأخذ بأيديهم إلى اتباعه، ويدل هذا على الاعوجاج المتأصل المتجذّر في كيانهم، فالعلم والمعرفة لا ينتجان عندهم النتيجة المنطقية، وإنما ينتجان المزيد من الكفر والبغي والعناد!.
                  حسد الكفار للمسلمين:
                  3 - حسد الكتابيون الكافرون المسلمين على ما من الله عليهم به من الهدى والخير، لأن الكتابيين حرموا أنفسهم من ذلك الهدى والخير، بتحريفهم لشرع الله، وعصيانهم له، ومحاربتهم لرسله، وبذلك صاروا ضالين مجرمين.
                  ولما أيقنوا أن المسلمين على خير وهدى وحق، حسدوهم، بدل أن يتابعوهم ويسيروا معهم.
                  ومعلوم أن الحسد مرض نفسي خبيث، يدفع صاحبَه الحاسدَ إلى أن يتمنى زوال الخير عن المحسود، ويسعى لحرمانه منه، فالمهم عنده أن يزول عنه الخير، ولا يهمه بعد ذلك أن جاء إليه، أو ذهب إلى غيره!.
                  وحسد الكتابيين للمؤمنين دليل على بغضهم وكراهيتهم لهم، ولا يبغض أصحاب الحق إلا حاسد كافر، مع أن المؤمنين لم يرتكبوا ما يوجب بغضهم وكرههم وحسدهم، ولا ذنب لهم عند الحاسدين، إلا أنهم على هدى وحق!.
                  4 - بُغْض الكتابيين وحسدهم للمسلمين، دفعهم إلى مواجهتهم وحربهم لهم، وحرصهم على إفسادهم، وإغوائهم وإضلالهم، وإبعادهم عن الحق والخير، المحصور في الإسلام، وردتهم عن إيمانهم ودينهم، وإرجاعهم إلى الكفر والضلال والضياع، ليتساووا في ذلك مع الكافرين الحاسدين المحاربين.
                  5 - هذا الهدف الشيطاني عند الكتابيين ليس هدفاً عارضاً، أو ناتجاً عن حلاف ثانوي، إنما هو ود قلبي راسخ، ورغبة قلبية ثابتة متجذرة فيه، والوُد لا يخرج من القلب، ولا يتخلى عنه صاحبه.
                  متى يرضى الكفار عن المؤمنين؟:
                  ثالثاً- قال تعالى: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ) [البقرة: 120].
                  يخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، أنه لن ترضى عنه اليهود ولا النصارى، حتى يتبع ملتهم، ويأمره أن يواجههم بالثبات على الحق، ويخاطبهم بأن هدى الله هو الهدى، ويهدده بأنه إن اتبع أهواءهم، فلن يجد أحداً ينصره من عذاب الله.
                  والمقصود من هذا الخطاب الأمة، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ملتزم بهدى الله، ولا يُتصور منه اتباع أهواء اليهود والنصارى، فالخطاب في ظاهره للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه في الحقيقة خطاب تحذيري من الله لكل فرد من أمته.
                  ويمكن أن نأخذ من الآية الحقائق التالية:
                  1 - اليهود والنصارى غاضبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى كل مسلم من أمته، لأنه على حق، وهؤلاء يكرهون كل من كان على حق.
                  مع أن هؤلاء اليهود والنصارى كافرون ضالون، والله غضب عليهم ولعنهم، بسبب كفرهم، وبسبب بغضهم لأوليائه.
                  2 - إنهم لن يرضوا عن أي مسلم إلا إذا اتبع ملتهم، ودخل في دينهم، وصار يهودياً أو نصرانياً، أو على الأقل تخلى عن الإسلام، وترك الهدى، وصار ضالاً ضائعاً. حيران تائهاً، لا دين له ولا عقيدة ولا هوية.
                  وهذا معناه: أننا إذا رأينا اليهود والنصارى يحبون أحداً من المسلمين، أو يرضون عنه، ويمدحونه، فلا بد أن نشك فيه، وفي ثباته على الإسلام والتزامه به! لأنه لو كان ملتزماً بالإسلام حقاً، لما أحبه هؤلاء الكافرون، ولما رضوا عنه، أو أثنوا عليه ومدحوه.
                  3 - تفسر لنا الآية سبب ذم اليهود والنصارى للعلماء والدعاة والقادة المجاهدين، من المسلمين المعاصرين، حيث يوجهون لهم اتهامات عديدة، بالتطرف والعنف والإرهاب والإفساد والتخريب، ويعلنون عليهم الحرب! .. بينما يرضون عن زعماء وقادة للمسلمين، يمدحونهم وينسّقون معهم! والقرآن يكشف عن سر كرههم للفريق الأول، ورضاهم عن الفريق الثاني.
                  ولا بد أن نوقن باستحالة حصول مؤمن صالح ملتزم بالإسلام، على رضا ومحبة اليهود والنصارى، ولا يهمه ذلك، لأنه إن رضوا عنه شُك في دينه.
                  من صفات المؤمنين وصفات الكافرين:
                  4 - تقصر الآية الهدى على هدى الله، وهو ما أوحى به لرسوله الخاتم صلى الله عليه وسلم: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى). وبما أن اليهود والنصارى لم يدخلوا في الإسلام، فإنهم ليسوا على هدى، وهذا معناه: أنهم على باطل وضلال.
                  5 - بما أنهم ليسوا على هدى، فإنهم متبعون للهوى، والهوى مناقض للهدى، وأهواؤهم هي التي تسيّرهم وتوجههم، وتحكم حياتهم، وهم عبيد لتلك الأهواء .. قال تعالى: (فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [القصص: 50].
                  6 - وبما أنهم متّبعون للهوى، فهم جاهلون، لا علم عندهم ولا معرفة، لأن الهوى لا يقود إلا إلى الجهل، وهو يُلغي مواهب وطاقات الإنسان، ويشلّ مداركه. قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) [الجاثية: 23].
                  العلم ملازم للهدى، والذين هم على علم هم المتبعون لهدى الله: (بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ)؛ والمراد به: العلم النافع لصاحبه في الدنيا والآخرة، وليس مجرد المعرفة والثقافة والدراسة والمطالعة.
                  7 - يمكن أن نستخرج من الآية الصفات التالية لليهود والنصارى: هم جاهلون غير عالمين، هم متبعون للهوى، هم ضالون غير مهتدين، هم مبغضون للمؤمنين.
                  أما صفات المؤمنين في الآية فهي: هم عالمون، ومهتدون، وثابتون على الحق، وحذِرون من الأعداء!.
                  نقمة الكافرين على المسلمين:
                  رابعاً- قال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ) [المائدة: 59].
                  تقرر الآية حقيقة (نقمة) أهل الكتاب من المؤمنين، وتبيّن سبب هذه النقمة، وهو إيمان المؤمنين بالله، وإيمانهم بكتبه كلها، وإيمانهم برسله كلهم، كما أن سببها هو فسق أهل الكتاب، وخروجهم من دين الله.
                  أهل الكتاب من اليهود والنصارى لا يحبون للمسلمين الخير، وهم حريصون على صرفهم عن إسلامهم، وهم حاسدون للمسلمين، مبغضون لهم، منتقمون منهم!.
                  يتعامل الكفار مع المسلمين، وهم متصفون بهذه الصفات، ويواجهونهم وهم يكنّون لهم هذه المشاعر، ويخططون لحربهم وهم بهذا الرصيد من القبائح. هذا ما بينته لنا آيات القرآن الهادية الكاشفة.
                  إن انتقام أصحاب الباطل من أصحاب الحق قائم على الحقد الأسود، وصبّ صنوف الأذى عليهم، والرغبة في قتلهم والتخلص منهم .. كما قال تعالى عن أصحاب الأخدود: (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) [البروج: 8].
                  وإذا كان الكافرون فاسقين، حريصين على الانتقام من المسلمين، والقضاء عليهم، هل يتوقع المسلمون أن يتوقفوا عن مواجهتهم وحربهم؟.
                  عداوة الكفار للمسلمين:
                  خامساً- قال تعالى: (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [المائدة: 64].
                  تتكلم الآية عن اليهود، وتبين للمسلمين ما هم عليه من كفر وعداوة، وحرص على مواجهة المسلمين، وإبعادهم عن دينهم.
                  اليهود يكرهون الحق، وهم يعلمون أن المسلمين على حق، ولذلك يبغضونهم، وكلما ازداد المؤمنون ثباتاً على الحق، ازداد اليهود كفراُ له، وطغياناً ضد المسلمين.
                  ورغم أن العداوة والبغضاء متعمقتان بين طوائف اليهود إلى يوم القيامة، ألقاها الله بينهم إلقاء، فلا ترتفع من بينهم، إلا أنهم يجتمعون على مواجهة المؤمنين.
                  واليهود فاسدون مفسدون، يسعون في الأرض فساداً، ويحرصون على نشر الرذائل بين الناس، وعلى محاربة الفضائل وأهلها، ولذلك أبغضهم الله ولعنهم!.
                  وبما أنهم فاسدون مفسدون، فهم دعاة حروب ودمار، وموقدون لنيران الفتن والنزاعات والخلافات المسلحة، وحريصون على تجييش الآخرين لمواجهة المسلمين وحربهم .. ولكن الله لهم بالمرصاد، يبطل مكائدهم ضد المسلمين، وكلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها، وكلما أشعلوا فتنة قضى عليها.
                  استمرار قتال الكفار للمسلمين:
                  سادساً –قال تعالى: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) [البقرة: 217].
                  تتحدث الآية عن حرب الكافرين المشركين للمسلمين، وحرصهم على فتنتهم وتعذيبهم، ليتخلوا عن دينهم الحق، ويعودوا إلى ما عليه الكافرون من باطل!.
                  وتقرر الآية قاعدة عامة مطردة، في نظرة الكفار إلى المسلمين، وأساساً راسخاً يحكم تعاملهم معهم.
                  الكفار وطّنوا أنفسهم على مواجهة المسلمين، وحربهم وقتالهم، وجعلوا هذه المهمة الشيطانية رسالتهم في الحياة، أوقفوا أنفسهم عليها، ورصدوا أموالهم لها، ووظفوا كل ما يملكون لأدائها!.
                  وفعل (لا يزالون): يدل على الاستمرار، وعدم التوقف أو الانتهاء، وجملة (يُقَاتِلُونَكُمْ) في محل نصب خبر (لا يزالون) –لأن "ما زال" من أخوات "كان"، ترفع الاسم وتنصب الخبر –أي: لا يزال الكفار مقاتلين لكم.
                  وعبرت الآية عن الفعلين بصيغة المضارع (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ)، للإشارة إلى التجدد المستمر لهدفهم، والتجدد المستمر في وسيلتهم، تلك الوسيلة القائمة على الاستمرار في قتال المسلمين.
                  هدف الكفار من قتال المسلمين:
                  ولا يتوقف قتال الكفار للمسلمين إلا في حالة واحدة حددتها الآية: (حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ). إن هدف الكفار –في الماضي والحاضر والمستقبل- من قتالنا هو ردتنا عن ديننا الحق، وهم يستخدمون معنا مختلف الوسائل والأساليب، لتحقيق هذه الغاية، فإن ارتددنا عن ديننا توقف قتالهم لنا، وانتهت مواجهتهم لنا!.
                  ويحذرنا الله من الاستجابة لهم، وتحقيق هدفهم ضدنا، ولذلك يهدّد من يفعل ذلك، ويرتدد عن دينه، ويموت وهو كافر، بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.
                  وندعو إلى الجمع بين آيتين:
                  آية تحدد هدف اليهود والنصارى من مواجهتهم لنا، بتخلينا عن ديننا: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ).
                  وآية تحدد هدف المشركين الكافرين من استمرار قتالهم لنا، بارتدادنا عن ديننا: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ).
                  ويلتقي الفريقان الكافران على تحقيق الهدف المشترك لهما، فالمستهدف من مواجهتهم لنا هو إسلامنا، وقد فضحهم القرآن في إظهار ما أخفوه وكتموه، وعرّفنا على ذلك، لنزداد حذراً منهم، ووعياً لمخططاتهم، وثباتاً على الحق!.
                  صفات المؤمنين المواجهين للكفار:
                  سابعاً- قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) [المائدة: 54 - 56].
                  كانت الآيات السابقة تقرر استمرار مواجهة الكافرين للمؤمنين، تلك المواجهة التي بدأت بين آدم عليه السلام وإبليس، واستمرت على مدار تاريخ البشرية كلها، وستبقى مستمرة حتى قيام الساعة.
                  وقد عرّفتنا الآيات السابقة على صفات الأعداء المواجهين لنا، وعن هدفهم من هذه المواجهة، ووسائلهم ضدنا، وحذَّرتْنا من الاستجابة لهم.
                  أما هذه الآيات من سورة المائدة فإنها تتحدث عن الصفات الأساسية للمؤمنين الصادقين، الذين يواجهون الكفار، ويقفون أمامهم، وينحازون إلى إسلامهم، ويُنقذون إخوانهم وأوطانهم:
                  1 - إن الله يحبهم، ومن محبته لهم أنه استخلصهم له، واستعملهم لخدمة دينه.
                  2 - إنهم يحبون الله، ومن محبتهم له أنهم واجهوا أعداءه، وانحازوا إلى دينه.
                  3 - إنهم يجاهدون في سبيل الله جهاداً كبيراً، صادقاً مبروراً، ثابتاً دائماً.
                  4 - إنهم لا يحسبون حساباً لغير الله، ولا يخافون فيه لومة لائم، ولا اعتراض معترض.
                  5 - إنهم ملتزمون بدين الله، يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وهم راكعون.
                  6 - إنهم أولياء لله، يتولّون الله ورسوله والذين آمنوا، ويتبرؤون من الكافرين.
                  7 - إنهم حزب الله الغالبون المنتصرون.
                  * ... * ... *

                  تعليق

                  • السعيد ابراهيم الفقي
                    رئيس ملتقى فرعي
                    • 24-03-2012
                    • 8288

                    #10
                    الفصل الثامن القرآن يبشّر المؤمنين الصالحين

                    يوقن المؤمن أن وعد الله منجَز متحقق، لأن الله لا يخلف الميعاد، ولذلك هو يصدق به، ويثق به ثقة مطلقة، ويتذكره دائماً وهو يواجه الأعداء الكافرين، ويتحداهم ويتصدى لهم.
                    يتذكر وعد الله دائماً في هذه المواجهة، ليصبر على شدائدها، ويتحمل تكاليفها، وينتظر يوم النصر، ويوقن بتحققه ولو تأخر قليلاً.
                    يجب أن يستبشر المؤمن البشرى المطلقة، بأن المستقبل لدينه، والهزيمة لأعدائه، وهذه البشرى تملؤه أملاً، وتدفعه إلى مزيد من الجهاد والعمل، وتقضي على وساوس الشيطان له، ومحاولاته إحباطه وتيئيسه، وإماتة الأمل والأماني المشرقة عنده!.
                    وفي القرآن آيات كثيرة تدعو إلى تبشير المؤمنين المجاهدين، المواجهين لأعداء الله، وتطلب منهم عدم اليأس والإحباط والقنوط، وتزيل وساوس الشيطان في نفوسهم، وإبطاله لأمنياتهم!.
                    ولنقف مع بعض هذه الآيات، لنأخذ منها البشريات والآمال، نستعين بها على مشقات الطريق الطويل، ونعالج بها هواجس اليأس والقنوط والإحباط!.
                    موسى يبشر أتباعه المؤمنين:
                    أولاً: قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [يونس: 87].
                    تدل هذه الآية على أن التبشير بالفرج والنصر ليس خاصاً بهذه الأمة، إنما هو عام لكل مسلمين مواجهين لقوى الباطل، وكان الرسل السابقون عليهم الصلاة والسلام يبشرون أتباعهم المؤمنين بالفرج والنصر.
                    ففي هذه الآية، يأمر الله موسى وهارون عليهما السلام أن يتبوأا البيوت الخفية السرية لقومهما الإسرائيليين في مصر، التي كانوا يواجهون فيها تعذيب فرعون وآله، وأن يجعلوا تلك البيوت قبلة لهم، يعبدون الله فيها، ويقيمون فيها الصلاة.
                    وأمر الله موسى عليه السلام أن يبشر أتباعه المؤمنين بقرب الخلاص والفَرَج. ونفذ موسى عليه السلام أمر الله، وبشرهم البشرى المشرقة، وسط "تبرمهم" منه، واعتراضهم عليه، واستبعادهم الفرَج، وانزعاجهم من طول الطريق وشدته!.
                    وعلى هذا قوله تعالى: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [الأعراف: 128 - 129].
                    موسى عليه السلام يطلب من الإسرائيليين المعذبين المضطهدين، أن يستعينوا بالله ويصبروا، ويبشرهم بأن الفرَج آت، فالأرض لله، يورثها من يشاء من عباده، وينزعها ممن يشاء من عباده، ويهلك الكافرين الظالمين، ويجعل العاقبة لعباده المتقين.
                    لكن قومه كانوا غلاظاً قساة القلوب، فلم يقبلوا هذا التبشير، وإنما تبرموا به وبدعوته، وقالوا له: لم نستفد منك شيئاً، فقد نالنا الأذى والعذاب من فرعون قبل أن تأتينا، وها هو العذاب والأذى يُصَبّ علينا من بعد ما جئتنا، فماذا استفدنا منك؟ ولماذا لم توقف هذا الإيذاء عنا؟.
                    رد موسى عليه السلام على اعتراضهم وتبرّمهم، بتبشير صريح لهم، وقال: عسى الله أن يُهلك فرعون وجنوده، ويفرج عنكم ما أنتم فيه، ويستخلفكم من بعدهم في الأرض.
                    وقد تحققت هذه البشرى بعد ذلك، عندما أنجى الله موسى عليه السلام ومن معه أجمعين، وأغرق فرعون وجنوده، واستخلف بني إسرائيل، وأورثهم الأرض، قال تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ) [الأعراف: 137].
                    القرآن يبشر المؤمنين:
                    ثانياً: قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) [الإسراء: 9].
                    القرآن كتاب تبشير، فهو يرشد المؤمنين للخير، ويهديهم للطريق الأقوم والأصلح، ويقدم لهم البشرى بالفلاح والنجاح والفوز، في الدنيا والآخرة.
                    وتكمن البشرى القرآنية في وعوده الصادقة المتحققة، التي يعد بها المؤمنين الصالحين، كما تكمن في ما يذكره القرآن من قصص السابقين، ويركز على مواطن الصبر فيها، بإهلاك أهل الباطل، وانتصار أهل الحق.
                    واللطيف في التعبير القرآني، أن هذه الآية: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ) جاءت بعد عدة آيات، تحدثت عن إفسادين كبيرين لبني إسرائيل، مقرونين بعلو واستكبار، موجّهين ضد الأمة المسلمة، وذكرت كيفية القضاء على ذينك الإفسادَيْن وإزالتهما.
                    فمن المناسب أن يأتي الحديث عن تبشير القرآن للمؤمنين، بعد الحديث عن إزالة الإفسادين اليهوديين، ليكون من مظاهر التبشير القرآني تقريره أن إزالة الإفسادين حقيقة قرآنية قاطعة، وبشرى قرآنية واقعة!.
                    واللطيف أيضاً: أن التعبير عن التبشير القرآني جاء بصيغة الفعل المضارع: (يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ)، ذلك الفعل الدال على التجدد والاستمرار. وهذا معناه: أن البشرى القرآنية متجددة، فكلما قرأ المؤمن البصير المبتلى آيات القرآن بوعي وتدبر وبصيرة، كلما تزود من تلك البشرى بالزاد العظيم الذي يعينه على الثبات والصبر.
                    الأمر بتبشير العباد الصالحين:
                    ثالثاً: قال تعالى: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ) [الزمر: 17 - 18].
                    يُثني الله في هاتين الآيتين على عباده الصالحين المتقين، الذين يستحقون البشرى المشرقة، فهم مؤمنون، اجتنبوا عبادة الطاغوت، وعبدوا الله وحده، وأنابوا له وحده، واستمعوا كلامه، واتبعوه والتزموه، واهتدوا به، وبذلك كانوا من أولي الألباب الواعية، وأصحاب العقول الكبيرة.
                    هؤلاء لهم البشرى من الله، بأن يعيشوا في الدنيا حياة طيبة سعيدة، في ظلال ذكر الله وطاعته، وبأن يتنعموا في الآخرة بجنته.
                    هؤلاء العباد الربانيون مكرمون عند الله، ولذلك يأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبشرهم بالخير والفلاح، وذلك لتشرق أرواحهم، وتستنير قلوبهم، وتنشط هممهم، وتقوى عزائمهم.
                    هؤلاء العباد الذين يبشرهم الرسول صلى الله عليه وسلم في الدنيا، ينزل الله عليهم ملائكته عند احتضارهم لطمأنتهم وتأمينهم وتبشيرهم، ليغادروا هذه الدنيا سعداء آمنين مطمئنين. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ، نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ، نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ) [فصلت: 30 - 32].
                    البشرى للأولياء في الدنيا والآخرة:
                    رابعاً: قوله تعالى: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [يونس: 62 - 64].
                    تقرر هذه الآيات حقيقة قاطعة، وهي تأمين وحفظ وحماية الله لأوليائه، المؤمنين المتقين، وبما أن الله يحفظهم ويحميهم، فإنهم يعيشون حياتهم بدون خوف من المستقبل، ولا حزن على الماضي.
                    وتقدم الآيات صفتين عظيمتين لهؤلاء الأولياء: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ): الإيمان العظيم الحي، المؤثر المحرك، الذي ينتج عنه العمل الصالح والاستقامة. ثم التقوى العظيمة لله، التي تحول بين صاحبها وبين ارتكاب ما حرم الله، أو ترك ما أوجب الله، وتجعله يعيش معنى معية الله، ومراقبته له.
                    هؤلاء الأولياء يستحقون البشرى العامة، الشاملة المطلقة: (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا).
                    وبشراهم في الدنيا تشمل كل مجالات حياتهم، فبما أنهم أولياء الله، مؤمنون متقون، فإن الله يوفقهم ليعيشوا الحياة الطيبة المباركة السعيدة، عابدين ذاكرين مطيعين لله، ومعلوم أنه لا طعم ولا معنى للحياة، إن لم يعشها صاحبها في عبادة الله وطاعته.
                    وهم مفلحون في أعمالهم، ناجحون في أدائهم لها، فائزون في نهايتها، وسجل الله لهم أجرها وثوابها.
                    وبشراهم في الآخرة تتحقق، عندما يظلهم الله في ظله، وهم في ساحة الموقف، وعندما يتجاوز عن ذنوبهم، ويثقل موازينهم، ويعطيهم كتبهم بأيمانهم، ويدخلهم الجنة برحمته وفضله، ويجعلهم منعّمين خالدين فيها أبداً.
                    وأخبرت الآيات أنه لا تبديل لكلمات الله: (لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ). أي: لا تغيير للحقائق المذكورة في هذه الآيات، ولا تراجع عن البشرى للأولياء المبشّرين، وهذا هو الفوز العظيم، الذي يمنّ الله به على أوليائه: (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
                    البشرى للصابرين:
                    خامساً: قوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة: 155 - 157].
                    يخبر الله المؤمنين أن حياتهم قائمة على الابتلاء والاختبار والامتحان، حتى يوطنوا أنفسهم على ذلك، ويستعدوا لمواجهته، ولا يفاجَؤوا به. وهو سبحانه سيبتلي المؤمنين بشيء من الخوف والجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات.
                    ويدعوهم الله إلى مواجهة ذلك كله بالصبر والاحتساب، وكلما أصابتهم مصيبة؛ في أنفسهم أو أموالهم، أو أهليهم أو ممتلكاتهم، يتذكرون أنهم عباد، خاضعون لله، وأن حياتهم في الدنيا قصيرة زائلة، وهم راجعون بعدها إلى الله، ويقولون: إنا لله، وإنا إليه راجعون.
                    وصبرهم على ما يواجههم من ابتلاءات ومحن، يدفعهم إلى الثبات على الحق، والرضا بقدر الله، والثقة بما عنده، وإشغال أوقاتهم بطاعة الله وعبادته، والابتعاد عما حرم عليهم!.
                    هؤلاء العباد الصابرون، يأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبشرهم: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ).
                    وصبرهم على ما يلاقون أهّلهم لنيل البشرى من الله، على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، مما يدل على عظم مكانة الصبر عند الله، وعلو منزلة صاحبه.
                    والبشرى للصابرين مطلقة، عامة شاملة، تشمل كل خير وفوز وفلاح، يبشّرون به في الدنيا والآخرة.
                    وكما أن صبرهم زاد ضروري لهم في حياتهم، يتزودون به في قطع الطريق إلى الله، وتحمل مشقاته وابتلاءاته ومحنه، كذلك البشرى من الله حافز كبير لهم، يدفعهم إلى مزيد من الجهد والاجتهاد، والصبر والاحتساب.
                    وفرق بعيد بين من يصبر على البلاء رغم أنفه، وهو يائس قانط محبط، كاره لحياته ومسيرته، وبين من يصبر على ذلك وهو مستبشر فاعل، إيجابي نشيط، يستعذب المصائب، ويستمتع بالمشقات، والبشرى تملأ عليه حياته!!.
                    البشرى للمؤمنين المجاهدين:
                    سادساً: قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [التوبة: 111 - 112].
                    أكرم الله المؤمنين الصادقين، بأن اشترى منهم أنفسهم وأموالهم، وجعل ثمن هذه الصفقة الجنة، يدخلهم فيها منعمين مكرّمين، لكن طريقة تسليم الأنفس والأموال المباعة، هي جهادهم الصادق في سبيل الله، وقتالهم المستمر لأعداء الله.
                    وأكرم الله المؤمنين الصادقين إكراماً آخر، بأن جعل هذه الصفقة الكبيرة وعداً عليه حقاً، ألزم نفسه بإنفاذه رحمة وكرماً وفضلاً، وجعل هذا الوعد في كتبه الثلاثة المنزلة: التوراة والإنجيل والقرآن.
                    ودعا الله هؤلاء المؤمنين إلى الاستبشار بقبول هذا البيع، الذي باعوه لله: (فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
                    وما أعظم أن يجاهد المجاهد في سبيل الله، ويقتحم الميدان، ويقاتل الأعداء، وهو مستبشر سعيد مسرور، راض عن ربه الكريم، موقن بإنجاز وعده العظيم، مقبل عليه بحيوية وتفاعل، وشجاعة وإشراق!.
                    ولا بد للمؤمنين المجاهدين من أن يتصفوا بالصفات الإيجابية العظيمة، التي ذكرتها الآية الثانية، ليَصْدُقوا في البيعة، وينالوا الثمن والجزاء والكرامة: التائبون، العابدون، الحامدون، السائحون، الراكعون، الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر.
                    هؤلاء المؤمنون هم أكرم الناس على الله، وهم أفضل من على وجه الأرض، يباهي الله بهم ملائكته، ويحوطهم بحفظه ورعايته.
                    ومن كرامتهم على الله، أنه يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبشرهم البشرى المطلقة: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ). البشرى بالخير والتوفيق في الدنيا، والاستمتاع فيها بالحياة الطيبة، وبالجنة ونعيمها في الآخرة!.
                    البشرى بالفوز والربح والنجاة:
                    سابعاً: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [الصف: 10 - 13].
                    أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بتبشير المؤمنين، في هذه السورة الجهادية (سورة الصف)، وورد في سياق الحديث عن الجهاد، باعتباره التجارة الرابحة المنجية، وهو السياق نفسه الذي ورد فيه الأمر بالتبشير في سورة التوبة، الذي تحدثنا عنه في الآيات السابقة.
                    الجهاد تجارة رابحة، منجية من عذاب أليم، والقعود عنه خسارة، وسبب للعذاب الأليم، والجهاد خير للمؤمنين، والقعود شر لهم.
                    وللجهاد نتائج عظيمة، وثمرات باهرة، لا يمكن للأمة أن تنالها إلا به، مثل مغفرة الذنوب، ودخول الجنات تجري من تحتها الأنهار، وتملّك المساكن الطيبة في جنات عدن، وتحقيق الفوز العظيم والفلاح الكبير.
                    ومن نتائج الجهاد العظيمة في الدنيا تحقق النصر من الله، والحصول على الفتح القريب .. والقعود عن الجهاد لا يفتح بلاداً، ولا يجلب نصراً، ولا يحرر وطناً، ولا يدفع عدواً.
                    وفي خاتمة الحديث عن ثمرات ومكاسب الجهاد في الدنيا والآخرة، يأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبشر المؤمنين المجاهدين: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ).
                    بماذا يبشرهم؟ يبشرهم بشرى مطلقة، بالحصول على كل مظاهر الخير، في الدنيا والآخرة، ومن أهمها اكتساب ثمرات الجهاد العظيمة، التي قررتها هذه الآيات!.
                    القرآن حريص على تبشير المؤمنين الصادقين، والمجاهدين الثابتين، وهم ينالون البشرى القرآنية بيقين، فيفرحون وينشطون، ويؤدون واجباتهم، وهممهم عالية، ونفوسهم مشرقة، وآمالهم عريضة، وقد أبعدوا عنهم وساوس الشيطان، وتدسُّس هواجس اليأس أو القنوط أو الإحباط، يحدوهم قوله تعالى: (وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف: 87].
                    * ... * ... *

                    تعليق

                    • السعيد ابراهيم الفقي
                      رئيس ملتقى فرعي
                      • 24-03-2012
                      • 8288

                      #12
                      الفصل الأول الوعد القرآني في سورة الأنعام

                      سورة الأنعام مكية، موضوعها الأساسي هو العقيدة، فهي تعرض حقائق العقيدة، وتقدم الأدلة على وحدانية الله، وتقيم الحجة على الكافرين، وتفنّد ما هم عليه من كفر وشرك، وتبطل إشاعاتهم وشبهاتهم ضد الحق، وتقود المؤمنين في مواجهة الباطل.
                      وأُنزلت سورة الأنعام في فترة حرجة شديدة، عاشتها الدعوة الإسلامية في مكة، وكانت أقسى الفترات التي مرت بها، وكان هذا في سنوات حصار المؤمنين في شِعْبِ أبي طالب، وما أعقبها من عام الحزن، وإيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم في الطائف، إلى أن كانت حادثة الإسراء والمعراج.
                      كانت الدعوة الإسلامية محاصرة حصاراً شديداً في هذه الفترة الحرجة، حيث اشتد إيذاء وتعذيب الكافرين للمسلمين، وكان المسلمون يبحثون عن مخرج لهذا الحصار، وينتظرون الفرج من الله!.
                      وأُنزلت سورة الأنعام في هذه الفترة الحرجة، بهدف تعليم المسلمين الحجة، وملء قلوبهم بالأمل، ورفع هممهم ومعنوياتهم وعزائمهم.
                      ولذلك تضمنت آيات السورة وعوداً قرآنية بهزيمة وعقاب الكافرين، ونصر المسلمين، والتمكين لهم في الأرض. وكانت الوعود في الآيات التالية:
                      تهديد الكفار بالهزيمة في غزوة بدر:
                      أولاًَ: قوله تعالى: (وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ، فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [الأنعام: 4 - 5].
                      تتحدث الآيتان عن موقف الكفار من الحق، فقد تعاملوا معه بعناد واستكبار، وكلما أسمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات من القرآن، وفهموا ما فيها من أدلة وحجج وبراهين، كانوا يعرضون عنها عناداً، فلا يٌقرّون أنها من عند الله، ولا يؤمنون بأن القرآن كلام الله، ولا يعترفون أن محمداً هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما كانوا يكذبون بالحق الواضح، ويستهزئون بالرسول صلى الله عليه وسلم، ويسخرون من المؤمنين، ويزدادون عداوة للحق وأهله.
                      وعندما كان يخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه سينتصر عليهم، يزدادون سخرية واستهزاء، وتكذيباً للرسول صلى الله عليه وسلم، حيث كانوا ينظرون لذلك نظرة مادية، فهم أكثر قوة وعدداً ومالاً، والمسلمون مستضعفون فقراء أقلية، لا يملكون مالاً ولا سلاحاً ولا كياناً، فكيف يهزمون أهل مكة الأقوياء، ويتغلّبون عليهم؟.
                      وقد توعدهم الله وهددهم بالعذاب: (فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ).
                      والمعنى: كذب الكفار بالحق، ونفَوْا أن ينتصر، وهم مخطئون في ذلك، وسوف تأتيهم الأنباء التي كانوا يُكذِّبون ويستهزئون بها، وذلك عندما تتحقق الوعود التي وعد الله بها المؤمنين، والتوعّدات التي توعد الله بها الكافرين.
                      وإتيان الأنباء إليهم، عندما تنشب المعارك بينهم وبين المسلمين، وعندما ينصر الله المؤمنين عليهم.
                      فهذه الجملة: (فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) وعد للمؤمنين بالنصر، ووعيد للكفار بالهزيمة.
                      وقد تحقق الوعد بعد بضع سنين من نزول هذه الآيات، وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة، على أرض معركة بدر، حيث نصر الله الحق، وهزم الباطل، وفقد الكافرون زعيمهم أبا جهل، وسبعين رجلاً معه، إضافة إلى الجرحى والأسرى منهم.
                      ولما أصاب المشركين في بدر ما أصابهم، أتتهم الأنباء التي كانوا يستهزئون بها، وتحققت الوعود القرآنية في الآيات المكية، بهزيمة الكافرين وانتصار المؤمنين، وعاش المؤمنون والكافرون صورتها العملية الواقعية، وبذلك تحوّل الوعد القرآني من صورته النظرية إلى صورته العملية.
                      الكفار خاسرون في حرب الإسلام:
                      ثانياً: قوله تعالى: (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) [الأنعام: 26].
                      تتحدث الآية عن جهود الكفار في محاربة القرآن، والوقوف أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبين أنهم لن ينجحوا في ذلك، وهم الذين سيخسرون.
                      كان زعماء وقادة الكفار ينهون أتباعهم عن الدخول في الإسلام، ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينأون هم عنه، ويبتعدون عن الإيمان به.
                      وتعود الهاء في (عَنْهُ) على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما معه من القرآن والحق، أي: ينهى زعماء قريش أتباعهم عن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، وهم ينأون ويبتعدون عنه.
                      لقد ارتكب هؤلاء الزعماء جريمتين: الجريمة الأولى في حق أنفسهم، حيث كفروا ونأوا وابتعدوا عن الإيمان .. والجريمة الثانية في حق الآخرين، حيث نهوهم عن الإيمان.
                      وهدفهم من النأي والنهي القضاء على الحق، وإبطال دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، والتغلّب عليه، وهزيمته في النهاية.
                      وأشارت إلى هذه الجرائم والوسائل الخبيثة آيات أخرى في القرآن، منها قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) [فصلت: 26].
                      طلب قادة الكفر من أتباعهم أن لا يستمعوا للقرآن، وأن يلغوا فيه ويُشوّشوا عليه، لئلا يسمعه الآخرون، لأنهم يخشون أن يؤمن الآخرون به إذا استمعوا له، لأنه سرعان ما يدخل القلب ويؤثر فيه، والحل عندهم هو اللغو والتشويش لئلا يستمعوا له!.
                      هل ينجح الكفار في اللغو والتشويش على القرآن؟ وفي إيقاف انتشاره عندما ينهَوْن وينأون عنه؟ وهل يمكن أن يغلبوه ويهزموه؟.
                      الجواب بالنفي. وقد حسمت الآية المسألة، وقررت نتيجة حربهم للقرآن، بأنهم الخاسرون الهالكون: (وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ).
                      وهذا وعد قرآني قاطع، صيغ بهذه الجملة المحددة، حيث نفت إمكانية نجاحهم أو انتصارهم، وحصرت الهلاك بهم، ومعلوم أن اجتماع "إن" النافية، و"إلا" الاستثنائية معاً يدل على الحصر: (وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ).
                      الكفار لا يفكرون في العواقب:
                      إن الكفار –في الماضي والحاضر والمستقبل- يهلكون أنفسهم بأنفسهم، ويجلبون العذاب لأنفسهم بأنفسهم، ويحفرون قبورهم بأيديهم، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله.
                      ولذلك نفت الآية عنهم الشعور بعواقب الأمور: (وَمَا يَشْعُرُونَ).
                      إنهم حاقدون متوترون هائجون، يحاربون القرآن بعصبية وتشنج ونزق، ويرسمون الخطط والمؤامرات، ويستخدمون مختلف الأساليب والوسائل، ويظنون أنهم سينجحون في مسعاهم، وسيقضون على القرآن .. وما درى هؤلاء المساكين أنهم سيفشلون في حربهم، وأن القرآن سيخرج منها قوياً ظافراً متصوراً، وهم الذين يهلكون ويخسرون وينهزمون.
                      ولو كانوا يشعرون في غمرة تخطيطهم وهياجهم، ولو كانوا يرون هذه النهاية التعيسة البائسة لحربهم، فقد يتخلون عنها ..
                      وقد تحقق الوعد القرآني في هذه الآية، وسجل التاريخ مصير الذين كانوا ينهون عنه وينأون عنه، ويطلبون من أتباعهم عدم الاستماع للقرآن واللغو فيه والتشويش عليه! ولنتذكر مصير زعماء قريش، ونتائج حربهم للقرآن، ونتذكر نتائج جهود المنافقين واليهود في المدينة في حربهم للقرآن، ونتذكر حروب قوى الكفر المختلفة للقرآن، ونلاحظ خروج القرآن من كل حرب منتصراً، ووقع الفشل والخسارة والهلاك بأعدائه!.
                      تكذيب الكفار بالوعود القرآنية:
                      ثالثاً: قوله تعالى: (وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ، لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) [الأنعام: 66 - 67].
                      الخطاب في الآية من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، بهدف مواساته وتسليته، على ما يجد من تكذيب قومه بما معه من الحق.
                      يقول الله له: لقد كذّب قومك الكفار بالقرآن الذي معك، مع أنه الحق من عند الله، وكل ما فيه صواب وصحيح، ولا باطل فيه. وعليك أن تقول لهؤلاء الكافرين المكذبين: أنا لست وكيلاً عليكم. أي: لا يجب علي قذف الإيمان في قلوبكم، وإدخالكم في الإسلام بقوة وإكراه! إن واجبي هو في دعوتكم وتذكيركم ونصحكم، وإقامة الحجة عليكم، فإن استجبتم لي كنتم فائزين، وإن رفضتم دعوتي كنتم خاسرين، ولا يضرني ذلك شيئاً.
                      ومن مظاهر تكذيب الكفار بالحق، تكذيبهم بالوعود القرآنية، التي كانت تحدد نهاية المواجهة بين جنود الحق وجنود الباطل، وتجزم بانتصار الحق وهزيمة الباطل، في وقت كان فيه الكفار في مكة غالبين مسيطرين، وكان المسلمون مستضعفين معذبين، فعندما كان الكفار يسمعون تلك الوعود كانوا يسخرون ويستهزئون، وردت الآية على موقفهم بتأكيد تحقق تلك الوعود: (لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ).
                      النبأ هو الخبر الصادق المهم، الذي يهم صاحبه. واستقرار النبأ تحقّقه في الواقع، في صورة عملية واقعية مشاهدة.
                      استقرار وتحقق الوعود القرآنية:
                      المراد بالنبأ الوعود القرآنية الجازمة بانتصار الإسلام وهزيمة الكفر في المستقبل، والمراد باستقرار النبأ تحقق هذه الوعود على الأرض.
                      مثلاً: قوله تعالى: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) [القمر: 45] نبأ، يتضمن وعداً بانتصار المسلمين وهزيمة المشركين. واستقراره في غزوة بدر، حيث هُزِم الكفار فعلاً.
                      وقوله تعالى: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ، سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ) [المسد: 1 - 3] نبأ، بجزم بوفاة أبي لهب على الكفر، ووعيد له بأنه سيعذب في النار يوم القيامة .. وكان استقرار هذا النبأ في الدنيا ما حصل لأبي لهب بعد غزوة بدر، حيث مات كافراً مهموماً حزيناً. وبذلك تحقق له ما تنبأ وجزم به القرآن، وله استقرار آخر يوم القيامة، حيث سيدخل الله أبا لهب نار جهنم.
                      وبعدما جزمت الآية باستقرار أنباء القرآن، وتحقّق وعوده عملياً في المستقبل، هددت المشركين الذين يكذبون بأنباء القرآن، ويجعلون وقوعها مستحيلاً، فقالت لهم: (وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ).
                      أي: أنتم تكذبون بأنباء القرآن، وتجزمون أنها لن تتحقق، وتوقنون أنكم ستغلبون المسلمين، وتنتصرون عليهم، أنتم في ذلك جاهلون، لا تعلمون ولا تشعرون، ولا تعرفون ماذا سيكون في المستقبل .. ولكنكم عندما ترون استقرار أنباء القرآن وتحقق وعوده، ستعلمون مقدار جهلكم وغبائكم، ومقدار خسارتكم وإحباطكم!! ولكن هذا العلم لن ينفعكم، لأنه سيكون بعد فوات الأوان.
                      ولقد عَلِم الكفار استقرار أنباء القرآن، عندما تحققت وعوده في المعارك والغزوات بعد الهجرة، في بدر وأُحد والأحزاب وحُنين .. وعلم الفرس والروم استقرار أنباء القرآن عندما انتشروا واستقر الإسلام في المنطقة!.
                      وسيعلم اليهود والصليبيون استقرار أنباء القرآن وتحقق وعوده، عندما ينتصر الإسلام في المستقبل القريب إن شاء الله: (لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ).
                      الكفار موعودون بعذاب الله:
                      رابعاً: قوله تعالى: (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ، إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ، قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) [الأنعام: 133 - 135].
                      هذه الآيات في سلسلة المواجهة بين الحق والباطل، والصراع بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين في مكة.
                      يخاطب الله رسوله صلى الله عليه وسلم، ليزيده إيماناً ويقيناً بانتصاره على أعدائه، وأملاً بأن المستقبل له ولدينه، يقول الله له: (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ) فهو غني عن عباده جميعاً، لا تنفعه طاعة المطيعين منهم، ولا يضره كفر الكافرين منهم .. وهو مع غناه رحيم بعباده، بعث لهم الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنزل عليه القرآن، ودلهم على طريق الحق، وقبل منهم العبادة والعمل الصالح، وتجاوز عن ذنوبهم وسيئاتهم.
                      وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يهدد الكافرين بالعذاب، بأن يقول لهم: (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ).
                      أي: الله قوي قادر، فعال لما يريد، وأنتم لا تعجزون الله، فإذا أراد إهلاككم واستخلاف غيركم بعدَكم، فعل ذلك وأهلككم؛ لأنه لا راد لأمره، ولا مبطل لإرادته.
                      وهو سبحانه قد فعل ذلك بالكفار المكذبين من قبلكم، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم فرعون وغيرهم، حيث أهلكهم واستخلف آخرين بعدهم، وأنتم أنفسكم أنشأكم الله من ذرية ونسل قوم آخرين من قبلكم، أهلكهم وجعلكم خلفاء مكانهم.
                      وبمعنى هذه الآية قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ، ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [يونس: 13 - 14].
                      كما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم مهدداً متوعداً: (إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ).
                      أي: ما وعدكم الله به من العذاب، سوف يأتيكم ويقع بكم ويصيبكم لا محالة، وأنتم مهما ملكتم من القوة فإنكم لا تعجزون الله، ولا تُعطّلون إرادته.
                      والذي وعدهم الله به أمران:
                      الأمر الأول: فشلهم في حربهم للحق في الدنيا، وانتصار الحق وامتداده وانتشاره، ورسوخه في حياة الناس. وقد تحقق هذا، حتى في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث حقق انتصارات متوالية على الكافرين .. كما تحقق بعد انتقاله صلى الله عليه وسلم للرفيق الأعلى، وما زال يتحقق حتى في أيامنا، رغم اشتداد حرب اليهود والصليبيين ضد الإسلام والمسلمين.
                      الأمر الثاني: بعثهم يوم القيامة، وحسابهم على جرائمهم ضد الحق، ثم تعذيبهم في نار جهنم.
                      اعملوا على مكانتكم إني عامل:
                      وفي انتظار تحقق ما وعدهم الله به في الدنيا، كان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصاً على العمل. ولذلك أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: (يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ).
                      أي: يا قوم! اعملوا على طريقتكم وخطتكم، واستمروا على نهجكم وبرنامجكم، ونفذوا ما تشاؤون من مخططاتكم، وحاربوني كما تشاؤون.
                      وأنا أيضاً عامل على مكانتي، وأتباعي المؤمنون عاملون على مكانتهم، وسوف نستمر في دعوتنا وعبادتنا، وسنواجه عملكم وحربكم بالمواجهة والتحدي، والصبر والثبات، ولن نتوقف عن عملنا ودعوتنا وعبادتنا وتحدّينا وصبرنا ..
                      ونحن نوقن أن المستقبل لنا، وسوف ينصرنا الله عليكم، وعندما تنهزمون أمامنا في المواجهات القادمة، سوف تعلمون من كان الله معه، ومن كان على الحق، ومن تكون له عاقبة الدار، ونتيجته النصر والغلبة والتمكين!.
                      وأنتم أيها الكافرون ظالمون، والظالمون دائماً خاسرون، لأن سنة الله تقرر أنه لا يمكن أن ينجح أو يفلح الظالمون!.
                      وما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم نقوله نحن لأعداء الإسلام، من اليهود والأمريكان وغيرهم: اعملوا على برنامجكم وخطتكم في حرب الإسلام والمسلمين، ونحن نعمل على مكانتنا وطريقنا، وسوف تفشلون في حربكم، وسينصرنا الله عليكم، وسيجعل لنا عاقبة الدار، والتمكين للإسلام، وعندما يتحقق ذلك في المستقبل بإذن الله، سوف تعلمون مقدار خسارتكم وهزيمتكم وحسرتكم!!.
                      * ... * ... *

                      تعليق

                      • ناريمان الشريف
                        مشرف قسم أدب الفنون
                        • 11-12-2008
                        • 3454

                        #14
                        حقاً ..
                        إن الله لا يخلف الميعاد وهو على كل شيء قدير،

                        هذه حقيقة إيمانية، صادقة قاطعة، وهذا أكيد
                        وما أحوج أبناء هذا الجيل لتعميق ثقتهم بربهم ودينهم وقرآنهم الكريم
                        بارك الله فيك ..
                        أرجو من الله العلي القدير أن يردنا إليه رداً جميلاً
                        وينصر المسلمين في كل بقاع الأرض


                        sigpic

                        الشـــهد في عنــب الخليــــل


                        الحجر المتدحرج لا تنمو عليه الطحالب !!

                        تعليق

                        • السعيد ابراهيم الفقي
                          رئيس ملتقى فرعي
                          • 24-03-2012
                          • 8288

                          #15
                          الفصل الثاني الوعد القرآني في سورة الأعراف

                          سورة الأعراف مكية، نازلة في الفترة الحرجة الشديدة نفسها، التي مرت بها الدعوة الإسلامية في مكة، والتي تحدثنا عن بعض ملامحها في المبحث السابق، الذي عرضنا فيه الوعد القرآني في سورة الأنعام، ولذلك كان من أهداف السورة تفنيد شبهات ودعاوى المشركين، والانتصار للحق، وتعليم المؤمنين الحجة، وملء قلوبهم بالأمل واليقين بانتصار الإسلام وأهله، وهزيمة الكفر وأهله، وتقديم الوعد الجازم النافذ بتحقيق ذلك.

                          وحققت السورة هذه الأهداف، عن طريق (استعراض) الموكب الإيماني الكريم، الذي يقوده الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام، في مواجهة الكافرين المكذبين، حيث كان سياق السورة المتتابع يتوقف في (محطات) خاصة، للعبرة والعظة، يبرز فيها نهاية كل جولة من جولات الصراع بين الحق والباطل، التي تحققت في انتصار الحق، ونجاة الرسل وأتباعهم المؤمنين، وهزيمة الكفر وإهلاك الكافرين.
                          بدأ الاستعراض بقصة آدم عليه السلام ضد إبليس، ومر بقصة نوح عليه السلام، ثم بقصة هود، ثم بقصة صالح، ثم بقصة لوط، ثم بقصة شعيب، عليهم الصلاة والسلام، وكانت الوقفة طويلة أمام قصة موسى عليه السلام أمام فرعون، عرضت فيها لقطات منوعة من قصة بني إسرائيل، وأدانتهم لخروجهم على شرع الله!.
                          ودل الاستعراض الهادف على حقيقة قرآنية إيمانية، هي: هزيمة الباطل، وإهلاك أهله الكافرين، وفشلهم في مواجهة الحق، وانتصار الحق وأهله، والتمكين لهم في الأرض.
                          وتؤخذ هذه الحقيقة المقررة للوعد القرآني من آيات السورة التالية:
                          الحديث عن الآجال الثلاثة:
                          أولاً: قوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف: 34].
                          تتحدث الآية عن أعمار الأمم وآجالها، فإذا ما انتهى عمر أمة وجاء أجلها، انتهت وزالت.
                          لقد جعل الله الحكيم للمخلوقات آجالاً ثلاثة:
                          أجل كل إنسان:
                          1 - الأجل الخاص بكل إنسان: حيث حدد الله لكل إنسان عمره، وقدّر له أجله، فإذا انتهى عمره ودنا أجله، قبضَه وأماته.
                          وقررت هذه الحقيقة المتفق عليها، آيات عديدة من القرآن؛ منها قوله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) [الزمر: 42].
                          وإذا دنا أجل إنسان، وأتاه ملك الموت لقبض روحه، وطلب التأخير، فإنه لا يستجاب له، لأنه لا يؤخّر الأجل، قال تعالى: (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ، وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المنافقون: 10 - 11].
                          أجل كل أمة:
                          2 - الأجل المتعلق بكل أمة: فالله هو الذي يوجد الأمة ويمكّن لها في الأرض، وينعم عليها بالعديد من النعم، ويطالبها بذكره وشكره، وهو سبحانه يحدد لها عمرها، ويقدر زمناً معيناً لقوتها وسلطانها، ونفوذها ووجودها ..
                          فإذا جاء أحل الأمة، أوقع الله بها أمره، وقضى عليها، وذلك إما بتدميرها وإهلاكها، كما فعل مع الأقوام السابقين، كقوم نوح وعاد وثمود، وإما بإضعافها وإزالة نفوذها، وتقلّص سلطانها.
                          كما حصل مع الروم والفرس والهنود في الماضي، وكما حصل مع أمم قوية معاصرة؛ كالإسبان والطليان، والإنكليز والروس والألمان!.
                          وتحدث القرآن عن آجال الأمم المحدّدة في عدة آيات، إضافة إلى هذه الآية من سورة الأعراف. منها قوله تعالى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ، مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) [الحجر: 4 - 5].
                          ومنها قوله تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) [النحل: 61].
                          أجل الحياة الدنيا:
                          3 - الأجل المتعلق بالدنيا: فالله خالق الكون كله، بما فيه من سماوات وأرض، ونجوم وكواكب، وشمس وقمر. وحدد لهذا الكون عمراً، وقضى له أجلاً، فإذا جاء هذا الأجل المسمى المحدد، أزال الله هذا الكون، وأنهى الحياة الدنيا، وقضى على الشمس والقمر والأرض والنجوم، وبذلك تبدأ الحياة الآخرة الدائمة الباقية.
                          قال تعالى: (اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى) [الرعد: 2].
                          فالشمس والقمر يجريان ملايين السنين، دون توقف أو عطب أو تلف، لكن الله حدد لهما أجلاً مسمى، إذا جاء أفناهم وقضى عليهما.
                          قال تعالى: (مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى) [الأحقاف: 3]. فالسموات والأرض لهما أجل مسمى معين محدد، إذا جاء أفناهما الله، وأزال الحياة الدنيا، وبدأت الحياة الآخرة.
                          تدافع الأمم وتعاقبها:
                          وحديث سورة الأعراف عن الأجل المحدد لكل أمة، يقدم وعداً ناجزاً، بإزالة قوة وسلطان أمم قوية، وإيجاد أمم أخرى وارثة لها: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ).
                          وهذه الآية تقرر حقيقة قرآنية تاريخية، حول (تعاقب) الأمم، وتدافعها فيما بينها، وتداو الأيام والزمان بينها، فللأمم أعمار مثل الأفراد، فالإنسان يولد صغيراً، ثم يكون فتى فشاباً فكهلاً فشيخاً، ثم عجوزاً هرماً، ثم يتوفاه الله .. وهكذا الأمم: تنشأ الأمة وتتحرك بحركة فتية، ويقوى سلطانها، وتعلو كلمتها، وتهابها باقي الأمم، ثم تكبر وتشيخ، ثم تهرم وتعجز، ثم تنتهي من التأثير والسلطة، وتتحول من القيادة إلى التبعية، فتذل لأمة أخرى، وتعجِز أمامها! وسبحان الباقي القوي الواحد القهار.
                          لقد انتهت أمة اليونان عندما جاء أجلها، وانتهت أمة الرومان عندما جاء أجلها، وانتهت أمة الفرس عندما جاء أجلها، وورثها الإسلام الحي المؤثر ..
                          وانتهت في العصر الحديث أمم كبرى عندما جاء أجلها؛ كالفرنسيين والإنكليز، والروس والألمان واليابان .. وأمريكة الآن دولة قوية، وأمة عظمى، تتحكم في العالم، ولكنها لن تكون مخلّدة، فالله حدد لها أجلاً، لا بد أن يأتيها، فإذا حان أجلها أنهاها الله، وأزالها عن مركز السيطرة والهيمنة، وهذا وعد نافذ عند الله. وسيرثها الإسلام العظيم، الذي جعله الله دين العالمين حتى قيام الساعة!.
                          موسى يعد أتباعه بالفرج والنصر:
                          ثانياً: قوله تعالى: (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ، قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [الأعراف: 127 - 129].
                          تتحدث هذه الآيات عن مشهد من مشاهد قصة موسى عليه السلام مع فرعون، ليأخذ المسلمون منها الدلالة والعبرة.
                          وكان حديث الآيات السابقة عن إيمان السحرة بموسى عليه السلام، ومفاجأة فرعون بذلك، وتهديدهم بالقتل والصلب والهلاك والفناء.
                          أما هذه الآيات فإنها تتحدث عن تهييج الملأ لفرعون، ضد موسى وأتباعه المؤمنين، وتحريضه على قتلهم، وتوعّد فرعون بقتل أبنائهم واستحياء نسائهم.
                          وواجه موسى عليه السلام هذا الوعيد والتهديد، بدعوة أتباعه إلى الإيمان بالله، والاستعانة به، والتوكل عليه، والصبر على كل ما يلاقون من العذاب ..
                          ووعدهم الفرج والخلاص والنجاة، فالأرض لله وليس لفرعون، والله يزيل الطغاة الظالمين، ويورثها عباده المؤمنين الصابرين.
                          ولكن بني إسرائيل كانوا متوتّرين نزقين، ضيقي الصدور، فلم يستجيبوا لوصية موسى عليه السلام، ولم يأخُذوا ما بشّرهم به، وآذوه قائلين: (أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا).
                          موسى يشير إلى الوراثة بين الأمم:
                          ولكن موسى عليه السلام لم يفقد هدوءه وصبره عليهم، وأعاد لهم البشرى بالفرَج، والوعد بالخلاص والنصر والتمكين، وقال لهم: (عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ).
                          لقد لفت موسى عليه السلام أنظارهم إلى سنة ربانية مطردة، هي سنة التداول والوراثة بين الأمم، حيث يُنهي الله الأمة، عندما ينتهي عمرها، ويحين أجلها، ويأتي بأمة جديدة مكانها، تخلفها في السلطة، وترثها في الأرض.
                          ولقد طغى فرعون وظلم، فاستحق الهلاك والعذاب من الله، وبنو إسرائيل آمنوا، فاستحقوا الاستخلاف في الأرض .. وهذه سنة الله!.
                          وتابعت آيات السورة استعراض لقطات ومشاهد، مما جرى بعد ذلك لموسى وأتباعه مع فرعون: [130 - 135]. وكيف كان فرعون يزيد تعذيبه لهم، وينكث وعده لموسى بالإيمان، والإفراج عن بني إسرائيل، ولا يحسن فهم الآيات التي أخذ الله بها قومه، فاستحق بذلك الهلاك والعذاب.
                          الله يورث بني إسرائيل الأرض:
                          وانتهت المواجهة بين موسى عليه السلام وبين فرعون، النهاية المعروفة، المتفقة مع سنة الله، في إهلاك الظالمين، وإنجاء المؤمنين.
                          قال تعالى: (فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ، وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ) [الأعراف: 136 - 137].
                          انتقم الله من فرعون وجنوده، وأغرقهم في اليم، بسبب طغيانهم وظلمهم، وتكذيبهم بآيات الله، واستعبادهم لعباد الله.
                          واستخلف بني إسرائيل في الأرض، وأورثهم مشارقها ومغاربها، صاروا أصحاب السلطان والتمكين، بعدما كانوا في الأرض مستضعفين، وكان هذا مكافأة لهم على صبرهم: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ).
                          وامتحن الله بني إسرائيل بالاستخلاف والوراثة، لينظر كيف يعملون. لكنهم لم ينجحوا في الامتحان، ولم يكونوا على قدر المسؤولية، وخالفوا أمر الله .. فحقت عليهم سنة الله، التي حقت على من كان قبلهم!.
                          وعد المسلمين بوراثة الأرض:
                          وذكر الله للمسلمين المستضعفين في مكة هذه المشاهد، ليقدم لهم البشرى بالفرَج، والأمل بالخلاص، والوعد بالنصر والاستخلاف والتمكين. فقد كان الصحابة في مكة يمرون بمرحلة الاستضعاف، التي لا بد من تجاوزها، بالاستعانة بالله، والصبر على البلاء، والتي ستقودهم إلى مرحلة الاستخلاف والتمكين، والانتصار على أعدائهم الكافرين.
                          ولذلك تضمنت هذه الآيات وعداً ضمنياً غير صريح، بنصرهم واستخلافهم، لأنهم أفضل وأكرم على الله من بني إسرائيل .. وقد تحقق هذا الوعد فيما بعد.
                          وعندما يقف المسلمون المستضعفون المضطهدون، أمام هذه الآيات من قصة بني إسرائيل، يأخذون منها هذه الإشارة الواعدة بالفرَج والتمكين!.

                          تعليق

                          يعمل...
                          X