شجرة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • دينا نبيل
    أديبة وناقدة
    • 03-07-2011
    • 732

    شجرة

    شجرة


    ليس أفضل من كوب كاكاو دافئ، وبعض تأمل من النافذة على شارعٍ ظل يلمع منذ سويعات قلائل إثر بعض زخات مطر متفرقة. ليت المشهد يصاحبه صوت فيروزي رخيم يحلق متهاديًا لينسي بوادر البرد. ليس شيء من كل هذا يعنيه ، لا كوب ولا شارع ولا صوت دافئ.
    تحامل على نفسه ليصل إلى السرير ويجلس متدثّرًا تحت بطانيته وبجانبه قربة ماء ساخنة قد أعدّها خصيصًا ليدفئ بها ظهره خشية أن تمتد سكاكين البرد نحوه فتبادره بطعنات متوالية غائرة، قد تسكنه في مكانه لبضعة أيام في السرير بلا حراك.

    كاذب أو ربما هائم في الأحلام من يجزم أن جو الشتاء يمت للجمال بصلة.. أو ربما هو كذلك لكن ليس لمن اتخذت المناشير مسلكًا في عظامهم وسار الصقيع في أجسادهم سير الإبر. لا يدري كم من السنوات عليه أن يتحمّل كل تلك الآلام منذ أن بادره أول غضروف بانزلاقه داخل عموده الفقري ثم توالت التصدعات ما بين تآكل وضمور، فرضت عليه الجراحة إثر الأخرى، فكان الحظ دومًا حليفَ من يشخّص آلامه بوجود عمل ما يستحق الفتح أو الحقن أو الاستئصال. مع الوقت أخذ يتنازل قسرًا عن كثير من مهامه أويتركها لأولاده الذين يتناوبون على زيارته في وفاء لم يكن ليحلم به أو صادف أن سمع عنه.

    المطر يهمي.. يزيد قرع زخاته على سطح النافذة كمن يستأذن بالدخول وتصطك قطراته المتقافزة على الرصيف الصلد كشخص يعدو في اتجاهه على وشك اقتحام نافذة حجرته. تناهى إلى أنفه رائحة بطاطا دافئة، لا بد أن عربة البطاطا ليست بعيدة عن شُباكه. من الممكن أن يكون صاحبها قد ابتلّ من المطر فارتأى أن يقف بعربته تحت مظلة نافذته.
    الرائحة تجتر معها مذاقًا عسليًا في حلقه ابتلع ريقه على إثرها وتذكّر أن هناك قطعتين من البطاطا في ثلاجته منذ أول أمس أو ربما منذ ثلاثة أيام، تبقيتا من بضع قطع قد اشتراهم ابنه الأكبر في آخر زيارة.
    أغمض عينيه واستشعر دفئًا برتقاليًا بدأ خافتًا ثم تزايد في شدته، وجد خفة في جسده تمكّنه من رفعه في يسر. يتجه نحو نافذته التي فُتحت على مصراعييها وانبعثت منها دفقة دافئة أذابت سكاكين البرد في جسده. سمع لظهره طقطقةً وإذا بجذوع تخرج من بين فقرات ظهره وتنمو منها الأغصان وتتشابك لتشدّ بعضها بعضًا فتقيم ظهره بعد الانحناء.

    شجرة إذن تلك التي تنبت من ظهره.. أو كذلك حسبتها الطيور!
    أخذت تأوي إليها عصافير خضر لا يدري من أي موطنٍ أتت ولا كيف أحسّت بالأمان فراحت تطلق زقزقات صباحية مشربة بالفرح. انطلق يعدو في الطرقات في مدينة تكاد تخلو من أهلها سوى أطفال صغار راحوا يتسابقون نحوه وهم يشيرون إليه بأصابعهم الصغيرة فاغري أفواههم في سعادة تكاد لا تصدق. هكذا قطع كيلومترات في خطوات معدودة حتى وصل إلى أطراف المدينة، حيث تقبع صحراء رملية تحسس صلادة صخورها البيضاء التي ولدت لتوها، فتسْري فجأة في جسده رعشة كهربية جعلته ينتفض مستيقظًا من غفوته.
    كانت الحجرة ما تزال مظلمة سوى من ضوء خافت يومض وينطفئ فجاة فيحيل حجرته إلى صورة نيجاتيف فوتوغرافية تصاحبها قرعات متزايدة على نافذته.
    ما تزال رائحة البطاطا تنبعث من عقب النافذة.. تحامل على نفسه وراح يتسند إلى الجدران التي تحمل كثيرًا من بصماته الداكنة ذائبة الحدود في زرقة الجدران الشاحبة. فتح الثلاجة وأخذ يبحث عن البطاطا.
    فتح العلبة فكانت تعلو ظهرها خضرة مزرقة نافقة تعالت مكونة أشجارًا فطرية. أغلق العلبة وألقاها في حاوية القمامة.

    دينا نبيل
    مصر
    التعديل الأخير تم بواسطة دينا نبيل; الساعة 04-06-2018, 12:38.

  • محمد شهيد
    أديب وكاتب
    • 24-01-2015
    • 4295

    #2
    أكاد أجزم (و لست عارفاً بخبايا القص القصير) أن كل ما جاء في قصتك جميل...إلا العنوان. أهي ذائقتي التي لم تستلطفه أم هي شفقتي على بطل القصة و تعاطفي معه. تزامنت قراءتي لنصك هذا المساء مع عودتي اليوم إلى البيت (و برد كندا ما أشده!) فصادفت في ميترو الأنفاق سيدة تتكيء على عكاز و تتألم من شدة وجع بظهرها (مع صغر سنها). بالفعل ما جاء في السرد، أن من ذاق فعلا قساوة الشتاء و كان يشتكي من ألم المفاصل (عفانا الله و أياك) يعلم جيداً أن فصل الشتاء لا حظ له من الرومانسية إلا في مسلسلات الغرب و روايات عبير.

    تعرفت اليوم عليك، أهلاً و سهلاً.

    م.ش.
    التعديل الأخير تم بواسطة محمد شهيد; الساعة 16-03-2018, 06:25.

    تعليق

    • ناريمان الشريف
      مشرف قسم أدب الفنون
      • 11-12-2008
      • 3454

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة دينا نبيل مشاهدة المشاركة
      تنبتُ من جسده شجرة

      جوٌ شتويٌ بامتياز.. رومانسيٌ إلى أقصى حد!
      ليس أفضل من كوب كاكاو دافئ، وبعض تأمل من النافذة على شارعٍ ظل يلمع منذ سويعات قلائل إثر بعض زخات مطر متفرقة. ليت المشهد يصاحبه صوت فيروزي رخيم يحلق متهاديًا لينسي بوادر البرد. ليس شيء من كل هذا يعنيه ، لا كوب ولا شارع ولا صوت دافئ.
      تحامل على نفسه ليصل إلى السرير ويجلس متدثّرًا تحت بطانيته وبجانبه قربة ماء ساخنة قد أعدّها خصيصًا ليدفئ بها ظهره خشية أن تمتد سكاكين البرد نحوه فتبادره بطعنات متوالية غائرة، قد تسكنه في مكانه لبضعة أيام في السرير بلا حراك.

      كاذب أو ربما هائم في الأحلام من يجزم أن جو الشتاء يمت للجمال بصلة.. أو ربما هو كذلك لكن ليس لمن اتخذت المناشير مسلكًا في عظامهم وسار الصقيع في أجسادهم سير الإبر. لا يدري كم من السنوات عليه أن يتحمّل كل تلك الآلام منذ أن بادره أول غضروف بانزلاقه داخل عموده الفقري ثم توالت التصدعات ما بين تآكل وضمور، فرضت عليه الجراحة إثر الأخرى، فكان الحظ دومًا حليفَ من يشخّص آلامه بوجود عمل ما يستحق الفتح أو الحقن أو الاستئصال. مع الوقت أخذ يتنازل قسرًا عن كثير من مهامه أويتركها لأولاده الذين يتناوبون على زيارته في وفاء لم يكن ليحلم به أو صادف أن سمع عنه.

      المطر يهمي.. يزيد قرع زخاته على سطح النافذة كمن يستأذن بالدخول وتصطك قطراته المتقافزة على الرصيف الصلد كشخص يعدو في اتجاهه على وشك اقتحام نافذة حجرته. تناهى إلى أنفه رائحة بطاطا دافئة، لا بد أن عربة البطاطا ليست بعيدة عن شُباكه. من الممكن أن يكون صاحبها قد ابتلّ من المطر فارتأى أن يقف بعربته تحت مظلة نافذته.
      الرائحة تجتر معها مذاقًا عسليًا في حلقه ابتلع ريقه على إثرها وتذكّر أن هناك قطعتين من البطاطا في ثلاجته منذ أول أمس أو ربما منذ ثلاثة أيام، تبقيتا من بضع قطع قد اشتراهم ابنه الأكبر في آخر زيارة.
      أغمض عينيه واستشعر دفئًا برتقاليًا بدأ خافتًا ثم تزايد في شدته، وجد خفة في جسده تمكّنه من رفعه في يسر. يتجه نحو نافذته التي فُتحت على مصراعييها وانبعثت منها دفقة دافئة أذابت سكاكين البرد في جسده. سمع لظهره طقطقةً وإذا بجذوع تخرج من بين فقرات ظهره وتنمو منها الأغصان وتتشابك لتشدّ بعضها بعضًا فتقيم ظهره بعد الانحناء.

      شجرة إذن تلك التي تنبت من ظهره.. أو كذلك حسبتها الطيور!
      أخذت تأوي إليها عصافير خضر لا يدري من أي موطنٍ أتت ولا كيف أحسّت بالأمان فراحت تطلق زقزقات صباحية مشربة بالفرح. انطلق يعدو في الطرقات في مدينة تكاد تخلو من أهلها سوى أطفال صغار راحوا يتسابقون نحوه وهم يشيرون إليه بأصابعهم الصغيرة فاغري أفواههم في سعادة تكاد لا تصدق. هكذا قطع كيلومترات في خطوات معدودة حتى وصل إلى أطراف المدينة، حيث تقبع صحراء رملية تحسس صلادة صخورها البيضاء التي ولدت لتوها، فتسْري فجأة في جسده رعشة كهربية جعلته ينتفض مستيقظًا من غفوته.
      كانت الحجرة ما تزال مظلمة سوى من ضوء خافت يومض وينطفئ فجاة فيحيل حجرته إلى صورة نيجاتيف فوتوغرافية تصاحبها قرعات متزايدة على نافذته.
      ما تزال رائحة البطاطا تنبعث من عقب النافذة.. تحامل على نفسه وراح يتسند إلى الجدران التي تحمل كثيرًا من بصماته الداكنة ذائبة الحدود في زرقة الجدران الشاحبة. فتح الثلاجة وأخذ يبحث عن البطاطا.
      فتح العلبة فكانت تعلو ظهرها خضرة مزرقة نافقة تعالت مكونة أشجارًا فطرية. أغلق العلبة وألقاها في حاوية القمامة.

      دينا نبيل
      مصر
      بعض النصوص تجرك طوعاً لأن تقرأها حتى النهاية
      وكذا فعلتْ أقصوصتُك بي
      هي من أجمل ما قرأت هذا الصباح
      لغة جميلة وأنيقة سليمة من أي عيب .. وصف دقيق للمواقف
      بورك قلمك عزيزتي ..
      وتحية
      sigpic

      الشـــهد في عنــب الخليــــل


      الحجر المتدحرج لا تنمو عليه الطحالب !!

      تعليق

      • دينا نبيل
        أديبة وناقدة
        • 03-07-2011
        • 732

        #4
        تقديري الجم لمروركم الكريم وقراءتكم التي أصابت كبد الحقيقة فيما يتعلق بموضوعة النص وكيف يصير الألم أحيانا محركا لاحلام نتمنى لو تحققت.. رغم علمنا انها محال

        اشكركم مجددا .. دمتم بخير

        تعليق

        • دينا نبيل
          أديبة وناقدة
          • 03-07-2011
          • 732

          #5
          العزيزة ا. ناريمان
          خالص تقديري لمرورك الطيب وقراءتك لنصي
          دمت بخير وود

          تعليق

          • ريما ريماوي
            عضو الملتقى
            • 07-05-2011
            • 8501

            #6
            جميلة.. ومع الألم والتوقف تدريجيّا عن ممارسة الحياة الطبيعيّة، لا تبقى لنا إلّا الأحلام،
            على الأقل عاش برهة جميلة، قبل أن يكتشف أن الشجرة ما هي إلا عفن ينمو على ما يستحق أن يؤكل.
            استمتعت هنا بلغة جميلة منسكبة.

            أهلا بحضورك من جديد أميرة القصّ.

            تقديري.


            أنين ناي
            يبث الحنين لأصله
            غصن مورّق صغير.

            تعليق

            • دينا نبيل
              أديبة وناقدة
              • 03-07-2011
              • 732

              #7
              الأستاذة العزيزة .. ريما ريماوي
              أسعد دوما بقراءتك ما أكتب وأستمع لرأيكم بكل اهتمام..
              وكما قلت عزيزتي.. اﻷمل يعطينا من نفحاته ما يجعلنا نتمكن من إكمال حياتنا والشعور بأن فيها ما يستحق العيش من أجله.. حتى وإن ماتت فينا تشياء فما علينا سوى ان نحمله معنا ونمضي قدما

              تحياتي لك وتقديري

              تعليق

              • مناف بن مسلم
                أديب وكاتب
                • 19-09-2013
                • 72

                #8
                نص جميل جدا يلامس القلب . .. يحمل في طياته ذلك الحزن الازلي الذي لا يفارق وجود الانسان في كل العصور
                لكل كل التقدير والاحترام
                مناف بن مسلم

                تعليق

                • نورالدين لعوطار
                  أديب وكاتب
                  • 06-04-2016
                  • 712

                  #9
                  العجز والمرض والبرد والإهمال، حقّا إذا اجتمعت تمنعت الأحلام. وكانت الكوابس رفيقة الروح صحوا ومناما.
                  قلم له وهجه وكتابة سلسة مرنة جميلة.

                  أستاذة دينا شكرا

                  تعليق

                  • سائد ريان
                    رئيس ملتقى فرعي
                    • 01-09-2010
                    • 1883

                    #10
                    مرحبا بعودتكم أستاذة دينا
                    أنرتم المكان ... قرأت القصة و راقت لي
                    و من وجهة نظري فإن الشعور بالبرد كألم يتناسب تناسبا طرديا مع سنوات العمر فكلما كبرنا زاد شعورنا به كألم
                    قد يخالفني الرأي من يقيم في بلد باردة شتاءً
                    أما أنا ففي السعودية و لا نعرف البرد سوى عشرة أيام في السنة ههههه

                    تحاياي و بوركت اليراعة

                    تعليق

                    • منيره الفهري
                      مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
                      • 21-12-2010
                      • 9870

                      #11
                      نورت بيتك أستاذة دينا نبيل..و مرحبا بك و بابداعاتك دائما..استمتعت بقصتك هذه رغم الوجع الذي سطر بين الحروف.
                      تحياتي و تقديري

                      تعليق

                      • حارس الصغير
                        أديب وكاتب
                        • 13-01-2013
                        • 681

                        #12
                        القاصة
                        دينا نبيل
                        اعجبني التصوير واللغة وتعميق السرد
                        كذا العنوان كان موحيا ويتناسب مع العنواين التجريبية
                        كانت اللغة ملائمة لحالة الحزن والكآبة
                        فقط لي ملاحظتان؛ بدت لي المقدمة غير ملائمة لجو النص، وأفقدت النص البداية القوية، كذلك بدت النهاية رتيبة.
                        سعدت بالقراءة إليك
                        تحيتي

                        تعليق

                        • جلال داود
                          نائب ملتقى فنون النثر
                          • 06-02-2011
                          • 3893

                          #13
                          ممتع هذا البوح الذي يحلق عاليا بلغة تعانق جذور هذه الشجرة
                          تحياتي استاذة دينا

                          تعليق

                          • عوض بديوي
                            أديب وناقد
                            • 16-03-2014
                            • 1083

                            #14
                            [type=290560]سلام من الله وود ،
                            نص من متع القص ،
                            ونفائس الحكي..
                            تمكن طيب من أدوات القص
                            مودتي و محبتي[/type]

                            تعليق

                            • دينا نبيل
                              أديبة وناقدة
                              • 03-07-2011
                              • 732

                              #15
                              ا. مناف بن مسلم القدير..
                              مرحبا بكم دوما على متصفح قصتي .. وكما قلت فإن الألم باعث خفي للأمل. .
                              سعدت برأيكم وقراءتكم ..
                              أهلاً بكم وسهلاً

                              تعليق

                              يعمل...
                              X