رسالة الأديب بين الكاتب الصحيح و المخربش الكسيح (مقالة)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسين ليشوري
    طويلب علم، مستشار أدبي.
    • 06-12-2008
    • 8016

    رسالة الأديب بين الكاتب الصحيح و المخربش الكسيح (مقالة)

    رسالة الأديب
    بين الكاتب الصحيح و المخربش الكسيح

    الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، و الصلاة و السلام على النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، الذي أوتي جوامع الكلم، و أدّب بسيرته العطرة قبل كلامه الفصيح جميع الأمم، و الرضا عن صحابته الكرام ذوي الجد و الحزم و أصحاب الهمم.

    ثم أما بعد، الكتابة الأدبية وظيفة إنسانية نبيلة و رسالة تُؤدَّى إلى البشرية
    شريفة و مسئولية كبيرة أمام الله تعالى و أمام النفس الشاعرة بأمانتها و أمام الناس أجمعين ؛ و لذا يستلزم على من يُقبل على تحمِّل هذه المسئولية الخطيرة أن يستجمع في نفسه بعض شروطها الضرورية كمعرفة عماذا يتحدث أو يكتب، و كيف يتحدث أو يكتب، ثم عليه أن يسأل نفسه ثلاثة أسئلة أساسية إن كان كاتبا رساليا و ليس مخربشا عابثا مغامرا: ماذا يضيف إلى الأدب نفسه، و ماذا يضيف إلى اللغة التي يكتب بها و ماذا يقدم إلى البشرية جمعاء بما يكتب ؟ فإن لم يستطع أن يضيف شيئا ما إلى هذه "الأقانيم" الثلاثة فلا ينقص ـ على الأقل ـ منها شيئا بشكل من الأشكال و هذا أضعف الإيمان.

    و إن من أهم ما يجب التمكن منه، بعد استجماع عناصر موضوع الكتابة أو الحديث من حيث المعرفة به و البحث فيه، معرفةُ الوسيلة، أو الأداة أو الآلة، التي يعبر بها عما يريد التعبير عنه و هي اللغة، أي لغة يريد توظيفها في تعبيره ذاك، و أما من لا يستشعر في نفسه هذه الشروط الموضوعية ثم يقدم على الكتابة فهو إما عابث و إما مغامر، و يكفي العابث سوءا أنه يضيع حياته سدى فيما لا نفع فيه، و يكفي المغامر شرا ما سيلاقيه من المخاطر أقلها النقد اللاذع أو الإهمال الموجع.

    هذا المدخل ضروري لما سيتبعه من حديث عن وظيفة الكتابة الأدبية بمختلف أنواعها و متنوع ميادينها و مستوياتها.

    ثم أما بعد، فكما أن الكتابة الأدبية أنواع كثيرة فهي مستويات عديدة كذلك، و قد درج الناس على تصنيف الكتابة الأدبية الفنية ـ شعرا كانت أو نثرا ـ التي تعبر عن خواطر الأدباء و هواجسهم النفسية و همومهم الاجتماعية بلغة "أدبية" أنيقة عن الكتابة العلمية الموضوعية "الباردة" التي تعالج موضوعا علميا محددا واحدا أو عددا من المواضيع المشتركة في المادة المعروضة في حيز واحد، و مهما يكن من شأن هذه الكتابة "العلمية" فهي تندرج ضمن مجموعة الكتابات الأدبية بمفهومها العام و الواسع، فكاتب البحث العلمي سيكتب حتما بلغة ما و بأسلوب ما يجعل ما يكتب أدبا من نوع خاص متميز و إن كان هذا الأدب موجها إلى فئة معينة من المهتمين و يدخل هنا ـ كذلك ـ حرص الكاتب "العلمي" على انتقاء لغته من حيث مفرداتها و مصطلحاتها و من حيث التعبير كذلك حسب الجمهور المستهدف بتلك الكتابة فلا يحدث العامة بلغة الخاصة المستغلقة إلا على أهلها فلكل مقام مقال كما يقال و لكل جمهور كلام كما أقول.

    و حتى الكتابة الأدبية الفنية نفسها مستويات من حيث موضوعها و من حيث لغتها ؛ فالكتاب الممتازون يختارون المواضيع الكبيرة و الخطيرة و التي تهم البشرية كلها و ينتقون لغتهم "الأدبية" المنتقاة بحرص شديد فتأتي كتاباتهم راقية شكلا و مضمونا و أما الكتاب العاديون فلا يبالون بما "يختارون" من مواضيع و لغة فيرسلون خربشاتهم في وجوه الناس يرجمونهم بها و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا أو أنهم "مبدعون" قد أتوا ـ و قد صدقوا ـ بلا لم تأت به الأوائل إن كان الأوائل قد تركوا لنا شيئا لم يأتوا فيه بشيء ما جميل أو قبيح على أن الأمور في هذا وذاك ـ الجمال و القبح ـ نسبية دائما حسب الأذواق و التربية و المعايير المعتمدة في تقويمهما.

    هذا و للحديث بقية إن شاء الله تعالى إن كان في العمر بقية.

    البُليْدة، صبيحة يوم الأحد الفاتح من شهر جمادى الأولى 1435 الموافق 2 مارس 2014.

    sigpic
    (رسم نور الدين محساس)
    (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

    "القلم المعاند"
    (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
    "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
    و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

  • أم عفاف
    غرس الله
    • 08-07-2012
    • 447

    #2
    بسم الله الرحمن الرحيم

    علي ّ أولا أن أعترف وبكلّ تجرّد أنّني هنا وفي هذا المتصفّح في هذه الآونة وفي كل آونة كنتها مع سيّدي حسين ليشوري لا للمناظرة أو التحدّي والتجاوز ولكن للتّعلم والاستفادة والاستنارة بكل ما من شأنه أن يأخذ بي إلى الطّريق السليم والمساحة الآمنة .
    ما أريد الاعتراف به أيضا أنّني لم أدّع يوما أنّني كاتبة مرموقة ولا أديبة قديرة وقد كنت أرفض دائما الألقاب التي تتصدّر كل ردّ
    أنت سيّدي حسين ليشوري أمام إنسانة عاديّة جدا .إنسانة تهرب من فراغ الحياة اليومي إلى عالم النت .ليس المقصود بالفراغ ذلك الحيز الزمني الذي تطلق عليه التسمية "أوقات الفراغ" ولكن هو تلك التفاهات التي تملأ الحياة اليومية للنّاس ،النّساء منهم بالذّات.
    لا تهمّني التصنيفات ولا الألقاب ولا الأوسمة ولا الذّهبيّة أو الفضّية .أنا هنا لأمارس إنسانيّتي وأثبت وجودي .
    كأنثى تحمل همّ بنات جنسها .
    كأمّ تتوق في هذه الحياة أن تنقذ أبناءها من شرور الدّنيا بسعة الاطلاع واقتناص التّجارب المفيدة .
    كمسؤولة في مهنتي أواكب سيرورة الأحداث من حولي وأتابع حركة الفكر الإنساني.
    إذن فأنت تجاه مخلوق بسيط جدّا لا يحلم بنقش اسمه بأحرف من نور ولا يتوق لكتابة أحرفه بأحجام كبيرة في الوسائل الإعلامية .
    وإذا جاز لي فلأقل بأنّني متطفّلة أبحث لي عن بعض الدفء وبعض غذاء الروح بين أناس أجد لذّة في الحديث إليهم والتّحاور معهم .
    سيّدي الكريم لو كنت ممن يسعون للشهرة لكان لي أكثر من مؤلف في الشعر والقصّة وبينهما .
    وحياتي أبسط من البساطة .
    جلّ وقتي أمضيه صحبة أمّي المسنّة لأنّني أصغر إخوتي وأقلّهم أبناء إضافة إلى كوني الأكثر ارتباطا بهما أقصد أبويّ ـ رحم الله والدي وأسكنه الجنّة ـ
    لا شيء يمكن أن يشارك أمّي فيَّ غير هذه النافذة التي أفتح عليكم .
    بيتي وأبنائي بيني وبينهم بحر أتنقّل إليهم مرّة في الأسبوع وأحيانا مرّتين .أنا اخترت مكان العمل لأكون قريبة من أمّي .
    ليس اختيارا أن أكون بعيدة عن أبنائي ،هي الدّراسة التي أبعدتهم عنّي لمّا كبروا حكم ألاّ جامعات إلاّ في المدينة .
    المرّة الوحيدة التي دعوت فيها نفسي كاتبة، كانت مع الأخت عبير هلال حين قلت لها بأنّني قدّمت نفسي كما يجدر بكاتبة أن تفعل. أحفظ ذلك بالتدقيق وفي كل مرّة كنت أقول "أمارس فعل الكتابة " لأن تلك هي الحقيقة .
    إذن فلا غرابة أن أكون ممن يطلق عليهم صفة كتبوب .هو كذلك ،والله لن يغير الأمر شيئا .
    ما يهمّني فعلا هو ألا آخذ حجما أكبر من حجمي .وأن أمارس الحياة في سلم ووداعة وصلح نفسي .ما يهمّني أن أكون عرفت شخصا كريما كحضرتكم تواضع لي وحاورني فلم أعدم الوسيلة .
    ثمّة أشياء كثيرة في حياتي أعدّها أهم بكثير من الأدب .
    أمّي
    ابنتي
    ابني
    مدرستي التي أنا مسؤولة عن كل تلميذ فيها
    والنّاس الذين أعيش بينهم .أحبّهم كيفما كانوا وأعرف كيف أصل إلى قلوبهم .
    لم أصل للرّد على ما كتبت لي، وما لم نتّفق فيه أو على الأقل ما يحتاج إلى مزيد من الإيضاح .
    إليك ما أرى التّعجيل به حتّى أجد الرّاحة مع نفسي أوّلا ويلي ذلك حديث .
    إلى ذلك الحين أستودعك .ودمت بألف خير سيدي الكريم لمقالاتك جاذبيّة خاصة أستاذي حسين.

    تعليق

    • حسين ليشوري
      طويلب علم، مستشار أدبي.
      • 06-12-2008
      • 8016

      #3
      و عليك السلام، يا أم عفاف، صالحة، و رحمة الله تعالى و بركاته.
      قبل أي حديث أعتذر إليك عن تأخري في شكرك على تلبية الدعوة للمشاركة في مناقشة هذا الموضوع فقد كنت البارحة بـ "عافية" شويه و لم أرد الكتابة تحت وطأة الألم فتأتي كتابتي متألمة أو ... مؤلمة.
      ثم أما بعد، لم يكن قصدي من دعوتك إلا لمعرفة رأيك في الموضوع الجديد و ليس لأي غرض آخر أيا كان و ليس لموضوعي هنا أية علاقة بقصتك المتميزة "شياطين الإنس" لا من قريب و لا من بعيد فقد أبديت رأيي فيها في محلها و لو كان لي فيها رأي آخر لقلته هناك.
      أراك تكتبين بعصبية و غضب، لماذا ؟ هل فيما كتبته هنا ما أثار غضبك ؟ أما عن أسئلتك الأخرى فسأحاول الرد بعد ما أسترجعه بعض عافيتي، فمعذرة مرة أخرى.
      و كما دعوتك إلى المشاركة هنا في مناقشة هذه المقالة أدعوك إلى مناقشة موضوعي الجديد "سلوك الملوك".
      مع فائق تقديري.
      تحيتي الأخوية.
      sigpic
      (رسم نور الدين محساس)
      (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

      "القلم المعاند"
      (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
      "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
      و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

      تعليق

      • ريمه الخاني
        مستشار أدبي
        • 16-05-2007
        • 4807

        #4
        المشكلة على مستويين أستاذنا العزيز:مستوى الرسالة التي تمرر من خلال النص ,ومستوى النص ذاته والارتقاء به وعدم التكرار على الأقل في المستوى الافقي للكتابة.
        ولكم الفضل والسلام.

        تعليق

        • حسين ليشوري
          طويلب علم، مستشار أدبي.
          • 06-12-2008
          • 8016

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة ريمه الخاني مشاهدة المشاركة
          المشكلة على مستويين أستاذنا العزيز:مستوى الرسالة التي تمرر من خلال النص، ومستوى النص ذاته والارتقاء به وعدم التكرار على الأقل في المستوى الافقي للكتابة.
          ولكم الفضل والسلام.
          و عليك السلام و رحمة الله تعالى و بركاته.
          منْ ؟ أم فراس عندنا ؟ يا مرحبا يا مرحبا.
          أرجو من الله تعالى أن تكوني بخير وعافية و سائر إخواننا في سوريا.
          أشكر لك حضورك الطيب هذا و تعليقك المختصَر و المختصِر في آن واحد.
          القضية كلها في رأيي المتواضع في ثلاثة مستويات أصلية أصيلة أساسية :المرسِل و المستقبِل + جهاز الاستقبال، و أما المستويات الستة المتبقية و المكملة: اللغة و القناة و الرسالة و الموضوع و المرجع و رد الفعل كما يقررها نظام "رومان ياكوبسن" للتصال، و قد نضيف إلى هذه العناصر أو المكونات السبعة أو الثمانية، إن فرقنا بين "المستقبل" و "جهاز الاستقبال"، عنصرَ "اللهجة" أو "اللحن" أو "أسلوب الخطاب" من حيث هدوءه أو حدته، فلهذه العناصر كلها أهميتها و دورها في إنجاح عملية الاتصال أو إفشالها، فمن راعى في توظيفه هذه العناصر كلها سلامتها "ضمن" نجاح عملية الاتصال و من لم يحسن أو لم يجد توظيفها "ضمن" كذلك قسطا نسبيا من الفشل و هذا في كل حوار أو خطاب أو اتصال.
          سرني، سيدتي الفاضلة أم فراس، حضورك الكريم و مشاركتك الطيبة فعلا.
          تحيتي و تقديري و احترامي.
          sigpic
          (رسم نور الدين محساس)
          (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

          "القلم المعاند"
          (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
          "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
          و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

          تعليق

          • أم عفاف
            غرس الله
            • 08-07-2012
            • 447

            #6
            صالحة غرس الله

            تعليق

            • حسين ليشوري
              طويلب علم، مستشار أدبي.
              • 06-12-2008
              • 8016

              #7
              ـ أم عفاف: السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
              ـ حسين ليشوري: و عليكم السلام و رحمة الله تعالى و بركاته و أفضاله.
              ـ أم عفاف: أمّا بعد يسعدني الاستجابة لحضرتكم وتلبية الدّعوة التي وجّهت لي هناك في "شياطين الإنس" ولن أعقّد الأمر كثيرا بالتساؤل حول علاقة ذلك النصّ بدعوتي هنا كما و أنّني سأقفز عن إمكانيّة كون المقالة من الأدب الموجّه:
              ـ ح.ل.: حسنا فعلتِ، يا أم عفاف، بعدم تعقيد الأمر فهو معقد أصلا، و لم يكن لي قصد سوى إشراكك في مناقشة موضعي الجديد هذا و أنت القارئة اللبيبة بل الأديبة الأريبة، و لا علاقة للدعوة بقصتك القيمة، و قد أبديت رأيي فيها في محلها هناك ؛ فأهلا وسهلا بك محاورةً و مثريةً للموضوع.
              ـ أم عفاف: ولذا وعلى ضوء المضامين الصّريحة للمقالة لن نختلف كثيرا إلا في بعض النّقاط:
              النقطة الأولى تتمثّل في : لو أنّ المقصود بالأدب في كلامك سيدي الكريم كلّ ما يتصدّر شاشات الحواسيب على "النت" فإنّ الأمر لن يتعلّق إلاّ بحقبة زمنيّة جدّ قصيرة ولا تحتسب في عمر مسيرة الإنسان على درب الإبداع، أمّا إذا كنت تقصد بذلك كل أشكال الأدب الإنساني فإنّ من كان يملك أن يقرأ و يفكّ الحرف صاحب شأن وأيّ شأن لو تدري فضلا عمن كانوا يستطيعون الكتابة و يملكون آلياتها ويسيطرون على أحكامها. في عالم "النت" كلّنا مخربشون يا سيدي. وما لها الخربشة ؟ أتستهين بمقدرتك على استعمال الحاسوب و قدّ عدّ كل عاجز على ذلك أمّيّا ؟ ألا ترى أن نسبة الرّافضين لهذه التقنية لا يستهان بها ؟ فلأضرب المثل بالوسط المحيط و الشريحة المتعلّمة و التي غالبا ما تكون في طور الشباب كيف ترفض و بشدّة ذلك وتدّعي أن الأمر غير مجد. و رغم ما تعجّ به هذه الفضاءات من كمّ هائل من الكتابات فهي ليست سوى رهن خلل بيئي قد يصيب الأجهزة بعطب تضيع معه كل الخربشات. ما يهمّ فعلا فيما يكتب هذا التحاور بين الثقافات، ما يهم فعلا وهذا رأيي هذه الحبال الممدودة بيننا لتفيدني بمضامين أفكارك والعكس.
              أنا فعلا أتمنى لو تستطيع إقناعي لأرجع عن كون الإنسان لا يسيء أخلاقه إلا ما هو محرّم نصيّا أو ما ينتج عنه محرّم .كلّنا نعلم ما حقّقته الأمم الأخرى من تفوّق ومن نهضة .كلّ ذلك وهي التي تلوّنت فيها الكتابات ولم يعرف الحظر فيها طريقه إلى رواية أو قصّة. على العكس لقد سبقوا الزمن بالخيال ففتح الأدباء المجال أمام تصوّرات العلماء والمخترعين.
              ـ ح.ل.: هذه النقطة الأولى فقط فكيف ستكون الثانية و الثالثة و غيرهما يا تُرى ؟ لست أدري لماذا ذهب ظنك أنني أتحدث عن الذين ينشرون كتاباتهم، أو قولي "خربشاتهم"، في "الشبكة العنكبية الكونية"، على حد تعبير أستاذنا الجليل "الهويمل أبو فهد" في تعليق له على موضوعي الآخر "سلوك الملوك" في "ملتقى المفكرين و السياسيين العرب" توأم ملتقانا هذا، لقد عرفتْ الأمةُ العربية كُتَّابا "مخربشين" بامتياز منذ الزمن الأول و ليس في زماننا هذا فقط و قبل اكتشاف الـ "ش.ع.ك" و قبل تعميم استعمالها، فكل من لا يتغيا بكتابته غاية نبيلة فهو مخربش، أو مخرمش، حتى و إن كان مرجعا في اللغة و الأدب. الأمور تُقوَّم بغاياتها و مقاصدها و أهدافها و مراميها ؛ و الكتابة بمفهومها العام، أديبة كانت أم علمية، مسئولية لا تقل عن مسئولية الكلام الملفوظ عليها رقيب عتيد حفيظ من الله تعالى، فلو استحضرنا في كتاباتنا شيئا و إن قليلا من هذه المراقبة الربانية لما تجرأنا على "خربشة" ما "نخربش"، أو "خرمشة" ما "نخرمش" بهذه الجرأة الملحوظة لا على شاشات الحواسيب و على صفحات الكراريس و لا حتى على مذكراتنا الشخصية السرية ... السريرية إن وُجدت.
              ثم لست ضد مساهمات الكتاب الناشئين أو غيرهم و اغتنام الفرصة الكبيرة التي تمنحها لهم هذه "الشبكة العنكبية الكونية" العجيبة و التي كسرت القيود و عبرت الحدود و اجتازت السدود التي يضعها "البزناسية" سواء في الثقافة أو في المال للتضييق على المبادرات الشبانية الجادة و غيرها، و قد أخرجت "ش.ع.ك."، "النت"، الكتاب حتى المشهورين منهم في بلدانهم، من المحلية إلى العالمية بكبسة زر. لقد احتكر "بارونات" الثقافة في الوطن العربي كل شيء حتى إنه لا يسمحون لأديب حقيقي بالتنفس إلا بإذن منهم و إن وجد فرصة أو فسحة للتنفس أو للتنفيس عن خلجات نفسه في أعمال إبداعية تجاهلوه أو استنكروه، و اسألي محدثك هذا عن تجربيه الكتابية. هذا شيء، و ما ينشر على "ش.ع.ك" من سخف و خربشة و "خرمشة" و سفه و طيش باسم "الأدب" شعره و نثره شيء آخر تماما. ليس عيبا أن يخطئ كاتب ما في كتابته، من المعصوم المدعي أنه المحفوظ من الخطأ ؟ لكن العيب كله في الغرور و نشر الشرور تحت غطاء الإبداع الأدبي.
              ـ أم عفاف: سيدي حسين ليشوري لأنّك سيّدي دعوتني فعليك أن تحتملني وتقبل الإنصات لي لأضرب المثل بقصّتي "شياطين الإنس" وقد تعرّت لبعض المتدخّلين وأوّلهم حضرتك. أيّهما برأيك أشنع أن أكتب عن ذلك العالم مع ما يحاط به من سرّيّة وخوف ورهبة من الافتضاح؟ (علما سيّدي الكريم وأنّ انتشار الأمر في الدّول العربيّة يدعو للهلع) أو أن أسكت عنه متشيّعة لقيم الحياء والخجل من الحديث جهرا عن الجنس واللمس و ذكر الأعضاء ؟ كم في عالم النت من أنثى استهدفت من طرف والدها أو أخيها أو خالها أو عمها وحتّى جدّها ؟ هل كتبت بغير سويّة عن الأمر ؟ هل كتبت لأحسّن صورة المغتصب وأجعل المغتصبة تنخرط في لعبة اللّذّة المحرّمة ؟ نعم كان الوصف برأيك مقزّزا .وكان يكفي التلميح. لا لم يكن يكفي ؛ لو أن الأمر بالخطورة التي تصفونها ما ترك الله سبحانه للحيوانات أن تأتي ذلك الفعل على مرأى من الإنسان. لو أن الأمر بذلك القبح ما جعله قوام الاستمرار. إنّها الأعراف والعادات المعادية للحياة في الضوء. كيف يمكن التصدّي لأعداء الحياة . الحياة الزّلال كما يحب الله أن تكون حياة إنسان إن تستّرنا على المجرمين. أبِدَعْوى تجنّب الوقوع في الأدب الفاجر أقفز عن تسمية الأشياء بأسمائها.
              ـ ح.ل.: يا أم عفاف، ليست المشكلة في "ماذا نكتب ؟" و إنما هي في "كيف نكتب؟" يمكنك التطرق أدبيا، أو علميا، إلى ما تشائين من المواضيع أبسطها و أعقدها، أجملها و أقبحها، ظاهرها و مستترها، جليها و خفيها، ما يجوز البوح به صراحة و ما لا يجوز صراحة بل بالتلميح أو بالإشارة الموحية، أنت حرة تماما في قول ما تريدين قوله أو البوح به أو فضحه و التنديد به، و ليس لأحد أن يحجر عليك الكلام أو الكتابة، من يستطيع ذلك ؟ و لك أن تعبري بالكيفية التي تختارين لكن عليك أن تتحملي المسئولية "الأدبية" على ما تقولين أو تخطين، أتحدث هنا عن المسئولية "الفنية" و ليس القانونية طبعا، لأنك عندما تختارين الألفاظ و الأسلوب و القالب الذي تصبين فيه كتابتك فإما أن تُعَدِّي في صف الكُتَّاب الممتازين و إما أن تعدي من "المخربشين" أو "المخرمشين" و من هنا ستختارين، أحببت أم كرهت، نوعية قُرَّاءك ؛ فكلما تأنقت في الكتابة كلما ارتفعت قيمة من يقرأ لك، فـ "الطيور على أشكالها تقع" كما يُقال في الأمثال العربية الفصيحة الصريحة الصحيحة ؛ أما الكتابة من أجل الكتابة أو لأجل أن يقال عنك "كاتبة" فكل الذين يعرفون رصف الحروف أو صف الكلمات كاتبون بهذا المفهوم حتى الكتاب العموميون على أبواب البلديات أو مكاتب البريد ؛ فهل ترغبين أن تكوني كاتبة مرموقة أم كاتبة عمومية على كرسي في الشارع العام ؟ لك أن تختاري وحدك و ليس ليغير أن يختار لك مصيرك الأدبي.
              هذا و إن أغرب ما قرأته في سؤالك ما لونته بالأحمر في حديثك عن ممارسة الحيوانات الجنسية ؛ إنه لأمر عجيب فعلا أن نقيس سلوك الإنسان الذي كرمه الله بالعقل و التمييز و فضله على كثير من المخلوقات تفضيلا على فعل الحيوان ؛ إذن فلنعلِّم أي حمار مسك القلم و لْنَدْعُه إلى كتابة قصة حياته الجنسية الحمارية و هكذا فسيتنافس البشرُ و الحميرُ في إبداعاتهم الإيروسية، و على كل فإن في آخر الزمان سيكون في المسلمين من يأتي أمَّه على قارعة الطريق تقليدا لمن سبقهم من الأمم "الحرة" و يبدو أن الأمة آيلة إلى هذه الحتمية، نسأل الله العفو العافية و الوقاية و الحفظ.

              ـ أم عفاف: قلت سيّدي أن ما يكتبه الشخص أقوى دليل على كنهه. هل لأنّ الكاتب راضى زوجته مثلا بلمسة حب صار غير سويّ ؟ أو لأنّ هذه الأنثى البعيد عنها حبيبها تصوّرت أنها في أحضانه صارت عاهرة ؟ لو أن الحبّ هو ما يجمع البشر كما نرى الأزواج يعاملون أنثياتهم [إناثهم] في تلك الأمم المتقدّمة علينا كثيرا كثيرا ما كان هذا حالنا. إن الحديث مع بعض الأزواج هنا، مجرّد الحديث عن زوجاتهم جريمة كبيرة ؛ (إنها حرمة وأيّة حرمة) مع ما يسمحون به لأنفسهم من صبيانيّات. أذكر مرّة أنّني انضممت إلى مجموعة من المتربّصين المتكوّنين في ميدان الإعلام وبالتحديد في مجال التنشيط الإذاعي، كان هذا المنشط أشهر من نار على علم وكان قد استحوذ على قلوب سيّدات البيوت بشكل غير طبيعي مع ضآلته وإن لم أقل دمامته .فقط هو صوته المجلجل المشحون بالعواطف ،المصحوب بلثغة أسرت القلوب ؛ هذا الشخص يمكن أن تتحدّث معه في أي موضوع إلا عائلته: أبناؤه، زوجته، حتى أنه لا يريد أن يجاهر بالأسماء ؛ ذهب في ظنّي أنّه منضبط ومستقيم و محافظ بشكل يرفض معه إقحام المواضيع الشخصيّة في عمله. وكان رغم شهادته لي بالتميّز لا يحبّني وينظر إليّ دائما بحذر شديد، أوعزت ذلك إلى تشدّده وتساهلي أنا مع نفسي بخوض كل العوالم على ما فيها من شبهات ؛ إلى أن دخلت يوما مكتبه ربّما على غير انتظار منه أن أكون داخلة عليه في ذلك اليوم فكان أو وجدته يحتضن منشطة في مثل عمر ابنته. غادرت الإذاعة من يومها لأنّني عرفت أنّه كذّاب وأنّه ازدواجيّ يسمح لنفسه بما لا يقبله من غيره.
              ـ ح.ل: نعم، اختيار المرء جزء من عقله في كل شيء أبسطها و أعقدها و اختيار الألفاظ و الكلمات و التعابير و الصياغة في الأدب مثلا جزء من عقل الكاتب و لذا نجد الكتاب المرموقين يختارون ألفاظهم و أساليب تعابيرهم و أما السوقة من "الكتابيب" جمع "كتبوب" على حد تعبير أستاذذنا الكبير مولود قاسم نايت بلقاسم، رحمه الله تعالى و غفر له و عفا عنه، و "الكتبوب" (على وزن كتكوت و كتاكيت، هذه من عندي الآن) هو الكاتب الصغير الهاوي، ليس الصغير في السن و لكنه الصغير في القدر، و الفرق بَيِّنٌ بَيْنَ "كاتب" و "كتبوب" لمن كان من ذوي العقول و القلوب.
              أما ذلك المذيع الفظيع المريع فهو مثال واحد من ملايين الأمثلة في عالمنا العربي المبتلى بهؤلاء المرضى.

              ـ أم عفاف: أستاذي الكريم أعتذر كثيرا على الإطالة أعتذر أيضا على اتساع رقعة الحديث وتشعبه إلى مواطن لم تقصدها. أستودعك مع خالص الودّ والاحترام.
              ـ ح.ل.: العفو أختي الكريمة، أم عفاف، لا تعتذري فقد سرني التحاور معك بكل شفافية و صراحة و صدق، و بالحوار تتلاقح الأفكار بين الأحرار و أهلا و سهلا بك في كل أوان و مكان، و أعتذر إليك و إلى القراء إن وجدت أو وجدوا خطأ في كتابة كلمة ما و سأكون شاكرا لك و لهم تنبيهي.


              تحيتي و تقديري و شكري على التفاعل المثمر و دومي على التواصل البناء الذي يغني و لا يلغي.
              sigpic
              (رسم نور الدين محساس)
              (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

              "القلم المعاند"
              (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
              "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
              و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

              تعليق

              • ريما ريماوي
                عضو الملتقى
                • 07-05-2011
                • 8501

                #8
                السلام عليكم ورحمة الله...


                جذبني عنوان حضرتك، بالبداية: لا بأس عليك، بالعافية وطهور بإذن الله...

                هذه المرة جئت مدافعة عمن تراه سلبيا من وجهة نظرك..

                إن كان عند هذا الكسيح شيئا يخربشه..ويخبر به غيره.. لماذا نفوم نحن البشر بمنعه؟
                وخصوصا بوجود عدد لا بأس به من متابعيه ويقرأون له.لم لا تجلس إلى الخلف مسترخيا وتستمتع بما يطرحه،
                بغض النظر عن البيان والبلاغة... خصوصا إن كان يطرح أمورا مهمة من واقع الحياة..
                ويأتي بخلاصة تجاربه وتجارب غيره ويتيحها مجانا..

                وأعتقد الكسيح والفصيح يمشيان بخط متواز.. كل له عدد من المعجبين والقراء..
                والبليغ نفسه يعشق التنويع ويلجأ لقراءة الخربشات.. للترفيه عن نفسه واستقاء الأفكار أيضا.

                شكرا لك، تفديري واحترامي...


                أنين ناي
                يبث الحنين لأصله
                غصن مورّق صغير.

                تعليق

                • حسين ليشوري
                  طويلب علم، مستشار أدبي.
                  • 06-12-2008
                  • 8016

                  #9
                  و عليكم السلام و رحمة الله تعالى و بركاته.
                  أهلا بك ريما الكريمة و سهلا و مرحبا.
                  أشكر لك دعاءك الطيب بارك الله فيك و لا أراك سوءا أبدا.
                  و أعيذك بالله أن تكوني ممن يدافع عن السلبي في أي شيء.
                  التطرف ممقوت و هو مرفوض من أي طرف جاء لأنه مؤسس على التعصب و التشدد و التنطع و لذا جعل الله الإسلام دينا وسطا بين مادية اليهود و روحانية النصارى و خير الأمور أوسطها.
                  فإن اتفقنا على هذا يمكننا أن نؤسس لحوار بنّاء و نحن هنا نتحدث عن الكتابة و الكُتَّاب أو الكاتبين و "الكتابيب" جمع "كتبوب،" على وزن "كتكوت" و الجمع "كتاكيت،" و هو من يدعي أنه كاتب و لكنه غير كذلك، و لعلك لم تقرئي محاولة ردي على أختنا الكاتبة الأديبة التونسية صالحة "أم عفاف" ؛ فقد أوضحت فيها رأيي بصراحة.
                  و إذا تحدثنا عن "الخربشة" و "المخربشين" إنما نتحدث عن المسيئين منهم و ليس عن المجتهدين، فهناك حسب رأيي مخربش مليح و مخربش قبيح و السوء كله آت من المخربشين القبحاء لأنهم ليس أدباء و أنهم يسيئون و لا يقبلون النصح لمّا يُنصحون، و إذا أردت الصراحة التامة فكلنا مخربشون بدرجة ما حتى أولئك الذين يزعمون أنهم أساتيذ في الجامعات فهم فنانون في الخربشة "الأدبية" فقد قرأنا لهم هنا ما يقتل أسفا من قيمته الخربشية الفائقة.
                  لقد بدأت حياتي الأدبية عام 1984 مخربشا متقنا في الخربشة و أتيت من الأخطاء، و لا أزال، ما أستحي منه لمجرد تذكره لكنني استمعت إلى كل من نصحني بكلمة أو بإشارة حتى و إن كنت في نفسي أنزعج لكن الصبر و التحمل شيمة من يريد بلوغ القمة إن كانت ضمن مشاريعه.
                  ما يثير الغضب و أحيانا العجب أن الناس لم يعودوا يقبلون النقد و يحبون من يمدحهم و إن بالكذب و النفاق، مع أن النقد حتى و إن كان قاسيا شديدا مؤلما فهو المفيد مثله مثل الدواء المر يفيد رغم نفور النفس منه.
                  هذا من حيث المبدأ العام أما من حيث القناعة الخاصة فلكل واحد الحرية التامة في كتابة ما يريد كيفما يريد وقتما يريد و ليس لأحد أن يحجر على أحد في كتابة أو قول فيمنعه، فالكل أحرار في فعل الخير أو الشر و المحاسب هو الله وحده لا شريك لك و لا نبي في الأدب و لا في اللغة و لا في النقد، فكل الناس "أديب" و "لغوي" و "ناقد" في نفسه و مستواه و فوق كل ذي علم عليم.
                  هذا ما أراه الآن و لك، إن شئت، الرجوع إلى ما قلته لأختنا "أم عفاف" فقد يجيبك على ما غاب عني هنا.
                  أسأل الله تعالى أن يلهمنا الرشاد في التفكير و السداد في التعبير و القصد في المسير.
                  أشكر لك، أختي ريما الكريمة، حضورك الطيب هذا كما أشكر لك صراحتك.
                  تحيتي و تقديري.
                  sigpic
                  (رسم نور الدين محساس)
                  (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                  "القلم المعاند"
                  (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                  "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                  و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                  تعليق

                  • أم عفاف
                    غرس الله
                    • 08-07-2012
                    • 447

                    #10
                    بسم الله
                    (أين ذهب ما كان هنا من حديث يا أم عفاف ؟ و لماذا حذفتِه ؟ حسين)

                    تعليق

                    • أم عفاف
                      غرس الله
                      • 08-07-2012
                      • 447

                      #11
                      بسم الله الرحمن الرّحيم

                      (أين ذهب ما كان هنا من حديث يا أم عفاف ؟ و لماذا حذفتِه ؟ حسين)

                      تعليق

                      • حسين ليشوري
                        طويلب علم، مستشار أدبي.
                        • 06-12-2008
                        • 8016

                        #12
                        و يستمر الحوارُ هنا
                        sigpic
                        (رسم نور الدين محساس)
                        (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                        "القلم المعاند"
                        (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                        "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                        و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                        تعليق

                        • حسين ليشوري
                          طويلب علم، مستشار أدبي.
                          • 06-12-2008
                          • 8016

                          #13
                          السلام عليك، أمَّ عفاف، و رحمة الله تعالى و بركاته.
                          حفظ الله لك عفافا و أخاها و رزق أمك الصحة و العافية و رحم الله أباك و أسكنه فسيح جنانه و كان الله في عونك في شُئُونك كلها، اللهم آمين يا رب العالمين.
                          أشكر لك، سيدتي الفاضلة، حضورك الطيب كما أشكر لك تقديرك الكبير لشخصي الصغير حقيقةً و ليس ادعاءً.
                          ثم أما بعد، إنه لمن دواعي سروري أن أجد محاورة عاقلة مثلك و قد قلَّ المتحاورون العقلاء و ندروا، فالحمد لله الذي يثيب الصابرين خيرا و إن من الخير أن يجد كاتبٌ من يقرأ له بذكاء.
                          يبدو أنك تُحمِّلين بعض كلامي ما لا يتحمله و تؤولينه تأويلا بعيدا شيئا ما عما أقصده به و سأحاول توضيح ما قد يكون أُسيء فهمُه دون ترتيب للأفكار لأنني أكتب عفو الخاطر و حسبما أتذكر من ملاحظاتك الكريمة.
                          و أبدأ بعبارة "الكتابة السريرية" و قد ذكرتُ هذه الكلمة في سياق حديثي عن أنواع الكتابات و ذكرتُ كتابة المذكرات الشخصية و التي تكتب عادة في المساء أو في الليل عند الانتهاء من متاعب اليوم و قبل الخلود إلى النوم فيكتب هواة المذكرات الشخصية "ذكرياتهم اليومية"، هذا ما قصدته بتلك الكلمة و ليس ما قد يتبادر إلى الذهن من معنى آخر، و قد تكون هذه الكتابة السريرية من أرقى أنواع الكتابات و لاسيما إن كتبها أديب أريب لبيب.
                          ثم متى ادعيتُ أنني أحجر على أحد أن يكتب ما يريد و أن يقول ما يشاء ؟ و أنى لي تلك القدرة على المنع ؟ لستُ ضميرَ الملتقى و لا شرطيَّه و الناس فيه أحرار تماما يكتبون ما أرادوا، فليبدعوا ما شاءوا، و كل ما في الأمر أنني أحاول توجيه النظر إلى خطورة الكتابة و أن القلم/لوح المفاتيح أمانة في يد من يحركه أو يرقن به.
                          أعرض بصدق و صراحة وجهة نظر فمن شاء قرأها و من شاء تجاهلها و لست مسيطرا على أحد ملتزما قدر المستطاع بـ {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} إنها رسالة الأديب إلى ذوي القلب اللبيب.
                          تلومين جيلي على أنه "سمح" لنوع من الكتابات أن تملأ رفوف المكتبات أو أن تتحول إلى أفلام و مسلسلات، أَنَّى لجيلي أو لغيره أن يحول دون انتشار تلك الكتابات ؟ و هل له الحق أن يمنعها حتى و إن قدر على ذلك ؟ انتشار الكتب أو انحسارها مسئولية سياسات أنظمة في دول و ليست مسئولية أفراد أو جماعات أو مؤسسات عامة أو خاصة، انتشار الكتب و انحسارها راجع، زيادة على كونه سياسة نظام، إلى أذواق القراء أو قولي "ذوق الأمة"، فالأمة الراقية المثقفة تقرأ الراقي من الكتب و الأمة المنحطة ثقافةً و أخلاقا تنتج الكتب الساقطة و تشجع على قراءتها و تمنح الجوائز و الألقاب "الأدبية" على كاتبيها و تحولها إلى أفلام و مسلسلات إمعانا في إفساد الأمة و تضليلها.
                          الكتابة الأدبية بمفهومها الواسع الشاسع رسالة تؤدى إلى الأجيال و ليست لعبة بأيدي الفارغين العابثين بقلوب الناس و عقولهم.
                          نعم، إن لم يكن الكاتب صاحب رسالة فهو مخربش من المخربشين و مخرمش من المخرمشين يسهم في إفساد الناس بعلم أو بجهل و في الختام سيجني ثمار أعماله المرة إن عاجلا فآجلا و الأعمال بخواتيمها، فإذا أضفنا إلى ما سلف قوله عن مسئولية الأنظمة السياسية و ذوق الأمة في انتشار نوع ما من أنواع الكتابة، أن كثيرا ممن يكتبون الفاسد من "الأدب" إنما يفعلون ذلك بتوجيه من جهات عدوة للأمة لها في إفسادها غاية، و هذه الجهات لا تتردد في منح الألقاب الرنانة و الجوائز المغرية لـ "أدباء" فاسدين مفسدين فتسميهم "عميد الأدب" أو "أستاذ الجيل" أو "رائد الفكر" و غيرها من الألقاب الفخمة حتى ينخدع السذج و بتكرار تلك الألقاب على الجمهور و بطول المدة ترسخ في الأذهان فالدوام يثقب الرخام كما يقال في الأمثال عندنا.
                          لا، ليس لي و لا لأحد من الناس أن يحجر على أحد أن يكتب ما يريد كتابته نحن هنا نتبادل الرأي و بالحوار تتلاقح الأفكار كما يحلو لي تكراره دائما عسى أن يفهمه الناس.
                          لست أدري سيدتي الفاضلة، أم عفاف، كيف أشكر لك حضورك الزكي و حوارك الذكي، لكنني أدري أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، فجزاك الله عني و عن كل من يستفيد من كلامك خيرا.
                          تحيتي و دعائي و تقديري.

                          sigpic
                          (رسم نور الدين محساس)
                          (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                          "القلم المعاند"
                          (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                          "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                          و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                          تعليق

                          • العنود محمد
                            أديب وكاتب
                            • 04-01-2014
                            • 2851

                            #14
                            ,

                            أستاذنا القدير / حسين ليشوري
                            أعترف أن موضوعك هذا قد أخرجني من عزلتي مع قلمي
                            لي عودة بعد استكمال القراءة

                            ,

                            ,

                            العنــــــــود

                            تعليق

                            • حسين ليشوري
                              طويلب علم، مستشار أدبي.
                              • 06-12-2008
                              • 8016

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة العنود محمد مشاهدة المشاركة
                              أستاذنا القدير / حسين ليشوري
                              أعترف أن موضوعك هذا قد أخرجني من عزلتي مع قلمي
                              لي عودة بعد استكمال القراءة
                              العنــــــــود

                              أهلا بك شاعرتنا الرقيقة العنود.
                              لاحظت غيابك هذه الأيام و كنت عازما على كتابة سؤال في متصفحك.
                              و مرحبا بك، المتصفح متصفحك.

                              sigpic
                              (رسم نور الدين محساس)
                              (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                              "القلم المعاند"
                              (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                              "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                              و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                              تعليق

                              يعمل...
                              X