وعود القرآن بالتمكين

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • السعيد ابراهيم الفقي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 24-03-2012
    • 8288

    #16
    الفصل الثالث الوعد القرآني في سورة يونس
    سورة يونس مكية، أُنزلت في الفترة الحرجة الشديدة نفسها، التي مرت بها الدعوة الإسلامية في مكة، ولذلك هدفت إلى تسلية ومواساة الرسول صلى الله عليه وسلم، على ما يجده من أذى قومه، وإلى تقديم البشرى والأمل، للمسلمين المستضعفين، ورفع هممهم وعزائمهم، ليوقنوا يقيناً جازماً بأن الأمل لهم، والمستقبل لدينهم.
    وتضمنت آيات السورة وعداً قرآنياً بالتمكين للمسلمين، ووعيداً وتهديداً بالهزيمة والخسارة للكافرين. ومن هذه الآيات الواعدة ما يلي:
    سنة الله في إهلاك الظالمين واستخلاف المؤمنين:
    أولاً- قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ، ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [يونس: 13 - 14].
    تتحدث الآيتان عن السنة الربانية في إهلاك الظالمين الكافرين المجرمين، والسنة الربانية في استخلاف الأمم وتوارثها، وتداول الأيام بينها.
    فالله أهلك الظالمين المجرمين السابقين، لأنهم كفروا بالحق، وكذبوا الرسل، وظلموا الناس، واضطهدوا المؤمنين المستضعفين.
    والله جعل الأجيال الجديدة خلائف في الأرض، من بعد تدمير وإهلاك الظالمين، وابتلاهم بالتمكين، لينظر كيف يعملون. فإن آمنوا واستقاموا، حافظوا على الإنعام الرباني، وأدام الله عليهم التمكين والتأييد، وإن طغوا وأجرموا حقت عليهم سنة الله، وأهلكهم كما أهلك الظالمين من قبلهم.
    وهذا وعد للمسلمين بالنصر والتمكين، ووعيد لكفار قريش بالإذلال والهزيمة .. وقد حقق الله للمؤمنين الصابرين وعده بالنصر، وأوقع بالكافرين وعيده وتهديده، بما حصل في الغزوات الجهادية الإسلامية.
    تحدي الكفار بالقرآن:
    ثانياً- قوله تعالى: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ، أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) [يونس: 37 - 39].
    تقرر الآية الأولى أن القرآن كلام الله، وأنه لا يمكن أن يكون مفترى من دون الله، وهو مصدِّق للكتب الربانية السابقة كالتوراة والإنجيل، وقد فصّل الله فيه كل شيء، وكل ما فيه حق وصدق وصواب.
    وتبطل الآية الثانية مزاعم الكفار ضد القرآن، فهم يتّهمون الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه افترى القرآن واختلقه، ونسبه إلى الله افتراء ..
    ولذلك تحدّتهم الآية بأن طلبت منهم الإتيان بسورة هي مثل القرآن في فصاحته وبلاغته وأسلوبه، والاستعانة بمن يريدون ويستطيعون، فإن نجحوا في ذلك، وقدموا السورة المطلوبة، كانوا صادقين في كلامهم، وكان القرآن مفترى، وليس من عند الله، وإن عجزوا عن ذلك كانوا كاذبين في مزاعمهم، وثبت أن القرآن من عند الله، وأن محمداً هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    تكذيب الكفار بوعود القرآن:
    أما الآية الثالثة فإنها تتضمن تهديداً ووعيداً للكفار بالعقاب، ووعداً مشرقاً للمؤمنين بالنصر.
    تصف الآية الكفار بالجهل، الذي دفعهم إلى التكذيب بالقرآن جملة وتفصيلاً: (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ) .. إنهم لم يحيطوا علماً بالقرآن، ولا بمعانيه ومضامينه، فكيف كذبوا بشيء يجهلونه؟.
    ومن الحقائق القرآنية التي لم يحيطوا علماً بها فكذبوها، وعود القرآن بالنصر والتمكين للمسلمين، وبالخسارة والهزيمة للكافرين .. فقد سمعوا آيات قطعت تلك الوعود، فاستبعدوا تحققها، وأنكروا وقوعها، وكذبوا بها، وتساءلوا: هل من الممكن أن يتغلب عليهم المسلمون وهم مستضعفون أمامهم؟ لا يملكون قوة ولا سلطاناً ولا أرضاً؟!.
    وترد الآية على تكذيبهم، واستبعادهم تحقق الوعود القرآنية، بقولها: (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ). وهذه الجملة وعيد وتهديد لهم، بقرب وقوع العذاب بهم!.
    "لما": حرف إطماع، يدل على قرب تحقق وقوع ما بعدها. وهي حرف جزم، يجزم الفعل المضارع بعده، و"يأتهم": مضارع مجزوم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، أصله "يأتيهم". والضمير "هم" يعود على المشركين، وهو في محل نصب مفعول به مقدّم، و"تأويله": فاعل مؤخر، والضمير في "تأويله" يعود على القرآن.
    فمعنى: (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ): لم يتم تأويل آيات القرآن الواعدة بانتصار المسلمين، وهزيمة الكافرين، ولذلك كذب الكافرون بها.
    معنيان للتأويل في القرآن:
    ما معنى التأويل هنا؟.
    التأويل بمعنى بيان العاقبة والمآل، أو رد الشيء إلى غايته المرادة منه، وتحديد معناه الصحيح، أو مآله الدقيق.
    والتأويل في القرآن له صورتان:
    الأولى –صورة نظرية: تقوم على إزالة اللبس والغموض عن الكلام، وذلك بحمله على نص آخر صريح، واضح محكم، ورده إليه. وهذا هو تأويل الآيات المتشابهات القليلة في القرآن، وذلك بإزالة الاشتباه عنها، عن طريق حملها على الآيات المحكمات الكثيرة في القرآن.
    الثانية- صورة عملية مستقبلية: وذلك ببيان العاقبة والمآل للآية، فعندما تتحدث الآية عن أمر مستقبلي قادم، يكون حديثها وعداً نظرياً، وعندما يتحقق ذلك الوعد النظري، في صورة عملية واقعية تطبيقية، يكون ذلك الوقوع تأويلاً لها، لأنه به يتحقق مآلها.
    التأويل العملي للوعود القرآنية بالنصر:
    الوعود القرآنية في السور المكية بانتصار الحق وإزهاق الباطل، كانت وعوداً نظرية مجردة، وهذه الوعود تحتاج إلى "تأويل"، أي: تحتاج إلى إنجاز وتنفيذ، وتطبيق على الأرض، فوقوعها على الأرض تأويل عملي لها.
    إن الوعد القرآني في قوله تعالى في سورة القمر: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) وعد نظري، قطعه القرآن في مكة .. وقد تحقق هذا الوعد في غزوة بدر، فكان وقوعه وتحققه "تأويلاً" له، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "فعرفت تأويل الآية يومئذ". وبذلك كان تأويل الآية تحقق مضمونها على الأرض.
    إذن معنى قوله تعالى: (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ): لم تتحقق حتى الآن الوعود القرآنية الواعدة، ولم يتم تأويلها العملي، ولذلك كذب بها الكافرون.
    واختيار حرف الإطماع "لما" مقصود، لأنه يدل على قرب مجيء ذلك التأويل، وقد أتاهم تأويل تلك الوعود القرآنية في غزوة بدر، وما بعدها.
    والدليل على أن هذا هو معنى: (وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) قول الآية بعد ذلك: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ).
    أي: كما كذب كفار مكة بما لم يحيطوا بعلمه من معاني القرآن، ووعوده وأخباره المستقبلية، كذلك كذب الكفار السابقين بما أخبرهم به رسلهم.
    فماذا فعل الله بالكفار المكذبين السابقين؟ لقد أهلكهم ودمرهم، وبذلك أتاهم تأويل الأخبار والوعود التي كذبوا بها .. وبذلك كانت عاقبة الظالمين السابقين سيئة. فانظر كيف كانت عاقبتهم، وخذ منها العبرة.
    وهذا تهديد للكفار المكذبين بالقرآن، بأنه سيأتيهم تأويل ما كذبوا به، كما أتى التأويل من سبقهم من المكذبين.
    وهذا وعد للمؤمنين المستضعفين في مكة بالنصر والتمكين، لأن تأويل آيات الوعيد والتهديد للكفار، معناه انتصار المسلمين عليهم .. وهذا ما حصل في الغزوات بعد الهجرة، التي انتهت بفتح مكة.
    انتظار الكفار العذاب:
    ثالثاً- قوله تعالى: (فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ، ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ) [يونس: 102 - 103].
    في هاتين الآيتين وعيد آخر للكافرين بالعذاب، في مقابل وعد جديد للمؤمنين بالنجاة والفرَج.
    ماذا ينتظر الكفار المكذبون؟ وماذا يتوقعون أن يحصل لهم؟ وهم يعذِّبون المؤمنين، ويكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحاربون الإسلام!.
    لن يحصل لهم إلا مثل الذي حصل للكفار المكذبين المحاربين من قبلهم، كقوم نوح وعاد وثمود وفرعون، لأن هذه سنة الله التي لا تتغير ولا تتبدل: كل من حارب الحق فهو مهزوم لا محالة، وتنتظره في النهاية عاقبة سيئة مظلمة. فكفار قريش يسيرون نحو هذه العاقبة، التي وصلها الذين من قبلهم!.
    ولذلك أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: (فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ).
    أي: انتظروا أن تروا أياماً سوداء قاسية، مثل أيام الكفار الذين من قبلكم، وانتظروا وقوع العذاب بكم، فإنه آتيكم لا محالة، وانتظروا انتصار المسلمين عليكم، وانتظروا إذلالكم وهزيمتكم.
    وأنا معكم من المنتظرين، أنتظر تحقق هذا كله، تحقق الجانب السلبي عليكم، وتحقق الجانب الإيجابي لي ولأتباعي ..
    انتظار المؤمنين النصر والنجاة:
    وقد ذكرت الآية التالية ماذا ينتظر المؤمنون، وماذا يأملون من الخير عند الله، حيث يبشر الله المؤمنين بالنجاة والخلاص والأمان والفوز: (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ).
    وهذا واضح في القصص القرآني، الذي كان يحدد هذه النهاية لقصة كل نبي مع قومه، من نوح إلى هود وصالح وشعيب وغيرهم، عليهم الصلاة والسلام، فالله كان ينهي المواجهة بين الرسول وقومه، بإهلاك الكفار المعادين، وإنجاء الرسول وأتباعه. فهذه سنة الله التي لا تتخلف.
    وقطع الله وعداً جازماً بإنجاء المؤمنين، على اختلاف الزمان والمكان: (كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ).
    الله لا يخلف الميعاد، ووعده ناجز نافذ، فإنجاء المؤمنين عند إهلاك الكافرين أمر قدّره الله، وأنفذه وأمضاه، وتفضل على المؤمنين بإخبارهم أنه حق عليه، وجعله الله حقاً عليه تكرماً منه وفضلاً سبحانه.
    وتحقق ما في الآيتين من وعيد وتهديد للكافرين، ووعد مشرق للمؤمنين، وذلك في الغزوات الإسلامية بعد الهجرة.
    وبذلك تحقق ما كان ينتظره رسول الله صلى الله عليه وسلم من خير له وشر لأعدائه: (قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ).
    بهذا اليقين الجازم بتحقق وعد الله، وانتظار تأويله في عالم الواقع، يتعامل المسلمون المجاهدون المعاصرون مع أعدائهم من اليهود والأمريكان وغيرهم!
    الاتباع والصبر حتى يتحقق الوعد:
    رابعاً- قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ، وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) [يونس: 108 - 109].
    هاتان الآيتان خاتمة سورة يونس المكية، التي تريد تثبيت المؤمنين على الحق، وملء قلوبهم بالأمل واليقين، وتقديم الوعود الصادقة لهم بالنصر والتمكين.
    يأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ دعوته للناس جميعاً، وأن يقيم عليهم الحجة، ويقول لهم: أنا رسول الله إليكم جميعا، وقد قدمت لكم الحق، وأقمت عليه الأدلة والبراهين، وبذلك انتهت مهمتي عندكم، والخطوة التالية عليكم، فإذا قبلتم الهدى وآمنتم؛ أفلحتم وفزتم، وإن رفضتموه كنتم الخاسرين، وأنا لست وكيلاً عليكم، ولا يجب علي قذف الإيمان في قلوبكم!.
    ماذا يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد التبليغ والبيان وإقامة الحجة؟ ماذا يفعل وهو ينتظر تحقق موعود الله؟.
    كان ينتظر تحقق موعود الله، عندما قال لهم: (فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ) وهو في فترة الانتظار ينفذ ويطبق قول الله له: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ).
    لقد أمره الله بأمرين:
    الأول: اتباع شرع الله: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ). وذلك بتنفيذ الأوامر والتوجيهات، التي أنزلها الله في القرآن، والمتعلقة بالشعائر التعبدية، والمشاعر الأخلاقية، والحركة الدعوية، ومواجهة الأعداء، والصمود أمامهم.
    الثاني: الصبر (وَاصْبِرْ) وهو صبر عام شامل مطلق، يقدم زاداً للمؤمنين، يثبتهم على الحق، ويدفعهم إلى تجاوز مرحلة انتظار النصر بعزيمة وهمة وأمل ويقين.
    وسوف يحكم الله بين المؤمنين والكافرين، وينهي المواجهة بينهم، ويحقق وعده للمؤمنين، ويوقع وعيده للكافرين، وهو سبحانه خير الحاكمين.
    زادُنا ونحن ننتظر تحقيق وعود الله لنا بالنصر، تنفيذ الأمرين المذكورين في الآية: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ) .. الاتباع الجاد الصادق لشرع اله، والصبر الجميل، والانتظار الإيجابي، المقرون بالبشرى والأمل، والجهد والعمل.

    تعليق

    • السعيد ابراهيم الفقي
      رئيس ملتقى فرعي
      • 24-03-2012
      • 8288

      #17
      الفصل الرابع الوعد القرآني في سورة هود
      سورة هود مكية، وأنزلت في الفترة الحرجة نفسها، التي تحدثنا عن ملامحها من قبل، وهدفت إلى ما هدفت إليه سورة يونس، والسور الأخرى النازلة في تلك الفترة، مع تميز كل سورة بشخصية خاصة، ذات ملامح خاصة، وطريقة خاصة في عرض موضوعاتها، وتقرير حقائقها.
      وقامت سورة هود بتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين على الحق، وملء قلوبهم باليقين والأمل، بانتصار الإسلام، وهزيمة الكفر، من خلال استعراض قصص الرسل مع أقوامهم، وهم: نوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وموسى، عليهم الصلاة والسلام. وكان ترتيب ذكر الرسل وفق التسلسل التاريخي.
      والمذكور من قصة كل رسول من هؤلاء مع قومه هو قيام الرسول بتبليغ الدعوة لقومه، وذكر موقفهم من دعوته، ثم استعراض بعض ما جرى من حوار ونقاش بينه وبينهم، وتحديه لهم، وإصرارهم على الكفر والتكذيب والعداء، ثم ذكر خاتمة قصته معهم، بإنجاء الرسول وأتباعه المؤمنين، وإهلاك أعدائه المكذبين.
      والهدف من هذا الاستعراض، والتركيز على هذه المشاهد من قصة كل رسول، هو تثبيت المؤمنين على الحق، وتقوية هممهم وعزائمهم على المواجهة والتحدي، ولفت أنظارهم إلى سنة الله في الدعوات، واستشرافهم الأمل الكبير، ونظرتهم نحو المستقبل المأمول، بالتمكين لهم، والهزيمة لأعدائهم!.
      وقد جاءت آيات التثبيت والتوجيه والوعد، في ذكر ما جرى بين الرسل وأقوامهم، أو في التعقيب على إنهاء المواجهة بين الفريقين .. ومن أشهرها ما يلي:
      العاقبة للمتقين:
      أولاً: في التعقيب على قصة نوح عليه السلام مع قومه، التي انتهت بإغراق الكافرين بالطوفان، وإنجاء نوح وأتباعه المؤمنين في السفينة، ثم إنزالهم إلى الأرض بعد الطوفان، لاستئناف الحياة من جديد.
      جاء التعقيب على ذلك بقوله تعالى: (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) [هود: 49].
      يقول الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: ما ذكرناه لك من قصة نوح من أنباء الغيب، أوحيناها إليك، ولم تكن تعلمها أنت من قبل، كما أن قومك لم يكونوا يعلمونها، وورود هذه الأنباء في القرآن دليل على أن هذا القرآن ليس من تأليف مخلوق، إنما هو وحي منا إليك.
      وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر، بمعناه العام الشامل، لأن الصبر زاد ضروري، في مرحلة انتظار النصر.
      وقررت الآية سنة ربانية مطردة: (إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ). أي: نهاية المواجهة بين جند الحق وأصحاب الباطل هي في إنجاء المتقين، وإهلاك الكافرين، فالعاقبة دائماً للمتقين، يمن الله عليهم بالفرج والنجاة والنصر والتمكين، وعليهم أن يستشرفوا المستقبل بيقين، وينظروا للعاقبة بثقة وأمل، وينتظروا تحقيق ما وعدهم الله به!.
      سنة الله في الاستخلاف:
      ثانياً: عرضت آيات السورة بعض ما جرى بين هود عليه السلام وبين قومه، وسجلت بعض ما قاله هود عليه السلام لهم، ومنه انتظاره إهلاكهم واستخلاف آخرين مكانهم. وذلك في قوله تعالى: (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً) [هود: 57].
      أي: الواجب علي تبليغكم الدعوة، وإقامة الحجة عليكم، وقد فعلت ذلك، فإن رفضتم دعوتي، وتوليتم وأعرضتم، وأصررتم على الكفر والتكذيب والعداء، فأنتم الخاسرون، وبذلك تجنون على أنفسكم، فالله سيدمركم ويهلككم، كما فعل بقوم نوح من قبلكم، وأنتم لا تعجزون الله، ولا تضرونه شيئاً بكفركم ..
      وسيستخلف الله قوماً غيركم، يرثونكم، ويأتون مكانكم، فهذه سنة الله التي لا تتخلف.
      وقد حقق الله سنته، فأنجى هوداً والذين معه، وأهلك قومه الكافرين، قال تعالى: (وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ، وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) [هود: 58 - 60].
      العمل المتواصل وارتقاب الموعود:
      ثالثاً: ذكرت آيات السورة بعض ما جرى من كلام وحوار بين شعيب عليه السلام وبين قومه مدين. ومن ذلك صبر شعيب عليهم وتحديه لهم. قال تعالى: (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ) [هود: 93].
      معنى: (عَلَى مَكَانَتِكُمْ). على طريقتكم وخطتكم وبرنامجكم.
      بعدما بلّغ شعيب عليه السلام قومه الدعوة، اتضح لهم طريقان: طريق الحق وطريق الباطل. الحق الذي يمثله شعيب عليه السلام، وأتباعه المؤمنون والباطل الذي يمثله الملأ من قومه، وأتباعهم الكافرون.
      ولكل فريق منهما مكانة وطريقة وبرنامج عملي: برنامج عملي إيجابي، يقوم على العبادة والدعوة والعمل الصالح، يقوم به شعيب عليه السلام وأتباعه المؤمنون. وبرنامج عملي سلبي خبيث، يقوم على الكفر والبغي والظلم والطغيان، ونشر الفساد والإفساد بين الناس، ومحاربة الحق وأهله .. وشتان بين العملين والبرنامجين.
      ولذلك تحدى شعيب عليه السلام قومه بقوله: (وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ).
      أي: كل منا يعمل، وفق خطته، وكل منا يسعى في إبطال عمل الآخر، فأنتم عاملون على هزيمتي والقضاء على دعوتي، وأنا عامل على نشر دعوتي، وعلى إزهاق باطلكم، والقضاء على سلطانكم، فاعملوا، وأنا أعمل!.
      والمستقبل لنا وليس لكم، إننا ننتظر ما وعدنا الله به من النجاة والنصر، وننتظر ما توعّدكم الله به من العذاب، ونحن نوقن أن هذا آت لا محالة، وعندما يحل ذلك بكم ستعلمون: (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ).
      واستمر شعيب عليه السلام في تحديهم، فقال: (وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ). أي: ارتقبوا نهاية الصراع بيني وبينكم، ووقوع العذاب بكم، فأنا رقيب أرقب ذلك، فالزمن جزء من العلاج.
      ولما شاء الله إنهاء قصة شعيب عليه السلام مع قومه، حقق الوعد والوعيد. قال تعالى: (وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ، كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ) [هود: 94 - 95].
      سنة الله في أخذ الظالمين:
      رابعاً: بعد استعراض مصارع المكذبين السابقين، من قوم نوح وعاد وثمود ومدين وقوم فرعون، جاء التعقيب على ذلك بأخذ العبرة. قال تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ، وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ، وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ) [هود: 100 - 103].
      تلخص هذه الآيات ما جرى بين جند الحق وجند الباطل، على مدار التاريخ البشري، منذ نوح حتى محمد عليهما الصلاة والسلام، وتبرز إهلاك الظالمين الكافرين، وتدعو إلى ملاحظة آثارهم، فها هي المدن والقرى التي كانوا فيها باقية، منها ما هو قائم في أطلاله، ومنها ما هو حصيد مدمَّر، وأهلها الكافرون هم الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم وطغيانهم، وعجزوا عن دفع عذاب الله لما وقع بهم.
      وهذه سنة الله في أخذ الكافرين المعادين للحق، على اختلاف الزمان والمكان، والله منتقم جبار، وأخذه للأعداء أليم شديد، يقصمهم قصماً، ويجعلهم عبرة لمن يعتبر.
      ولكن لا يعتبر من ذلك إلا المؤمنون الصالحون، الذين يخافون عذاب الآخرة، ويتمتعون ببصائر إيمانية هادية. أما الآخرون فإنه مطبوع على قلوبهم، مطموس على أبصارهم، لا يعتبرون ولا يتعظون!!.
      وهذا التعقيب المقصود الهادف يقدم للمؤمنين البشرى بانتصار الحق وهزيمة الباطل، ويدعوهم إلى انتظار موعود الله لهم، واستشراف المستقبل المشرق، وإسراع السير إليه بثبات ويقين.
      ويستفيد من هذا التعقيب المسلمون الصادقون، على اختلاف الزمان والمكان، لأنهم يعيشون فترة انطباق السنة الربانية على أعدائهم الذين يحاربونهم، ويفرحون بانطباق قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) على أولئك الأعداء!.
      أثر الوعد في تثبيت قلوب المؤمنين:
      خامساً: ختمت سورة هود بذكر الهدف من ذكر أنباء الرسل فيها، وأثر ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وتحدي الأعداء، وتهديدهم بالهزيمة، ووعد المؤمنين بالفرج والنصر، ودعوتهم لانتظاره. قال تعالى: (وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ، وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ، وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ، وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [هود: 120 - 123].
      من فوائد ذكر قصص الأنبياء في القرآن، تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وقلوب المؤمنين، لأن هذا القصص معرض لتطبيق سنن الله على الواقع، ولأن نهايات القصص تدمير الكافرين ونجاة المؤمنين، وفي هذا بشرى وأمل للمؤمنين، تطمئن به قلوبهم.
      وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتحدى الكافرين قائلاً لهم: (اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ، وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ).
      أي: اعملوا على طريقتكم وبرنامجكم، وابذلوا جهدكم وطاقتكم في حربي وإبطال دعوتي، ونحن المؤمنون عاملون على مكانتنا وطريقتنا وبرنامجنا، في الثبات على الحق، والوقوف أمامكم، وإبطال مكائدكم، ونشر الدعوة بينكم .. أنتم تعملون أقصى ما في وسعكم ونحن نعمل أفصى ما في طاقتنا .. والأيام بيننا، والمستقبل لنا، والزمن في صالحنا، لأن الله معنا، وسيهزمكم وينصرنا عليكم.
      وانتظروا ما سيحل بكم في المستقبل، فنحن منتظرون تحقيق ما وعدنا الله به، من الغلبة عليكم، ونحن موقنون بحصول ذلك، لأنه وعد الله، والله منجز وعده، لا يخلف الميعاد.
      وكان الزمن في صالح الرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه المؤمنين، فما هي إلا سنوات معدودات، حتى كانت الهجرة إلى المدينة، وما هي إلا فترة قصيرة، حتى بدأت المعارك مع المشركين، وانتهت بانتصار المسلمين، والتمكين لهم، وهزيمة الكافرين، وإذلالهم وخسارتهم.
      وعلى المسلمين الصادقين المعاصرين، الذين يلاقون الحرب والعداوة من اليهود والأمريكان أن يقولوا لهم ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لكفار عصره: (اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ، وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ).
      * ... * ... *

      تعليق

      • السعيد ابراهيم الفقي
        رئيس ملتقى فرعي
        • 24-03-2012
        • 8288

        #18
        الفصل الخامس الوعد القرآني في سورة يوسف

        سورة يوسف مكية أيضاً، وأنزلت في الفترة المكية نفسها التي تحدثنا عنها فيما سبق.
        ولسورة يوسف طريقة خاصة متميزة، في تثبيت قلوب المؤمنين، وغرس الأمل واليقين فيها، بتحقق ما وعد الله به .. فالسورة كلها تقوم على قصة واحدة، بدأت بالوعد، وانتهت بتحققه في أرض الواقع، وتخللت آيات السورة إشارات عديدة، للتأكيد على الحقائق القاطعة فيها.
        بدأت السورة بذكر رؤيا، رآها الطفل الصغير، رؤيا واعدة بتحقق شيء له في المستقبل، ولما قص الطفل الرؤيا على أبيه بشّره بالخير، وجرت للطفل أحداث متتابعة مفاجئة، استمرت سنوات عديدة، وانتهت بالأحداث بتأويل عملي لتلك الرؤيا، وتحقيق ما وعده الله به. وفيما يلي إشارة إلى بعض تعقيبات السورة على أحداث القصة.
        رؤيا يوسف وهو صغير:
        أولاً: رأى يوسف سجود أحد عشر كوكباً والشمس والقمر له، وقص هذه الرؤيا على أبيه النبي يعقوب عليه السلام، فاستبشر الأب بها خيراً، واعتبرها بشرى من الله لابنه بمستقبل مشرق، وأخبر ابنه بذلك ليستشرفه ويسعى إليه. قال تعالى: (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [يوسف:6].
        اعتبر الأب هذه الرؤيا وعداً من الله، بالمستقبل العظيم لابنه، وألقى هذا الوعد لابنه، الذي استقر في داخله، والأب والابن يوقنان بتحقق وعد الله، لأنهما يؤمنان أن الله لا يخلف الميعاد.
        وعد الله ليوسف:
        ثانياً: بدأت الأحداث بداية مثيرة، لم يتوقعها الطفل الصغير، حيث فوجئ بحقد إخوته عليه، إذ ألقوه في غيابة الجب، وبينما كان الطفل يعيش دهشة تآمرهم عليه، أوحى الله له بأنه سينجو من هذه المحنة، ويخرج منها سالماً، وسيأتي يوم يُذكِّر فيه إخوانه بجريمتهم ضده.
        قال تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) [يوسف: 15].
        التمكين الصغير ليوسف في بيت العزيز:
        ثالثاً: أخرج الله يوسف من محنة غيابة الجُب سالماً، وقدّر أن يُباع عبداً في مصر، وأن يشتريه عزيز مصر، الرجل الثاني فيها بعد الملك، وهذا تمهيد للأحداث التي سيمر بها يوسف، والتي ستقود إلى تأويل رؤياه، وتحقيق ما وعده الله به.
        وقد علقت الآيات على استقرار يوسف عبداً رقيقاً في بيت العزيز. قال تعالى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) [يوسف: 21 - 22].
        مكّن الله ليوسف في الأرض، وهيأ له الإقامة في بيت العزيز، حيث أكرمه الأخير، وأوصى به امرأته خيراً، وفعل الله ذلك به، ليعلّمه من تأويل الأحاديث، وتعبير الرؤى، وهذا كله تهيئة للأحداث الأخيرة في حياته، التي يتحقق فيها وعد الله له.
        والله غالب على أمره، يفعل ما يشاء، ويوجد ما يريد، ويقدر الأحداث، ويرتب الأمور، لتحقيق أمره، وإنفاذ وعده، ولا يعجزه شيء، ولا يقف أمامه مخلوق. ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه الحقائق الإيمانية.
        التمكين الكبير ليوسف على خزائن الأرض:
        رابعاً: تعرّض يوسف في بيت العزيز لفتنة امرأته الطاغية، التي طمعت فيه واشتهته، وراودته عن نفسه، ولكنه استعصم بالله، واستعلى على فتنتها، فأُدخل السجن ظلماً، ولبث فيه بضع سنين، وعلمه الله فيه تأويل الرؤيا، وأوّل لصاحبيه السجينين رؤيا كل منهما، ثم أوّل الرؤيا المثيرة للملك، الذي أُعجب به، وأمر بإخراجه من السجن، والإتيان به إليه، وعندما اطمأن إليه الملك، جعله (عزيزاً) لمصر، وسلّمه خزائن الأرض. وبذلك صار يوسف الرجل الثاني بعد الملك ..
        وقد علقت الآيات على ترتيب الأحداث بتقدير الله، لتوصل يوسف عليه السلام إلى ما وصل إليه بتقدير الحكيم الخبير. قال تعالى: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ، وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ) [يوسف: 55 - 57].
        هذا هو التمكين الثاني الكبير، الذي مكنه الله ليوسف، وقد كان التمكين الأول صغيراً، حيث هيأ له الإقامة في بيت العزيز، أما في هذا التمكين فقد جعله الله على خزائن الأرض.
        وهذا التمكين تحقيق لما استشرفه له أبوه من مستقبل واعد مشرق.
        وبقي تحقيق وعد الله له بلقاء إخوته، وتأويل رؤياه حول سجود الكواكب له.
        يوسف يواجه إخوانه وتحقيق وعد الله له:
        خامساً: ساق الله له إخوته العشرة، الذين ألقوه في غيابة الجب، وتعاملوا معه على أنه عزيز مصر، ولا يوجد عند أي واحد منهم احتمال أن يكون هذا العزيز هو أخاهم الصغير. قال تعالى: (وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) [يوسف: 58].
        وتتابعت الأحداث بينه وبينهم، حيث طلب إحضار أخيه الصغير، وأخذ أخاه بعد أن اتهمه فتيانه بسرقة صواع الملك، وعاد الإخوة إلى أبيهم بهمّ وحزن، وطلب منهم أبوهم أن يعودوا إلى مصر، وأن يتحسسوا من يوسف وأخيه، ودخلوا عليه متعبين، فرقّ لهم، وذكّرهم بما فعلوه به وهو صغير، وتعرفوا عليه، وعفا عنهم.
        قال تعالى: (قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ، قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف: 89 - 90].
        وعده الله وهو صغير ملقى في غيابة الجب، أن يخبرهم في المستقبل بجريمتهم معه: (وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ).
        والآن وبعد سنوات عديدة، لا يعلم مقدارها إلا الله، وبعدما صار الطفل رجلاً كبيراً واعياً ناضجاً، يستلم المركز الثاني في حكم مصر، حقق الله له وعده السابق، في الوقت الذي حدده الله، والذي رتب الأحداث التي توصل إليه، وها هو ينبئهم بأمرهم السابق، وهم لا يشعرون، ولا يتوقعون أن يكون عزيز مصر، الجالس أمامهم الآن، هو أخاهم الصغير، الذي ألقوه في غيابة الجب، قبل سنين وسنين!!. وسبحان الله، الغالب على أمره، الصادق لوعده، المنفذ لإرادته.
        الله يحقق ليوسف الرؤيا:
        سادساً: بعدما تعرف الإخوة على يوسف، أعطاهم قميصه بشارة لأبيه، وأمرهم أن يأتوا بأهلهم أجمعين .. ولما دخلوا جميعاً عليه، خروا له سجداً؛ الأحد عشر أخاً وأبواه .. وبذلك تم تأويل رؤياه، التي رآها قبل سنين عديدة، لا يعلم مقدارها إلا الله.
        قال تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) [يوسف: 100].
        لقد كانت الرؤيا التي رآها وهو طفل صغير وعداً وبشرى من الله له، وبقي الوعد معلقاً سنين عديدة، ومر يوسف الموعود بتجارب مثيرة، وأحداث عديدة، قدّرها الله له، وساق خطاه فيها، ورتب له الأمور، وهيأ له الأسباب، وأخذ بيده حتى المشهد الأخير، مشهد تأويل الرؤيا عملياً، ودخول أهله عليه، وسجودهم أمامه .. وبذلك صدق الله له وعده، وهو سبحانه لا يخلف الميعاد.
        ثقة يعقوب تحقيق وعد الله:
        سابعاً: كان أبوه النبي يعقوب عليه السلام، يؤمن أن الله سينجز ليوسف ما وعد، من خلال الرؤيا التي أراه إياها، لأنه يوقن أن الله لا يخلف الميعاد، وكان يؤكد أن يوسف آمن في مكان خاص، تحيط به عناية الله ورعايته، لكنه لا يعلم تفاصيل ما جرى له، ولا يقدر على تحديد مكانه ووصفه وتفاصيل حياته .. لا يعلم ذلك لأن هذا من الغيب، والنبي لا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله إياه، وشاء الله الحكيم العليم أن لا يخبره عن تفاصيل ذلك.
        صحيح أن يعقوب عليه السلام حزن لفراق يوسف، وتألم مما جرى له، وشكا بثه وحزنه وألمه إلى الله، وأثّر حزنه وألمه وكظم مصابه على غيبته .. لكنه لم يفارقه أملُه ويقينه، وجزمه أن ابنه يوسف محفوظ بحفظ الله، آمن برعاية الله، لأن الله وعده بذلك، والله منجز له ما وعد.
        ولذلك لما فقد أبناءه الثلاثة كلف بقية أولاده البحث عنهم في مصر، مع يقينه أنهم سيجدونهم. قال تعالى: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف: 87].
        النصر بعد الاستيئاس:
        ثامناً: كانت الآيات الأخيرة من سورة يوسف تعقيباً على القصة، وتأكيداً على بعض عبرها ودلالاتها.
        ومن تلك الآيات قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) [يوسف: 109 - 110].
        تخبر الآية الأولى عن جنس الرسل، وأن الله اختارهم رجالاً، فلم يجعل امرأة نبية .. ثم تلفت الآية أنظار الكافرين، الذين كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم، إلى مصارع الكفار السابقين، وتدعوهم إلى السير في الأرض، للوقوف على آثارهم، ومعرفة ما جرى لهم، ورؤية عاقبتهم السيئة، فلعل ذلك يدفعهم للتخلي عن ما هم فيه من كفر وتكذيب وعناد.
        وهذا تهديد للكفار، ووعيد لهم بالعذاب القادم، إن استمروا على ما هم عليه، وقد حقق الله في كفار قريش وعيده، بأن هزمهم وأذلهم على أيدي المسلمين في الغزوات الجهادية بعد الهجرة.
        أما الآية الثانية فإنها تشير إلى سنة الله في الدعوات، فقد قدر سبحانه أن يعيش الرسل والدعاة في شدائد ومحن وابتلاءات، وأن يزداد ضغط الكفار عليهم، وكان الرسل يواجهون هذا بالصبر والثبات، واليقين بالفرج والنصر، والتصميم على الدعوة والمواجهة وتحدي الكفار ..
        وكان الله الحكيم العليم يؤخر النصر، فلا يمنّ به على الرسل وأتباعهم إلا بعد أن "يستيئسوا" ويبلغ بهم الضيق والكرب مداه .. ولكن النصر كان يأتي في النهاية، حيث كان ينجي المؤمنين ويدمر الكافرين.
        وهذا وعد من الله للرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه، يعدهم فيه بزوال الكرب، وانفراج الشدة، وتحقق النصر، وهو ما حصل بعد الهجرة.
        الآيات الأخيرة من سورة يوسف وعد بالمستقبل المشرق، والسورة كلها وعد عريض بالمستقبل الكبير للإسلام، وهذا ما استوعبه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكان زاداً لهم على تجاوز الفترة الحرجة، ونيل النصر الموعود بفضل الله.
        * ... * ... *

        تعليق

        • السعيد ابراهيم الفقي
          رئيس ملتقى فرعي
          • 24-03-2012
          • 8288

          #19
          الفصل السادس الوعد القرآني في سورة إبراهيم

          سورة إبراهيم مكية، أُنزلت في الفترة الحرجة نفسها التي تحدثنا عنها من قبل، وهي تهدف إلى ما هدفت إليه السور التي تحدثنا عنها، سور الأنعام والأعراف ويونس وهود ويوسف، ولكن سورة إبراهيم تحقق أهدافها بطريقتها الخاصة، ومن خلال شخصيتها المتميزة!!.
          موضوع السورة الأساسي هو المواجهة بين الحق والباطل، الحق الذي يقدمه ويحمله الرسل، ويقودون أتباعهم في الوقوف أمام الباطل وجنده، وتذكر بعض ما يقوله الرسل في تحدي الكافرين، وتعرض سنة الله المطردة في الانتقام من الكافرين الظالمين، وتتابع العرض لتقدم صوراً ومشاهد لذل وهوان الظالمين في الآخرة.
          وتضرب السورة مثلاً لأصالة الحق وقوته ورسوخه، ومثلاً لضعف الباطل وهزاله، وتقدم الوعد الجازم بانتصار الحق على الباطل،. ونقف الآن مع هذه المجموعات من آيات السورة.
          مما جرى بين الرسل وأعدائهم:
          أولاً: قال تعالى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ، قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ، قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ، وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ، يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ) [إبراهيم: 9 - 17].
          هذه آيات تسع، تقدم مشهداً للمواجهة بين الرسل وأقوامهم، وتسجل الحوار بين الطرفين، وتذكر بعض ما يجري بينهما، وتحدد نهاية الكافرين الظالمين في الدنيا، واستقرارهم معذبين في نار جهنم يوم القيامة.
          وتعرض سنة الله في إهلاك الظالمين ونصر المؤمنين، وتقدم الوعد المشرق بالنصر والتمكين، والوعيد الشديد للكافرين.
          بعض الحقائق التي تقررها الآيات:
          وليس المقام مقام تفسير وتحليل لهذه الآيات، ولذلك نشير إشارة خاطفة إلى ما فيها من حقائق دعوية، ووعد بانتصار الحق.
          1 - بعث الله الرسل للأقوام السابقين، وأيدهم بالآيات البينات، الدالة على صدقهم، وقدم الرسل تلك الآيات إلى أقوامهم، وبلّغوهم الدعوة.
          2 - كان موقف الأقوام الكفر والعناد، وتكذيب الرسل، ومجاهرتهم بإعلان كفرهم بهم، وشكهم في دعوتهم.
          3 - رد الرسل على تشكك أقوامهم، بأن دعوتهم واضحة مفهومة، يتعامل معها العقل والقلب، ولا يشك بها أي صاحب عقل وبصيرة.
          4 - أثار الكفار شبهة أخرى ضد الرسل، وهي أنهم بشر، ولا يمكن أن يكون الرسل من البشر، فإن كانوا صادقين في دعوى الرسالة، فليقدّموا لهم معجزات خارقة! مع أن الرسل قدموا الآيات البينات لأقوامهم.
          5 - رد الرسل على تلك الشبهة بأنهم بشر، ولكن الله اصطفاهم، وجعلهم رسلاً، فهذا ليس باختيارهم، وإنما هو من أمر الله.
          6 - رد الرسل على طلب المعجزات الخارقة، بأن هذا من عند الله، لا قدرة لهم عليه، فالله يجري عليهم ما شاء من المعجزات، ويعطيهم ما شاء من الآيات.
          7 - واجه الرسل أذى أقوامهم لهم بالصبر، والتوكل على الله، وصدق اللجوء إلى الله، والثبات على المواجهة، والاستمرار في تبليغ الدعوة.
          8 - لم يوافق الكافرون على موقف الرسل، القائم على الصبر والتوكل والدعوة، ولذلك صعّدوا في مواجهتهم وإيذائهم والتضييق عليهم.
          9 - قدّم الكافرون للرسل خيارين لا ثالث لهما، فإما أن يخرجوا من أرضهم ويغادروها إلى أرض أخرى، وإما أن يتخلوا عن دعوتهم، ويعودوا إلى ملة أقوامهم! أما أن يستمروا على دعوتهم ويبقوا مقيمين في بلادهم فهذا لن يكون!.
          10 - لما وصلت المواجهة بين الرسل وأقوامهم إلى ذروتها، أنهى الله الأحداث بين الفريقين، وطبق سنته المطردة، فأوحى إلى رسله أنه معهم، ووعدهم النصر والتأييد، وأنه سيهلك الظالمين الكافرين، ويجعل المؤمنين الصالحين وارثين الأرض من بعدهم.
          11 - حقق الله لرسله وأتباعهم وعده، فأنجاهم ونصرهم، وأهلك الكافرين، ودمّرهم، وبذلك كانت نهاية كل جبار عنيد كافر هي الخيبة والخسارة والذل في الدنيا، والعذاب في نار جهنم.
          السنة الربانية في إهلاك الظالمين ونصر المؤمنين:
          لقد حسم الله المواجهة بين الرسل وأقوامهم، بإهلاك الكافرين، ونصر ونجاة المؤمنين.
          قال تعالى لرسله: (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ). وهو وعد من الله لرسله بإهلاك أعدائهم، والتمكين لهم، وإسكانهم الأرض من بعدهم.
          وقد صدقهم الله وعده، عندما استفتحوا مع أقوامهم، وطبق ما وعدهم عملياً: (وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ).
          وقد أخبرنا الله في هذه الآيات عن هذه الحقائق الدعوية، وأعلمنا بذلك الوعد الذي قدمه للرسل، ونفذه لهم، لنأخذ من ذلك العبر والعظات، ولنحسن النظر إلى وعد الله، ونثق بانطباقه وتحققه في الواقع.
          سنة اله التي لا تتخلف، أنه إذا قال أصحاب الباطل لأصحاب الحق: (لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) فإن الله يعد أنصار الحق بالنصر، ويقول لهم: (لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ).
          وينهي الله القوي الغالب المواجهة بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل، على أساس قوله تعالى: (وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ).
          إن الخيبة والخسارة هي نهاية كل جبار عنيد، يغتر بقوته، فيستخدمها في حرب الإسلام وجنوده، فيخرج من هذه الحرب بهذه النتيجة السيئة. هذا وعد الله للمؤمنين، الذي لا يتخلف في أي زمان ومكان.
          وهذه النهاية السوداء تنتظر الجبارين العنيدين من اليهود والصليبيين، وباقي الكافرين في هذا العصر، وسيرثهم الإسلام العظيم، فهذا وعد الله العليم الحكيم!!.
          التمثيل بالكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة:
          ثانياً: قال تعالى: (لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ، يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ) [إبراهيم: 24 - 27].
          تضرب هذه الآيات مثل الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، ومثل الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة، وذلك ليتفكر الناس في هذين المثلين ..
          الكلمة الطيبة هي الإسلام، والكلمة الخبيثة هي الكفر.
          والهدف من هذا التمثيل، تقرير حقيقة قوة الإسلام وثباته، ورسوخه في الأرض، وتحديه للكفار، والتمكين له، بحيث يعجز الكفار عن القضاء عليه واجتثاثه، رغم عنف وقوة واستمرار محاولاتهم .. كذلك تقرير حقيقة ضعف الكفر وهزاله، واجتثاثه وزواله.
          فالإسلام القوي، مثله مثل شجرة قوية معمّرة، جذورها ممتدة في أعماق الأرض، ضاربة في أغوارها، متمكنة منها، وجذعها قوي متين على وجه الأرض، ولها فروع وأغصان وأوراق ممتدة إلى أعلى في السماء، وهذه الشجرة مثمرة معطاءة، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وتقدم ثمارها في كل وقت، وينتفع الناس بكل شيء منها.
          أما الكفر الضعيف الهزيل، فمثله كمثل شجرة خبيثة هزيلة، صغيرة حقيرة، ضعيفة ذاوية، ليس لها جذور في الأرض، وليس لها امتداد في الفضاء، فهي قابعة على سطح الأرض، إذا أتتها عاصفة فإنها تجتثها وتُطيرها وتذهب بها، فتموت وتيبس، وكأنها لم تكن!.
          هذا التمثيل للإسلام والكفر بالشجرة القوية والشجرة المهزوزة، ينطبق على حالتين: الحالة الفردية الخاصة، والحالة الجماعية العامة.
          أثر الإسلام والكفر على الإنسان:
          الحالة الأولى: الحالة الفردية، على المستوى الشخصي.
          تشير هذه الحالة إلى الأثر الإيجابي المؤثر للإسلام على الفرد المسلم، والأثر السلبي للكفر على الفرد الكافر.
          فالإسلام يتغلغل في كيان المسلم، ويضرب جذوره القوية في قلبه وروحه ومشاعره، فتثبت وتترسخ في أعماقه، ويمتد هذا الإسلام في كيانه، ويتغلغل في حواسه وأجهزته، ومشاعره وأحاسيسه، وتصوراته وأفكاره، ويوجه له سمعه وبصره، ولسانه وجوارحه، وعقله وفكره، وأحلامه وآماله. وينظم له أعماله ومكاسبه، وعمره وحياته، ويُغذي له همته وعزيمته، وتكون النتائج الطيبة، والأعمال الجليلة، والحسنات الكثيرة، ثماراً مباركة لشجرة الإسلام، الراسخة في شخصية المسلم وكيانه.
          ويكون مثل الإسلام في كيان المسلم كمثل الشجرة الطيبة في الأرض الصالحة، فتلك الشجرة أصلها ثابت، وفرعها في السماء، تُؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
          أما الكفر فإنه كلمة خبيثة، وفكرة قاتلة مدمرة، ما أن تدخل كيان الفرد الكافر حتى تشلّه، وتقضي على مواهبه وقدراته، وتعطل أجهزته وحواسّه، فلا يسمع ولا يبصر، ولا يعي ولا يفقه، ولا يتّعظ ولا يتدبر.
          ويكون مثل الكفر في كيان الكافر، كمثل الشجرة الخبيثة الضعيفة الهزيلة، اجتثت من فوق الأرض، ما لها من قرار.
          من أقوال السلف في الكلمة والشجرة:
          وقد كانت أقوال الصحابة والتابعين في تفسير الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة، تلاحظ أثر الإسلام الإيجابي، وأثر الكفر السلبي.
          قال ابن عباس رضي الله عنهما: الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا الله، والشجرة الطيبة هي المؤمن، والأصل الثابت هو: لا إله إلا الله في قول المؤمن، والفرع في السماء هو عمل المسلم ورفعه إلى السماء ... والكلمة الخبيثة هي الكفر، والشجرة الخبيثة هي الكافر، واجتثاثها من فوق الأرض هو الشرك، ليس له أصل يعتمد عليه الكافر، ولا برهان، ولا يقبل الله منه عملاً.
          وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يعني بالشجرة الطيبة المؤمن، ويعني بالأصل الثابت وبالفرع في السماء المؤمن، يكون المؤمن يعمل في الأرض ويتكلم، فيبلغ عمله وقوله في السماء، وهو في الأرض. ويعني بتؤتي أكلها كل حين: المؤمن، يذكر الله كل ساعة من الليل والنهار .. وضرب الله مثل الشجرة الخبيثة كمثل الكافر، وإن الشجرة الخبيثة اجتثت من فوق الأرض، وكذلك الكافر لا يُقبل عمله، ولا يصعد إلى الله تعالى، فليس له أصل ثابت في الأرض، ولا فرع في السماء، وليس له عمل صالح في الدنيا ولا في الآخرة.
          وقال عطية العوفي: (ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ): ذلك مثل المؤمن، لا يزال يخرج منه كلام طيب، وعمل صالح يصعد إليه ... و (مَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ): ذلك مثل الكافر، لا يصعد له قول طيب، ولا عمل صالح ..
          وقال الضحاك: (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا): تجتمع ثمرتها كل حين .. وهذا مثل المؤمن، يعمل كل حين وكل ساعة من النهار، وكل ساعة من الليل، وفي الشتاء وفي الصيف، بطاعة الله .. وضرب الله مثل الكافر بالشجرة الخبيثة، اجتثت من فوق الأرض، ليس لها أصل ولا فرع، وليست لها ثمرة، وليست فيها منفعة، وكذلك الكافر لا يقول خيراً، ولا يعمل خيراً، ولم يجعل الله له بركة ولا منفعة! [الدر المنثور للسيوطي: 5/ 20 - 21].
          قوة الإسلام والشجرة الطيبة:
          الحالة الثانية: الحالة العامة للإسلام والكفر.
          للإسلام رسوخ مكين في الأرض، وثبات قوي في الحياة، وأثر إيجابي في الناس، وامتداد متشعب في التاريخ .. أما الكفر فإنه دخيل شاذ غريب على الوجود، وهو ضعيف هزيل في الحياة!.
          ومثل الإسلام في رسوخه وتمكّنه وأثره واستمراره، كمثل الشجرة الطيبة القوية الراسخة المثمرة، ومثل الكفر في ضعفه وزواله، كمثل الشجرة الخبيثة الضعيفة، كذلك يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتفكرون.
          الإسلام أصيل راسخ في حياة البشرية، أرساه الله في الأرض، ومكنه منها، وأصبح شجرة ضخمة معمّرة، تعاهدها الرسل، ورعاها أتباعهم، وضربت جذورها في أعماق التاريخ، وكلما مضى من عمر البشرية قرن، كلما ازدادت جذور الإسلام متانة وقوة، وتغلغلاً في الحياة البشرية.
          وفروع شجرة الإسلام وأغصانها منتشرة في مختلف بقاع الأرض، وظلالها وارفة في كل مكان، يفيء إليها الناس، هاربين من شمس الجاهلية، ولهب الكفر الحارق، فيجدون عندها الرحمة والراحة، والألفة والطمأنينة!.
          وشجرة الإسلام الخضراء النامية المعمرة مثمرة، تقدم ثمرها للبشرية، وتؤتي أكلها للناس، ويظهر ذلك في النماذج الإسلامية الرائعة الرائدة، من جنود الإسلام ودعاته وأوليائه، من العلماء والمفكرين، والدعاة والمصلحين، والمجاهدين الصادقين، الذي يؤدون الشهادة لهذا الدين، ويقفون أمام أعدائه الكافرين.
          أما شجرة الكفر فإنها خبيثة سامة، والمذاهب الفكرية الضالة مدمرة مخربة، تخرب المواهب والطاقات البشرية، وتقضي على القلب والروح، وتعطل السمع والبصر، وتعمي البصيرة، ويكون الكافر معطلاً معوقاً، بدون هدف نبيل أو رسالة سامية.
          والكفر دخيل زائف، يدمغه الإسلام ويقضي عليه، إذا وجد رجالاً صادقين، يحملونه ويجاهدون به.
          وكما يثبّت الله المؤمنين على الإسلام بالقول الثابت، في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فإنه يثبّت الإسلام في الأرض، ويجعله راسخاً فيها، متمكناً منها، ويمد ظلاله فيها، وينشر رحمته عليها.
          وعد الله بالتمكين للإسلام في حياة البشرية:
          إن قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) وعد نافذ من الله، بانتصار الإسلام، والتمكين له في الأرض.
          وقد جاء هذا الوعد الرباني في سورة إبراهيم المكية، والمسلمون محارَبون مستضعفون، ولكنهم كانوا موقنين بإنفاذ وإنجاز هذا الوعد .. وقد صدقهم الله وعده، فنصرهم على أعدائهم.
          وقويت شجرة الإسلام، ونشرت ظلالها على الجزيرة العربية في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مدت فروعها وأغصانها إلى العالم القديم كله في ذلك الزمان، وعمت بركتها ورحمتها الشام والعراق ومصر، وآسية وإفريقية وأوروبة، وآتت أكلها كل حين، في الأجيال المتلاحقة من العلماء والدعاة والربانيين.
          فشل الأعداء في القضاء على الإسلام:
          واستعصت شجرة الإسلام القوية على محاولات الأعداء لقطعها واجتثاثها .. لقد حاول الفرس والرومان ذلك ففشلوا، وحاول الهنود والترك ففشلوا، وحاول الإسبان والطليان ففشلوا، وحاول المغول والصليبيون ففشلوا، وحاول الإنكليز والفرنسيون ففشلوا، وحاول الألمان والروس ففشلوا، والآن يبذل اليهود محاولات ضخمة لقلع الشجرة أو قطعها، وسيفشلون، ويحاول الأمريكان بكل ما أوتوا من قوة وسيفشلون .. وستحاول قوى الكفر اللاحقة في القرون القادمة القضاء على شجرة الإسلام، وستفشل كما فشلت قوى الكفر السابقة.
          إن التاريخ بماضيه وحاضره، شاهد على صدق تحقق الوعد القرآني، بقوة شجرة الإسلام في أعماق الأرض، وفي أطباق الفضاء، وفي وفرة ثمارها، وكثرتها وأصالتها.
          تحاول القوى الصليبية واليهودية هز شجرة الإسلام واجتثاثها، وتظن أنها نجحت، وتصب حربها على المسلمين، لكنها تكتشف فشلها في النهاية، فهزُّها للشجرة قد يسقط بعض أوراقها الصفراء الضعيفة، ولكنها سرعان ما تجعل مكانها أوراقاً خضراء يانعة، وقد يمسك الأعداء بغصن من أغصان الشجرة، ويجذبونه إليهم، آملين أن يقتلعوا الشجرة معه، ولكنهم سرعان ما يجدون بين أيديهم الغصن مخلوعاً، بينما بقيت الشجرة ثابتة!.
          ولن يستطيع اليهود ولا الأمريكان، الذين يهزون شجرة الإسلام بعنف، ويشدون بعض أغصانها إليهم بشدة في هذه الأيام، لن يستطيعوا فعل ذلك، وستخرج شجرة الإسلام من حربهم أكثر قوة ومتانة ورسوخاً وثباتاً، وسيضاف اليهود والأمريكان إلى قوائم الفاشلين الخاسرين!!.
          شباب الصحوة هم ثمار الشجرة:
          وشباب الصحوة الإسلامية، هم الثمار الطيبة لشجرة الإسلام المباركة، الذين يًقبلون على الإسلام بجدية، ويلتزمون به بصدق، ويجاهدون به الصليبيين واليهود، جهاداً كبيراً مبروراً، ويقفون المواقف الإيمانية الجهادية العظيمة، التي يغيظون بها الكفار.
          ويُثبّت الله هؤلاء الشباب على الإسلام، ويجعلهم إسلاماً حياً متحركاً إيجابياً، رغم محاولات الأعداء الكثيرة لإغوائهم وإضلالهم.
          الله ليس غافلاً عن الظالمين:
          ثالثاً: قال تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء، وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ، وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ، وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ، فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ) [إبراهيم: 42 - 47].
          تعرض هذه الآيات مشهداً لذل وهوان الظالمين المجرمين يوم القيامة، ومشهداً لحسرتهم وندمهم، عندما يأتيهم عذاب الله في الدنيا، وتقرر أن الله لا يغفل عنهم، ولا يخلف رسله وعده!.
          عندما يأتي الظالمين الطغاة عذاب الله، يطلبون الإمهال والتأخير، وإعطاءهم فرصة أخرى: (فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ).
          فتوجِّهُ إليهم ملائكة العذاب سؤالاً لتوبيخهم وذمِّهم، وإشعارهم بمزيد من الذل والحسرة والندم: (أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ، وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ).
          وتخبر الآيات عن مكرهم ضد المسلمين، وحربهم لهذا الدين: (وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ).
          لكن ما هي نتيجة مكرهم وحربهم؟ لقد حاق المكر السيئ بهم، وانقلبت العاقبة السيئة عليهم، حيث خرج الإسلام منصوراً قوياً، وباؤوا هم بالهزيمة والذل والخسران.
          الله لا يخلف أولياءه وعده:
          وحتى لا يشك المؤمن، الذي يخوض حرباً شرسة ضد الكافرين الظالمين، فقد نهاه الله عن ظنّ تخلف وعد الله، وظن غفلة الله عن الظالمين.
          إننا نخاطب كل مسلم في هذا الزمان، ابتُلي بعداوة اليهود والأمريكان، وحربهم له ولإسلامه، نخاطبه بما خاطب الله به رسوله، وذلك في قوله تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ).
          ونخاطبه أيضاً بقول الله تعالى: (فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ). فالله هو الذي يقدّر كل شيء، وللظالمين اليهود والصليبيين يوم شديد عند الله، والله لا يخلفنا وعده، بنصر دينه، وإذلال أعدائه، وهذا اليوم آت لا محالة، ونحن نوقن بذلك، لأن الله لا يخلف الميعاد!.
          * ... * ... *

          تعليق

          • السعيد ابراهيم الفقي
            رئيس ملتقى فرعي
            • 24-03-2012
            • 8288

            #20
            الفصل السابع الوعد القرآني في سورة الإسراء

            سورة الإسراء مكية، أُنزلت في الفترة الحرجة نفسها، التي سبق أن تحدثنا عنها. ولذلك كان هدفها نفس أهداف السور السابقة، ولكنها تحقق هدفها بطريقتها الخاصة، التي تتفق مع شخصيتها المستقلة.
            ومن أهم ما وعدت به آيات السورة، حديثها عن الإفسادين اليهوديّين الكبيرين، المقرونين بالعلو والاستكبار، وتقريرها زهوق الباطل.
            إفسادان كبيران لبني إسرائيل:
            أولاً: قال تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً، فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً، ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً، إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً، عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) [الإسراء: 4 - 9].
            تتحدث هذه الآيات الست، عن وعد إلهي، قطعه الله، وأخبر بني إسرائيل عنه، وبما أنه وعد من الله فإنه منجَز لا محالة.
            أخبر الله بني إسرائيل في كتابه الذي أنزله إليهم (التوراة)، عن إفسادين اثنين، مقرونين بالعلو الكبير: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً) .. ومعنى (وَقَضَيْنَا) هنا: أخبرنا وأعلمنا بني إسرائيل.
            والمراد بالكتاب هنا: التوراة، وهذا معناه أن الإفسادين المذكورين في هذه الآيات وكيفية إزالتهما، مذكوران في نصوص التوراة، فإن لم نجد في أسفار العهد القديم، الموجودة بين أيدي اليهود الآن، فلأن أحبار اليهود أضاعوا التوراة، وحرفوها، ومزجوا كلام الله بكلامهم الكثير الباطل.
            وذكر الإفسادين وصفاتهما وكيفية إزالتهما في آيات القرآن يوحي بأنهما سيكونان بين اليهود وبين أمة القرآن، فالمسلمون هم الذين سيُبْتلون بهذين الإفسادين اليهوديين، وهم الذين سيزيلونهما ويقضون عليهما.
            وعد الله بالإفسادين وإزالتهما:
            وبما أن هذين الإفسادين اليهوديين موجهان للمسلمين، فالحديث عنهما في آيات القرآن وعد، وعد الله به المسلمين أن يواجهوا هذين الإفسادين اليهوديين، كما أنه وعدهم أن يزيلوهما ويقضوا عليهما.
            ولذلك أوردنا الحديث عن الإفسادين ضمن الحديث عن الوعود القرآنية التي تحققت، والوعود القرآنية التي لم تتحقق حتى الآن، ولكنها ستتحقق حتماً في المستقبل.
            ولذلك وردت كلمة (وعد)، في الآيات التي تتحدث عن الإفسادين، أربع مرات:
            الأولى: في قوله: (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا).
            الثانية: في قوله: (وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً).
            الثالثة: في قوله: (فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ).
            الرابعة: في قوله: (وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُواْ الأَرْضَ فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً) [الإسراء: 104].
            كُرِّر الحديث عن الوعد في وقوع الإفساد الأول مرتين، وعن الإفساد الثاني مرتين أيضاً، وما ذلك إلا لتأكيد تحقق وقوع ذلك الوعد، وحصول الموعود به من الإفسادين!.
            وقد اختلف المؤلفون والباحثون المعاصرون في وقت وقوع الإفسادين، وتحقق الوعدين، ولكن معظمهم على أن الإفساد الأول كان في المدينة، وما حولها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأننا –مسلمي هذا الزمان- نعيش الإفساد الثاني، وهذا ما نرجِّحه .. ونقدم خلاصة معنى الآيات التي قدمت الوعدين على هذا الأساس!.
            وقوع الإفساد الأول:
            قال تعالى عن الإفساد الأول: (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً).
            (أولاهما): بمعنى: المرة الأولى، لأن الله تعالى قال في الآية السابقة: (لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ). فمعنى: (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا): إذا حان وقت تحقق وعد المرة الأولى، وذلك بوقوع الإفساد الأول.
            واللافت للنظر أن الآيات لم تتحدث عن مظاهر الإفساد اليهودي الأول، ولم تبين وضع اليهود خلاله وأثناءه، وإنما تحدثت عن العباد الربانيين الذين يزيلونه!.
            قال تعالى: (فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ).
            الرسول وأصحابه هم الذين أزالوا الإفساد الأول:
            الحديث في الآية عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، الذين أزالوا الإفساد اليهودي الأول، في المدينة وما حولها، وكان ذلك بعد الهجرة.
            وقد أخبر الله أن يبعث عباده بعثاً على اليهود، وإسناد الفعل (بعثنا) إلى الله يدل على تكريم هؤلاء المجاهدين، المبعوثين بعثاً على اليهود.
            ووصف الله هؤلاء المجاهدين بأنهم عباد له: (عِبَاداً لَّنَا)، أي: تتحقق فيهم العبودية المطلقة الخالصة لله، وهذا تكريم رباني آخر لهؤلاء المجاهدين.
            وهؤلاء المجاهدون أقوياء: (أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ). وقوة اليهود المقرونة بالعلو الكبير تحتاج إلى مجاهدين أقوياء، متصفين بالبأس الشديد.
            وأعان الله الصحابة المجاهدين، ونصرهم على اليهود المفسدين، وجاسوا وتحركوا خلال ديار اليهود وبساتينهم وبيوتهم، وأخرجوا اليهود من الديار، وأورثهم الله إياها.
            إن قوله: (فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ) إجمال لحرب الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه لليهود .. وقد تكفّلت روايات السيرة بالحديث عن إجلاء يهود بني قينقاع بعد غزوة بدر، وإجلاء يهود بني النضير بعد غزوة أحد، وقتل يهود بني قريظة بعد غزوة الأحزاب، والقضاء على يهود خيبر بعد صلح الحديبية.
            وخُتمت الآية بجملة: (وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً)، وذلك للتأكيد على حقيقة تحقق الوعد القاطع الناجز، في جانبيه: الجانب الأول تحقق الوعد بحصول الإفساد الأول. والجانب الثاني: تحقق الوعد ببعث عباد الله الربانيين المجاهدين الذين يزيلون ذلك الإفساد.
            أي: كان الوعد بوقوع الإفساد الأول وعداً مفعولاً واقعاً، وكان الوعد بإزالته وعداً مفعولاً واقعاً أيضاً.
            وقد تحقق الوعد القرآني المتعلق بالإفساد الأول، في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فما قُبِض عليه الصلاة والسلام إلا بعد أن تم إزالة الإفساد الأول، وتحطيم قوة قبائل اليهود: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، ويهود خيبر، وفدك وتيماء. وتحوّل اليهود إلى أفراد متفرقين هنا وهناك في الحجاز، ولا كيان لهم، ولا خطر منهم!!.
            تحقق الوعد القرآني بوقوع الإفساد الثاني:
            أخبرت الآيات عن مظاهر قوة اليهود، عند الإفساد الثاني الكبير، قال تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً، إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا).
            وتوحي الآية بأن اليهود سيتغلّبون عند إفسادهم الثاني على الذين أزالوا إفسادهم الأول، وهذا ما يؤكد لنا في هذا الزمان نعيش الإفساد اليهودي الثاني.
            (ثم): حرف للتراخي الزمني، ويدل على الفترة الزمنية الطويلة، الواقعة بين الإفسادين، الإفساد الأول الذي كان في بداية القرن الأول، والإفساد الثاني الذي بدأ منذ بداية القرن الرابع عشر الهجري. أي: أن الفترة بين الإفسادين كانت ثلاثة عشر قرناً!.
            وعبر عن عودة اليهود للإفساد الثاني بلفظ: (رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ).
            ومعنى: (رددنا) أعدنا وأرجعنا. و (الكرة) هي العودة للإفساد، والضمير في (عليهم) يعود على العباد الربانيين، أولي البأس الشديد، الذين جاسوا خلال ديار اليهود، وأزالوا إفسادهم الأول.
            ونحن المقصودون بهذا الضمير: "عليهم"، لأننا خلف لجيل الصحابة المجاهدين، ولكننا لسنا على طريقهم، فنحن "شرُّ خلف لخير سلف"، ولذلك تغلب اليهود علينا وهزمونا.
            ومن مظاهر قوة اليهود في إفسادهم الثاني المعاصر ما عبرت عنه الآية: (وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً).
            فالله أمدهم بالأموال الكثيرة الطائلة، وأمدهم بالبنين الكثيرين .. وهو الذي جعلهم أكثر نفيراً وتأييداً، فمعظم دول العالم تنفر معهم وتؤيدهم، وتقف إلى جانبهم، وتدافع عنهم، وفعل الله ذلك لهم ابتلاء وامتحاناً، ليقيم عليهم الحجة، ويوقظ بهم المسلمين، تمهيداً للانتقام منهم.
            إن قوله تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً). وقوله: (فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً) فيهما وعد قرآني بتحقق هذا العلو والإفساد والاستكبار من قبل اليهود. وقد تحقق هذا الوعد بعد ثلاثة عشر فرناً من الوعد به والإخبار عنه.
            الوعد القرآني بإزالة الإفساد الثاني:
            وعد القرآن وعداً قاطعاً بإزالة الإفساد اليهودي الثاني، وذكر كيفية تلك الإزالة، وجاء ذلك في قوله تعالى: (فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً).
            معنى: (فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ): إذا حان وقت المرة الثانية، وهي المرة الآخرة والأخيرة.
            والخطاب في قوله: (وُجُوهَكُمْ) لليهود المتكبرين، المفسدين إفسادهم الثاني. والإخبار في قوله: (لِيَسُوؤُواْ) عن المؤمنين المجاهدين، الذين هم أحفاد الصحابة المجاهدين، والذين سيبعثهم الله، ليزيلوا إفساد اليهود الثاني. فهؤلاء العباد المجاهدون سيهزمون اليهود، ويذلونهم، ويسوّدون وجوههم، ويوقعون بهم الحسرة والهوان.
            وأخبر الله عن جهاد هؤلاء ودخولهم المسجد الأقصى بقوله: (وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ) والمراد بدخول المسجد أول مرة: دخول الصحابة الأقصى فاتحين، عندما فتحوا بلاد الشام.
            وهذا يدل على أن المعركة ضد اليهود عند إفسادهم الثاني هي معركة المسجد الأقصى، وسيدخله المجاهدون فاتحين، وسيحررون الأرض المقدسة، ويُدمرون الكيان اليهودي عليها: (وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً).
            ونحن نوقن أن الوعد القرآني الوارد في هذه الآيات، والجازم بإزالة الإفساد اليهودي الثاني آت لا محالة، ونعتقد أنه لا بد أن يتحقق بإذن الله. فعمر اليهود على الأرض المقدسة قصير، وستعود فلسطين أرضاً إسلامية بإذن الله.
            وعد الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أثناء الهجرة:
            ثانياً: قال تعالى: (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً، وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً) [الإسراء: 80 - 82].
            يوجّه الله رسوله صلى الله عليه وسلم إلى أن يطلب منه التوفيق والسداد، بأن يلهمه اختيار المكان المناسب، والقرار المناسب، والتصرف المناسب، ويسأل ربه أن يدخله مدخل صدق، ويخرجه مخرج صدق، وأن يجعل له سلطاناً قوياً، ونصراً كريماً.
            ويبشر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن الحق الذي معه سينتصر على الباطل الذي عليه قومه، وسيزهقه ويقضي عليه، ويخبره أن الباطل ضعيف زائل زهوق، ولا يمكن أن يقف أمام الحق.
            ويخبره أنه جعل القرآن شفاء للمؤمنين، ورحمة منه سبحانه يرحمهم بها، أما الكافرون فإنهم يعرضون عن القرآن، ولذلك لا يُرحمون به، وإنما يزدادون به ضلالاً وعمى، وعناداً وخسارة.
            وهذه الآيات من سورة الإسراء أُنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هجرته من مكة إلى المدينة، ولذلك قُدّمت له البشرى بالفرج، والوعد بالنصر.
            والمراد بمدخل الصدق دخوله المدينة، والمراد بمخرج الصدق خروجه من مكة، والمراد بالسلطان النصير: التمكين والتأييد، الذي منحه الله له في المدينة.
            من أقوال السلف في ذلك الوعد:
            قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم أُمِر بالهجرة، فأنزل الله قوله تعالى: (وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً).
            وقال الحسن البصري: لما ائتمر كفار مكة برسول الله صلى الله عليه وسلم، ليقتلوه أو يطردوه أو يوثقوه، وأراد الله قتال أهل مكة، أمره الله أن يخرج إلى المدينة، وأن يقول: (رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ).
            وقال قتادة: (رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ): المدينة. (وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ): مكة.
            وقال الحسن البصري في تفسير قوله: (وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً): وعد الله رسوله صلى الله عليه وسلم، لينزعن عزّ فارس وملك فارس، وليجعلنه له، وملك الروم وعِزّ الروم وليجعلنه له.
            وقال قتادة في تفسيره: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علم أنه لا طاقه لنا بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل السبطان نصيراً لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله، فإن السلطان رحمة من الله، جعله بين أظهر عباده، ولولا ذلك لأغار بعضهم على بعض، فأكل شديدهم ضعيفهم" [تفسير ابن كثير: 3/ 62 - 63].
            وتشير الآيات إلى حفظ الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، فهو سبحانه معه بتوفيقه وتأييده، ونصره وتسديده، يأخذ بيده لما هو الخير له، ويعده بالتمكين.
            وهذا الوعد الصادق مهم، في الحالة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، عند نزول الآيات عليه، حيث كان مطارداً من قبل قريش، وكان عيونها يراقبونه في كل مكان، وليس معه من البشر إلا صاحبه الصديق رضي الله عنه، وكل من حوله ضده .. ومع ذلك يأتيه الوعد من الله بانتصار دينه، وهزيمة أعدائه، وينزل الله عليه هذه الآيات ليزداد أملاً وثقة وتصديقاً وإيماناً بتحقق وعد الله.
            وكان صلى الله عليه وسلم كله يقين بذلك، ولذلك وعد سراقة بن مالك بسواري كسرى!.
            رد الله رسوله إلى مكة:
            وأنزل الله عليه صلى الله عليه وسلم وهو في طريق الهجرة آية أخرى، يعده فيها وعداً قاطعاً بالعودة إلى مكة، فاتحاً ظافراً. وهي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) [القصص: 85].
            قال ابن عباس رضي الله عنهما: (لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ): لرادك إلى مكة كما أخرجك منها.
            وقال الضحاك: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فبلغ الجُحْفَة، اشتاق إلى مكة، فأنزل الله عليه قوله: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ): يعني: إلى مكة.
            وقد صدقه الله وعده، فأعاده إلى مكة، بعد حوالي تسع سنوات من نزول هذه الآية، حيث عاد إلى مكة فاتحاً، وجعلها دار إسلام وإيمان.
            ماذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يحطم الأصنام؟:
            ولما صدق الله رسوله صلى الله عليه وسلم وعده، وأعاده إلى مكة فاتحاً، في رمضان من السنة الثامنة من الهجرة، دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة، وحطم الأصنام التي فيها، وهو يتلو آيات الوعد، التي نزلت عليه قبل حوالي تسع سنوات.
            روى البخاري [برقم: 2478]، ومسلم [برقم: 1781] عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل يطعنها بعود في يده، وجعل يقول: (وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً) [الإسراء: 81]، ويقول: (جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ) [سبأ: 49].
            وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وحول البيت ثلاثمئة وستون صنماً، تُعْبَد من دون الله، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأُكِبَّتْ على وجوهها، وهو يقرأ قوله تعالى: (جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً) [تفسير ابن كثير: 3/ 63].
            إزهاق الحق للباطل الزهوق:
            واللطيف أن قوله تعالى: (جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ) وعد نظري من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، بانتصار الحق وهزيمة الباطل، وقد حقق الله له هذا الوعد بعد سنوات معدودة، عندما فتح له مكة، وحطم الشرك بها، المتمثل في الأصنام التي كان المشركون يعبدونها!.
            متى زهق الباطل؟ ومتى تحطمت الأصنام؟ ومتى حقق الله هذا الوعد؟.
            لقد تحقق ذلك بعد سنوات عديدة، أمضاها الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة، بلغت ثلاث عشرة سنة، كان يربي فيها أصحابه، وسنوات في المدينة، قاربت تسع سنوات، قضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، في تربية أصحابه ومحاربة أعدائه.
            فلما وُجِدَ الجيل القرآني الفريد المجاهد، الذي صدق مع الله، وحمل رسالة الإسلام، وجاهد أعداء الله، أنزل الله عليه نصره، وصدَقه وعْده.
            عند ذلك تم تحطيم الأصنام بسهولة، وبحركة خفيفة من عصا صغيرة، بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم .. لقد حطم الرسول صلى الله عليه وسلم الأصنام في قلوب الناس أولاً، حيث لم يستغرق ذلك إلا دقائق!.
            إن الباطل زهوقٌ زائل، ذاهب هالك مضمحل، لكن بشرط أن يتمثل الحق في صورة وجود فعلي، مؤثر قوي، يعتمد فيه أصحابه على الله القوي القاهر!!.
            * ... * ... *

            تعليق

            • السعيد ابراهيم الفقي
              رئيس ملتقى فرعي
              • 24-03-2012
              • 8288

              #21
              الفصل الثامن الوعد القرآني في سورة الأنبياء

              سورة الأنبياء سورة مكية، سميت بهذا الاسم لأنه ذكر فيها مجموعة مباركة من الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، وأشير إلى مشاهد ولقطات سريعة من قصصهم، وهم إبراهيم، ولوط، وموسى، وداود، وسليمان، ويونس، وأيوب، وإدريس، وإسماعيل، وزكريا، ويحيى، وعيسى، عليهم الصلاة والسلام.
              وتتحدث آيات السورة عن المواجهة المستمرة بين الحق والباطل، وكان يقود أهل الحق الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، بينما يقود أهل الباطل الملأ من الأقوام الكافرين.
              وتركز آيات السورة على المواجهة بين خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، وبين الكافرين من قريش، حيث تعرض لشبهاتهم وإشاعاتهم، وترد عليها، وتعرض لحقائق عديدة، تتعلق بمسيرة الحق وانتصاره على الباطل.
              وورد فيها وعود قرآنية بانتصار الحق على الباطل، وإزهاق الباطل أمام الحق، تلقاها الصحابة وهم مستضعفون معذّبون مضطهدون، وتعاملوا معها بيقين وثقة، وأمل وبشرى .. وثبتوا على الحق، وواجهوا الباطل، وقطعوا الفترة المكية، وهم موقنون بتحقق هذه الوعود القرآنية. ولما ذهبوا إلى المدينة جاهدوا في سبيل الله، وهزموا أعداء الله، وحقق الله لهم تلك الوعود المأمولة.
              من أهم الوعود القرآنية في سورة الأنبياء ما يلي:
              الله صدق رسله وعده:
              أولاً: قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ، وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ، ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ، لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) [الأنبياء: 7 - 10].
              تقدم هذه الآيات خلاصة المواجهة بين الرسل السابقين وبين أقوامهم الكافرين، ليعرفها أعداء النبي صلى الله عليه وسلم، ويعيها أتباعه.
              فالله كان يختار رجالاً، ويجعلهم رسلاً، وينزل عليهم وحياً، ويبعثهم إلى أقوامهم، فيدعونهم إلى الله، ويقدمون لهم الآيات، وكان يستجيب لهم قلائل من أقوامهم، ويكذبهم ويكفر بهم كثيرون، ويؤذونهم وينالون منهم، ويضطهدون ويعذبون أتباعهم، فيصبر الرسل وأتباعهم، ويثبتون على الحق، وينتظرون حكم الله بإنجائهم، وإهلاك الكافرين المكذبين .. وعندما تنتهي المدة التي حددها الله بعلمه وحكمته، ينهي الله قصة الرسول مع قومه، وينجي المؤمنين، ويهلك المسرفين.
              والشاهد في الآيات قوله تعالى: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَاء وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ).
              الإخبار في الآية عن الرسل السابقين، حيث كان الله يعدهم وعداً قاطعاً، بأنه سوف يفتح بينهم وبين قومهم الكافرين، وينهي المواجهة معهم، ويجعل العاقبة لهم، وكان الرسل واثقين من تحقق وعد الله، منتظرين وقوعه.
              وكان الله يصدقهم الوعد، في الوقت الذي يحدده سبحانه، وبالكيفية التي يختارها عز وجل، فينجيهم هم وأتباعهم، ويهلك أعداءهم الكافرين المسرفين.
              والقصص القرآني معرض لهذه الحقيقة، حيث انطبقت على قصص نوح وهود وصالح وغيرهم، عليهم الصلاة والسلام.
              وذكر هذه الحقيقة القرآنية لتبشير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوجيه أنظارهم إلى وعد الله القادم، بنصرهم على كفار قريش .. وقد وعى الصحابة هذه الإشارة، وتحركوا في دعوتهم صابرين ثابتين، ناظرين إلى تحقق وعد الله، الذي كانوا به موقنين!.
              وذكر هذه الحقيقة القرآنية لتهديد كفار قريش، وإخبارهم بأن العذاب قادم إليهم، إن لم يتوقفوا عن الكفر والتكذيب، والظلم والتعذيب، ولذلك عرضت الآيات اللاحقة مشهد إهلاك الظالمين السابقين. قال تعالى: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ، لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ، قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ، فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ) [الأنبياء: 11 - 15].
              السنة الربانية في الصراع بين الحق والباطل:
              ثانياً: قوله تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) [الأنبياء: 18].
              تقرر هذه الآية حقيقة قاطعة، تحدد نهاية الصراع بين الحق والباطل، تلك النهاية التي يحددها الله بحكمته، في الزمان والمكان والأسلوب المناسب، والتي يُزهَق فيها الباطل ويُنْصر الحق.
              وسبق هذه الآية آيتان تتحدثان عن (الجدية) في أفعال الله، وتنفي عنها اللعب والعبث. قال تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ، لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء: 16 - 17].
              خلق الله السماوات والأرض لحكمة، ولم يكن لاعباً في خلقه لهما سبحانه، وأفعاله منزهة عن اللهو والعبث! ولو أراد أن يتخذ لهواً لاتخذه من عنده، وما كان ليفعل ذلك.
              و (إِن) في قوله: (إِن كُنَّا فَاعِلِينَ) حرفُ نفي بمعنى (ما): أي: ما كنا فاعلين ذلك اللهو.
              ونفي اللعب واللهو عن أفعال الله، في سياق الحديث عن المواجهة بين الحق والباطل، مقصود، ليبين أن الله حكيم في توجيه هذه المواجهة، ورسم خطواتها ومراحلها وأحداثها.
              إن الصراع بين الحق والباطل سنة ربانية، وإن إزهاق الباطل سنة ربانية، وإن انتصار الحق على الباطل سنة ربانية. وقد وعد الله المؤمنين بإنفاذ هذه السنة، لأن سنة الله لا تتغير ولا تتبدل، ووعد الله لا يُخلف أو ينقض.
              وكل قصص القرآن معرض عملي لإنجاز هذا الوعد، وتحقيق هذه السنة، وكل حركة للمسلمين الصادقين المجاهدين، على مدار التاريخ الإسلامي، معرض عملي إسلامي لهذه السنة، وتفسير إسلامي للوعد الجازم في هذه الآية: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ).
              الحق يدمغ الباطل:
              ولنستمع بالصورة الفنية العجيبة الحية، التي تعرضها الآية، للصراع بين الحق والباطل.
              إنها صورة عسكرية صاروخية متحركة، نتخيلها في خيالنا الفاعل، ونحن نقرأ الآية، وكأننا أمام (فيلم تلفزيوني مصوّر) لمراسل عسكري، يبثه بثاً حياً على القناة الفضائية: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ)!.
              لننظر في (الفيلم) الذي تعرضه علينا الآية: إننا نرى على الشاشة (الباطل) في صورة جسم عسكري مجسّم، كأن يكن دبابة، أو حاملة طائرات، أو منصّة لإطلاق الصواريخ! ونلتفت إلى الجانب الآخر، معسكر الحق، فنرى قاعدة مادية مجسمة لهذا المعسكر، ونرى مجموعة من (الصواريخ) جاهزة للانطلاق لتدمير الباطل .. وما هي إلا لحظة قصيرة، حتى يُصدر الآمر أمره بإطلاق (صاروخ الحق) فينطلق الصاروخ نحو هدفه، ونراه في هذا الفيلم المصور متوجهاً نحو معسكر الباطل .. ونراه وهو يصيبه إصابة مباشرة، ونراه وهو يدمغه ويدمره ويفجره .. ونرى الباطل زاهقاً مدمراً هالكاً، زال عنه انتفاشه وادعاؤه!!.
              لقد عرضت الآية المعجزة انتصار الحق على الباطل، في صورة معبرة مؤثرة، على أساس القاعدة الجمالية القرآنية: (التصوير الفني في القرآن)، التي عرض بها القرآن مختلف موضوعاته!.
              الكفار نشيطون في نشر باطلهم والتمكين له، وينجحون في ذلك إلى حد ما، حيث يقيمون لباطلهم وجوداً كبيراً، متمثلاً في أنظمة وأجهزة، وكيانات ومؤسسات، ويمدونها بكل وسائل القوة، لتستمر وتبقى .. وهم أيضاً جادون في محاربة الحق وأهله، ويستخدمون في ذلك مختلف الوسائل والأساليب، ويحققون بعض النجاح.
              ويعجَب الكفار بجهودهم في التمكين لباطلهم، وفي حرب الحق وأهله، ويظنون أنهم نجحوا في مرادهم، وحققوا أهدافهم، فيفرحون ويرتاحون ..
              وفجأة يأتيهم أمر الله، من حيث لا يحتسبون ولا يتوقعون، فيقوي سبحانه جند الحق، وينصرهم على جند الباطل، ويقذف بقذائف وصواريخ الحق على مؤسسات الباطل، فيدمغها ويدمرها ويهلكها.
              تحقق هذا في إهلاك وتدمير قوى الباطل قبل الإسلام، على يد الرسل وأتباعهم، وأنفذ الله فيها قدره وإرادته سبحانه .. وتحقق في إهلاك وتدمير قوى الباطل بعد الإسلام، وأنفذ الله فيها قدره وإرادته، وقذف سبحانه قذائف الحق على الفرس والروم وأهلكهم، وقذفها على الصليبيين والتتار وأهلكهم ..
              وها هي قوى الباطل في زماننا منتفشة طاغية باغية، تتمثل في العالم الغربي الصليبي، الذي تقوده أمريكة، وتتمثل في اليهود المفسدين. وإننا على يقين من أن الله سيقذف قذائف الحق الإسلامية على هذه القوى الكافرة، فيدمغها ويزهقها ويدمرها. ويقولون: متى هو؟ قل: عسى أن يكون قريباً!.
              معنى إنقاص الأرض من أطرافها:
              ثالثاً: قوله تعالى: (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ، قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ) [الأنبياء: 44 - 45].
              الكلام عن كفار قريش، وفيه إنذار لهم، وتهديهم بالعقاب، إن لم يتخلوا عن الكفار والتكذيب، ومعاداة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
              يخبر الله أنه أنعم على كفار قريش، ومتعهم بمختلف أنواع المتع، كما أنعم على آبائهم ومتّعهم، ولكنهم قابلوا هذا الإنعام والإمتاع بالجحود والكفران والعصيان، واستوجبوا بذلك العقاب.
              وسيكون العقاب بإضعافهم، وإزالة سلطانهم، حيث سينقص الله عليهم الأرض من أطرافها، وسيقلص نفوذهم، وسيضعف تأثيرهم .. وهم ضعفاء أمام قوة الله، مغلوبون أمام أمره، ولن تستطيع أية قوة مخلوقة مهما عظمت أن تقف أمام قوة الواحد القهار.
              وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينذر الكفار العذاب، لعلم يتراجعون عن ما هم فيه، فإذا فتحوا قلوبهم وحواسّهم للإنذار استفادوا ونجوا، وإن أغلفوا قلوبهم وحواسّهم خسروا وهلكوا.
              والشاهد في الآية قوله: (أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ).
              ويخطئ بعض الباحثين من المسلمين في فهم المقصودين من إنقاص الأرض من أطرافها، المذكور في هذه الآية، وفي الآية الأخرى: (أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [الرعد: 41]. فيعتبرون حديث الآيتين عن (شكل) الأرض البيضاوي، فالله أنقص الأرض من أطرافها، بأن صغّر حجمها عن القطبين الشمالي والجنوبي، والله مد الأرض وكبّرها عند خط الاستواء!.
              ونرى أن هذا فهم مرجوح للآيتين، و (شكل) الأرض قد يكون هكذا، مضغوطاً عند القطبين، و (منبعجاً) عند خط الاستواء، لكن إنقاص أطراف الأرض الذي تحدثت عنه الآيتان إنقاص معنوي، وليس مادياً، وهو يتمثل في إضعاف قوى دول وإمبراطوريات، وتقلص سلطانها، وخروج بعض البقاع في أطرافها عن سيادتها، وانكماش رقعتها الجغرافية.
              الوعد بإزالة دول وإنشاء أخرى:
              لقد مكن الله لبعض الدول في الأرض، في الماضي والحاضر، فنشرت سلطانها، وبسطت نفوذها، واحتلت بلاداً لغيرها، واستعمرت أقواماً آخرين، وبقيت على هذا فترة من الزمان.
              ولكن الله أضعفها، وأنقص أطراف سيادتها، وجعلها تتراجع عن بعض المواقع، وتنسحب من بعض البلدان.
              تحقق هذا في إنقاص أطراف الإمبراطورية اليونانية، والإمبراطورية الرومانية، والإمبراطورية الفارسية، والإمبراطورية الهندية.
              وتحقق هذا في العصر الحديث، في الإمبراطورية الإسبانية، ثم الإمبراطورية الفرنسية، والإمبراطورية الألمانية، والإمبراطورية الإنكليزية، وأخيراً الإمبراطورية السوفياتية.
              والآن تنشر الإمبراطورية الأمريكية سلطانها ونفوذها على العالم، وتطوي دوله تحت أجنحتها، وتخطط أن تبقى هكذا للأبد، ولكن الله سيضعف قوتها، ويقلص نفوذها، وسينقص أطرافها، وتتراجع إلى ما وراء المحيط، وسيفتت وحدتها، ويفرِّق ولاياتها الخمسين، ويقسمها إلى عدة دويلات!.
              إن إنقاص أطراف الدول الكبرى سنة ربانية مطردة، فالله هو الذي يقوي الدولة، ويمكن لها، ويكتب لها التوسع والامتداد، وهذه الدولة تستخدم قوتها ومواردها وطاقاتها في استعباد الآخرين واستعمارهم، وتظلم وتطغى وتتجبر، وبذلك تستقدم عذاب الله وبأسه؛ ويكون عقابه لها بإنقاص أطرافها، وانفصال أجزائها، واستقلال الأقطار المستعمرة، وتحرير البلدان المحتلة .. ولن تبقى دولة ظالمة قوية غالبة أبداً: (أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ)؟.
              وراثة الأرض في التوراة والزبور:
              رابعاً: قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 105 - 107].
              الكلام في هذه الآيات عن وراثة الأرض، ومستقبل عباد الله الصالحين، وعموم بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم للعالمين.
              وتتضمن الآيات وعداً قرآنياً بالتمكين للإسلام، ونصر أتباعه الصالحين.
              وهذا الوعد ليس خاصاً بالقرآن فقط، فقد ورد في كتب الله السابقة، وأنزل على رسل سابقين.
              تخبُر الآية أن هذا الوعد مذكور في الزبور، وهو كتاب الله الذي أنزله على داود عليه السلام: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ).
              والمراد بالذكر في الآية التوراة، التي أنزلها الله على موسى عليه السلام، وصفها الله بهذه الصفة في هذه السورة، وذلك في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ) [الأنبياء: 48].
              وقد كتب الله في التوراة والزبور أنه يورث أرضه لعباده الصالحين، ويجعل العاقبة للمتقين.
              وقد ورد هذا الوعد صريحاً، في حديث سورة الأعراف عن ما جرى بين موسى عليه السلام وبين فرعون. وذلك في قوله تعالى: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [الأعراف: 128 - 129].
              الإيمان بالله، والاستعانة به، والصبر، طريق وسبيل لوراثة الأرض، لأن الأرض لله، يورثها عباده المؤمنين الصابرين، ويجعل العاقبة للمتقين.
              هذا وعد الله الذي كتبه في التوراة، وهو وعده الذي كتبه في الزبور، وكتبه في القرآن.
              لماذا الوعد في الزبور؟:
              وذكرُ الزبور في الآية مقصود ومراد، لأنه أنزله الله على داود عليه السلام، وكان داود ملكاً على بني إسرائيل، ورسولاً لهم، وأنشأ لهم مملكة كبيرة، زادت امتداداً وقوة في فترة حكم ابنه الرسول الملك سليمان، عليهما السلام، وكان حكمهما في الأرض المقدسة.
              ويتباهى اليهود ويتفاخرون في فترة ملك سليمان وداود عليهما السلام، ويزعمون أنهما أقاما في الأرض المقدسة حكماً يهودياً، وأن الله أعطى الأرض المقدسة (فلسطين) لليهود إلى الأبد!.
              وآيات سورة الأنبياء تكذّبهم، حيث تذكر بعض ما كتبه الله في الزبور، النازل على داود عليه السلام، وهو يتناقض مع ما يزعمه اليهود.
              الأرض لله، هو الذي يملكها في الحقيقة، ويُمَلِّكُها لمن يشاء من عباده، وفق إرادته وحكمته، ويورثها عباده المؤمنين المتقين الصالحين، فيأخذونها من أيدي الآخرين.
              وراثة الأرض للعابدين:
              وهذا الوعد في الآية بلاغ لقوم عابدين متقين، يسمعونه ويبلّغونه، ويثقون به، ويحققون شروطه لينالوه.
              وقد تلقى الصحابة هذا الوعد القرآني، وهم مستضعفون معذبون في مكة –لأن سورة الأنبياء مكية- فوثقوا به، وأيقنوا أنه لا بد من تحققه وإنجازه، ولهذا كانوا يستقبلون أذى واضطهاد الكافرين، وهم على يقين من وراثتهم للأرض، وأنه لا بد من أن يزول الكفر عن مكة وغيرها، ولا بد من أن ينتشر فيها الإسلام، ويرثها المسلمون الصالحون .. وهذا ما تحقق بعد أكثر من عشر سنوات من نزول هذه الآيات.
              ثم قام الصحابة المجاهدون بجهادهم الكبير، في بلاد الشام والعراق ومصر وفارس وغيرها، ونشروا فيها الإسلام، وورثوها بأمر الله، وتحقّق على أيديهم الوعد القرآني الناجز: (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ، إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ).
              وبمناسبة الحديث عن وراثة عباد الله الصالحين للأرض، يأتي تقرير عموم رسالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم للعالمين: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ). وهذا وعد قرآني آخر، بانتشار رسالته في العالمين، واستمتاع الناس برحمة الله.
              وتقرير هذا الوعد والمسلمون مستضعفون في مكة، ملأ قلب الرسول صلى الله عليه وسلم ثقة ويقيناً بنصره وانتشار دينه.
              والآيات الأخيرة من سورة الأنبياء تأكيد قاطع على إنجاز هذا الوعد القرآني، قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ، فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ، وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ، قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) [الأنبياء: 108 - 112].
              * ... * ... *

              تعليق

              • السعيد ابراهيم الفقي
                رئيس ملتقى فرعي
                • 24-03-2012
                • 8288

                #22
                المفال القادم
                الفصل الثامن الوعد القرآني في سورة الروم
                إن شاء الله

                تعليق

                • السعيد ابراهيم الفقي
                  رئيس ملتقى فرعي
                  • 24-03-2012
                  • 8288

                  #23
                  الفصل التاسع الوعد القرآني في سورة الروم

                  سورة الروم مكية، كان نزولها في منتصف عمر الدعوة الإسلامية في مكة، التي استمرت ثلاث عشرة سنة، وسميت بهذا الاسم لورود كلمة (الروم) فيها. وهي دولة (الروم) القوية، التي كانت أقوى دولة في العالم عصر نزول القرآن، وتتنازع السيطرة على العالم القديم مع دولة الفرس المجاورة لها.
                  وتحدثت الآيات الأولى من السورة، عن الحرب بين الفرس والروم، وأشارت إلى هزيمة الروم أمام الفرس في جولة سابقة، وأخبرت عن انتصار الروم على الفرس، خلال بضع سنين.
                  وقد تحدثنا عن جزم آيات السورة بنبأ مستقبلي، حدّدت له بضع سنين، وقد وقع في نهاية المدة التي حددتها الآيات، وأشرنا إشارة سريعة إلى ذلك، في مبحث (تحقق الأخبار المستقبلية في القرآن).
                  وحديثنا هنا عن تحقق الوعد القرآني الذي قرره مطلع السورة، وعن الوعد القرآني في آخر السورة.
                  الوعد بانتصار الروم على الفرس:
                  أولاً: قوله تعالى: (الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [الروم: 1 - 7].
                  المعنى الإجمالي لهذه الآيات هو: أخبرت الآيات عن هزيمة الروم أمام خصومهم الفرس، في المعارك التي وقعت في أدنى الأرض، وأقربها إلى الجزيرة العربية .. ثم جزمت الآيات أن الروم سيهزمون الفرس، بعد انهزامهم أمامهم، وأن انتصار الروم على الفرس سيكون في بضع سنين، وأقصى مدة لها ستكون تسع سنوات، لأن البضع من الثلاث إلى التسع.
                  وفي الوقت الذي سينتصر فيه الروم على الفرس، سينصر الله المسلمين أيضاً، وبذلك سيفرحون بنصر الله الذي منّ به عليهم. وهذا وعد قاطع نافذ من الله، لا بد أن يتحقق، لأن الله لا يُخلف وعده.
                  وقد كانت الحروب طاحنة مستمرة بين الدولتين القويتين: الروم والفرس، وكان من أعنفها الحرب التي وقعت بعد بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
                  ففي منتصف عهد الدعوة في الفترة المكية، شن الفرس حرباً قوية ضد الروم، حيث توجهوا غرباً فاحتلوا بلاد الشام، ودخلوا بيت المقدس سنة (614م)، وتوجهوا شمالاً فاتحين مختلف المدن الرومية، حتى حاصروا العاصمة القسطنطينية.
                  وسمع العرب أخبار هزيمة الروم أمام الفرس، وكان هذا في السنة السادسة للبعثة، فحزن المسلمون لهزيمة الروم، لأنهم أهل كتاب، بينما فرح المشركون لانتصار الفرس، لأنهم مثلهم يعبدون الأوثان والنار، ويشركون بالله.
                  وأنزل الله في تلك السنة سورة الروم، وفيها الخبر بانتصار الفرس، والوعد بانتصار الروم عليهم في بضع سنين. ولم يكن في الأفق ما يدل على قرب انتصار الروم على الفرس، فالروم مهزومون، وجيشهم محطم، والفرس يحاصرون القسطنطينية، فكيف يجزمُ القرآن أن الروم المغلوبين سينتصرون على الفرس، الغالبين في بضع سنين؟.
                  مراهنة أبي بكر للمشرك على انتصار الروم:
                  تلقّى المسلمون هذا الوعد القرآني باليقين، وصاروا ينشرونه بين المشركين، وكان من أكثرهم فرحاً أبو بكر الصديق، الذي صار ينادي في شوارع مكة أن الروح سينتصرون على الفرس في بضع سنين.
                  واستبعد المشركون ذلك وأنكروه، وأمام جزم أبي بكر بتحققه جاء أحد المشركين لمراهنته، فراهنه أبو بكر، على أن الروم سينتصرون على الفرس بعد خمس سنين، فإن لم يتحقق ذلك، دفع أبو بكر لصاحبه عدداً من الإبل، وكان هذا قبل تحريم الرهان في الإسلام، لأنه حُرِّم بعد الهجرة.
                  وانقضت السنوات الخمس، ولم ينتصر الروم، وجاء الرجل يطالب بالرهان، وأخبر أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر، فأمره أن يجعل المدة تسع سنين، لأن الآية حددتها ببضع سنين، والبضع من الثلاث إلى التسع، ففعل أبو بكر رضي الله عنه.
                  وفي السنة التاسعة لنزول الآيات، قام هرقل قيصر الروم بحرب عنيفة، هزم فيها الفرس، ودخل عاصمتهم المدائن، وبذلك تحقق الوعد القرآني، وكسب أبو بكر الرهان، وكان هذا سنة (623م).
                  لقد حددت الآيات موقع المعركة، التي هزمت فيه الروم: (غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ).
                  والأدنى هو الأقرب، والمراد به الأرض الأقرب إلى أهل مكة، الذي أنزل الله إليهم الآيات. والأرض الأدنى إلى أهل مكة في بلاد الشام، والمتاخمة للجزيرة العربية .. وقد احتل الفرس الأرض الأدنى للجزيرة العربية، ودخلوا القدس سنة (614م).
                  في الآيات وعدان تحقّقا:
                  ونرى أن الآيات الأولى من سورة الروم تضمنت وعدين اثنين، وليس وعداً واحداً، وهذان الوعدان تحقّقا في سنة واحدة.
                  الوعد الأول: انتصار الروم على الفرس، بعد بضع سنين من هزيمتهم أمامهم. وهو ما جزم به قوله تعالى: (وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ).
                  وقد تحقق هذا الوعد في السنة التاسعة لنزول الآيات، وكان ذلك سنة (623م)، حيث دخل هرقل المدائن عاصمة الفرس.
                  الوعد الثاني: انتصار المسلمين على المشركين، في المعركة الأولى الفاصلة، في غزوة بدر، وهو الذي أخبر عنه قوله تعالى: (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ).
                  لقد كانت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة، بعد تسع سنوات من نزول سورة الروم، الذي كان في السنة السادسة من البعثة.
                  بين الغلبة والنصر:
                  لا تسمى غلبة الروم على الفرس نصراً من الله، لأن نصر الله كرامة وتشريف منه، ولا يكون هذا النصر إلا لعباد الله المؤمنين الصالحين، والروم ليسوا عباداً مؤمنين صالحين! صحيح أنهم نصارى أهل كتاب، وأنهم أقرب للمسلمين من الفرس عبدة النار، لكنهم ليسوا مؤمنين، ولذلك أخبرت الآيات عن كسبهم المعركة بلفظ الغلبة: (وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ). وفرق بين الغلبة والنصر، لأن للنصر ظلال التكريم والتشريف من الله، وهذا خاص بالمؤمنين الصالحين!.
                  إن قوله تعالى: (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ، بِنَصْرِ اللَّهِ) ينطبق على نصر الله للمؤمنين في غزوة بدر، ولا ينطبق على غلبة الروم على الفرس.
                  وهو يتفق مع قوله تعالى في غزوة بدر: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [آل عمران: 123].
                  ومن تقدير الله الحكيم العليم، أن يتحقق الوعدان في سنة واحدة، هي سنة (623م)، وهي السنة الثانية للهجرة، تغلّب فيها الروم على الفرس، وانتصر فيها المسلمون على المشركين في غزوة بدر.
                  واللطيف في الآيات التي تحدثت عن الوعدين أنها ربطت الأمور كلها بيد الله: (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ). فالله يدبر أمر الكون كله، ويقدر كل شيء يجري فيه، ولا يقع حدث سياسي أو عسكري إلا بأمر الله، ولا تنشب معركة إلا بأمر الله، ولا تغلب دولة غيرها إلا بأمر الله.
                  نظرة المؤمنين والكافرين إلى وعد الله:
                  ونصت الآيات على أن غلبة الروم للفرس، وانتصار المسلمين على المشركين، وعد من الله الحكيم الخبير، والله لا يخلف وعده: (وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ). والمؤمنون يتعاملون مع وعد الله باليقين والثقة، ويجزمون بأن الله منجز وعده.
                  أما الآخرون فإنهم يشكون في وعد الله، لأنهم لا يعلمون قدرة الله المطلقة، وأنه سبحانه فعال لما يريد، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ).
                  لقد كان المشركون في مكة يستبعدون انتصار الروم على الفرس في بضع سنين، لأنهم حللوا الأحداث تحليلاً مادياً بشرياً، وهذا التحليل المادي يجعل من المستحيل انتصار الروم بعد تسع سنين، وهم الدولة المهزومة، التي تحطّم جيشها، واحتلت بلادها، وحوصرت عاصمتها!.
                  لكن المسألة في التحليل الإيماني لها بُعْد آخر، فإذا أراد الله تقوية الروم المهزومين في بضع سنين فعل، وهيأ لذلك الأسباب، وإذا وعد بذلك أنجز وعده!.
                  وكان المشركون في مكة يستبعدون انتصار الصحابة المستضعفين عليهم، لأن قوة الصحابة لا تُذْكَر أمام قوتهم، وذلك وفق التحليل المادي البشري القاصر. أما في التحليل الإيماني فليس الأمر مستبعداً أو مستحيلاً! لأن الله إذا أراد شيئاً فعله، وإذا وعد بشيء أنجزه، ولذلك نصر الصحابة في بدر، مع كونهم أذلة: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ) [آل عمران: 123].
                  الصبر على انتظار تحقق وعد الله:
                  ثانياً: قوله تعالى: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ، كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) [الروم: 58 - 60].
                  ذكر الله أمثلة عديدة منوعة في القرآن، وفصّل فيه الآيات، ونوّع فيه الحجج والأدلة والبراهين، ليفهمها الناس ويعوها، ويُحسنوا التعامل معها.
                  ولكن الكفار جاهلون، مطبوع على قلوبهم، يقابلون الأمثال والآيات القرآنية بالعناد والإصرار والتكذيب! وإذا قُدّمت لهم خوارق ومعجزات لا يصدقون بها، ويتهمون الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر سحرهم، وأن المسلمين على باطل: (وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ).
                  وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على عناد وتكذيب المشركين، وحربهم وعداوتهم له، فالصبر زاد عظيم، يتزود به الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى أن يحكم الله بينه وبين أعدائه.
                  عدم استعجال تحقق وعد الله:
                  وبعد الأمر بالصبر، تؤكد الآية تحقق وعد الله: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) والمراد بوعد الله هنا، وعده سبحانه بانتصار الحق وأهله، وهزيمة الباطل وأهله.
                  ومعنى أنه حق، أنه سيتحقق في عالم الواقع، وسيرى الناس انتصار المؤمنين، وهزيمة الكافرين.
                  واللطيف أنه بعد تقرير تحقق وعد الله بالنصر، جاء التحذير من الذين لا يوقنون بهذه الحقيقة: (وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ). فالذين يشُكُّون بوعد الله، أو يستبعدون وقوعه، قد (يستخفون) بالمؤمنين، ويقذفون في قلوبهم اليأس، أو يدفعونهم لبعض الأعمال والتصرفات المرتجلة المندفعة، التي تقود إلى نتائج خاطئة، والسبب في ذلك هو استعجال تحقق وعد الله.
                  على المؤمن أن يوقن بأن وعد الله حق، وأنه لا بد أن يتحقق، وأن يصبر على انتظار تحققه، وأن لا يتعجل وقوعه، وأن لا يستخفّه أو يستفزه المتعجلون، وأن يدع الأمر إلى حكمة الله الحكيم الخبير، الذي يحققه متى شاء سبحانه!.
                  * ... * ... *

                  تعليق

                  • السعيد ابراهيم الفقي
                    رئيس ملتقى فرعي
                    • 24-03-2012
                    • 8288

                    #24
                    الفصل العاشر الوعد القرآني في سورة القمر

                    سورة القمر مكية، نزلت في جو اشتداد أذى قريش للمسلمين، وتكذيبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان المسلمون في مكة قلائل مستضعفين، يستقبلون أذى واضطهاد وتعذيب الكفار بصبر وثبات.
                    وكان من أهداف سورة القمر تثبيت المؤمنين على الحق، وتعريفهم بطريق الدعوة، ودعوتهم إلى الصبر، وتبشيرهم بالفرَج، وملء قلوبهم ونفوسهم بالأمل الكبير بالنصر .. وتهديد الكافرين الظالمين بالعذاب، عن طريق عرض بعض النماذج والأمثلة، لمن سبقهم من الكافرين، ليعتبروا ويتعظوا، ويتخلّوا عن ما هم فيه من كفر وطغيان.
                    موضوع السورة:
                    بدأت السورة بالحديث عن معجزة باهرة، معجزة انشقاق القمر أمام المشركين، وتكذيبهم بها، وزعمهم أنها سحر لا حقيقة له، وتهديدهم بالعذاب.
                    ثم عرضت مشاهد سريعة من قصص الأنبياء السابقين، مع أقوامهم المكذبين، كان التركيز فيها على كفرهم وتكذيبهم واستهزائهم، ثم إهلاكهم وتدميرهم.
                    والأقوام الذين تحدثت عنهم آيات السورة: قوم نوح، وقوم عاد، وقوم ثمود، وقوم لوط، وقوم فرعون.
                    وعقبت السورة على إهلاك كل قوم منهم بآية: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) التي ذكرت أربع مرات [آيات: 17، 22، 32، 40].
                    والتعقيب بهذه الآية على القصص الأربع مقصود، الهدف منه تقرير حقيقة تيسير القرآن للذكر، وهذه من أهم خصائص القرآن، فالله يسّر تلاوته وفهمه وحفظه وتطبيقه، كما يسّر التذكّر والعبرة والعظة، بما يعرض فيه من قصص وأمثلة، ونماذج وحوادث، وسنن وحقائق.
                    وتحث الآية على التذكر والاعتبار: (فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ). أي: هل يوجد شخص واع بصير، يقف عند العظات القرآنية متدبراً متذكراً؟!.
                    و (مُّدَّكِرٍ): اسم فاعل على وزن (مُفْتَعِل)، فعله الماضي خماسي هو: (ادّكر) على وزن (افتعل). وقد ورد هذا الفعل في قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ) [يوسف: 45].
                    وأساس: (ادّكر): اذتكر، على وزن: افتعل.
                    الثلاثي منه: ذكر. أُدْخِلت تاء الافتعال لمزيد من التأكيد، فصار اذتكر، وأُبدلت التاء دالاً للستهيل، فصارت: اذدكر. وأدغمت الذال في الدال إدغام المتقاربين، فصارت: ادّكر. واسم الفاعل منها: مُدّكر، على وزن: مفتعل!.
                    تهديد الكفار بالهزيمة:
                    وبعدما انتهت آيات السورة من الحديث عن الهالكين، التفتت إلى كفار قريش، وهدّدتهم بالعذاب، وتوعدتهم بالهزيمة أمام المسلمين، ووعدت المسلمين بالنصر عليهم، قال تعالى: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ، أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ، سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ، إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ، يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ، وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ، وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) [القمر: 43 - 53].
                    الخطاب في قوله: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ) لكفار قريش، والهمزة في (أَكُفَّارُكُمْ) للاستفهام الإنكاري، والآية تنكر على كفار قريش عدم اعتبارهم بما جرى للكافرين السابقين.
                    و (أُوْلَئِكُمْ): اسم إشارة للبعيد، والمراد به الكفار السابقون المذكورون في ما سبق من آيات السورة، وهم قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وآل فرعون.
                    تسأل الآية كفار قريش: لقد سمعتم عن إهلاك الكفار السابقين، فلماذا لم تتعظوا وتعتبروا؟ هل كفاركم خير من أولئك الكفار السابقين؟ وهل أنتم أقوى منهم؟ لستم خيراً منهم، ولستم أقوى وأكثر أموالاً وأولاداً منهم!.
                    وقد ذكرت هذه الحقيقة آيات عديدة، منها قوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ) [الأنعام: 6].
                    وبما أن الكفار السابقين أقوى من كفار قريش، ولم تدفع عنهم قوتهم العذاب، فإن كفار قريش أكثر ضعفاً وعجزاً عن دفع العذاب، فلماذا لا يعتبرون ويتخلّون عن كفرهم؟.
                    وتسألهم الآية سؤالاً ثانياً: (أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ) والمراد بالزّبر هنا: الكتب الربانية التي أنزلها الله على رسله، مفردها (زبور) بمعنى كتاب.
                    والمعنى: لماذا أنتم آمنون من العذاب مع كفركم وتكذيبكم؟ هل أعطاكم الله أماناً وبراءة في كتبه؟ .. الجواب بالنفي، فلا يملكون تلك البراءة، لأن الله لا يُقرّ في كتبه كافراً على كفره، ولا يعطيه الأمان بالنجاة إن وقع به عذاب!.
                    وتُوجِّه لهم الآيات سؤالاً ثالثاً: (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ). أي: هل يظن كفار قريش أنهم متفقون مجتمعون، وأن تجمّعهم وتعاونهم واتفاقهم يحقق لهم النصر؟ ويدفع عنهم العذاب؟.
                    وتقذف الآيات الرعب في قلوبهم، وتهددهم بالهزيمة: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ). أي: سيهزم جمع الكفار المجتمعين في المستقبل، عندما تنشب المعارك بينهم وبين المسلمين، وسيولون الأدبار منهزمين.
                    وبعد جزم الآية بهزيمة الكفار في الدنيا، توعّدتهم الآية التالية بالعذاب الشديد في الآخرة: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ).
                    وقدمت لهم الآيات التالية مشهداً لذلّهم وعذابهم في الآخرة: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ، يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ).
                    نصر المؤمنين وهزيمة الكافرين بقدر من الله:
                    وفي هذا السياق وما فيه من الوعد للمؤمنين، والوعيد والتهديد للكافرين، تقرر آية محكمة حقيقة القدر. قال تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ).
                    فكل شيء في هذا الكون مخلوق، خلقه الله بقدره، وأوجده في الزمان المحدد، والمكان المحدد، بحكمته سبحانه، فهو الذي يقدر الأشياء ويوجدها.
                    ومن ذلك تحقق الوعد بهزيمة الكفار، وانتصار المسلمين عليهم في الدنيا، فالله الذي يحدد الزمان والمكان والكيفية، بحكمته وقدره سبحانه.
                    وإذا جاء الوقت المحدد، فإنه سبحانه يحقق قدره ويمضي إرادته، والأمر هين عليه سبحانه: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ). أي: نحقق أمرنا بكلمة واحدة، هي كلمة: (كُن) فيوجد الشيء الذي أردناه كلمح البصر. وعلى هذا قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس: 82].
                    وعادت الآيات إلى تهديد كفار قريش: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ). أي: أهلكنا أشباهكم وأمثالكم من الكفار السابقين، كعاد وثمود ومدين، فهل منكم من يتذكر ويتعظ ويعتبر؟.
                    وتستمر الآيات في تهديد كفار قريش، بإخبارهم أن كل شر وسوء وكفر وتكذيب حصل من الكفار وصدر عنهم، فإن الله قد سجّله وأحصاه، وأثبته في الزبر والكتب، التي يُثبتُ فيها أفعال الناس، صغيرها وكبيرها: (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ).
                    وعد المؤمنين بالنصر على الكافرين:
                    والتهديد الصريح للكفار في قوله: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ). وهذا وعيد لهم، بهدف قتل هممهم، وإضعاف عزائمهم، وتحطيم معنوياتهم، وهو ضمن (الحرب النفسية) التي يشنها القرآن على الأعداء بقوة وجدارة، ويهز فيها نفسياتهم، ويقضي على إراداتهم!.
                    وتقدم هذه الآية وعداُ قرآنياً للمؤمنين، بأنهم سوف يهزمون جمع قريش في المستقبل، بحيث يولّي الكافرون الأدبار.
                    وهدف هذا الوعد هو رفع معنويات المؤمنين، وملء نفوسهم أملاً بالمستقبل، وتبشيرهم البشرى المشرقة العظيمة، وبذلك يزدادون ثباتاً على الحق، وتصميماً على تحدي الباطل، وثقة بأن المستقبل لهم، وإعداداً للمرحلة القادمة من الصراع مع الكفار، وهي مرحلة قتالهم وهزيمتهم.
                    ولا ننسى أن الصحابة تلقوا هذا الوعد القرآني: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) وهم مستضعفون في مكة، معذبون مضطهدون فيها.
                    لقد كانت القوة والغلبة وقت نزول الآية التي أطلقت ذلك الوعد للكفار، الذين هم قادة مكة وزعماؤها، وبيدهم الأمر والمال والجاه والقرار، والناس أتباع لهم .. بينما كان المسلمون في مكة أقلية ضعفاء، لا يملكون مالاً ولا سلطاناً ولا متاعاً، إلا القليل من ذلك الذي لا يكاد يُذْكَر.
                    وفي هذا الجو الخاص، الذي لم تكن فيه القوتان متكافئتين –قوة الكفار وقوة المسلمين- حيث كانت قوة الكفار غالبة مستعلية، وقوة المسلمين مبتدئة، تشق طريقها بصعوبة، وسط العقبات والحواجز التي يضعها الكفار أمامها.
                    في هذا الجو ينزل الله آية تقدم وعداً لهذه القوة الإسلامية النامية، بأنها سوف تقوى وتشتد، وتقف أمام قوة الكافرين، وتحطمها وتهزمها!.
                    إن الجزم بهذا الوعد القرآني يدل على أن القرآن كلام الله، لأنه لا يَجزم بشر بهذا الجزم، لعدم وجود مؤشر مادي على هزيمة جمع الكفار، في تلك الفترة الزمنية المتقدمة، من بدايات عمر الدعوة الإسلامية في مكة!.
                    ولما سمع الكفار الوعيد والتهديد في الآية، والجزم بأنهم سينهزمون أمام المسلمين ويولونهم الأدبار، صاروا يسخرون ويستهزئون ويتندّرون، ويعتبرون ذلك مستحيلاً!.
                    أما المؤمنون فإنهم تلقّوا عن الآية وعدها، واستبشروا به، وأيقنوا أنه سيتحقق لا محالة، وإن لم يعرفوا كيف ولا متى ولا أين سيتحقق؟.
                    وثقوا بتحقق الوعد، وتركوا كيفية إنجازه وإمضائه إلى الله الحكيم الخبير.
                    متى حقق الله لهم وعده؟:
                    ومضت السنوات المكية من عمر الدعوة الإسلامية تِباعاً، وانتهت الفترة المكية والقوة المادية الغالبة لكفار قريش .. وهاجر المسلمون إلى المدينة، وأقاموا فيها كيانهم ..
                    وبعد سنتين من الهجرة، جاء وقت إنجاز الوعد القرآني الذي أطلقته آية سورة القمر، قبل أكثر من تسع سنوات.
                    كان ذلك في غزوة بدر، في شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة، وهي أول مرة يلتقي فيها الجمعان، جمعُ المؤمنين بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجمع المشركين بقيادة أبي جهل.
                    وكلنا يعرف نتائج غزوة بدر، التي نصر الله فيها المسلمين، وهزم جمع الكافرين القرشيين، الذين قتل منهم سبعون رجلاً، في مقدمتهم زعيمهم أبو جهل وأُسِرَ سبعون آخرون، وفرّ الآخرون من الميدان، مولين الأدبار.
                    ولنقف أمام موقف الصحابة الإيجابي من هذا الوعد القرآني، وإخبارهم عن تحققه على أرض بدر.
                    الرسول يسأل ربه إنجاز وعده:
                    روى البخاري [برقم: 4877] عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال –وهو في قُبّة له يوم بدر: "اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تُعْبَد بعد اليوم أبداً" .. فأخذ أبو بكر رضي الله عنه بيده، وقال: حسبُك يا رسول الله، فقد ألححْت على ربك! وهو في الدرع، فخرج وهو يقول: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ، بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ).
                    يخبر ابن عباس رضي الله عنهما في هذا الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا الله وتضرّع إليه واستغاثه، قُبيل خوض المعركة، ونشد الله إنجاز وعده، ونصر العباد المؤمنين المجاهدين، لتستمر عبادته في الأرض.
                    وأكثر الرسول صلى الله عليه وسلم من تضرعه ودعائه، حتى أشفق عليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقال له: حسبك يا رسول الله، فإن الله منجز لك ما وعد.
                    وعندما رجا الرسول صلى الله عليه وسلم ربه إنجاز وعده. كان يتذكر آية سورة القمر، التي نزلت قبل بضع سنوات، بدليل أنه بعد تضرعه، خرج من قُبّته، وهو يثبُ في الدرع ويتلو الآية نفسها: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ). وهو مستبشر بتحقق وعد الله!.
                    وقد فصّل عمر بن الخطاب رضي الله عنه تضرع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر بألفاظ أخرى.
                    روى مسلم [برقم: 1763] عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حدثني عمر بن الخطاب، قال: "لما كان يوم بدر، نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، وهم ألف، وأصحابه ثلاثمئة وتسعة عشر رجلاً، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مد يديه، فجعل يهتف بربه: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تُعبد في الأرض".
                    فما زال يهتف بربه، مادّاً يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه.
                    فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله: كفاك مناشدتك ربّك، فإنه منجز لك ما وعدك ..
                    فأنزل الله عز وجل: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ) [الأنفال: 9]. فأمده الله بالملائكة".
                    الرسول صلى الله عليه وسلم –من خلال هذه الرواية- يهتف بربه، ويدعوه ويتضرع إليه، ويرجوه أن يُنجز له ما وعده، ويؤتيه ما وعده، وهو الوعد الذي قرّرته آية سورة القمر وأمثالها، بانتصار المؤمنين وهزيمة الكافرين.
                    وقد أشفق عليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وطمأنه أن الله منجز له ما وعده.
                    لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم على يقين أن الله سينجزُ له ما وعدَه، ولم يشك في ذلك لحظة، لكن دعاءه وتضرُّعه من باب الأخذ بالأسباب، والدعاء إلى الله، لاستجلاب موعود الله.
                    وكان أبو بكر رضي الله عنه على يقين، بأن الله سينجزُ وعدَه، لأنه لا يُخلف الميعاد، ويوقن بالنصر في المعركة، رغم عدم توازن وتكافؤ الجمعَيْن!.
                    عمر يخبر عن إنجاز الوعيد في بدر:
                    واللطيف أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صارح عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، بما حدّث به نفسه، عند نزول الآية المذكورة، حاملة ذلك الوعد الرباني.
                    قال السيوطي في [الدر المنثور: 7/ 681]: "أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أنزل الله على نبيه بمكة قبل يوم بدر: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ). فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله! أيّ جمع سيُهزم؟.
                    فلما كان يوم بدر، وانهزمت قريش، نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم مُصْلِتاً بالسيف، وهو يقول: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ). وكانت ليوم بدر".
                    وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما نزل قوله تعالى: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) جعلْتُ أقول: أي جمع سيُهْزَم؟.
                    حتى كان يوم بدر، رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يَثِبُ في الدرع، وهو يقول: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)، فعرَفْت تأويلها يومئذ.
                    يخبر عمر رضي الله عنه أنه لما أُنزلت الآية في مكة عرف معناها، وأيقن بما فيها من وعد رباني قادم، وأنه لا بد أن يتحقق .. لكنه لم يعرف كيف ولا متى ولا أين! فآمن بالوعد، وترك وقت تحقيقه لحكمة الله.
                    وبعد سنوات، وفي معركة بدر، سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يتلو الآية وهو يلاحقُ الكفار المنهزمين، فعرف أن تحقيق ذلك الوعد كان في بدر.
                    واللطيف في كلام عمر رضي الله عنه، أنه اعتبر تحقق الوعد النظري في صورته العملية التطبيقية: (تأويلاً) للآية، لأن التأويل هو بيان النهاية والمآل والمصير: "فعرفْتُ تأويلَها يومئذ"!.
                    * ... * ... *

                    تعليق

                    • السعيد ابراهيم الفقي
                      رئيس ملتقى فرعي
                      • 24-03-2012
                      • 8288

                      #26
                      الفصل الأول الوعد القرآني في سورة البقرة

                      الأمة الوسط الشاهدة على باقي الأمم:
                      ذكرت آيات سورة البقرة وعوداً قرآنية، وتحققت تلك الوعود؛ من تلك الآيات:
                      أولاً: قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) [البقرة: 143].
                      أخبر الله المسلمين في هذه الآية أنه جعلهم الأمة الوسط، والحكمة من ذلك أن يكونوا شهداء على الناس والرسول صلى الله عليه وسلم شهيداً عليهم.
                      وتظهر (وسطية) الأمة في كل شيء. وسطية المكان والموقع الجغرافي، فهي في وسط الكرة الأرضية، ووسطية الزمان، فهي بعد اليهود والنصارى، والأهم من هذا وسطية المنهج والرسالة، فالإسلام هو الدين الوسط، والمراد بوسطية الإسلام (التوازن) بين مناهجه، و (الاعتدال) في تشريعاته، و (التكامل) بين توجيهاته، فلا إفراط فيه ولا تفريط، ولا مبالغة ولا تفلّت، ولا غلو ولا تهاون.
                      ووسطية الأمة في منهاجها ورسالتها جعل لها مهمة حضارية كبيرة، ومسؤولية عالمية خطيرة.
                      لقد جعل الله الأمة الوسط شاهدة على باقي الأمم، وهي المرجع الأساسي للأمم، والحكَم لما ينشب بينها من خلاف، والأصل في هذه الأمة الوسط أن تؤدي شهادتها، وتقوم برقابتها، وتحقق ريادتها وأستاذيتها.
                      وقد تحقق هذا الوعد القرآني في عالم الواقع، عندما عاشت الأمة بإسلامها، وتحركت بقرآنها، واستقامت على طريقها، فقدمت للعالم النور والهدى، والمدنية والحضارة، والمنهج والريادة.
                      وكانت الحواضر الإسلامية مراكز إشعاع وهدى، في بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة وغيرها، وكان الخليفة القوي مرهوب الجانب، مسموع الكلمة، وكان قادة العالم يتقربون إلى النظام الإسلامي القوي.
                      ولم تتحول الأمة في هذا الزمان إلى ذيل القافلة، إلا بعدما ابتعدت عن إسلامها، وقلدت الأمم الأخرى في انحرافاتها وسيئاتها.
                      وما تعيشه الأمة الوسط الآن من ذل وضعف وتبعية، لا يعني تخلف الوعد القرآني لها، بالوسطية والأستاذية والشهادة والريادة، لأن السبب في ما تعانيه هو قصورها وانحرافها، والوعد القرآني ما زال قائماً وجاهزاً، ولكنه لا يعمل في حياة المسلمين، ولا يتحقق فيهم، إلا إذا أوْفوا هم بالعهد، وحققوا الشرط، وأدوا الواجب!.
                      المؤمنون فوق الكفار إلى يوم القيامة:
                      ثانياً: قوله تعالى: (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [البقرة: 212].
                      تُعرفنا الآية على حقيقة ما عليه الكافرون، فهم لا يؤمنون بالآخرة، ولذلك زينت لهم الحياة الدنيا، وهم يؤمنون بها، ويعملون لها، وهي هدفهم وسعيهم، ومحط اهتمامهم، تجدهم حريصين عليها، مقبلين على ملذاتها ومتعها وشهواتها.
                      ونظرتهم للمؤمنين تقوم على السخرية والتهكم والاستهزاء، لا يعجبهم المؤمنون في ترفعهم عن متع وشهوات الدنيا، وفي نظرتهم للآخرة، وفي سعيهم لها، وفي خوفهم من الله، الذي يدفعهم إلى ترك ما حرم الله.
                      وشتان بين المؤمنين والكافرين، فالفريقان لا يستويان، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
                      وذكرت الآية حقيقة قرآنية قاطعة، وقدمت وعداً قرآنياً منجزاً: (وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
                      المؤمنون المتقون فوق الكافرين، ويبقون فوقهم إلى يوم القيامة. هذا ما قدره الله وأراده، ولا رادّ لأمره سبحانه.
                      والمراد بالفوقية هنا فوقية معنوية نفسية، وليست فوقية مكانية مادية. إنها فوقية تملأ شعور المؤمنين، هم المتميزون على الكافرين في كل شيء، متميزون بدينهم ومنهاجهم، ومتميزون بمهمتهم ووظيفتهم ودورهم، متميزون بأفكارهم وتصوراتهم، وبسلوكهم وتصرفاتهم، وبآمالهم وتطلعاتهم واهتماماتهم. متميزون في دنياهم وآخرتهم .. ولهذا يوقن المؤمنون أنهم أفضل من الكافرين، وأنهم الأعلون المتفوقون. كما قال تعالى: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [آل عمران: 139].
                      وشعور المؤمنين بأنهم الأعلى، وأنهم فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة لا يعني تكبرهم على غيرهم، لأن التكبر محرم في دين الله.
                      إنما يعني اعتزازهم بالإسلام، وافتخارهم بالانتساب إليه، وشكرهم لله على ما ميزهم به، وحرصهم على الالتزام به، وقيامهم بواجب الدعوة إليه، وتقديم نوره إلى الذين يتخبطون في ظلمات الكفر والجاهلية.
                      كما يعني هذا استغناؤهم بالإسلام، واكتفاؤهم به، ويقينهم بعدم حاجتهم لغيره، ولذلك لا يأخذون من الكافرين شيئاً من أفكارهم ومذاهبهم، وقوانينهم وتشريعاتهم، وقيمهم وعاداتهم، وسلوكياتهم وتصرفاتهم، لأن هذا كله نتاج كفرهم، وانغماسهم في الحياة الدنيا وإنكار الآخرة.
                      لا بد أن يشعر المؤمنون بأنهم فوق الذين كفروا، فلا يجبنوا ولا يضعفوا أمامهم، ولا يذلّوا لهم.
                      وقد حقق الله للمسلمين وعده، فجعلهم فوق الذين كفروا، حيث نصرهم عليهم، ومكن لهم في الأرض.
                      شرط كون المؤمنين فوق الكفار:
                      وكون المسلمين فوق الذين كفروا مشروط بالتزامهم الصادق الجاد بالإسلام، وتطبيقه والحركة به، فإن أخلوا بهذا الشرط فقدوا هذه الصفة، ونزلوا عن هذه المنزلة، ولا يرتقون إليها إلا إذا عادوا إلى إسلامهم.
                      والمسلمون في هذا الزمان ليسوا فوق الذين كفروا، وإنما صاروا في أوضاعهم العامة دون الذين كفروا، وهم الذين جنوا بذلك على أنفسهم، وهم السبب في ما أصابهم، لأنه انفكت صلة كثيرين منهم بالإسلام، وضعفت صلة آخرين به، وبذلك لم يلتزموا بشرط الفوقية المشروط.
                      ونحن على يقين أن المسلمين سيعودون عودة جادة للإسلام، وبذلك يعودون إلى المنزلة العالية التي وضعهم الله فيها، ورفعهم إليها، وجعلهم فوق الذين كفروا.
                      نحن جازمون أن هذا الوعد القرآني سيتحقق لهم في المستقبل، عندما يغيرون ما بأنفسهم من سوء، كما تحقق هذا الوعد لآبائهم الصالحين!.
                      إصابة المؤمنين بالبأساء والضراء:
                      ثالثاً: قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) [البقرة: 214].
                      تتحدث الآية عن طريق الدعوة، وضريبة الإيمان والالتزام والسير في الطريق الموصل إلى الجنة.
                      والخطاب في الآية: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم) للمسلمين، وإن الآية تُعرِّفهم على ما ينتظرهم من الابتلاءات والمحن، في طريقهم إلى الجنة، فطريق الجنة ليس مفروشاً بالورود والرياحين، وهو ليس سهلاً معبّداً، إنه مليء بالعقبات والأخطار والمفاجآت، وكل من سار فيه لا بد أن يصيبه الأذى والألم.
                      وللمسلمين في ذلك قدوة وأسوة بالمؤمنين الذين خلوا من قبلهم، من أتباع الرسل السابقين، فقد عاشوا كثيراً من الابتلاءات والمحن، أخبر الله عنها بقوله: (مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ).
                      البأساء هي الشدة، والضراء هي الضرّ والألم، والزلزال قائم على الإيذاء والابتلاء، والتهديد والتخويف، والحصار والمعاناة.
                      لا بد أن يمر المؤمنون بهذا الطريق، وأن يذوقوا هذه الابتلاءات والمحن، وأن يدفعوا هذا الثمن.
                      وأكدت على هذا آيات عديدة، منها قوله تعالى: (الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) [العنكبوت: 1 - 3].
                      ومنها قوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 155].
                      معنى التساؤل: متى نصر الله؟:
                      وبلغ من شدة ما أصاب المؤمنين السابقين قبل الإسلام أن الرسول وأتباعه كانوا يقولون: (مَتَى نَصْرُ اللّهِ)؟ فيأتيهم الجواب محقّقاً ومؤكداً قرب وقوعه: (أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ).
                      وقول الرسول وأتباعه المؤمنين: (مَتَى نَصْرُ اللّهِ)؟ ليس شكاً منهم، ولا إنكاراً لنصر الله لهم، ولا يأساً أو ظناً أن الله تخلى عنهم، فهم موقنون بأن الله معهم، وأنه سينصرهم ويهزم أعداءهم.
                      إن تساؤلهم (مَتَى نَصْرُ اللّهِ)؟ تضرع ودعاء إلى الله، واستجلاب واستقدام لنصره، وإعلان بأنه قد أصابهم الكثير، وقد تحملوا الكثير، ودفعوا الكثير، وأنهم صابرون محتسبون، لكنهم يريدون أن ينعموا بالنصر.
                      الوعد بقرب نصر الله:
                      وقد علم الله صدقهم، في بذلهم وصبرهم وتساؤلهم، فبشّرهم بقرب وصول النصر إليهم: (أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ).
                      وقد أُكِّدَتْ هذه الحقيقة بعدة مؤكدات في الآية. وهي: حرف الاستفتاح: (ألا). وحرف التوكيد: (إن). والجملة الاسمية بعدها: (نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ). وإضافة النصر إلى الله إضافة تشريف له. وصيغة المبالغة: (قَرِيبٌ).
                      وهذا وعد قاطع من الله، صيغ هذه الصياغة، وأُكّد بهذه المؤكدات.
                      وكان الرسل السابقون وأتباعهم واثقين من نصر الله، وموقنين بقرب تحققه وقدومه، وقد أنجز الله لهم وعده، في الوقت الذي اختاره سبحانه بحكمته، فأنجاهم من الهلاك، ودمر أعداءهم الكافرين.
                      وبمعنى هذه الآية قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) [يوسف: 110].
                      وهذا وعد من الله بنصر عباده المؤمنين، الصابرين المجاهدين الصادقين، وهذا الوعد ليس مقيداً بزمان، ولا خاصاً بمكان، ولا محصوراً بالرسل السابقين وأتباعهم، إنما هو وعد مطلق عام شامل، للمؤمنين المجاهدين الثابتين على اختلاف الزمان والمكان.
                      نصر الله قريب من الرسل السابقين وأتباعهم، وقد صدقهم الله وعده وأنزل عليهم نصره، ونصر الله قريب من رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد صدقهم الله وعده، وأنزل عليهم نصره.
                      وإن نصر الله قريب من المؤمنين المجاهدين من هذه الأمة، وسيصدقهم الله وعده، ويمن عليهم بنصره، في الوقت الذي يحدده، والكيفية التي يختارها.
                      ومن الواجب أن نوقن أن الله لا يحجب نصره عن عباده المؤمنين المجاهدين الصادقين، لأنه جعل ذلك حقاً عليه، فقال: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) [الروم: 47] .. ولكن صور النصر وألوانه عديدة، وليس محصوراً بالغلبة المادية والانتصار العسكري. قال تعالى: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) [غافر: 51].
                      استمرار قتال الكفار للمسلمين:
                      رابعاً: قوله تعالى: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 217].
                      الآية نازلة في معالجة آثار قتل مجموعة من المجاهدين الصحابة رجلاً مشركاً في الشهر الحرام، وكان قتلهم له خطأ، وذلك في سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه .. وقد أثار كفار قريش حرباً إعلامية دعائية ضخمة ضد المسلمين، واتهموهم فيها بانتهاك حرمة الشهر الحرام، فأنزل الله آية في رد شبهاتهم وإشاعاتهم، وتسجيل جرائمهم، وختمها بتقرير حقيقة استمرار حربهم وقتالهم للمسلمين. قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ) [البقرة: 217].
                      وليست وقفتنا أمام الآية بكاملها، وبيان معناها، واستخراج دلالاتها، لأن هذا لا يتفق مع موضوع هذا البحث، إنما وقفتنا مع الجزء من الآية الذي يتحدث عن استمرار الحرب والمواجهة بين المسلمين والكافرين.
                      الخطاب في قوله: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ) للمسلمين، والإخبار في الجملة عن الكفار.
                      وتخبر الآية عن استمرار قتال الكفار للمسلمين بفعل (لا يزالون)، الدال على الاستمرار، وعدم التوقف والانقطاع. وإذا ما أعلن الكفار رغبتهم في وقف القتال، وحرصهم على تحقيق" السلام العادل والشامل والدائم! "، فإنهم كاذبون في هذا الإعلان، يريدون منه خداع المسلمين؛ فالسلام الذي يريده الكفار هو الذي يضمن لهم إخضاع وإذلال واستعباد المسلمين، واحتلال بلادهم، ونهب خيراتهم ومواردهم وثرواتهم، وإبعادهم عن إسلامهم وقرآنهم.
                      وهدف الكفار من قتال المسلمين محدد في الآية: (حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ) فإذا ما حققوا هدفهم، وأبعدوا المسلمين عن دينهم، توقف قتالهم لهم.
                      وعاش المسلمون في مختلف فترات تاريخهم مصداق هذا الوعد القرآني، وابتلوا بقتال الكافرين المستمر لهم .. ويعيش مسلمو هذا الزمان أمثلة حادة واضحة من استمرار قتال اليهود والصليبيين لهم. ولن يتوقف ذلك القتال إلا باستيقاظ الإيمان والجهاد في نفوس وحياة المسلمين، عند ذلك ينصرهم الله على أولئك الكافرين!.

                      تعليق

                      • السعيد ابراهيم الفقي
                        رئيس ملتقى فرعي
                        • 24-03-2012
                        • 8288

                        #27
                        الفصل الثاني الوعد القرآني في سورة آل عمران

                        خسارة وحسرة الكفار:
                        في سورة آل عمران عدة آيات، تتضمن وعوداً بهزيمة الكفار وانتصار المسلمين. من هذه الآيات:
                        أولاً: قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئاً وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ، كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ، قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ) [آل عمران: 10 - 13].
                        تقرر هذه الآيات حقيقة قرآنية قاطعة، هي خسارة الكفار وحسرتهم، فهم لا يفلحون ولا ينجحون، لا في الدنيا ولا في الآخرة. إنهم في الدنيا مهزومون مغلوبون هالكون، لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم، ولا تدفع عنهم عذاب الله، وفي الآخرة هم وقود النار، مخلدون فيها.
                        وتقدم الآيات نموذجين من الكفار، تمثلت فيهما هذه الحقيقة: نموذج آل عمران، ونموذج كفار قريش.
                        آل فرعون والذين من قبلهم، كذبوا بآيات الله، وحاربوا رسل الله، وأشركوا بالله، وحاربوا دين الله، فخابوا وخسروا، وأخذهم الله بذنوبهم، وأهلكهم ودمرهم، ولم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئاً.
                        هزيمة الكفار في بدر عبرة:
                        أما كفار قريش، فإنهم يعلمون ماذا جرى لهم على أرض بدر. ولذلك أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: أيها الكفار! لا جدوى من محاربتكم للحق، فالحق منصور بإذن الله، والمؤمنون غالبون بإذن الله، وأنتم مهزومون فاشلون، ومغلوبون خاسرون، وفي الآخرة ستحشرون إلى جهنم، وبئس المهاد والمصير والقرار.
                        وتذكر الآيات ما جرى في غزوة بدر بين المسلمين وبين الكافرين، وتجعل ذلك آية وعبرة، وتخاطب الناس قائلة: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ).
                        التقت الفئتان على أرض بدر، ووقعت بينهما أول معركة بين الحق والباطل في تاريخ المسلمين. فئة المسلمين بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت هذه الفئة تقاتل في سبيل الله، وفئة الكافرين بقيادة أبي جهل (عمرو بن هشام)، وكانت تقاتل في سبيل الطاغوت.
                        وكان الكافرون مثلي عدد المؤمنين: (يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ). أي: يرى المسلمون الكافرين مثلَيْهم، عندما ينظرون إليهم بعيونهم.
                        ومعلوم أن عدد الكفار في غزوة بدر كان ضعفي عدد المسلمين، فبينما كان عدد المسلمين ثلاثمئة وبضعة عشر رجلاً، كان عدد الكفار حوالي ألف رجل.
                        ومع قلة عدد المسلمين في غزوة بدر إلا أن الله نصرهم على أعدائهم، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ) [آل عمران: 123].
                        وعد الله بنصر عباده المجاهدين:
                        ومن سنة الله المطردة، أنه ينصر عباده المجاهدين على أعدائهم الكافرين، ولذلك قال تعالى: (وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ).
                        ولا يلتفت إلى هذه الآيات، ولا يعتبر بما فيها من العبر والعظات، إلا أصحاب البصائر الإيمانية.
                        ونأخذ من هذه الآيات وعداً إيمانياً قرآنياً، بنصر الله لعباده المؤمنين المجاهدين، في أية صورة من صور النصر، التي يختارها بحكمته سبحانه وتعالى. ونتعامل مع الكافرين من اليهود والصليبيين وغيرهم على ضوء قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئاً). ونوقن أنهم خاسرون في النهاية، في أي معركة يخوضونها ضد إسلامنا العظيم.
                        ونخاطب هؤلاء اليهود والصليبيين بما أمرنا الله أن نخاطبهم: يا أيها الذين كفروا: ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد، ولا فائدة لكم من محاربة الإسلام، فقد حاربه كفار قبلكم، ففشلوا في القضاء عليه، واقرؤوا التاريخ لتعتبروا.
                        أتباع عيسى فوق الكفار:
                        ثانياً: قوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) [آل عمران: 55].
                        وهذا وعد آخر لنصر المؤمنين، والتمكين لهم في الأرض، وعده الله عيسى بن مريم عليه السلام، عندما كان عيسى عليه السلام يعيش الخطر المباشر من قبل اليهود والرومان، حيث أرادوا قتله وصلبه، فأنقذه الله ونجاه منهم.
                        وقبل أن ينجيه الله منهم أوحى إليه أنه سيحميه ليطمئن ويأمن، حيث قال له: يا عيسى إني سأتوفاك، بأن أُلقي عليك النوم، وعندما تنام سأرفعك إلي، وأُصْعِدك إلى السماء، وأنت نائم، وبذلك سأحميك وأطهرك من الكافرين، الذين أرادوا قتلك وصلبك.
                        وأنجز الله لعيسى عليه السلام أن يجعل الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة: (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ).
                        من هم الذين اتبعوا عيسى عليه السلام:
                        والذين اتبعوه هم الحواريون والنصارى، الذين دخلوا في دينه، وكانوا مسلمين خاضعين لله، الذين قالت عنهم الآيات السابقة: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 52].
                        هم الذين آمنوا أن عيسى عليه السلام هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وصبروا على كل ما صبّ عليهم من صور العذاب والاضطهاد.
                        وليس الذين اتبعوه الذين كفروا بالله، وألّهوا عيسى عليه السلام، وقال فريق: إنه إله، وقال آخرون: إنه ابن الله، وقال آخرون: إنه ثالث آلهة ثلاثة، الأب والابن والروح القُدُس. هؤلاء كفار بالله، وعيسى عليه السلام يتبرأ منهم. قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ، مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) [المائدة: 116 - 117].
                        والذين اتبعوه حقاً وصدقاً أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الذين آمنوا أن عيسى عليه السلام هو عبد الله ورسوله، وأنزل الله عليه كتابه الإنجيل، وأحبوه ووقروه، ودافعوا عنه ونزهوه، ونظروا له نظرة إيمانية إيجابية، كنظرتهم إلى كل أنبياء الله ورسله، عليهم الصلاة والسلام.
                        هؤلاء هم الذين اتبعوه حقاً، وهؤلاء أعزهم الله وأيدهم، وجعلهم فوق أعدائه الكافرين، من اليهود الذين حاولوا قتله، والنصارى الذين ألّهوه وغالوا فيه، وبقي هؤلاء المؤمنون الصالحون الأعلى إلى يوم القيامة. كما قال الله عنهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) [الصف: 14].
                        ووعد الله منجَز، فالمسلمون أتباع عيسى عليه السلام الحقيقيون فوق الكافرين، ظاهرون عليهم بالحجة والمنطق، والإسلام ظاهر بأدلته وبراهينه، ولا تقف أمامه فكرة أو دعوة. والداعية العالم المفكر غالب ظاهر، في أي حوار أو نقاش أو ندوة، لأن الحق واضح غالب، والباطل ضعيف مغلوب.
                        الأمة المسلمة خير الأمم:
                        ثالثاً: قوله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ، لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ، ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ) [آل عمران: 110 - 112].
                        تبدأ الآيات بتقرير حقيقة قاطعة، حول خيرية هذه الأمة، والخطاب في الآية للأمة المسلمة، بجميع أجناسها وشعوبها، فالله الحكيم أخرج هذه الأمة للناس إخراجاً، وأنشأها على إسلامها، الذي ميزها به، وعلق قوتها وعزتها على التزامها به.
                        الأمة المسلمة هي خير الأمم وأفضلها، وهي الأمة الوسط، الشاهدة على ما سواها من الأمم، المتميزة عنها بالمنهج والرسالة. قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) [البقرة: 143].
                        وذكرت الآية وظيفة الأمة، التي تميزت بها، فكانت خير أمة، وذلك في قولها: (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) .. فهي خيرية وظيفة ومهمة، تقوم على الالتزام بالإسلام، والحركة به، والدعوة إليه، من خلال الإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
                        حاجة الأمم المعاصرة لمنهاج الأمة المسلمة:
                        وأوضح ما تكون خيرية الأمة المسلمة في هذا الزمان، الذي شَهِد إقصاء الإسلام عن الوجود الفعلي المؤثر في بلاد المسلمين، وإزاحة الأمة المسلمة عن مكانتها العالمية الحضارية، والذي شهد سيطرة الكفار على العالم، وقيادة الجاهلية للبشرية!.
                        رأينا في هذا الزمان الأفكار والمذاهب الجاهلية الكافرة، وسيطرتها على الناس، في أفكارهم وتصوراتهم، ومشاعرهم وخواطرهم، وأقوالهم وأفعالهم، وتصرفاتهم وسلوكياتهم، واهتماماتهم ورغباتهم .. رأينا السوء والخبث في ما تفرزه وتنتجه الحياة الغربية الجاهلية، في الفكر والعلم، والإنتاج والصناعة، والمال والاقتصاد، والسياسة والاجتماع، والخُلُق والسلوك .. رأينا القيم والمبادئ الشيطانية تُغرقُ البشرية في أوحال الإباحية والشهوات .. وتحول الرجال والنساء إلى حيوانات، عبيد للشهوة والهوى والشذوذ!!.
                        لقد حوّل الجنس والمخدرات الأمم إلى (شر) أمم عاشت على وجه الأرض، ومسخت فيها إنسانية الإنسان، وسحقته إلى أدنى من مرتبة الحيوان .. وصار البقية من العقلاء عند الغربيين يبحثون عن الرصيد المتبقي من الإنسانية عند الإنسان الغربي الكافر المعذب، فلا يجدون لها أثراً.
                        مما جعل البشرية بأمس الحاجة إلى هذه الأمة المسلمة، الخيرة الفاضلة، المتميزة بأخلاقها ورسالتها، لتعيد للبشرية المعذّبة إنسانيتها المسلوبة.
                        هدف الكفار القضاء على المسلمين:
                        وأهل الكتاب من اليهود والنصارى يحسدون هذه الأمة، ويحقدون عليها بسبب خيريتها، ولذلك كفروا بدينها، ولو آمنوا به وكانوا مسلمين لكان خيراً لهم: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ).
                        ولم يكتفوا بالكفر، وإنما أعلنوها حرباً شرسة عنيفة ضد هذه الأمة، على مدار قرون التاريخ الإسلامي، بهدف ردة المسلمين عن دينهم، كما قال الله عنهم: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ) [البقرة: 217].
                        وقد جزم الله أنهم لن يحققوا هدفهم هذا ضد المسلمين، ولن ينجحوا في القضاء عليهم، وستبقى الأمة في مواقعها، تواجههم وتصد كيدهم، وكل ما يمكن أن يقدروا عليه هو (إيذاء) المسلمين. قال تعالى: (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى).
                        أي: لن ينجح الأعداء في تحقيق أهدافهم ضدكم، ولن يوصلوا الضرر إلى دينكم، ولن يقتلعوه منكم، وسيبقى قوياً راسخاً ثابتاً، كالشجرة الصلبة الممتدة، وهي التي شبّه الله بها قوة الإسلام ورسوخه، في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) [إبراهيم: 24 - 25].
                        ضر الكفار مجرد أذى سطحي:
                        إن الكفار سيؤذون المسلمين، مجرد أذى، وهو أذى سطحي خارجي، يصيب الجانب المادي من الإنسان، كأعضاء جسمه، بحيث يعذِّبون بعض المسلمين، وقد يقطعون بعض أطرافهم، وقد يأخذونهم أسرى ويضعونهم في السجون، ويحكمون عليهم بأكثر من سجن مؤبد، وقد يحاربونهم في أموالهم وممتلكاتهم، وتجاراتهم وأعمالهم، ولكن هذا كله مجرد (أذى) خارجي سطحي، سرعان ما يزال، حتى لو طال فترة من الزمان فإنه يمكن تحمّله واحتماله، والصبر عليه، واحتساب آلامه.
                        أما الإيمان في القلب، واليقين والثقة، وقوة العزيمة والإرادة، والتصميم على التحدي والمواجهة، والصبر والثبات، فإن الأعداء لن يصلوا إليها في كيان المؤمنين الصادقين المجاهدين الثابتين.
                        وكلما ازدادت هجمة الأعداء على الأمة شدة وعنفاً، كلما ازداد المؤمنون المجاهدون الثابتون عزيمة وهمة وتصميماً وجهاداً ومواجهة.
                        ونرى في أيامنا مصداق هذا الوعد القرآني في عجز اليهود والصليبيين عن القضاء على إرادة الجهاد والمواجهة في نفوس المجاهدين الصادقين، وكل ما يقدرون عليه إصابة أبدانهم وممتلكاتهم بالأذى!!.
                        هزيمة الكفار أمام المجاهدين الصادقين:
                        وتقدم الآيات وعداُ قرآنياً آخر، بهزيمة الكفار أمام المؤمنين الصادقين: (وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ).
                        وعندما كان الكافرون يواجهون جيوش المؤمنين الصادقين كانوا ينهزمون أمامهم، ويتحقق هذا الوعد القرآني القاطع.
                        ولا قياس على الفترة الحرجة التي يعيشها المسلمون المستضعفون في هذا الزمان، والتي انهزم فيها المسلمون أمام الكافرين، وولوا أدبارهم أعداءهم، وانتصر الأعداء في حروبهم المستمرة ضدهم. فهذه فترة خاصة، ولا يتحمل الوعد القرآني مسؤوليتها، ولم يتخلف هذا الوعد بسببها، لأن المسلمين المعاصرين هم السبب في ما أصابهم، لأنهم أخلّوا بشرط النصر الذي شرطّه الله عليهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [محمد: 7].
                        وسيعود المسلمون إلى دينهم، وسيعود هذا الوعد القرآني إلى التحقق في حياتهم، وسيرون انهزام الأعداء أمامهم، هذا عندنا يقين، وهو قادم بإذن الله.
                        ذلة اليهود والحبال الممدودة لهم:
                        وأخبرنا الله عن الذلة التي أوقعها باليهود بالذات: (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ).
                        ولا يتعارض ما عليه اليهود في هذه الأيام من مظاهر قوة وتمكين، وهيمنة وسيطرة على العالم، مع الوعد القرآني بإيقاع وضرب الذلة والمسكنة عليهم.
                        فقد نصت الآية على استثناء ذلك من حالة الذلة العامة، وجعلته فترة قصيرة، وجعلته حبلاً ممدوداً إليهم من الله: (إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ)، لكنه حبل قصير، سرعان ما يقطع، ولكنها فترة قصيرة لن تزيد عن عشرات السنين، وماذا تساوي عشرات السنين أمام عشرات القرون، التي عاشها اليهود في الماضي، بالذلة والمسكنة واللعن والغضب؟ وإن اليهود الملعونين ينتظرهم مستقبل أسود مظلم، يعيشونه بالذلة والمسكنة، والضعف والعجز والهوان، على أيدي المؤمنين الصادقين المجاهدين، الذين سيصدقهم الله هذا الوعد، ويمكّنهم من أعدائهم!.
                        عداوة الأعداء للمسلمين:
                        رابعاً: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ، هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً) [آل عمران: 118 - 120].
                        تنهى هذه الآيات المؤمنين عن موالاة الأعداء واتخاذهم بطانة وخبراء ومستشارين للمؤمنين، وترينا شدة عداوتهم لنا، وتقدم لهم صوراً كاشفة، وتحليلات صائبة.
                        الأعداء الكافرون لا يُقصرون في إصابة المؤمنين بالخبال والضعف والعجز، وهم حريصون على إصابة المؤمنين بالعنت والشدة والمشقة والأذى.
                        ومهما حاولوا إخفاء عداوتهم عن المسلمين، والتحلي بالدبلوماسية والخداع تجاههم، فإن ألسنتهم تخونهم أحياناً، فتتكلم ببعض الكلمات والعبارات، التي تُصرّح بالكراهية والبغضاء للمسلمين، والتي تشير إلى ما تخفي صدروهم من ذلك .. إنهم حاقدون كارهون، مبغضون للمسلمين.
                        ولن ينجح المسلمون في إزالة العداوة والبغضاء من قلوبهم وصدورهم، وإذا حاولوا حسن التعامل معهم ومحبتهم، والنظر إلى إنسانيتهم، فإن الأعداء لا يمكن أن يحبّوهم، وأنى يوجد مكان صغير للحب في قلب امتلأ حقداً وكرهاً وعداوة وبغضاء؟!.
                        تحليل قرآني لنفسيات الكفار:
                        وهؤلاء الأعداء المبغضون يحاولون التجمّل والتمثيل أمام المسلمين، فإذا لقوهم زعموا اتفاقهم معهم على الإيمان، والتعاون لخدمة الأدبان، والتنسيق لمحاربة الفساد والإلحاد. ولكنهم إذا خلوا ببعضهم صرحوا بكرههم للمسلمين، وعضّوا عليهم الأنامل من الغيظ.
                        ومن بغضهم للمسلمين وحقدهم عليهم، أنهم لا يحبون أن ينال المسلمون خيراً، ولا أن تتحسن أحوالهم، أو تُحَل مشكلاتهم، وإن أصابت المسلمين حسنة استاؤوا وتألموا، وإن أصابتهم سيئة فرحوا واستبشروا بها!!.
                        لقد كانت هذه الآيات صادقة في تحليلها لنفسيات الكافرين، وكشفها لعداوتهم وبغضهم وكرههم للمسلمين. وهي لا تتحدث عن فريق خاص من الكافرين، ولا عن صنف خاص منهم، عاشوا في زمان معين، أو مكان معين! إنها تنطبق على الكافرين في كل زمان ومكان. وابتُلِي المسلمون في كل فترات تاريخهم الماضي والحاضر بهؤلاء الكافرين الحاقدين!.
                        وصدق الله العظيم، فإننا نرى هذه الآيات، تتحدث حديثاً تحليلياً كاشفاً، عن الكافرين الحاقدين علينا في هذا الزمان، من اليهود والهنود والروس والأمريكان، وغيرهم من الأعداء الحاقدين المحاربين.
                        الصبر والتقوى لمواجهة الكفار:
                        وبعدما قدمت الآيات هذه الصور الكاشفة للكفار، دلت المسلمين على الطريقة التي يبطلون بها كيدهم، وذلك في قولها: (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً).
                        وهذا وعد قرآني قاطع، يجب على المؤمنين أن يأخذوه بيقين، وأن يتعاملوا معه بثقة، وأن يلتزموا بالشرط لينالوا الجزاء والنتيجة.
                        الخطة القرآنية المضمونة لإبطال كيد الأعداء تقوم على عنصرين:
                        الأول: الصبر المطلق، بمعناه العام الشامل، باعتباره زاداً إيمانياً ضرورياً، للثبات على الحق، والتصميم على استمرار التحدي للباطل.
                        الثاني: التقوى المطلقة لله، بمعناها العام الشامل، باعتبارها حالة إيمانية دائمة، لا تفارق المسلم في أي لحظة من حياته.
                        بالصبر والتقوى يواجه المسلمون الكافرين، ويبطلون عداوتهم، ولا يضرهم كيدهم شيئاً، ويذلك يفشل الكافرون في حربهم ضد المسلمين، وعند ذلك يمكن للمسلمين أن يخاطبوا الكافرين المغتاظين بما أمرهم الله به في قوله: (قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ).
                        ولا بد أن يتزود المسلمون المعاصرون بزاد الصبر، وأن يعيشوا دائماً حالة التقوى، وأن يلتزموا بكل أحكام الإسلام، ويحققوا كل شروطه، ليواجهوا بذلك حقد وكراهية كفار هذا الزمان، الذي صعّدوا حربهم ضد المسلمين، وعمّقوا حقدهم عليهم.
                        وعندما نقرأ قوله تعالى: (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً) نتذكر ونستحضر الوعد القرآني القاطع في قوله تعالى: (لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى) [آل عمران: 111].
                        ونتذكر قوله تعالى في أواخر سورة آل عمران: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) [آل عمران: 186].
                        وعندما تشتد عداوة كفار هذا الزمان، نتذكر هذه الآيات الكاشفة، ونقول: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله. ونلتزم بالخطة القرآنية حتى ننال النتيجة: (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً)!.
                        * ... * ... *

                        تعليق

                        • السعيد ابراهيم الفقي
                          رئيس ملتقى فرعي
                          • 24-03-2012
                          • 8288

                          #28
                          الفصل الثالث الوعد القرآني في سورة المائدة

                          البشرى بإكمال الدين وإتمام النعمة:
                          من الآيات التي وعدت المسلمين بالنصر والتمكين، وإظهار إسلامهم، ويأس الكافرين من القضاء عليه، واستمرار حربهم للمسلمين، هذه الآيات:
                          أولاً: قوله تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) [المائدة: 3].
                          تقدم هذه الآية بشرى للمسلمين بإكمال دينهم، وإتمام نعمة الله عليهم، كما تقدم لهم وعداً قاطعاً برسوخ أمر دينهم، وقوته واستقراره، بحيث يئس الكفار من القضاء عليه.
                          وقد عرف المسلمون قيمة وعظمة معنى هذه الآية، وجعلوا يوم نزولها عيداً!.
                          وروى البخاري [برقم: 45]، ومسلم [برقم: 3017] عن طارق بن شهاب: "أن رجلاً من اليهود قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين! آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا –معشر اليهود- نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيداً!.
                          قال له عمر: أي آية؟.
                          قال: قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً).
                          قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم، والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، نزلت عليه وهو قائم بعرفة يوم جمعة".
                          يريد ذلك اليهودي أن (يتعالم) على عمر رضي الله عنه، ويظهر له معرفته بالقرآن، ولذلك قال له: إن آية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... ) عظيمة، ولو أنها أنزلت علينا نحن اليهود، لاتخذنا يوم إنزالها عيداً!.
                          فرد عليه عمر رضي الله عنه، وبين له أن المسلمين يعرفون معنى هذه الآية وعظمتها ودلالتها، وأن الله أنزلها في أعظم أيام السنة، وهو يوم عرفة، وقد كان يوم عرفة يوم جمعة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفاً بعرفات يوم أنزلها الله عليه.
                          ويريد عمر رضي الله عنه أن يقول لليهودي: لقد جعلنا يوم نزولها عيدين، وليس عيداً واحداً، فيوم الجمعة الذي أُنزلت فيه عيد أسبوعي للمسلمين، ويوم عرفة الذي أنزلت فيه عيد سنوي للمسلمين.
                          وقد امتن الله على المسلمين في هذه الآية بالمنة العزيمة، وهي منة إكمال دينهم، وإتمام نعمته عليهم، حيث رضي لهم الإسلام ديناً، فاكتفوا واستغنوا به، ولم يعودوا محتاجين إلى استعارة أو استيراد غيره.
                          ووقفتنا مع قوله: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ).
                          إن هذه الجملة تقدم لنا حقيقتين عظيمتين:
                          يأس الكفار من القضاء على الإسلام:
                          الحقيقة الأولى: يأس الكافرين من القضاء على الإسلام، الذي رضيه الله ديناً للمسلمين، رغم إعلانهم الحرب الطاحنة ضده، واستخدامهم كل الأسلحة الممكنة فيها، ورغم استمرار هذه الحرب طيلة تاريخ المسلمين، على اختلاف أزمانهم وأوطانهم.
                          منذ بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكفار يعادونه ويحاربونه، وطيلة الفترة المكية من عمر الدعوة الإسلامية، التي استمرت ثلاثة عشر عاماً، والكفار يحاربون رسول الله صلى الله عليه وسلم حرباً شرسة، ليس فيها قتال وإطلاق نار، لكنها حرب بمختلف الأسلحة الأخرى، بهدف قتل دعوته، والقضاء على دينه، ولكنهم فشلوا، وعجزوا عن تحقيق هدفهم!.
                          ولما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم، اجتمعت أحزاب الكفار من اليهود والمنافقين والمشركين، للقضاء على دينه، وحاربه المشركون حرباً عسكرية، بالإضافة إلى الأساليب الأخرى، واستمرت هذه الحرب عشر سنوات .. ولم يُقصّروا في استخدام كل ما يقدرون عليه .. ولكنهم فشلوا وخسروا، وانهزموا أمام الإسلام.
                          وقبل أن يُقْبَضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم نصر الله دينه، وأقرّ عينه بدخول كل الجزيرة العربية في الإسلام، وفي الشهور الأخيرة من حياته صلى الله عليه وسلم حج حجة الوداع، وأنزل الله عليه وهو واقف بعرفة هذه البشرى، التي فيها الإخبار عن يأس الكافرين من القضاء على هذا الدين.
                          استمرار حربهم الفاشلة ضده:
                          ومنذ نزول هذه الآية وحتى اليوم، أمضت الأمة المسلمة أربعة عشر قرناً من عمرها الممتد حتى قيام الساعة، ولم تتوقف محاولات الأعداء على اختلاف أصنافهم للقضاء على الإسلام، فماذا كانت النتيجة؟ عرف كل فريق من الكافرين يأسه من القضاء على هذا الدين، بعد أن ظنوا أن القضاء عليه قريب سهل ميسور، وشنوا عليه حرباً شاملة طاحنة، عرفوا في نهايتها عجزهم وفشلهم، وخرج الإسلام من المعركة قوياً عزيزاً منصوراً.
                          وأجزم أنه لم يحارَب أي دين كما حورب الإسلام، ولو أن الحرب التي شُنت عليه شنت على أي مذهب آخر، لأبادته ودفنته، ولكن الإسلام القوي الحي كان يخرج من كل معركة قوياً غالباً منصوراً بإذن الله.
                          ويشهد الإسلام اليوم حرباً صليبية عالمية، يقودها اليهود والأمريكان، بهدف اجتثاثه والقضاء عليه! ولن يكونوا أحسن حالاً ومآلاً من الكافرين السابقين، بل سينتهون إلى ما انتهى غليه من سبقوهم من العجَزة المهزومين، وسيبقى الإسلام قوياً محفوظاً، وسيخرج من هذه الحرب الصليبية غالباً ظافراً منصوراً بإذن الله.
                          ويبقى الوعد القرآني الذي يقطعه قوله تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ) نافذاً مُنْجَزاً، ويبقى ماضياً محقّقاً، على اختلاف الزمان والمكان.
                          لا يخشى المسلمون الكافرين:
                          الحقيقة الثانية: بما أن الكافرين يائسون مهزومون، فلماذا يخشاهم المسلمون، ويخافونهم على دينهم؟ لا يجوز أن يخشوهم، لأن العاجزين لا يخشاهم أحد، والكفار عاجزون: (فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ).
                          صحيح أن حرب الكفار للمسلمين مستمرة، لكنها حرب يائسين عاجزين، ويجب على المسلمين أن يواجهوها ويخوضوها، مع يقينهم أنهم الغالبون المنصورون فيها. كما قال تعالى: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ، وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [الصافات: 171 - 173].
                          إن الآية تُقوي المؤمنين على مواجهة وتحدي الكافرين، وترفع نفسياتهم وهممهم ومعنوياتهم أمامهم، وتدعوهم إلى إحسان النظر إليهم .. إنهم ليسوا غالبين قاهرين، قادرين على كل شيء، كما يحاولون أن يوهموا المسلمين بذلك، وإنهم مهما ملكوا من قوة لن يجاوزوا قدرهم، ولن يزيدوا عن حجمهم، فهم يائسون عاجزون! وكيف يخشى المسلمون عاجزين يائسين؟!.
                          ردة معاصرة عن الإسلام:
                          ثانياً: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) [المائدة: 54 - 56].
                          تتحدث الآية عن صفات المؤمنين الصالحين، الذين يحملون هذا الدين، إذا تخلى بعض أهله عنه، وهذا وعد صادق من الله، باستمرار وجود الدعاة الصالحين، الذين يحملون لواء الإسلام، ويدعون إليه، ويواجهون أعداءه.
                          إذا ارتد بعض المسلمين عن دينهم فهم الخاسرون، ولن يتأثر الإسلام بهم، وإذا تخلى بعض المسلمين عن الدعوة إلى الإسلام، والحركة به ورفع رايته، فهم الذين يخسرون، ولن يضروا الله شيئاً.
                          لقد شاء الله أن يبقى علم الإسلام مرفوعاً، وأن تبقى مهمته قائمة، وأن يبقى أثره في الحياة مستمراً، وإذا تخلى أناس عنه فسوف يأتي الله بآخرين أفضل منهم يحملونه ويتحركون به.
                          ونعترف أنه قد ارتد كثير من ملايين المسلمين عن إسلامهم، في صورة من صور الردة الكثيرة، وأنه قد ابتعد كثير من المسلمين عن إسلامهم، وقد تخلى كثير من المسلمين عن إسلامهم، وتأثر كثير منهم بالحياة الغربية الجاهلية المخالفة للإسلام.
                          لكن هل توقفت مهمة الإسلام ودوره في حياة البشرية؟ وهل توقف المسلمون جميعاً عن التوجه إلى الإسلام والحركة به؟.
                          شباب الصحوة المجاهدون:
                          لقد وعد الله أن يأتي بقوم ربانيين، دعاة مجاهدين، يحملون الإسلام إذا تخلى عنه بعض أهله، ووعده نافذ ماض، لأنه سبحانه لا يخلف الميعاد.
                          وفي الوقت الذي ظن فيه اليهود والصليبيون، أنهم تمكنوا من إماتة الإسلام، في بلاد ونفوس المسلمين، وفي الوقت الذي يئس فيه كثير من المسلمين من العودة إلى الإسلام، في هذا الوقت العصيب المعاصر، حقق الله وعده الذي جزم به في هذا الآيات، فألهم مجموعات مباركة من الشباب الإسلامي التوجه إلى الإسلام، ووفقهم إلى حمله والدعوة إليه والحركة به، ووجدت صحوة إسلامية مباركة، في الربع الأخير من القرن العشرين المنصرم، وقامت حركات وجماعات إسلامية في مختلف بلاد العالم، وسجلت ظاهرة العودة إلى الإسلام كثيراً من الظواهر والأمثلة والنماذج.
                          وانتشرت ثقافة الجهاد والاستشهاد عند الشباب الإسلامي، ونشأت حركات جهادية في المناطق الجهادية الساخنة في بلاد المسلمين، في فلسطين والشيشان، والبوسنة وأفغانستان وكشمير، والعراق ولبنان، وغيرها من بلاد المسلمين.
                          وسوف تستمر هذه الصحوة الإسلامية المباركة بإذن الله، حتى تصحو قطاعات كبيرة من المسلمين، وتعيد بلاد المسلمين إلى الحكم بالإسلام، وجهاد أعداء الإسلام!.
                          فقد رأينا في حياتنا تحقق الوعد القرآني بالإتيان بهؤلاء القوم الصادقين، والحمد لله على فضله وإنعامه.
                          وقد صبّ اليهود والصليبيون حربهم وغضبهم على شباب الصحوة الإسلامية، ورجال الانتفاضة المجاهدة، بحجة مقاومة الإرهاب، وهيّجوا العالم ضدهم، ولكن ذلك لا يُضيرهم شيئاً، ويكفيهم أن الله معهم.
                          صفات حزب الله الغالبين:
                          إن صفات شباب الصحوة الإسلامية، ومجاهدي الانتفاضة الإسلامية المذكورة في الآيات هي:
                          1 - الله يحبهم، ومن محبته لهم أنه ألهمهم حمل الإسلام والحركة به، في وقت تخلّى عنه كثير من أبنائه، وحاربه كثير من أعدائه، وقد حقق هؤلاء الربانيون العزة والسعادة والخير كله بمحبة الله لهم، وماذا عليهم لو كرههم الآخرون وحاربوهم، ويكفيهم أن الله يحبهم، ومن أحبه الله لم يخسر شيئاً، ولو لم يملك شيئاً من الدنيا، ومن خسر محبة الله لم يربح شيئاً ولو ملك كل شيء في الدنيا.
                          2 - هم يحبون الله، ومن مظاهر محبتهم له إكثارهم من ذكره وشكره، وحسن عبادته، والتزام طاعته، وترك مخالفته، واستمرار صلتهم به، ومن محبتهم لله محبتهم لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، واقتداؤهم به، ومحبتهم لدينه، والغيرة عليه، والانتصار له، والدعوة إليه، والتصدي لأعدائه.
                          3 - هم أذلة على المؤمنين، لأنهم يجتمعون معهم على عبادة الله والأخوة فيه، والتعاون على الدعوة إليه وجهاد أعدائه.
                          4 - أعزة على الكافرين، والعزة هنا معناها قوة البراءة والمفاصلة من الكافرين، إنهم يكرهون الكافرين ويبغضونهم، لكفرهم وحربهم للمسلمين، ويحرصون على عدم موالاتهم ومحبتهم، وعلى الشدة عليهم، فليس في قلوبهم مودة ولا رحمة بهم.
                          5 - هم مجاهدون في سبيل الله، جهاداً ربانياً شاملاً مبروراً، في مختلف صور الجهاد وميادينه وأساليبه، لأنهم يعلمون خطورة الهجمة الشرسة التي يشنها اليهود والصليبيون على الإسلام والمسلمين، وأنه لا يصدها ويردّها إلا الجهاد الكبير المستمر المتواصل!.
                          6 - هم لا يخافون لومة لائم، لأنهم يستمدون علمهم وثقافتهم من الإسلام، ويحتكمون إليه، ويعتبرونه المرجعية الأولى لهم، ويحرصون على عدم مخالفته، والمهم عندهم أن لا يغضب الله عليهم .. وعلى الدنيا ومن فيها السلام بعد ذلك. فلا يحسبون للآخرين حساباً، ولا يخافون لومهم واعتراضهم وإدانتهم وذمّهم، لأنه لا قيمة للآخرين الكافرين عندهم، ولا وزن لاعتراضهم أو لومهم أو إنكارهم.
                          7 - هم موالون لله ولرسوله وللمؤمنين الصالحين العابدين، متبرئون من أعداء الله، ومن مظاهر موالاتهم للمؤمنين محبتهم والذلة عليهم، ومن مظاهر براءتهم من الكافرين جهادهم، والوقوف أمام مخططاتهم ومكائدهم.
                          8 - هم عابدون لله، مستمتعون بذكره وشكره، يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويكونون مع الراكعين الساجدين، يلتزمون بالإسلام، ويتحركون به، ويدْعون إليه، بذلك صاروا أولياء الله.
                          9 - هم حزب الله الغالبون، فالصفات الإيمانية السابقة أوصلتهم إلى هذه النتيجة المشرقة. إنهم غالبون لأن الله معهم، ومنتصرون في جهادهم لأعدائهم.
                          إننا نرى هذه الإيجابية، في شباب الصحوة الإسلامية والانتفاضة الجهادية، الذين أتى اللهم بهم في هذا العصر، ووفقهم للقيام بواجبهم، والمستقبل الإيماني المشرق لهم بعون الله.
                          وعلى كل مسلم صالح يحب الإسلام، ويحب له النصر والتمكين، أن يكون من هؤلاء القوم الربانيين، وأن يحقق في نفسه الصفات الجليلة التي ذكرتها هذه الآيات، ليُقرّب وعد الله بالغلبة والنصر، الذي هو آت لا محالة بإذن الله.
                          * ... * ... *

                          تعليق

                          • السعيد ابراهيم الفقي
                            رئيس ملتقى فرعي
                            • 24-03-2012
                            • 8288

                            #29
                            الفصل الرابع الوعد القرآني في سورة الأنفال

                            أنزلت سورة الأنفال في أعقاب غزوة بدر، في السنة الثانية من الهجرة، وقد عرضت مشاهد من أرض المعركة، وقدمت حقائق إيمانية قاطعة، في المواجهة بين الحق والباطل، ووعوداً قرآنية منجزة، في انتصار الحق وهزيمة الباطل.
                            من آياتها التي قدمت الحقائق وقطعت الوعود ما يلي:
                            استجابة دعاء قريش سخرية بهم:
                            أولاً: قوله تعالى: (إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) [الأنفال: 19].
                            تتحدث الآية عن غزوة بدر، وتشير إلى بعض ما قاله مشركو قريش، وتهددهم وتتوعدهم، وتحطم معنوياتهم، وترفع معنويات وعزائم المجاهدين، فالخطاب في الآية لكفار قريش.
                            قال الإمام الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: "يقول الله للكافرين: إن تستفتحوا وتستنصروا وتستقضوا الله، وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين، فقد جاءكم ما سألتم.
                            كما قال ابن إسحاق وغيره عن عبد الله بن ثعلبة: أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أيّنا كان أقطع للرحم، وأتانا بما لا يُعرف، فأحْنِهِ الغداة! وكان ذلك استفتاحاً منه، فأنزل الله الآية: (إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ).
                            وقال السدي: كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة، فاستنصروا الله، وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأكرم الفئتين، وخير القبيلتين، فقال الله: (إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ). أي: قد نصرت ما قلتم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم.
                            وقوله: (وَإِن تَنتَهُواْ): عما أنتم فيه من الكفر بالله، والتكذيب لرسوله صلى الله عليه وسلم (فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ): في الدنيا والآخرة .. وقوله: (وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ) أي: وإن تعودوا إلى ما كنتم فيه من الكفر والضلالة، نعد لكم بمثل هذه الواقعة .. وقوله: (وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ) أي: ولو جمعتم من الجموع ما عسى أن تجمعوا، فإن من كان الله معه فلا غالب له. (وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ): وهم الحزب النبوي والجناب المصطفوي ... " [تفسير ابن كثير: 2/ 297 - 298].
                            فسر الإمام ابن كثير الآية على أساس خطابها لكفار قريش، وتهديدها ووعيدها لهم، وتحطيمها لنفسياتهم وعزائمهم، وتيئيسهم من إمكانية الانتصار على المؤمنين، وهذا كلام صحيح، متفق مع سياق السورة، وسبب نزول الآية.
                            ولكن الآية ليست خاصة فيما جرى للمشركين يوم بدر، والخطاب فيها ليس خاصاً بأبي جهل ومن معه من المشركين، ومن بدهيات أسباب النزول أن "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب". أي: لا يجوز قصر معنى الآية على سبب نزولها، والواجب الانطلاق من سبب النزول إلى الدلالة العامة للآية، وبيان شمولها للحوادث المشابهة لسبب النزول.
                            والآية التي أمامنا، يجب أن نبين معناها من خلال نزولها، وحديثها عن المشركين في بدر، كما فعل الإمام ابن كثير، ثم تعميم معناها ودلالتها، لتشمل كل حرب يعلنها الكفار على المسلمين المجاهدين الصادقين، في أي زمان ومكان.
                            الآية تخاطب الكفار، في أية حرب يشنونها على الإسلام والمسلمين، وتهددهم وتتوعدهم بالهزيمة، وتقذف في قلوبهم اليأس من إمكانية تحقيق أهدافهم، في القضاء على الإسلام والمسلمين.
                            ولذلك نستشرف من الآية وعداً قرآنياً للمؤمنين بالتمكين، ووعيداً وتهديداً للكفار بالهزيمة في النهاية.
                            ونرى أن هذا الوعد القرآني قد تحقق في فترات التاريخ الإسلامي المنصرمة، وما زال الوعد قائماً، يملأ قلوب المسلمين المجاهدين المعاصرين بالثقة والأمل، كما يملأ قلوب الأجيال القادمة من المسلمين بذلك!.
                            ما نقوله لأعدائنا المعاصرين:
                            ونعتبر هذه الآية الواعدة المتوعدة، خطاباً من الله الواحد القهار إلى اليهود والصليبيين، يهددهم فيه بالهزيمة والخسارة في النهاية. ونقول لهؤلاء الأعداء المحاربين المعاصرين: كان عليكم أن تعتبروا بما جرى لمن سبقكم من الكفار، الذين خسروا وانهزموا في حربهم لهذا الدين، فإن تستفتحوا الله وتدعوه أن يهزم الكفار –لأنكم تعتبرون المسلمين هم الكفار- فقد جاءكم الفتح، واستجاب الله لكم، وسيرتد دعاؤكم عليكم، لأنكم أنتم الكفار في الحقيقة.
                            ونقول لليهود والصليبيين: إن تنتهوا وتتوقفوا عن حرب الإسلام والمسلمين فهو خير لكم، لأنكم بحربكم لنا تقدمون الخير لنا، حيث تفتحون عيون أبنائنا على عداوتكم، فيختارون الإسلام، ويصممون على مواجهتكم، وعندما تتوقفون عن حربنا تريحون أنفسكم.
                            ونقول لهم: إن لم تستمعوا النصيحة، وعدتم إلى الحرب، فإن الله يعود إلى إذلالكم، وتطبيق سنته المطردة عليكم، فقد شاء سبحانه أن يحفظ دينه، وينصر أولياءه، ويهزم أعداءه.
                            يطمئن المؤمنون المجاهدون الصادقون، ويتوكلون على الله، ويثقون ويوقنون بوعد الله، وأنه معهم سبحانه بتأييده وعونه ورعايته، ولهذا يقولون للكافرين المعاصرين: لن تغني عنكم فئتكم شيئاً ولو كَثُرَت .. فمهما ملكتم من أموال وأسلحة متطورة متقدمة، ومهما جنّدتم من الجنود، وعقدتم من التحالفات واستنفرتم من الناس، فلن ينفعكم هذا في النهاية!.
                            إنكم قد تهزمون مسلمين ضعفاء، وقد تنجحون في احتلال بلاد، كما حصل مع اليهود في فلسطين، ومع الروس في الشيشان، ومع الأمريكان في العراق وأفغانستان، لكن من يضمن لكم الاستمرار في احتلال البلاد واستعمارها، ونهب خيراتها وثرواتها، واستعباد أهلها؟.
                            لن تستمروا في جرائمكم، وإن يوم الجهاد والتحرير قادم، وعند ذلك لن تغني عنكم فئتكم شيئاً ولو كثُرت، لأن الله مع المؤمنين، فلا تنخدعوا باحتلالكم واستعماركم، لأن العبرة إنما هي بالخواتيم، والعاقبة دائماً للمؤمنين المجاهدين الصادقين!!.
                            خسارة الكفار في حربهم للمسلمين:
                            ثانياً: قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ، لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [الأنفال: 36 - 37].
                            تتحدث الآيتان عن حرب كفار قريش للمسلمين، ورصدهم الأموال لقتالهم، والثأر لما جرى لهم في غزوة بدر.
                            قال الإمام ابن كثير في معناهما ومناسبة نزولهما: "قال محمد بن إسحاق: حدثني الزهري وغيره، قالوا: لما أصيبت قريش يوم بدر، ورجعوا منهزمين إلى مكة، ورجع أبو سفيان بالعير، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، في رجال من قريش، أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب، ومن كانت له في تلك العير تجارة، وقالوا: يا معشر قريش: إن محمداً قد وتركم، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأراً، بمن أصيب منا! ففعلوا .. ففيهم أنزل الله الآية: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ).
                            وقال مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما: نزلت الآية في أبي سفيان، ونفقته الأموال في أحد، لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
                            وقال الضحاك: نزلت في أهل بدر.
                            وعلى كل تقدير فهي عامة، وإن كان سبب نزولها خاصاً، فقد أخبر الله أن الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن اتباع طريق الحق، فسيفعلون ذلك، ثم تذهب أموالهم، ثم تكون عليهم حسرة وندامة. لأنهم أرادوا إطفاء نور الله، وظهور كلمتهم على كلمة الحق .. والله متم نوره، وناصر شرعه، ومعلن كلمته، ومظهر دينه على كل دين. جعل الله الخزي لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار، ومن عاش منهم رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوؤه، ومن قتل منهم أو مات، فإلى الخزي الأبدي، والعذاب السرمدي ... " [تفسير ابن كثير: 2/ 308].
                            الآية نازلة في جمع قريش الأموال، وإنفاقها على حرب الإسلام، والصد عن سبيل الله، وذكرت أنهم لن ينجحوا في هدفهم، وأنهم سيغلبون وينهزمون، وسيخسرون تلك الأموال، ويندمون ويتحسّرون عليها.
                            ووقع ما جزمت به الآية، فقد خسرت قريش في معاركها ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أحد والخندق وغيرهما، وخسروا أموالهم التي رصدوها وأنفقوها، وانتهت الحرب بإزالة الكفر، وفتح مكة، وإسلام أهلها.
                            كذلك فعل اليهود والمنافقون في المدينة، حيث رصدوا وأنفقوا لأموال الكثيرة، وبذلوا كل جهودهم للقضاء على الإسلام والمسلمين، لكنهم فشلوا في مسعاهم، ولم يخرجوا إلا بخسارة تلك الأموال التي أنفقوها.
                            والآية ليست خاصة بإنفاق الكافرين أموالهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هي عامة، تنطبق على الكفار في كل زمان ومكان، ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، وتجزم بخسارتهم وحسرتهم.
                            الأموال المعاصرة المرصودة لحرب الإسلام:
                            الكفار في كل زمان ومكان ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، وأوضح ما يكون هذا في هذه الأيام، حيث منح الله الكفار المعاصرين أموالاً طائلة، امتحاناً وابتلاءً لهم، ولكنهم استخدموا تلك الأموال في الفساد والإفساد، وفي الصد عن سبيل الله.
                            الدول الغريبة الغنية، وضعت الكثير من الخطط والبرامج لإفساد المسلمين، ونشر الانحلال بينهم، ولمحاربة الإسلام، والقضاء على جنوده ورجاله، ورصدوا لتلك الخطط والبرامج الميزانيات الضخمة، التي تُقَدَّر بعشرات المليارات من الدولارات، وقدموا لها ما استطاعوا من الطاقات والجهود، واستخدموا فيها ما قدروا عليه من الأسلحة، وحققوا بعض الإنجازات!.
                            لكنهم لم يتمكنوا من تحقيق هدفهم الكبير، في القضاء على الإسلام، والصد عن سبيل الله، ولن يتمكنوا من ذلك في المستقبل أيضاً!.
                            إن هذه الآية الكريمة تقدم لنا وعداً قرآنياً، بانتصار الإسلام في معركته مع الباطل، وبعدم نجاح الكفار في الصد عن سبيل الله، رغم إنفاقهم أموالهم الطائلة، وهذا الوعد القرآني يتحقق في كل جولة من جولات المواجهة بين الحق والباطل، وتتجلى فيه نتيجة كل خطة من خطط الكفار، وتؤول إليه كل ميزانية ضخمة من ميزانيات الكفار.
                            اسألوا الفرنسيين والإنكليز، عن مصير ميزانياتهم الضخمة لحرب الإسلام، والصد عن سبيل الله، واسألوا اليهود والأمريكان، عن مصير عشرات المليارات من الدولارات، التي رصدوها لحرب الإسلام والصد عن سبيل الله! وانظروا إلى قوة الإسلام الزاحف، وتمكنه من قلوب وحياة كثير من المسلمين الصالحين.
                            كلما نقف على خطة شيطانية كافرة لحرب الإسلام، نتذكر هذه الآية، وكلما نطلع على ميزانية ضخمة لتمويل تلك الخطة، نتذكر هذه الآية، ونعيش معناها، ونثق بالوعد القاطع المنجز الذي تقدمه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ، لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ).
                            * ... * ... *

                            تعليق

                            • السعيد ابراهيم الفقي
                              رئيس ملتقى فرعي
                              • 24-03-2012
                              • 8288

                              #30
                              الفصل الخامس الوعد القرآني في سورة التوبة

                              سورة التوبة من آخر ما نزل من القرآن، وكان نزولها في التعقيب على أحداث غزوة تبوك، في السنة التاسعة من الهجرة، وفيها تقرير الأحكام النهائية، للمواجهة بين الحق والباطل.
                              وقدمت آيات السورة وعوداً قاطعة، لانتصار الحق وهزيمة الباطل، وفق سنة الله التي لا تتبدل. من هذه الآيات:
                              وجوب قتال الكفار:
                              أولاً: قوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة: 32 - 33].
                              تخبر الآية عن جهود الكافرين، على اختلاف الزمان والمكان، في محاربة دين الله، وعدم نجاحهم في تلك الجهود. وتقدم وعداً قاطعاً من الله بإظهار الإسلام على ما سواه من الأديان، رغم أنف الكافرين.
                              والآيتان في سياق آيات تتحدث عن المشركين، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، تُعرف المسلمين عليهم، وتأمرهم بقتالهم، وتبين سبب اعتبار أهل الكتاب كافرين.
                              المشركون أعداء نجس، لا يجوز للمسلمين أن يأذنوا لهم بالاقتراب من المسجد الحرام .. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوية: 28].
                              وأهل الكتاب من اليهود والنصارى كافرون أعداء، ويجب على المسلمين قتالهم، حتى يذلوهم، ويأخذوا منهم الجزية، وتبين الآيات الأسباب التي تدعو المسلمين إلى قتالهم. قال تعالى: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: 29].
                              ورغم أن أهل الكتاب يملكون كتباً من عند الله؛ التوراة والزبور عند اليهود، والإنجيل عن النصارى، إلا أنهم ألّهوا غير الله، وزعموا لله ابناً، وعبدوا أحبارهم ورهبانهم. قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهاً وَاحِداً لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة: 30 - 31].
                              حرص الكفار على إطفاء نور الله بأفواههم:
                              وتنتقل الآيات من بيان فساد عقيدة المشركين وأهل الكتاب، وبيان كفرهم والدعوة إلى قتالهم، إلى الحديث عن عداوتهم لهذا الدين، وسعيهم للقضاء عليه: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ).
                              الكلام في الآية على أصناف الكفار الثلاثة، المذكورين في الآيات السابقة، وهم: المشركون، واليهود، والنصارى.
                              والمصدر من (أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ) في محل نصب مفعول به لفعل (يُرِيدُونَ). أي: يريدون إطفاء نور الله.
                              والمراد بنور الله: الإسلام. الذي ختم الله به الأديان، وجعله الدين الوحيد المقبول عنده حتى قيام الساعة، وهو نور ينير للناس طريقهم، وهدى يهديهم على الحق، ويدلهم على ما يريده الله منهم.
                              والكفار على اختلاف أصنافهم، يكرهون هذا النور الكاشف الهادي، ولذلك يحرصون على القضاء عليه.
                              صور مضحكة للكفار في حربهم:
                              وترسم الآية صورة شاخصة ساحرة لهؤلاء الكفار، في محاولاتهم اليائسة المتعددة لحرب الحق: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) .. إننا نتخيل بخيالنا منظراً مضحكاً، نرى فيه مجموعة من الناس، لم يعجبهم ضوء الشمس وقت الظهر، في يوم صيفي حار، وأرادوا القضاء على الشمس وضيائها! ولكن كيف؟ صاروا ينفُخون على ضوء الشمس بأفواههم، ويُخرجون الهواء من صدورهم، ويوجّهونه للشمس لإطفائها!!.
                              وعندما نراهم على هذه الصورة المضحكة، نعجب من بلاهتهم وسذاجتهم، ولو أن البشرية كلها قامت بالنفخ على الشمس لما أطفأتها، وأنفاسهم لا تمتد لأبعد من أمتار قليلة، فضلاً عن أن تمتد إلى الشمس! فلينفخوا ما شاؤوا أن ينفخوا!!.
                              وهكذا محاولات الكافرين جميعاً للقضاء على الإسلام، إنها لا تخرج عن هذه الصورة البلهاء الساذجة، ولن تكون محاولاتهم اليائسة أحسن من نفخات سُذّج لإطفاء ضوء الشمس!.
                              إننا نعترف أن كفار هذا الزمان من اليهود والصليبيين والأمريكان، يشنون على الإسلام حرباً شرسة فظيعة عنيفة، يستخدمون فيها مختلف الأسلحة والأساليب والوسائل، ليس السلاح العسكري المتطور إلا واحداً منها، ونعترف أن هؤلاء الأعداء نجحوا في تحقيق بعض المكاسب في بلاد المسلمين ..
                              لكننا نجزم أنهم لن ينجحوا في القضاء على الإسلام، ولن يتمكنوا من إطفاء نور الله، لا بأفواههم ولا بأيديهم ولا بأموالهم، ولا بغير ذلك. وهم في هذه الحرب الشرسة، كتلك المجموعة التي تنفخ على الشمس لإطفاء ضوئها.
                              يأبى الله إلا أن يتم نوره:
                              إنهم لن ينجحوا في ذلك لأنهم يحاربون الله، ويقفون أمام إرادته، وقد أراد الله إتمام نوره، وأبى إلا أن يفعل ذلك: (وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).
                              وكل كلمة في هذه الجملة تؤكد على إتمام الله لنوره، وعبرت عن ذلك بالإباء، والإباء دال على الرفض والامتناع، فالله يرفض عدم إتمام نوره، ويمنع أعداءه الكافرين من تحقيق مرادهم ضده، ولذلك لن يحققوا ما يريدون.
                              والمراد بإتمام نوره انتصار دينه الإسلام وانتشاره، وظهوره والتمكين له، فالله متم نوره، وناصر دينه، حتى لو كره الكافرون ذلك، ولو حاولوا تعطيل إرادة الله، فمحاولاتهم فاشلة، وكراهتهم لا قيمة لها، ولا وزن لهم ولا اعتبار عند الله، فلا يهم كرههم أو رضاهم.
                              وجواب الشرط في قوله: (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) محذوف، دل عليه ما قبله. والتقدير: ولو كره الكافرون إتمام النور وانتصار الدين، فالله متم نوره وناصر دينه.
                              الإسلام وحده دين الحق وما سواه باطل:
                              وتخبر الآية الثانية عن إظهار الإسلام، والتمكين له: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).
                              أرسل الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى، وقصر الهدى على دينه، فلا هدى في غيره من الأديان والأفكار. وجعل الله دينه الإسلام هو الدين الحق، أي الدين الوحيد المقبول عند الله، وهو الدين الحق لأنه محفوظ بحفظ الله، لا يمكن أن تمتد إليه يد بشرية بالتحريف أو التزوير، وكل ما فيه حق وصواب، لأنه من عند الله.
                              وإذا كان الإسلام وحده هو الدين الحق، الذي يدين به المسلم لله، فإن الأديان الأخرى كلها أديان باطلة، لأنها طالتها يد التحريف والتبديل.
                              وبما أن الإسلام هو الدين الحق، وغيره أديان باطلة، فإن الإسلام سينتصر عليها، لأن سنة الله تقرر انتصار الحق على الباطل.
                              وصْفُ الإسلام في هذه الآية بأنه: (دِينِ الْحَقِّ) هو نفسه وصفه بآية سابقة بأنه دين الحق، وذلك في قوله تعالى: (وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ)، فأهل الكتاب من اليهود والنصارى، يدينون بدين، أصله سماوي من عند الله، ولكنهم عدَوْا على ذلك الدين فحرفوه وغيروه وبدلوه، وبذلك صاروا يدينون دين الباطل، وليس دين الحق.
                              دين الحق في قوله: (وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ) هو نفسه دين الحق، المذكور في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) .. وهذه لفتة مقصودة في كتاب الله.
                              إظهار دين الله على الدين كله:
                              وقد قدر الله الحكيم إظهار الإسلام على الدين كله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).
                              اللام في (لِيُظْهِرَهُ) لام العاقبة، التي تدل على العاقبة والنتيجة، فعاقبة ونتيجة إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم بالدين الحق، هي إظهار هذا الدين على الدين كله، فالهاء في (لِيُظْهِرَهُ) تعود على الإسلام الدين الحق. والمراد بالدين كله أي دين آخر غير الإسلام، ويدخل فيه الأديان ذات الأصل السماوي، كاليهودية والنصرانية.
                              لقد كانت اليهودية في الماضي السحيق دين الحق، الذي أرسل الله به رسله إلى بني إسرائيل، ولما حرّفها اليهود بعد ذلك لم تعد دين الحق، وأصبحت بذلك التحريف الدين الباطل .. وكانت النصرانية زمن عيسى عليه السلام دين الحق، ولما حرّفها النصارى بعد ذلك لم تعد الدين الحق.
                              سيُظهِر الله الإسلام الدين الحق، على الدين الباطل كله، ولو كره المشركون المتبعون للدين الباطل، فكراهيتهم لا قيمة لها عند الله، فسواء كَرِهوا أو رفضوا، وسواء وافقوا أو عارضوا، فلا وزن لهم عند الله.
                              وجواب شرط قوله تعالى: (وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) محذوف، دل عليه ما قبله، أي: لو كره المشركون إظهار الإسلام على الدين كله، فإن الله سيظهره.
                              مظهران لإظهار الإسلام على غيره:
                              وإظهار الإسلام على الدين كله له مظهران:
                              المظهر الأول: مظهر معنوي، إظهار الإسلام فيه بمعنى وضوح حججه وأدلته وبراهينه، وقوة منطقه، وصدق حقائقه وموضوعاته ومضامينه.
                              المظهر الثاني: مظهر مادي؛ يقوم على انتصار الإسلام على الكفر، وانتصار المسلمين على الكافرين في الجهاد والقتال، وفتح البلدان والممالك، ودخول الناس في الإسلام.
                              وهذا وعد صادق من الله، يتعامل معه المؤمن بثقة ويقين، ويعتقد أنه لا بد من أن يتحقق، لأنه الله لا يخلف الميعاد.
                              وقد تحقق المظهران المذكوران فظهار الإسلام على الدين كله، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فكانت حجة الإسلام بالغة، وآياته ساطعة، وفتح الله له البلاد، في الجزيرة العربية والشام والعراق ومصر وغيرها، ودخلت الشعوب المختلفة في هذا الدين .. وعاش المسلمون سعداء بالإسلام قروناً عديدة.
                              ولكن المسلمين في هذا العصر تخلوا عن الإسلام، ولم يلتزموا بما أمرهم الله به، فذلوا وضعفوا، وهزمهم الأعداء، وطمعوا في بلادهم وثرواتهم.
                              الإظهار الفكري المعاصر للإسلام:
                              ورغم انحسار الإسلام عن الوجود المادي المؤثر، وعدم تحقق المظهر المادي لإظهاره على الدين كله، بسبب تقصير المسلمين، وإخلالهم بشروط هذا التمكين المادي، فإن الإظهار المعنوي متحقق، ومستمر طيلة قرون التاريخ الإسلامي.
                              لقد أظهر الله الإسلام على الكفر، المتمثل في دين المشركين واليهود والنصارى، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيده بالحجج والآيات والبراهين، كما أظهره على كل الأديان والأفكار والمبادئ الكافرة، طيلة قرون التاريخ الإسلامي.
                              وإننا نرى تحقق هذا الوعد القرآني الحق في عصرنا الحاضر، الذي شهد هجمة يهودية صليبية شرسة ضد إسلامنا، ومع ذلك فإن إسلامنا ظاهر غالب بفضل الله، ونوره منتشر في مختلف البقاع، ولا يقف أمام منطقه المقنع أي دين أو مذهب، ويفتح الله له قلوب كثيرين من الباحثين والمفكرين، في الشرق والغرب.
                              وإننا نوقن أن المستقبل إنما هو للإسلام، وسيزيده الله إظهاراً دعوياً وإعلامياً، وسيكون هذا تمهيداً لإظهاره المادي القادم، حيث سيحكم الأرض كلها من جديد!.
                              المسلمون ينالون إحدى الحسنيين:
                              ثانياً: قوله تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ) [التوبة: 52].
                              هذه الآية في سياق آيات تتحدث عن المواجهة بين المسلمين والكافرين، من المشركين واليهود والمنافقين، تعلم المسلمين كيف يتحدون الأعداء ويواجهونهم، ويصمدون أمامهم، ويثبتون على الحق.
                              يشن الأعداء حربهم الطاحنة على المسلمين بهدف قتالهم وقتلهم والتخلص منهم، ولكن المسلمين لا يخافون منهم، ومن حربهم، لأنهم يؤمنون بالقدر، ويوقنون أنه لا يقع بهم إلا ما قدره الله لهم أو عليهم، وأن ما قدره الله واقع لا محالة، ولذلك يرضون به، ويشكرون الله عليه إن كان خيراُ، ويصبرون عليه إن كان شراً، ويصارحون الكفار بهذه الحقيقة .. قال تعالى: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [التوبة: 51].
                              بهذا الإيمان واليقين يواجه المؤمنون مؤامرات الكفار ضد الإسلام، وتخطيطهم للقضاء عليه، ويأمرهم الله أن يقولوا لهم: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ). والتربص هو الانتظار!.
                              أي: ماذا تنتظرون أن يصيبنا من مؤامرتكم ومخططاتكم وحروبكم؟ إنكم قد تنجحون في إيذائنا وقتلنا، ولا تظنوا أننا خسرنا بذلك، فنحن قد نلنا الحسنى، وهي الشهادة في سبيل الله، لأن الشهداء ليسوا أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يرزقون، والشهادة في سبيل الله أقصى أمانينا، ومن نالها نال الخير كله، ولم يخسر شيئاً، حتى لو فاتته الدنيا كلها.
                              وإذا نحن غلبناكم وهزمناكم وانتصرنا عليكم، كنا نحن الفائزين، وكنتم أنتم الخاسرين، وهذه حسنى ننالها، حسنى النصر والظفر والتمكين في الأرض.
                              فأنتم لا تتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، حسنى النصر في الدنيا، أو حسنى الشهادة في سبيل الله، فأنتم أعداء، ولكن لا يصيبنا منكم إلا الخير بفضل الله، لأن الله لا يريد بنا إلا الخير، حتى الضر والأذى خير لنا في النهاية.
                              ماذا ينتظر الكفار من المسلمين؟:
                              لكن ماذا نتربص بكم؟ وماذا ينتظركم من السوء والشر والعذاب؟: (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا).
                              إنكم كفار، والكفر شر وخراب وهلاك لأصحابه، وليس للكفار عند الله إلا العذاب والعقاب والهلاك! وإن سنة الله هي إهلاك الكافرين وتعذيبهم.
                              نحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده، إما بزلزال أو بركان، أو عاصفة أو صاعقة، أو طوفان أو جدب ومَحْل، أو ذهاب أموال وتدمير مزروعات، أو ارتفاع الأسعار وتفشي البطالة، أو انتشار الأمراض والهموم والآلام والأحزان، أو أي صورة من صور العذاب لا تخطر ببالكم.
                              وإما أن يعذبكم الله بأيدينا، بأن يُقدّر نشوب الحرب بيننا وبينكم، ويوقع فيكم القتلى والجرحى والدمار والهلاك، وينصرنا عليكم!.
                              إن المستقبل ليس لكم، لأن الكفر لا يأتيكم إلا بالشر والعذاب، وإنه ينتظركم مستقبل مظلم، مليء بالعذاب والضرّ!.
                              ويقول المؤمنون للكافرين: (فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ): أي: تربصوا بنا إحدى الحسنيين، النصر أو الشهادة، فالمستقبل لنا، وفيه التمكين لإسلامنا، ونحن معكم متربصون، ننتظر أن يأخذكم الله بأحد العذابين، إما عذاب من عنده، وإما عذاب بأيدينا.
                              تحدي الكفار بأن المستقبل للمسلمين:
                              وهذا التحدي للكافرين يدل على أن المستقبل المشرق للإسلام والمسلمين، والمستقبل الأسود المظلم للكافرين، كما يدل على النظرة الآملة التي ينظرها المؤمنون للمستقبل، وهي نظرة مليئة بالثقة واليقين والأمل، فهم يوقنون أنه لا مستقبل لأعدائهم الكافرين، وإنما هو لهم، فهم مفلحون فائزون، رابحون كاسبون، لا ينتظرهم عند الله إلا الخير.
                              وتقدم الآية وعداً حقاً للمسلمين، ووعيداً وتهديداً للكافرين .. وقد حقق لله وعده للمسلمين السابقين، وأوقع عقابه بأعدائهم الكافرين.
                              ونحن ننظر إلى المستقبل بعين متفائلة، ونثق بوعد الله، ونوقن بتحققه، ونراهن على المستقبل، ونجزم بأنه لنا بعون الله، ونتحدى أعداءنا الكافرين من اليهود والصليبيين، ونقول لهم ما أمرنا الله به: (هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ).
                              * ... * ... *

                              تعليق

                              يعمل...
                              X