قراءات جهاد بدران على نصوص أهل هذا الملتقى الراقي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جهاد بدران
    رئيس ملتقى فرعي
    • 04-04-2014
    • 624

    قراءات جهاد بدران على نصوص أهل هذا الملتقى الراقي

    النّص : يقظة
    النّاص : البكري المصطفى
    قراءة : جهاد بدران
    ...............

    النّص :

    يــــــــــــــــــــــــــقـــــــــظــــة

    ذهب يساراً فاصطدم بأفكار اليسار؛ وذهب يمينا فاصطدم بأفكار اليمين. وبين السّبيلين تقاطرت عليه الاتهامات بالتّطرف ؛ فجثم على ركبيتيه ينزف ألماً . ثمّ شعر بيد مبسوطة تربت على كتفه ؛ يقول صاحبها بصوت خافت " لا تخف . فقط كن مع الله ".
    ................


    القراءة :

    يقظة....
    من خلال هذا العنوان/ يقظة/ استطاع الكاتب أن يومئ للمتلقي فوهة النور التي تدل على زبدة النص، وتوحي بمضمون هذه اللوحة المطرزة بالوعي والفكر الرشيد..
    ومن خلف اليقظة كان يرقد عالماً من الضلال، يتخبط بمسامير متنوعة، يخدشه بكل أطرافه، واليقظة لا تتم معالمها إلا بعد غفلة موجعة وسبات مضني ومُهلك، وبعد أن يغوص صاحبها بوحل أعماله واستسلامه لواقعه المزري، لتأتي اليقظة فجأة من أحد عوامل الحياة أو من خلال أشواكها وأنيابها الحادة، فاليقظة لا يمكن أن توقظ صاحبها إلا بعد أن تهزّه بعنف هزّا، وبعد أن تذيقه من المرارة ما يوقظه من سبات الغفلة..
    العنوان كان كلمة مستقلة عن وجودها داخل النص، وهذا من كماليات القصة القصيرة جدا، لأن ضعف أي قصة حين تكون عنوانها منقولاً من أعماقها..
    والعنوان هذا، جعل المتلقي يقف بتدبر وتأمل واستنباط معالم القصة هذه، لنبش بطونها واستخراج جمالياتها.. ليبدأ المتلقي بفرض فرضيات مختلفة تلائم عناصر المحتوى وهدفه المنشود الذي يقوم عليه عملية التأويل لمداركه الأصلية..

    يبدأ الكاتب لوحته بفعل ماضي /ذهب/ وهذا يعطي مساحة للأحداث أن تقوم بفعلتها ليتم عملية التداول ما بين الماضي الذي أخذ حدّه في ممارسة العمل الحياتي، وبين لحظة اليقظة التي قضّت مضجعه، لأن الكاتب لو استعمل فعل مضارع بدل الفعل الماضي، لكانت المسافة لليقظة غير كافية للخروج بعملية ما وراء الحدث الذي يحدثنا عنه الكاتب وهو اتباعه لأطراف السياسة وأقطابها التي تناحرت الأجناس على أنواعها، ليس لهدف بنودها أو ما تحويه من أفكار، بقدر ما الخوف يتربص بمن يتبع أحدها، خوفاً على مصيرهم من التهديد والضياع، خاصة وأن السلاح والرصاص في هذا الوقت ينطقان ويخرسان الحق والعدل والحرية...
    لذلك الفعل الماضي جاء خادماً وديعاً للحدث وهو يقظة النفس من تخبطاتها، وجاء بمسافة زمنية متراكمة من التخبط، لتكون هذه المسافة مرحلة كافية تلائم عملية التنقل من تيار لآخر وثم افتعال عملية اليقظة...
    ومن هنا يعبّر الكاتب بما هو يجلد الواقع من ألم، وقد أُخرست الألسن والأفعال الصالحة عن استقامة المجتمعات وتصحيح مسارها..

    /ذهب يسارا فاصطدم بأفكار اليسار؛ وذهب يمينا فاصطدم بأفكار اليمين./

    هنا الفرد في المجتمع يقع بين سلاح ذو حدّين، وتحت ضغوطات الأحزاب والتيارات التي تحمل أفكار اليمينية و اليسارية، وفي كلاهما يتخبط المواطن العربي بينهما ظانّاً أنه قد اصطاد ما يلائم وجهة نظرة ويتطابق مع أفكاره وأفعاله..
    وهذه التيارات تفرض أفكارها بحجة المصلحة العامة للأفراد والمجتمع.
    فأصحاب وأتباع التيار اليميني، غالبا ما تنادي بتعزيز هيكل النظام الراهن، وهم يدعون إلى التدخل في حياة المجتمعات للحفاظ على التقاليد المعاشة فيه، على العكس من تيار اليسار الذي يدعو إلى إلى تغيير جذري للأنظمة والقوانين الحالية..
    بين عملية اتباع أفكار اليمين واليسار تتمثل عملية الذهاب والالتحاق بكل حزب منهما، والمسافة الزمنية غير محددة، خاصة وأن الناطق بالزّمن هو فعل ماضي/ذهب/ ثم عملية الاصطدام هي التي جعلت لاتجاه الفرد أن تتحول من يمين لليسار أو العكس، والاصطدام هي عملية احتكاك فعلي ما بين اتجاهات الفرد واتجاهات الفئة التي التحق بها الفرد، مما أثار ذلك شحنة غضب الفرد ليحوّل منظومة انتمائه للأفكار الأخرى، وبهذا الاصطدام الذي تعرّض له الفرد من الطرفين اليمين واليسار، كانت عملية موجعة ومؤثرة، خاصة وأنه وقع في تجارب الحزبين، ليجد نفسه كالكرة يتقاذفانه الطرفان..ليدخل في حالة صراع دامية للنفس والفكر والعمل..وهكذا مصير كل مواطن لا يتقن الاختيار بالفكر والقرار السليم، فيقع في دوامة تكبّله وتضيّق عليه الحياة..
    ثم يكمل الكاتب بقوله:

    /وبين السبيلين تقاطرت عليه الاتهامات بالتطرف ؛ فجثم على ركبيتيه ينزف ألما ./

    من الطبيعي للفرد في المجتمع أن يعيش في حالة صراع مع الآخر، لأنه من ناحية أنه بحكم ضعفه وعدم ثباته على المبادئ والقيم في اتخاذه مبدأ واحداً يدافع عنه ويؤمن به، نجده في حالة صراع حادة تزعزعه وتضطرب حياته ليتنقل من تيار لآخر..ومن ناحية أخرى نجده يتعرض للاتهامات التي تنكّل به وتحبطه ليقع صريعاً مع عمق ذاته وهو يمارس عملية الاستسلام الحاد فيها وهو يقع فريسة الألم والوجع على ما آلت نفسه من قذفه بالتطرف، وقد أدرك حينها وهو منهار جداا، أنّ إرضاء الناس غاية لا تدرك، مهما قدم لهم فلن يرضيهم إلا من رحم ربي..
    عملية الانهيار الذاتي والفكري، جعلته في محاولة لمحاسبة نفسه عن طريق ما وصفه الكاتب /فجثم على ركبيتيه ينزف ألما ./ لأن جلوسه على ركبتيه دليل كبير على وصوله لقمة الوجع والانهيار..لأن الفعل الماضي /فجثم/ جاء دقيقا متقنا لعملية الوصف لحالته المنهارة، لأن معنى فعل/جثم/لزم مكانَهُ فلم يَبْرَحْ، أَو لَصِقَ بالأَرضِ، والتصاقه بالأرض والطين تعني عدم وجود فسحة أمل تنقله لظل السماء، لأن العلو إليها لا يكون إلا بشحن الذات بنور الله والبصيرة التي تدير معالم فكره وروحه نحو التطهر من علق الأرض وأهلها..
    لذلك كان من جماليات هذه القصة القصيرة جداً، أنه فتح الكاتب نوافذ الأمل عن طريق ربطها بالخالق، بنور الله الذي يجلو كل عتمة وديجور، ويلغي الترابط مع تيارات الظلم وعلق البشر، لأن نور الله هو الذي يخلّص الروح من سوادها وتخبطاتها، لتستقيم وفق ما يحمل الفرد من اتباع للشريعة الحقة، وبقدر تفاعله بالعمل الصالح نتيجة دعم الروح والفكر بما يرضي الله تعالى..
    حيث يضيء الكاتب بحروفه نحو قبة السماء للمتلقي بقوله:

    /ثم شعر بيد مبسوطة تربت على كتفه ؛ يقول صاحبها بصوت خافت " لا تخف . فقط كن مع الله "... /

    هنا كانت عملية الوعظ والتوجيه والإرشاد من يد حانية تربّت على كتاب الله العقيدة الصحيحة التي توجّه الفرد نحو إصلاح نفسه، ثم إصلاح المجتمع، لأن الفرد لا يمكن أن تصلح نفسه وروحه وفكره إلا إذا اتبع قوانين وشريعة السماء، وهذا ما ينقصنا في عالم بات يعجّ بالفساد والابتلاءات والمحن والأمراض..
    لنكن مع الله تعالى في معاملاتنا وأفكارنا وكل مناحي الحياة، حتى نخرج النفس من اتباعها للهوى والملذات..
    الأرض تضطرب من فساد البشر وسوء أعمالهم، وكم تحتاج منا أن نطهرها من رجس الطغاة الذين يحكمون البلاد..
    عملية التوجيه هذه هي الطريق الوحيد للتخلص من قاذورات الدنيا وملذاتها التي تجعلنا ننخرط في مسالكها الشائكة وننحرم من جنة الله تعالى..

    الكاتب الشاعر الأديب الراقي
    أ.البكري المصطفى
    بورك بقلمكم النّفيس الذي ينسج العبر والمواعظ والتوجيه والإرشاد لإصلاح الفرد في المجتمع ليعمّ إصلاح المجتمعات..
    رفع الله شأنكم ورضي عنكم ووفقكم لما يحبه ويرضاه
    .
    .
    .
    .
    جهاد بدران
    فلسطينية
  • جهاد بدران
    رئيس ملتقى فرعي
    • 04-04-2014
    • 624

    #2
    النّص : أسبوع
    النّاص : محمد مزكتلي
    القراءة : جهاد بدران
    ...................

    النّص :

    أسبوع..

    شُبار:
    أحِبهُ، وسأفعلُ ما يحب.
    أول:
    يحبني، و سيفعلُ ما أُحب.
    أهون:
    لِمَ لا يفعل ما أُحب!؟.
    جُبار:
    لن أفعل ما يُحب.
    دُبار:
    لِيفعل ما يشاء.
    مؤنس:
    سأفعلُ ما أشاء.
    عروبة:
    سأُرغِمُهُ على ما أُريد.
    ..............

    القراءة :

    يا لهذه اللوحة من أبعاد وتأويلات بحجم أمة وأكبر من وطن..
    نقد لاذع ساخر على مراحل أسبوع بأيامه التي ذكرها الكاتب من أسمائه من عصر الجاهلية..
    والتوظيف لهذه الأيام يعطي دلالات عظيمة تقبع بين واقع أعاد سربال الجاهلية اليوم بكل اتجاهاتها وما حملت من طقوس الجاهلية بين أحضان مجتمع عاد يتراقص على أوتار الوجع باتباعه عقلية جاهلية ويعيد لها وجهها بدم عربي جاهلي يصارع بعيداً عن الدين والشريعة ..ويتجاذب رحى العيش بلباس جاهلي متقن..
    فالكاتب هنا استطاع بحرفيته وذكائه أن يوظف لهذه الأمة اليوم مصطلح جاهلي بحت عن طريق الرمزية الواضحة من خلال أيام الأسبوع الذي عددها الكاتب وما يحمل بين طياته كل يوم من أيام الأسبوع..
    وكأنه لخّص الواقع اليوم بإعادته لمضمون وأهداف جاهلية ولكن بأسلوب متفرد يضطر المتلقي بذل الجهد في تفكيك شيفرته المعقدة من خلال قراءة الواقع ومقارنته بالعصر الجاهلي..
    أسبوع هو أياما كان يرصدها العرب في الجاهلية ويلائمون تسمية اليوم وفق أحداث القمر والنجوم..وقد ألبس الكاتب لكل يوم خلاصة ما يحدث من قديم الجاهلية ويربطه بواقع اليوم وكأنه عملية إعادة للأحداث وتدويراً لها بحلّة جمالية متقنة جاءت بشكل حوارية ذاتية ناطقة لرمزيات مختلفة وتأويلات متعددة..تفتح مجالاً للخيال أن يرسم حدود المغزى بما يصل إليه الفكر وما يحلله الذهن من تناسلات إبداعية وضعت الكاتب محل إعجاب بما نسج من حروف عبقة فاحت جماليتها في عقلية المدرك للواقع المرير...
    من خلال العنوان..أسبوع..
    جعل المتلقي يفكر ملياً بما يهدف إليه الكاتب ويناقش فكره بالفكرة المركزية لصنارة الكاتب..
    ليصطاد حينها المتلقي من ذهن الكاتب بعض خيوط النص وتحويلها لمنظومة توافق الترابط ما بين عصر التكنولوجيا والعلم وما بين عصر الجاهلية والحروب والقتال ..
    عملية طرح أيام الأسبوع والحوارية الذاتي التي تناقش عملية الحب التي عرضها الكاتب تحت دائرة الشك وعدم اليقين في منظومة الحب في الجاهلية وفي عصرنا اليوم..والشكوك التي لامسناها من خلال الحوار الذاتي لكل يوم من ايام الجاهلية إنما هي حب لكل مقومات الحياة بكل أنواعها وأجناسها ..وكان الحب قديما يعشش في الفكر والقلب وكان التعامل فيه من أولويات المجتمع..لكن مع توضيح الكاتب لباقي الأيام والصراع الموجود في المجتمعات من خلال قوله ..(سأفعل ما يحب/لن أفعل ما يحب/ ليفعل ما يشاء/ سأفعل ما أشاء)
    هذه المنظومة ينبثق منها سلسلة تقطعت أوصال الحب بينها وتمزقت معها شرايين العلاقات الإجتماعية وأواصر العيش الآمن..من خلال تفكك الحب بين أبناء الأمة والذي هو يبني عالماً متيناً إذا ما اكتملت أواصره بين فئات المجتمع الواحد..وهذا ما جعل سلاسل العلاقات الإجتماعية تتكسر مع اختفاء معالم الحب والود..ليصبح كل فرد يعيش لعالمه الخاص ..لا تربطهم مودة ولا محبة..ليكون في آخر أيام الأسبوع واسمه (عروبة) كقول الكاتب:

    ( عروبة:
    سأُرغِمُهُ على ما أُريد)

    وربما أراد الكاتب من هذا اليوم (عروبة) كناية عن العرب اليوم والعروبة التي باتت بالعراء من كل خصال الإنسانية ليكون الناتج كثرة المذاهب والطائفية والتمزق والقتل والحروب..ونكون في واقع أصبح قادتنا وحكامنا تحت ما قاله الماتب في جملته الأخيرة ( عروبة: سأُرغِمُهُ على ما أُريد)..
    وهذه النتيجة التي حصلنا عليها من حكامنا تحت نصل الصمت وسيف الظلم ..وإرغامنا بما لا نريد لتحقيق أهوائهم وتنفيذ مآربهم..
    عدنا لجاهلية بغضاء لم تسعفنا التكنولوجيا والفكر المتجدد اليوم للمساهمة في إنقاذ البشرية من جهالتهم وظلمهم بالرغم من وجود نور الله بين أيديهم..
    تركوا العلم والثقافة والتطور تحت أقدام شهواتهم ليتحلوا بسفك الدماء وإقامة الظلم والإستبداد وإرغام الشعوب في اختيار حاكمهم وإن كان لا يفهم نطق كلمة أو جملة مفيدة..
    ولا حول ولا قوة إلا بالله..
    والله المستعان على هؤلاء الجاهلين الذين أعادوا نظام الجاهلية بين واقعنا اليوم دون التعامل مع لب الفكر والقلب والإحتكام بشريعة السماء...
    ...
    الكاتب القدير المبدع الراقي
    أ.محمد مزكتلي
    نقلت لنا لوحة فنية راقية أخذتنا لشمس المعرفة والثقافة والتعمق بين أسرار الحروف وجماليتها..فقد منحتنا الإطلاع بين مغزى الحرف وأبعاده وجنّدت حواسنا للإنطلاق نحو السمو والمكوث بين دفات الفكر بما حمل من أفكار ودلالات..
    بوركتم وقلمكم المبدع وما نسج لنا من فن راقي متألق..
    وفقكم الله لما يحبه ويرضاه
    .
    .
    .
    جهاد بدران
    فلسطينية

    تعليق

    • جهاد بدران
      رئيس ملتقى فرعي
      • 04-04-2014
      • 624

      #3
      النّص : ق.ق.ج
      النّاص : عكاشة أبو حفصة
      قراءة : جهاد بدران
      .................

      النّص :

      ماتت بينهم ، ولا أحد منهم أراد تشييعها الى متواها الأخير... فاحت الرائحة وطار الغراب .

      القراءة :

      ق.ق.ج .
      لله دركم ما أبلغ هذه القصة القصيرة جداً، وما أوجعها في نفس المتلقي، وقد جلدت الروح الأدبية بسيف الإهمال..
      وبما أنها تتحدث عن القصة القصيرة جدا، يعني أننا على موعد من التأثير، أو إحداث التأثير، مؤثر وتأثير..
      فهي مؤثرة بالنفس من ناحية بنائها وتراكيبها البليغة، وما تحت السطور من معالم وخفايا، ثم بعد السبر بين أغوارها، نجدها قد أحدثت تغيير في المحافظة عليها وإعادة تدويرها من جديد بآليات وطرق جديدة وتكثيف الدروب المؤدية لها..

      هذه اللوحة البارعة في نظمها وتراكيبها، أخذت حصة كبيرة من التفكير العميق والخيال الخصب، وهما بين أروقتها العذبة..
      فالكاتب امتلك قدرة التأثير من خلال هذا النسيج المتقن وربطه بالواقع ليكون محطة توجيه من جديد نحو منظومة القصة القصيرة جداً، وتمّ ربطها بالقصص القرآني من خلال ربط قصة الغراب بالنّص، ليدعم فكرته وما حملت من معاني لتدعمها أيضاً بقوة التراكيب وجماليات المحتوى..حيث قال تعالى وهو يحدثنا عن قصة هابيل وقابيل وإن كان بتسميتهما خلاف، قال سبحانه وتعالى:

      {فبعث الله غرابًا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين} المائدة/31...

      وهذه القصة بقوتها وما حملت من العبر والمواعظ في النفوس، وما صدر عنها من قواعد حياتية وقوانين ضمن شريعة الله، جاءت تخدم حالة قتل القصة القصيرة جداً أو ممكن أن نقول بتعبير آخر أكثر دقة هو إهمالها، والإهمال في كل شيء، يؤدي للموت أو الكسر أو انتشار العلل في الشيء المهمل، حتى يصل لمرحلة الذّوبان..
      وبما أنّ الكاتب يحدّثنا عن نوع من أنواع
      الأدب الذي انتشر مؤخراً، وهي القصة القصيرة جداً، هذا نابع من غيرته واهتمامه ووجعه الكبير الذي يجلد المشاعر بغياب أهلها ومن يهتمون بها..
      فقد استحضر في هذا النّص، أوصافاً تحيلنا للقصص القرآني وما يحمل من نفحات الوعي والعظة والعبرة، كي يهزّ قلوب المتلقين القراء والأدباء لأهمية هذا النوع من الأدب المعبر، والذي يفتح مغاليق الذهن لانطلاقات خيالية وتأويلات مختلفة بهدف إيجاد المنفعة للمتلقي، وتشييد منارات ضوئية تحمل النور كي يفجّ زوايا الظلام عن الأذهان، ويعتق الأرواح من السواد الذي يكلل العقول والقلوب...
      يبدأ الكاتب نصّه بقول:

      /ماتت بينهم/

      إن عملية اختيار الألفاظ وتنقيتها بإتقان، يجعل للذهن عملية تحريك قوية وتدبر وتأمل، فقد قال/ ماتت بينهم/ ولم يكتفي بقول/ماتت/ لوحدها، بل اقترن الفعل الماضي/ماتت/ بظرف مكان/بينهم/ وهذا الظرف ساهم على عملية التأكيد بأن لهذه القصة وجود حتمي بين مجموعة من الكتاب وغيرهم، لأن تحديد المكان يدل على وجود حيّز لها في حقبة مكانية كانت تعيش فيها، وهذا كناية عن قول الكاتب أن القصة الصغيرة جداً هي كانت في وجود مكاني بين الأدباء والكتاب، وتعيش بينهم..
      لكن الموجع هنا من خلال ما احتوت الحروف من معالم الوجود، أن القصة هذه ماتت بينهم، ولم يكن الموت طبيعياً دون أسباب تؤدي لتلك النهاية التي حدثت بفعل فاعل، وهو الإهمال الشديد لها من الأطراف المحيطين بها، مما أدى لموتها الموجع...
      وأصعب موت ويحاسب عليه من له شأن في ذلك، هو هذا الموت أمام مرأى من الجميع، دون محاولة من أحدهم رفع الألم والوجع عنها حتى لا تصل لذلك الوضع الخطير..
      يكمل الكاتب لوحته بقوله:

      /ولا أحد منهم أراد تشييعها إلى مثواها الأخير../

      في هذه الكلمات، تأكيد على ذلك الإهتمام والإعتناء بها، وعدم المشاركة في عملية التشييع لمثواها الأخير وهي دفنها لمستقر أبدي..
      من خلال كلمات الكاتب هذه، يأخذنا التأويل لاتجاهين في تحديد فرضيتين:

      الفرضية الأولى: في عدم إرادة أحد في التشييع، ربما بسبب التجنّي عليها وإهمالها وشعورهم بأنهم الجناة في موتها، مما يولّد الشعور بأنهم السبب في ذلك، ليكون من ردة فعلهم عدم التشييع..

      والفرضية الثانية:
      في عدم إرادة أحد في التشييع، حتى لا يكونوا ممن يكتبهم التاريخ في موتها، وحتى لا يشعروا بعقدة الذّنب في دفنها،
      لذلك الامتناع كان كفرجة ضوء بعدم الاشتراك في عملية الموت..
      يكمل الكاتب بنهاية اللوحة المميزة البليغة:

      /فاحت الرائحة وطار الغراب/

      /كلمة فاحت الرائحة/ هي أكبر دليل على دفنها وتركها بإهمال مطبق، نتيجة عدم الغيرة والإسراع في دفنها، بمعنى أنهم بعد موتها لم يُحدثوا لها ما تبقى من عملية الاهتمام وإجراء طقوس للذكريات لها ولأهميتها، تركوها حية وتركوها بعد موتها حتى فاحت رائحتها، فلم يكرمونها حقها، حتى /طار الغراب / والذي كان من الأوْلى له أن يبحث لهم عم رض تستحقها لإكرامها في مواراة جسدها، فقد طار الغراب لأنه يعلم حق العلم أنهم يعرفون طقوس التشييع، لا كما بحث عن تراب وأرض ليواري جسد هابيل، الغراب ذكي وأذكى مما نتصور، فقد جاء عن رائحة الجثة كي يذكرهم ويعلمهم أصول التعامل مع الميت..
      الغراب الذي استحضره الكاتب هنا، كان لفتة فنية بليغة لا تخطر على بال أحد، إذ وظّفه في خدمة ودعم خقيقة الإهمال التي ينتج عنها عملية الندم وحيث لا ينفع النّدم...

      الكاتب الراقي البارع
      أ.عكاشة أبو حفصة
      لقد نسجتم لوحة فنية بارعة بكل أبعاد الجمال والبلاغة وقد أتيتم بصور فنية جديدة زادت من القصة القصيرة جداً إبداعاً وسحراً..
      بورك بكم وبقلمكم الرشيق وفكركم الواعي..
      وزادكم بسطة من العلم والنور والهير الكثير..
      .
      .
      .
      .
      جهاد بدران
      فلسطينية

      تعليق

      • جهاد بدران
        رئيس ملتقى فرعي
        • 04-04-2014
        • 624

        #4
        النّص : على هامش الاغتراب
        النّاص : البكري المصطفى
        قراءة : جهاد بدران
        ..................

        النّص :

        قَدِمت على استحياء تجر ذيول آمالها ؛ بخطى حثيثة تواكب عقارب الساعة ؛ فصادفت القوم في هرج ومرج متنكرين، اغرورقت عيناها بالدمع . قال بعض المارين : " من أين أتيت ؟ " قالت : " من كل بلاد الاسلام ؛ من كل أرجاء الدنيا ، من شمالها إلى جنوبها ، من أقصاها إلى أقصاها . قال : " وكم ضربت في الأرض ؟ " قالت : " ما يناهز خمسة عشر قرنا " جحظت عيناه؛ وفغر فاه لهول الصدمة ، ثم قال بصوت مبحوح : " وما اسمك ؟ " قالت : " أنا سناء الهجرية .


        القراءة :

        التقاطة فذة ووعي وإدراك في تجميع الفكر العميق في إطار يبعث من العنوان ما يجري في صفحة الأمة الإسلامية وجهل الكثير من المسلمين السنة الهجرية...
        /على هامش الاغتراب.../
        عنوان مكتظ مثخن بالوجع على ما حلّ بالأمة الإسلامية من غربة لأحداث وسنوات ومعارك تعتبر انطلاقة فخر وشرف، لا أن تكون على هامش غريب وفي نطاق غربة يأكل من ذروتها القاصي والداني، وهذا يجعلنا نعيش في تجاهل يسوقنا نحو الغرب لنتحلى وننقاد خلف سنتهم الجافة ونحتفل معهم في زيفهم وظلمهم وأعيادهم ، ونترك التي بها نفخر ونعتز لتكون محل غربة حقيقية يجهلها الكثيرين..

        /قَدِمت على استحياء تجر ذيول آمالها ؛ بخطى حثيثة تواكب عقارب الساعة ؛/

        الكاتب بدأ لوحته بقدومها على استحياء، وهذا وصف بليغ أشعرنا باستخفافنا لسنة هي الركيزة الأساسية التي تواكب عقارب الساعة..والتي جاءت وقتها بقوة من عصر الهجرة..لكن أن يصفها الكاتب بقدومها على استحياء، هذا وصف دقيق في نطاق المعاملات اليومية التي لا تقوم على السنة الهجرية ويتخطونها بالميلادية، فكأنها تستحي من قدومها لأنها جاءت أمام أقوام غرباء عنها لا يتعاملون بها وقلوبهم قد تركت آثارها وتجلّت للميلادية راقصة محتفلة بما فيها. لكنها بالرغم من قدومها على استحياء إلا أنها جاءت /بخطى حثيثة تواكب عقارب الساعة/ بخطى تحث على الصواب في توافقها لعقارب الساعة، وهذا دليل يطرحه الكاتب على شرعيتها وأسسها الثابتة وإن اختلطت فيها المفاهيم والدعم والعمل بها...
        تبقى هي البوصلة في كتابة الأحداث والسنين والتاريخ هو عنوانها المبجل..

        /فصادفت القوم في هرج ومرج متنكرين، اغرورقت عيناها بالدمع ./

        الكاتب استعمل وصف المتنكرين، لقوم يعرفون حقيقتها لكنهم لها مبعدين عن حفظها والعمل بها، خاصة ما فعله الغرب في سلخ الفكر الإسلامي من عقول الضعفاء شأنهم، والذين يطيشون على وجه الجهل وقلة الوعي، ولا يعتزون بأمجاد أمتهم وراياتها البيضاء، ولم يتعلموا أبعاد هذا الدين وشريعته التي تنبع من أعماق السماء والنقاء، استطاع الغرب أن يجندوا من جنودهم ما يدعم الاغتراب الفكري والسياسي والذاتي، وقد غيروا بوصلة الإنسان المسلم الضعيف نحو قبلتهم العمياء، حتى ساد الظلام الأرض، وكسّروا العدل والحق ليتماشوا وفق أهوائهم ورغباتهم..

        /قال بعض المارين : " من أين أتيت ؟ " قالت : " من كل بلاد الاسلام ؛ من كل أرجاء الدنيا ، من شمالها إلى جنوبها ، من أقصاها إلى أقصاها ./

        هنا الأسئلة المطروحة، دليل على عدم معرفتهم العميقة والحقيقية لها، وهذا الطامة الكبرى، حيث أصبح الدين غريباً عليهم..
        كان بالإمكان اختصار منابع القدوم، على حالة أو حالتين، لتكون محصورة بقوة أكثر..
        وهذا الشرح عن الجهات دليل على توسعتها في كل أقطار الأرض، وأنها موجودة في كل مكان...لكنهم عنها غافلين..

        /قال : " وكم ضربت في الأرض ؟ " قالت : " ما يناهز خمسة عشر قرنا " جحظت عيناه؛ وفغر فاه لهول الصدمة ، ثم قال بصوت مبحوح : " وما اسمك ؟ " قالت : " أنا سناء الهجرية ./

        الأسئلة ومعرفة عمرها، وأنها من قرون موجودة، وهم لاهين ، جعلهم الكاتب في تعجب حتى السائل فغر فاهه، دليل على عمق الغفلة والهوان عنها..
        وهنا استطاع الكاتب أن يوظف الأحداث ضمن ترتيب بنائي للتراكيب اللغوية والتي خدمت أبعاد المعنى بشكل يعيد للتفكر والتدبر معالمه وتوسعته، وإعادة الفكر هنا دليل على إعادة الصحوة من جديد، ودليل على أننا بحاجة ماسة لبرمجة تفكيرنا وأساليب حياتنا، وإيقاظ الضمير والصوت..
        والصوت المبحوح دليل على الغصة التي جاءت من خلال معرفة التقصير نحو أحداث ومعالم إسلامية المفروض أن تكون من أساسيات كل مسلم يفتخر بدينه..

        الشاعر والكاتب الكبير البارع
        أ.البكري المصطفى
        قدمتم لنا تحفة فنية راقية، بأهداف ومضامين متينة تشير على قدرة هذا الفكر والوعي لتحويله لمجسات نبض للمتلقي بكل أطيافه، كي يعيد المفاهيم والأسس لقواعدها الأصلية، ويعمل على ترسيخ المفاهيم الصحيحة في العقول وتجسيدها على أرض الواقع، فلا نقع فريسة الجهل وعدم الوعي ونتراكض وراء المسميات البراقة التي هي ليست الأصل، وهذه مسؤولية كل مسلم وعربي في حدود الأمة الإسلامية التي تناشدنا لنكون أكثر وعيا وعملاً بتاريخنا العريق...
        بورك بكم وبقلمكم الواعي وحسكم الديني وبقدرتكم العظيمة في تحويل قبلة الحرف لمحركات الذهن للسير وفق نظام مستقيم لا اعوجاج فيه..
        حفظكم الله ورعاكم ورضي عنكم وأرضاكم
        .
        .
        .
        .
        جهاد بدران
        فلسطينية

        تعليق

        • جهاد بدران
          رئيس ملتقى فرعي
          • 04-04-2014
          • 624

          #5
          النّص : مرآة
          النّاص : فاطمة الزهراء العلوي
          القراءة : جهاد بدران
          ...................

          النّص :

          وقَفَ طويلا يُحدّق في وجْهِه أمام مِرآة مُتشَققة
          لمَحها قادمة ، سَدّد ضَربَة قوية
          سَقط وجْهَه شظايا .. و اختفت شُقوق المِرْآة.


          القراءة :

          مرآة....
          عنوان بدون أل التعريف، مما يجعلنا نستنبط من فحواه أوجهاً كثيراً، تحمل دلالات متنوعة ومختلفة التأويل، وهذا يمنح القصة القصيرة جداً منافذ عديدة للدخول تحت مجهر التحليل وبين شيفرة التشريح لأبعاد نخمّنها من باب حكّ الذهن وتحريك معاول الفكر، كي تنتج لدينا وجبات دسمة من بين أوجه هذه اللوحة الفنية.
          الجمال يكتمل حين يحركنا الحرف بعملية البحث والتنقيب عن أسراره، كما هو الحال بين طيات هذه الحروف..
          لنبدأ من أول الغيث في الفعل الماضي وصفته التي تملي عليه آثاره الواضحة

          / وقف طويلا/

          عملية الوقوف طويلاً تملي على المتلقي أنه بين حدث يستحق هذا الوقوف، بمعنى أن هناك أمرٌ يستوجب الوقوف لأهميته ومهابته، الوقوف طويلا، يعني التأمل/ التدبر/ التفكر/ المحاسبة/ الصراع بين جهتين متواجهتين/ التمهل قبل الشروع في العمل/ إعادة تدوير الوضع لإيجاد حيثيات التغيير/إلخ...
          من هنا يمكننا مسك طرفي المغزى للدخول في قعر المحتوى للوصول لفوهة المراد من المرآة وما حوته من معالم جمة..
          /وقف طويلاً/ لهدف ما لحدث عظيم يمكن أن يكون بداية تغيير وطريق نحو التفرد أو التمرد..
          لذلك تأتي أسباب الوقوف طويلاً بتوضيح الكاتبة بقولها:

          /يُحدّق في وجْهِه أمام مِرآة مُتشَققة/

          كي تعطينا بعضاً من خيط المغزى، لنجدله بتمعن بين جهات الفكر للوصول نحو الهدف..
          تتطرق الكاتبة في عملية الوصف بفعل مضارع اتخذته بدقة، ذريعة إيصال عناقيد الفكرة بفحواها المشبعة، وهو الفعل
          / يحدّق/ فهي لم تقل /ينظر/، بل اختارت فعل يحدق بعناية تامة، لأن النظر يختلف عن مفهوم النظر بإمعان وقوة اختراق المراد من النظر وهو تلك المرآة المتشققة، فالنظر وصف عام يمكن أن يحمل اللامبالاة من رؤية المناظر، كمرور عابر للشيء، لكن التحديق، هو عملية تركيز شديدة للشيء المقابل، وهذا يمنح الكاتبة صفة البراعة في اختيار الألفاظ وصفة العناية في تجميل النص وإغداق الفتن على ملامحه الظاهرة والباطنة..
          /يحدّق في وجهه/ من هذه المعالم تتضح لنا صورة المذكر هنا، وهو بدوره يختلف عن المنث التي من صفة الأنثى التحديق طويلاً في المرآة لأهداف جمالية أو عتاب للجمال، لذلك لمجرد الحديث بصيغة المذكر، هذا يعطينا مؤشرا نحو الأهمية في الفحوى والمحتوى..
          فالمذكر حين يحدق بتمعن في وجهه في مرآة متشققة، لها دلالات عظيمة تومئ بقادم ذي أهمية مختلفة المعهود..
          عملية التحديق في الوجه، هي بحد ذاتها بداية الصحوة على النفس وأعماق الذات، بداية التنبّه بآثار النفس الموجعة، لأن التحديق بالنسبة للمذكر هو عملية تركيز شديدة على أعماق الذات وليس على الشكل الخارجي، لذلك جاءت المرآة المشققة وسيلة وأداة لتعين وصف الحالة القائمة من وراء هذا التحديق العميق..
          حينما نحدق في الوجه، يعني التحديق في معظم الحواس وما تأخذنا كل حاسة نحو معالم الذات وارتباطها بواقع الحال، فالمرآة المتشققة هي عملية انعكاس ذاتي منبعث من هذه الحواس المرتبطة بالحياة، شروخ كثيرة في الذات انعست من خلال قلم الكاتبة لتبرز لنا ذلك الوجع المدفون عميقاً والذي ظهر مع عملية المواجهة مع الذات من خلال عملية التحديق هذه..
          للمرآة دلالات وتأويلات وإيحاءات فلسفية وجمالية عدة:
          فهي تعكس العالم الداخلي للإنسان، من خلال سطحها العاكس، فهي عملية انعكاس للصورة الماثلة أمامها، انعكاس للصورة الأصل، أو أن تكون مرآة كما أراتها الكاتبة رمزبة مجازية، تقوم بتشريح الصورة الأصل، لأبعد من التفسير السطحي..
          لذلك المرآة تخدم الأدباء والشعراء والفلاسفة وغيرهم، كرمز للتحقق من الذات ومعرفتها، وكرمز لعملية التغيير وتصحيح مسار الحياة والذات، من أجل السمو والرفعة والتطهر من علق الأوساخ الراسخة في قعر الحياة..فهو انعكاس للذات وللأنا المتسلطة وأسرارها وأبعادها الجوفية العميقة الداخلية، وأحيانا تكون المرآة كرمز للخداع، إذ تصور الشكل الخارجي دون عمق الشكل الداخلي...

          لذلك ربما كان من صورة المرآة المتشققة والتي أظهرتها الكاتبة، حين اصطدم وجه المحدق الداخلي بالحقيقة الظاهرة والتي كانت ترمز لها المرآة، إنما هي عملية وجع الذات المحطمة من أثر الآخر، والذي باغتنا بظهوره على هيئة أنثى ، كانت هي السبب في هذه التشققات والشروخ، والذي يدعم ذلك قول الكاتبة:

          /لمَحها قادمة ، سَدّد ضَربَة قوية/

          هنا كانت الضربة قوية جدا حين لمحها قادمة، والتي كانت سبباً لهذه التشققات، وكأنه بلمحه إياها أعاد الجرح والذكريات المؤلمة، ليكون للضربة ردة فعل قوية، لتغيير الحال الماضي بحاضر مختلف..
          نلاحظ من فحوى الفعل/سدّد/وكأنه في حلبة صراع، ترتكز على منافسة بين اثنين، وهذا بحد ذاته يعطينا مؤشر التحدي والتنافس، فإما ربح وإما خسارة، وهذا التحدي هو الذي استجمع للضربة القوة، ومن حجم المعاناة ومسّ الحاجة نبعت قوة التحدي، ليكون نتاجاً واضحاً بإحداث تغيير ما، ألا وهو كما قالت الكاتبة:
          /سَقط وجْهَه شظايا .. و اختفت شُقوق المِرْآة./
          يأتي هنا معاني انعكاس الباطن للخارج، وتبادل انعكاسي بين أعماق النفس وارتباطها بالتصرفات على الشكل الخارجي العملي..
          سقوط الوجه هنا جاء بعد لمحه إياها وتسديده الضربة القوية التي تعتبر كناية عن قمة الوجع المغموس في الذات، ليخرج عن طريق تحريك الذات بمعول رؤبتها..
          دائما ما نفسر عملية السقوط بمنحى سلبي جدا، بعكس السقوط الذي ظهر هنا..فالسقوط جاء نتيجة لإصلاح النفس والقلب، كأنّ الكاتبة تومئ لنا بأنه مع عملية الانكسار تولد الحياة، وكأنها تريد إيصال عبرة وحكمة وموعظة من أن الانكسار هو محطة لتوليد الحياة والبناء من جديد، ويعطي نافذة الأمل لترميم الذات عن طريق محو شظاياه التي كنت قد تعلقت بوهمـ ما أو شخص ما، لذلك سقوط الوجه والذي يشير لملامح الشخصية وانفعالها، جاء لينهض الفرد من جديد، بإشارة من الكاتبة بأن شقوق المرآة قد اختفت تماما، أو أن الكاتبة أرادت توضيح العلاقة الصريحة من خلال انكسار الذات وارتباطها بالتصرفات الخارجية التي تتأثر بذلك وتنكسر علاقتها عند الاحتكاك بمن نراهم وجها لوجه...
          لذلك كانت الدهشة عظيمة في بناء القفلة، والتي تعتبر فنّا عظيما قد بُني بإتقان وبراعة..
          القفلة كانت محطة الإبداع والسحر والجمال، تستحق أن نؤلف عليها كتباً قيمة...
          من سقوط الوجه والملامح الموجعة لم تعد المرآن تصوير حاله، وعادت كما كانت من قبل...
          الحالة الفنية العجيبة التي استحدثتها الكاتبة هي اقتران المرآة وتشققها بشظايا الوجه، وكأنهما صورتان لعملة واحدة، وهذا دليل على الإتيان بالبراعة والذكاء في تحصين مملكة حروفها بأعمدة من القوة والمتانة والتخطيط في بناء مملكة قصتها القصيرة جدا..
          كيف يسقط وجهه شظايا، إلا إذا كان الوجه حساسا شفافا رقيقا يعكس شفافية العواطف ورهافة الحس، ليسقط شظايا كالزجاج كناية عن الرقة والتأثير وزيادة الحساسية من الآخرين.. فتختفي شقوق المرآة حين يستقيم الشخص بتصرفاته وينقي أعماقه وقلبه ونواياه، ويحسن التصرفات مع الغير حينها تتحسن صورته عند الآخرين وتعكس صورة جمالية مختلفة تعبر عن جمال الروح، وكأن المرآة كانت رمزا للآخر أو المجتمع..

          الأديبة الكبيرة الراقية البارعة في نسيج فني متين
          أ.فاطمة الزهراء العلوي
          لقد رسمت لنا لوحة إبداعية متفردة تقبل التأويل بكل السبل، ، ولا تنقسم ببنائها مع أحد..متفردة في الرسم والبراعة..
          معزوفة حروف أطربت الفكر والتفكير والخيال، وهي تعزف على الجمال صورة نفيسة مثمرة..
          وفقك الله حبيبتي ورعاك وسدد خطاك لرضاه
          .
          .
          .
          .
          جهاد بدران
          فلسطينية

          تعليق

          • جهاد بدران
            رئيس ملتقى فرعي
            • 04-04-2014
            • 624

            #6
            النّص : تحتَ الرَّمادِ
            النّاص : محمد مزكتلي
            القراءة : جهاد بدران
            ....................


            النّص :

            شَدَّتْهُ بقَسوةٍ من قميصِهِ، فَتمزَّقا.
            في اليومِ التّالي اشتَرَت لَهُ قَميصاً جَديداً.
            تأَمَّلَها بألَم...لَو أنَّكِ رَفَأْتِ جُرْحَ القَميصِ الممزَّق؟.


            القراءة :


            تحتَ الرَّمادِ
            ما أبلغ هذه القصة القصيرة وما تحمل بين ثناياها من عبر وحكم..
            كل حروفها منسوجة بإتقان وتراكيبها دقيقة جدا استحوذت على مواطن المعاني العظيمة والتي ترقد تحت سقف الحروف القليلة..

            من خلال العنوان نستطيع استدراج المحتوى وإظهار معالم الكلمات بمعانيها الجلية...
            /تحت الرماد/ لنتأمل ماذا يرقد تحت الرماد، وماذا يعني لنا الرماد..
            نحن نعلم وندرك تماماً أن النار التي هدأت لهيبها ، تبدأ بالخفوت قليلا قليلا وتهمد من أثر انطفاء تأججها ولهيبها...
            فعند همودها تتكون طبقة رمادية تعلوها ، وهذه الطبقة تحافظ على بصيص الجمر لفترة معينة ، إلا أن هذا الجمر يمكن له النهوض وعودة لهيبه إذا ما حرّك ساكنه شيء ما أو أحد ما..كرياح شديده تذرو الرماد وتعيد اشتعال النار من جديد..أو تحركه خصومات البشر، وهذا كناية عن الخصومات المختلفة بين الناس باختلاف أصنافها...ومنها العلاقات الاجتماعية وخاصة هنا العائلية وبين الزوج وزوجته...
            لذلك الرماد هو عملية تغطية لاشتعال النار، وركود مؤقت..

            / شَدَّتْهُ بقَسوةٍ من قميصِهِ، فَتمزَّقا./

            كلمة شدّته بقسوة... يدل على أنه تم بينهما شجار ما ، غادر الزوج لينهي الخلاف، فحاولت أن تكمل شجارها ، إلا أنه خوف أن يكبر حجم الألم حاول أن يترك المكان، لتقوم الزوجة بإرجاعه ، /فشدته من قميصه/ عملية الشد هذه تدل على تصلّب رأيها وعدم تنازلها عنه، وعدم وجود لغة حوارية تجمعهما، لم يجمعهما التفاهم والحوار الهادئ، وهذا ما أراده الكاتب ليوصله للمتلقي، أن كثيراً من الحياة الزوجية لا تقوم على الاحترام وتبادل العلاقات والكلام باللغة الجميلة التي تشوبها معاني الحب والهدوء والسكينة والرحمة، بل نجد لغة التفاهم تكاد تكون معدومة، وهذه آفة محزنة تقع بين الأزواج وفئات مجتمعنا المختلفة،
            لذلك عدم التفاهم بينهما جعل الزوجة أن تتحدث معه بلغة العنف حتى تمزق القميص /فَتمزَّقا/ ليتمزق القميص وهذا ليس هو الهدف الأساسي بالقصة بل أراد الكاتب بالفعل تمزقا ، أنهما الإثنان تمزقت بينهما العلاقات والحب الذي يجمعهما...
            إن اللغة حين تكون لغة تفاهم واحترام يجعل الله بينهما المودة والرحمة ، وتشملهما السكينة والوقار، وإن أي إنسان لا يستطيع التفاهم مع الآخرين يكون في دائرة ضعف الشخصية وضعف استحضار اللغة الحوارية البديلة عن النزاع والصراخ..ما ينقصنا في حياتنا فقه المعاملات وفن التعامل مع الآخر، وهذه القصة قدمت لنا هذه العبرة بوضوح...

            /في اليومِ التّالي اشتَرَت لَهُ قَميصاً جَديداً/

            انتقل الكاتب بذكاء لتحويل التفكير بهذه الأحداث ، كيف أنها لم تحدث رد فعل نتيجة عملية التمزق، ليقول لنا أن الحياة الزوجية هي عملية روتينية لا تتغير من لغة خصام ونزاع لحل جذري وتحويلها للغة تفاهم بين الأزواج أو فئات مختلفة في المجتمع...
            عملية الشراء لقميص جديد ، لا يغير من الأزمة إطلاقاً ، لأن الخلافات لم يتم حلها نهائيا وبشكل نهائي، لأن بصيص النار ما زال يرقد تحت الرماد، ليشتعل عند أول هبوب للرياح...
            قول الكاتب في اليوم التالي، دليل على عملية تدوير الحدث وعدم قلع جذوره من الأساس...

            / تأَمَّلَها بصمْت...لَو أنَّكِ رَفَأْتِ جُرْحَ القَميصِ الممزَّق؟./

            تملها بصمت...عملية التأمل بصمت تحمل دلالات كثيرة، إما عجزه عن الإتيان بلغة تفاهم وحوار بناء، وإما صمته ليسكتها فقط دون حل جذري للخلافات، وبصمته على جميع الحالات ليس حلاً نهاي للمشاكل بل هو يطفئ قليلا من نار الخلاف والذي يعود بعد ذلك بشدة أكثر...
            وقال لها لو أنك رفأت جرح القميص الممزق، أرادها أن تصلح الحرح الممزق..من خلال كلمة رفأت والتي تعني لملمة الجرح وإصلاحه، وهذه الكلمة وظفها الكاتب بمهارة عالية وإتقان بالغ الأثر، في كلماته هذه وكأن الكاتب يضع كل اللوم على الزوجة، دون أن يلوم نفسه ويعالج المشكلة بطرق بديلة تجمعهما على فض الخلاف من أساسه، لأن اللوم على شخص واحد يحطم العلاقات التي تجمعهما، فمن الأدب في فن الحوار وفن التعامل ومهارة الحديث لبناء علاقات حميمية بين أفراد المجتمع، يجب أن تكون اللوم يقع عليهما الاثنان ، فلا يلوم الواحد الآخر ، فليس هذا لب المشكلة، إنما حين يسقطان المشكلة عليهما تكون حلها أسهل وأيسر، وهذا يقول لنا أن الحياة الزوجية مقدسة جدا ، حتى ينظر الزوج لزوجته بعين الرحمة والثواب والأجر من الله ، وكذلك الزوجة أن تحفظه بما يرضي الله، فالمسولية في الخلافات تقع على الإثنين معاً ، لأنهما باب لكل توفيق بين أولادهم وعلاقاتهم مع بعض...
            فلا نسقط المسؤولية عن كاهلنا لندبها في ظهر الآخر لنخرج أنفسنا وكأننا برؤاء من كل ذنب ، وكأننا لا ذنب لنا في شيء.. وكل من يلقي اللوم على الآخر ولا يحاسب نفسه يكون هو سبب اشتعال الأزمة بإحساسه هذا المتكبر إن من قبَل الزوجة و الزوج...

            الكاتب الكبير البارع
            .محمد مزكتلي
            بورك بكم وبقلمكم الرشيق على هذه القصة القصيرة جدا والتي حملت عبرا كثيرا ودروسا عميقة في الحياة ..
            جزاكم الله خيرا
            ووفقكم لنوره ورضاه
            .
            .
            .
            .
            جهاد بدران
            فلسطينية
            التعديل الأخير تم بواسطة جهاد بدران; الساعة 21-09-2020, 17:28.

            تعليق

            • جهاد بدران
              رئيس ملتقى فرعي
              • 04-04-2014
              • 624

              #7
              النّص : ثقب الذّاكرة
              النّاص : فرحان بوعزة
              القراءة : جهاد بدران
              ...........................


              النّص :

              اهترأ جسمه من طول قعدته على كرسي خشبي في شرفة منزله.
              بين عمق الصمت وهدوء المكان تتمدد حياة الإشارات.
              يتدلى برأسه إلى الأسفل ..
              ينتظر وينتظر...
              نسي أن جدار الزمن فصل بين الحياة والموت.

              .....................

              القراءة :


              ما أجمل هذه القصة القصيرة جداً..
              ورغم قصر حروفها إلا أن حجم ما طوته بين السطور من تأويلات وأبعاد مختلفة تفوق أضعافاً مضاعفة مقارنة مع عدد كلماتها..
              وهذا هو سر الجمال في الومضة الحكائية التي ترتدي ثوب قصة قصيرة..
              البراعة تكمن في العمق وما بين السطور من إبداع..يخضع المتلقي أمامها كي يكشف عن جماليتها ويجعل مطره مدراراً يفيض من دلالاتها المختلفة..
              لنبدأ من العنوان الضخم/ ثقب الذاكرة/
              الذاكرة هي مركز التجارب الماضية وشريط مسجل فيه أحداث من حقبة الزمن الماضي..وعندما تكون الذاكرة سليمة تستطيع استرجاع الأحداث من ذاكرة طويلة المدى وقصيرة المدى..لكن أذا أصابها خلل أو طرأ عليها تغيير في مدارها فإنها حتماً سيتغير مسار استرجاع الحدث والصور المخزنة فيها..
              وعملها يصبح مقصوراً مختلفاً عن حركته الطبيعية..
              وبما أن الشاعر وضع للذاكرة ثقباً..هذا دليل على وجود خلل ما فيها..وهذا ينعكس على سلوك الفرد وعلى قدرته في استرجاع الأحداث...هذا الثقب يدل على تغيير غير طبيعي في نظام الدماغ..وبالتالي يدل على وجود شخص غير سليم...
              ووجود الثقب يعني عملية انقطاع ما بين الزمان والمكان وعدم القدرة على التفاعل بينهما مما يتسبب بضرر استرجاع حدث ما أو صورة ما..لأن الذاكرة هي عملية اتصال ما بين الواقع والماضي..وتعتبر سلامتها فك شيفرة معينة يطلبها العقل من الذاكرة لتعود للفرد تحقيق بغيته ومراده من استرجاع أي حدث حصل معه..فالذاكرة هي الوحيدة التي تفك شيفرة الماضي وتحلل الوقائع الصارمة...
              يبدأ الكاتب ومضته القصيرة بقوله:

              / اهترأ جسمه من طول قعدته على كرسي خشبي في شرفة منزله./

              من خلال الفعل الماضي/ اهترأ/ يدل على زمن مضى فعله..وهذا الفعل يدل على المدة الزمنية التي لبث بها الجسم وهو على هذا الحال من الاهتراء..كما أنه يدل على حالتين..
              - إما مجازاً والذي يدل الجلوس الطويل على الملل والكآبة وعدم تغيير في الواقع والزمن فيه على وتيرة واحدة كخط مستقيم لا صعود ولا هبوط فيه..لا تغيير في الزمن..

              - وإما يدل على حالة مرضية يمر بها ذلك الشخص من شلل أو إعاقة جسدية أو عقلية..

              الكاتب هنا حدد لنا الزمان ثم المكان في شرفة المنزل..
              عملية الوصف هذه يستحضرها الخيال لتتفتح أبعاده وتزداد عملية التأويل..وهذا نوع من تشغيل ذهني لمرحلة التشويق للومضة..بمعنى دخول الاتقان في عملية الوصف..

              يكمل الكاتب:

              / بين عمق الصمت وهدوء المكان تتمدد حياة الإشارات./

              استعمل الكاتب عنصرين هامين لتوصيل فكرته وربطها بثقب الذاكرة..
              عنصر الصمت وعنصر المكان قد اتحدا لإظهار صفة الشخص الذي يتحدث عنه الكاتب..
              عامل الصمت عميق وهذا دليل على حجمه الكبير المتراكم في ذات ونفس الشخصية هذه..وعامل المكان وهدوئه يستفز الحياة لتحريك الإشارات والحركات بدلاً من لغة اللسان..
              وهنا يكمن السر في افتعال الإشارات وتمديدها وإطالتها..فإما الإشارات تأتي دليلاً على البكم من خلال وصف/ عمق الصمت/ بفقدان النطق..
              والصّم يأتي من خلال/ هدوء المكان/ نتيجة فقدان السمع..
              وهذا دليل على وصف شخص فاقد لحاسة السمع والنطق.. من خلال ما نستنتجه من ثقب الذاكرة التي تدل على وجود خلل عند الشخص..
              أو ربما كان مجازاً على حالة معينة تفتقد معالم الحياة الهانئة..

              /يتدلى برأسه إلى الأسفل ../

              هذه أوصاف أضافت معالم الملل والفراغ القاتل للشخص.. وثم للمكان بهدوئه وسكونه..
              هذه النظرات وكأنه ينتظر أحد ما بقلق شديد..
              لكن الفعل المضارع/ ينتظر وينتظر/ كان عملاً متحركاً لظهور آثار الأمل وبصمات التغيير على بقعة وجوده على ذلك الكرسي وحركة الفتور والملل من خلال تواجده في مكان غير ناطق..
              ثم تكرار الفعل/ ينتظر/ توحي بالمدة الزمنية التي تمددت عقاربها وهو في حالة انتظار بدليل تدلي رأسه للأسفل..فالتكرار يعتبر وسيلة لغوية لعملية التأكيد على الحدث..ونتائجه التي تلخص نهاية الحدث من وراء عملية الانتظار..فالانتظار الزائد عن حده يُفقد الإنسان أعصابه ويزيده توتراً وقلقاً يزيد من حالة الأزمة التي يعيشها صاحب الأمر..
              وهذا مؤشر يدل على الوحدة والعزلة التي يعيشها في ذلك المكان..والتي نهايتها انتظار الموت وفقدانه عامل الزمن الذي يمكنه أن يغير وجه حياته لو كان موجوداً في بيئة متحركة متنوعة تمتلئ بحركة مرورية وتواجد أشخاص اللذين من الممكن تجديد روتين الحياة وتغييرها..
              لذلك كانت النتيجة الحتمية انتظار الأجل بلا ترتيب زمني معلن عنه..

              /نسي أن جدار الزمن فصل بين الحياة والموت/..
              كان من الأولى الاستغناء عن هذه الفقرة حتى يتم إحداث الاستنتاج والتأويلات المباغتة من خلف جدران هذه القصة القصيرة...
              .
              هذه القصة بارعة جداا من وجهة نظري..إذ نستطيع ايجاد تأويلات عدة بين ثناياها تساهم في تجديد وصقل خيالي إبداعي من خلال هذا البناء المتين الذي ارتبط بزوايا العنوان وأحدث معه الفارق...
              .
              .
              الكاتب الأديب البارع المبدع
              أ.الفرحان بوعزة
              شكراً لخيالكم الواسع وحرفكم المبدع وما تجيدون من إحداث التغيير في فن ال ق.ق.ج ببراعة..
              وفقكم الله لنوره ورضاه وأسعدكم في الدنيا والآخرة..
              .
              .
              .
              .
              جهاد بدران
              فلسطينية

              تعليق

              • جهاد بدران
                رئيس ملتقى فرعي
                • 04-04-2014
                • 624

                #8
                النّص : نـاقـد عصره
                النّاص : عوض بديوي
                القراءة : جهاد بدران
                ........................


                النّص :


                ... حـاول الدخول إلى قلبها ؛
                حـجـمتُـهُ بـجـمـالـهـا...!!
                ................................

                القراءة :


                قصة قصيرة جداً تحمل معالم عميقة جداً ..سنحاول الدخول إلى كنهها وتفكيك شيفرتها حسب متواضع فكري..
                لنبدأ من العنوان:

                /نـاقـد عصره /

                القصة عبارة عن ثمانية كلمات تشمل العنوان..وهذا يدل على قدرة الكاتب في اختزاله لكمية من الكلمات ووضعها في إطار قصير..اشتمل على معالم القصة القصيرة جداً..
                العنوان يكشف مضمون القصة وويفكك سلاسلها المتشابكة..
                / ناقد عصره/ يوحي لوجود كاتب يعيش واقعه وينتقده بحيث يوضح إيجابياته وسلبياته وفق انتمائه الكبير له..وذلك من خلال كلمة/عصره/
                فهي توضح أنه يعيش ضمن الواقع والحقائق المكشوفة وليس ناقد لعصر آخر بعيداً عن الواقعية فلا يخترق الأساطير والقصص الخيالية..وهذا يؤكد انتماءه المتفاعل مع تغيير وتجديد استراتيجيات الواقع..
                ناقد عصره..يدل على وجود ثورة داخله يسطرها عبر لسانه القلم..ليكون عاملاً محفزاً في بناء أفضل لعصره الذي يعايشه..
                والناقد يدخل النصوص ويحركها ضمن فكره وما ينتج منه حين يكشف ما بين السطور..ومن خلال عملية النقد يستطيع الناقد كشف وجه الشاعر أو الكاتب وإفرازه لكل جوانب الكاتب الحسية وتتضمن مشاعره ونبضه..ثم إفراز عمليات تفكيره بجانب الحسية وكشف طرق التفكير ومدى مستوى علمه وأخلاقه وإيمانه..فالناقد المتمكن يستطيع دخول النص بحرفية مطلقة وكشف جوانبه من خلال ما تمليه الكلمات التي أفرزها الكاتب..
                لذلك الناقد الحكيم والمتمكن يستطيع الوصول إلى أعماق الكاتب وفهم مشاعره ومستوى فكره...
                من هنا سننطلق لبداية ال.ق.ق.ج التي سطرها الكاتب ببراعة ومهارة..

                / حـاول الدخول إلى قلبها ؛/

                من خلال فعل الماضي /حاول/ دليل على وجود عملية تكرار تساهم في الحصول على مبتغى الكاتب..فالمحاولة هي طريق المجدين الذين يحبون ما يخططونه من أهداف وما يرسمون له من حصول النتائج..
                والمحاولة هنا من نوع آخر يختص بالمشاعر وما يحمل القلب من معالم حسية نابضة..عملية المحاولة كانت السبيل في الدخول لقلب من يحب..لأن القلوب البيضاء النقية التقية يصعب الدخول إليها بسهولة..والظاهر هنا من خلال المحاولة نقف أمام محبوبته التي يصنفها وفق منظاره ووفق الصورة التي يراها ويرسمها لها..وكأنها تتمنع ذلك..والمحاولة هنا كانت أكثر من مرة..وكانت بطريقة مختلفة عن المعهود..حيث حاول الدخول إلى قلبها عن طريق عملية نقده لنصوصها أو كتاباتها..كي يتملكها ويتمكن من قلبها..
                وكانت المباغتة والمفاجأة تعكس غير ذلك..بقوله:

                /حـجـمتُـهُ بـجـمـالـهـا...!!/

                المفاجأة أنه لم يستطع الدخول لقلبها وهذا ما عبّر عنه بفعل الماضي
                / حجمته/ بمعنى منعته من الوصول لقلبها عن طريق /جمالها/..
                والسؤال هنا..كيف للجمال أن يمنع دخول قلبها؟!
                وحسب ما يوحيه منطقي وتفكيري ..أن الجمال الذي يتحدث عنه الكاتب لم يكن بالجمال الظاهر شكلاً وهيئةً..بل كان الفاعل الأكبر والمؤثر جداً والذي سيطر على الكاتب بأدب النص وجمال عباراته..هو جمال الأخلاق وحسن التعامل وجمال الخديث ولباقة الحوار أو جمال كلماتها التي ينتقدها..
                والمعروف جداً ومن خلال التجارب وقصص الواقع..أن الكلمة الطيبة تؤثر في النفس وتقطع فيها أكثر من قطع السيف للجسد..الكلمة لها تأثير رهيب في المتلقي خاصة إذا كانت مدروسة لبقة تحترم الآخر وتحمل أهدافاً سامية ..فحتماً ستصل للمتلقي وتؤثر في قلبه وفكره..
                وهذا ما يشير إليه الحديث الشريف:
                عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((والكلمة الطيبة صدقة))؛ الحديث متفق عليه..
                فالمؤمن حقاً ليس بكلامه الفحش..ليس فاحشاً وليس متفحشاً..
                والإنسان الحكيم يستطيع الوصول لما يريد بالكلمة الطيبة لأنها سهماً تصل بسرعة البرق لقلب وعقل المتلقي..
                لذلك الكاتب أراد أن جمال الروح وجمال الكلمة هي التي تمنع الوقوع في الفحش والسوء..وصاحب هذا الجمال يجعل الآخرين والمتلقين يحترمونه ويقدرونه ولا يمسونه بسوء..لأنه بخلقه وجمال كلمته يفرض احترامه على كل متلقي...
                .
                لذلك كانت هذه القصة تحمل أبعاداً بارعة النظم ومتعددة الدلالات متقنة الأهداف والمعاني..بلغت ذروة جمالها للقمة..لأنها قدّمت صيغة محترفة البناء بتراكيبها اللغوية المختصرة وقد حملت بين طياتها العبر المكتظة والقيم الذاتية التي تمهد لتهذيب النقد واتباع أساليب حضارية بناءة وليست هادمة..
                الأديب الشاعر الكبير المبدع أستاذنا الراقي
                د.عوض بديوي
                لقد قدمتم لنا تحفة نادرة في فن القصة القصيرة جداً والتي آتت بجمال مبناها وسحر محتواها بما يفيض من جمال العبر التي تعلمناها من ثمانية كلمات مختصرة..
                هذا هو الفن الراقي بعينه..
                بوركتم وبورك مدادكم النقي وفكركم المضيء
                وفقكم الله لنوره ورضاه وأسعدكم في الدنيا والآخرة
                .
                .
                .
                .
                جهاد بدران
                فلسطينية

                تعليق

                • جهاد بدران
                  رئيس ملتقى فرعي
                  • 04-04-2014
                  • 624

                  #9
                  النّص : أسوار الدم
                  النّاص : عائده محمد نادر
                  القراءة : جهاد بدران
                  ..................


                  النّص :

                  شب على عشق الرسم، فملأ أسوار منزله بالطبشور صور حمائم تحمل أغصان الشجر
                  وكعادته يوميا يعيد رسم أحلامه على الحيطان
                  وقف مصعوقا، وحمائمه مصطبغة بلون الدم، وإشارة إنذار.. مطلوب عشائريا!


                  القراءة :

                  يا لروعة وبراعة هذه القصة القصيرة جداً..
                  محكمة البناء عميقة الدلالات ترتكز على أكثر من تأويل..وهذا ما يجعلها في مرتبة الجمال ومنزلة البراعة والحرفية..
                  لنبدأ بتفكيك شيفرة النص ابتداء من العنوان..

                  /أسوار الدم/

                  أولاً:
                  الكاتبة جعلت من العنوان بصيغة الجمع..في كلمة/ أسوار..جمع كلة سور/ وهذا يشير لنا على أن الدم لا يتعلق بسور واحد..وهو كناية عن أوطان كثيرة تلطخت أسوارها بالدم..فلم تجعله محصوراً على سور العراق أنما جمعت الأسوار وكأنها قصدت كل العراق لتندرج لأسوار البلاد العربية..لذلك كان من الحكمة أن تجعل السور في صيغة جمع حتى تشمل كل أسوار الأمة العربية..
                  ثانياً:
                  الكاتبة ألصقت مع الأسوار دماً بدلاً من أسوار الزهور..أسوار الحرية..الخ
                  لكنها منحت الأسوار الدم..والمعروف أن الأسوار تبنى لتحصين المكان من عدو أو مغتصب..ولحماية من يسكنون داخله..والدم الملطخ عليها كناية عن عدد الأرواح التي تجاهد في سبيل الحفاظ على المكان وأهله والأرض مقابل أن تبقى الحدود بصلابتها وقوتها..
                  لذلك أسوار الدم كناية عن وجود شهداء أو قتلى مقابل شيء ما..سنتعرض له من جوف النص..
                  لذلك هذا مختصر لمفهوم العنوان..أما النص فبدايته تقول:

                  /شب على عشق الرسم،/

                  الكاتبة تبدأ النص بعملية توضيحية لعمقه كمقدمة تنطلق عبرها لجسد النص..
                  انطلاقة الكاتبة لعملية الرسم توحي ببراءة ذلك الشخص وشفافيته..لأن الرسام ما هو إلا أكواماً من المشاعر والأحاسيس مدفونة في قلبه ويطلق لها العنان عبر ريشته السحرية لتجسيد أفكاره وخياله بحرية تامة..فالرسام لديه الحرية في ثني ريشته لتحقيق مآربه وتلوين فكره دون قيود..
                  لذلك الكاتبة كان اختيارها للرسام بذكاء وحكمة واتقان..لأنه يعتبر شاعر اللوحة التي يرسمها ويعبر عن داخله بها..
                  لذلك هو من طبقة الأنقياء الخالين من ظلام السياسة وأشباهها..
                  وهو خير مثال للأبرياء من الشعب..
                  تصف الكاتبة ذلك الشخص على أنه شب على عشق الرسم..بمعنى أنه يعيش في أجواء آمنة تتيح له التعلم من أهل بيته هذه الهواية..وهذا يدل على أن الأهل أيضاً أصحاب ذوق رفيع إذ نشأ في بيتهم هذا الشخص المغرم بالرسم..ومهنة الرسم حتى تبلغ ذروتها من الإتقان والجمال تحتاج لمكان مريح هادئ..وهذا كناية عن أنه في البداية كانت الأجواء آمنة هادئة مطمئن من يعيش بها..

                  / فملأ أسوار منزله بالطبشور صور حمائم تحمل أغصان الشجر/..

                  هذا المقطع يوحي بالأمان والتمكن من هواية الرسم..ويوحي بتفكيره وخياله وأبعاد ما يبتغيه من الحرية والأمان..وهذا المعنى يفيض من خلال ما توحيه رسمه على الجدار..بحيث يريد الحفاظ على الحرية والهدوء..وهذا ما يعكس تفكيره ومشاعره..
                  عندما حددت الكاتبة / أسوار منزله/ هذا يعني أن الحدث داخل هذه الأسوار أي أنها أصبحت خاصة بعد أن كانت الأسوار عامة..
                  توضح الكاتبة أداة الرسم هي الطبشورة..وهذه الأداة إنما يستعملها الصغار الأبرياء..أو يكون استعمالها قبل عملية الاحتراف للرسم..أو تستعمل حتى يتم عن طريقها عملية محو الرسمة واستبدالها بأخرى بطريقة سهلة بلا دهان وألوان أخرى..
                  من هنا رإيت الطبشورة استخدامها بالنص كان متقناً جداً بارعاً تحديد عناصره..كي تتيح للرسام انطلاقه عبر الخيال بلا قيود ليحمل كل يومٍ حلماً جديداً يبني به مملكة نفسه وتقوى ملكة خياله..فلو كانت الأداة دهاناً وإلواناً لا تمحى لجعلت من الخيال والتفكير محدودية قصيرة لا تكبر ولا تنمو..
                  رسمة الحمائم وهي تحمل أغصان الشجر..هي عملية توضيحية لمعالم الحرية التي أصبخت اليوم مطلب كل عربي في كل مكان بعد أن لطخوها الطغاة وحكامنا الظالمين اللذين لا يهمهم إلا مناصبهم وكراسيهم وهم يعيشون في فلك الصنمية للغرب والصهاينة ينقشون عليهم ويتلاعبون بهم كدمية لا تملك الحراك..
                  بينما المواطن العربي لديه القدرة على التغيير والتجديد إن سُمح له ذلك وفُتحت أمامه الأبواب والنوافذ..كهذه الشخصية التي تتحدث عنها الكاتبة بقولها:

                  /وكعادته يوميا يعيد رسم أحلامه على الحيطان /

                  فالمواطن الحر يرسم ويعمل ويمحو ويغير وفق خياله وما يرسمه فكره ونا يحمل من آفاق واسعة التفكير..وهذه الكلمات هنا تقول بأن الإنسان الحر الآمن المطمئن يعيش كل يوم في حلم جديد يريد أن يُتوّجه في الواقع..هذا ديدن كل حر..والكاتبة جعلت الأحلام تُرتسم على الحيطان للتمكين من تجسيدها بشكل واقعي أمام نظر صاحبه كي يسهل التحقيق على أرض الواقع..لكن حالة الأمان الذي يعيشها المواطن مستمرة أم أنها أصابها تلف أو مرارة وأسى وهذا ما تحصده الحروب والمشاكل الاجتماعية الناتجة من مخلفات هذه الحروب والتي تغرس البغض والضغينة بين الأفراد بعد أن تتم عملية التمزق بينهم نتيجة زرع العملاء في كل مكان لزعزعة الأمن وجعل المواطن بين أزمات متعددة..فمن أهداف الاحتلال والعملاء أن يبقى المواطن العربي بين ..التجويع والتجهيل والتضليل..هذه الثلاث أهداف يسعى إليها المحتل كي يبقى المواطن في قمة ضعفه لا يملك الصحوة أبداً..
                  هنا تنطلق الكاتبة بالمباغتة في الحدث في قولها عن الرسام:

                  / وقف مصعوقا، وحمائمه مصطبغة بلون الدم، وإشارة إنذار.. مطلوب عشائريا!/

                  الوقوف مصعوقاً..دليل على وقوع كارثة ما..هي وجود الحمائم ملطخة بالدماء..بل استعمل الكاتبة الدقة في التعبير بقولها:
                  / مصطبغة بلون الدم،/
                  الاصطباغ دليل على ملامسة الرسمة ومطابقة لمعنى الرسم حتى يتم تجسيد المعنى بدقة متناهية..كناية عن الدم الحقيقي لشهيد أو قتيل..والحمائم والدم كناية عن قتل الحرية واغتصابها بغير وجه حق في ذلك..
                  ثم تشير الكاتبة على من لطخ الحمايم بالدم بما يوضح الصورة بقولها:

                  /إنذار.. مطلوب عشائريا/

                  نظام العشائر موجود منذ زمن بعيد..له قوانينه وقيمه وعاداته..ربما من زمن كان يحمل بعضاً من القيم الجميلة ..وربما ما زال يتواجد منها ذلك..لكن بعد أن اختل توازن العراق وهجمات الدول الكبرى عليها ونسر التمزق بين مجتمعاتها بغية الحصول على كنوزها وموقعها الاستراتيجي المغري..هذا شكّل تمزقاً كبيراً وساهم في تغيير المعايير والقيم وأنشأ الكراهية والحقد بين النفوس حتى أصبحت العراق بؤرة يتلاعب بها كل فئات الشعوب الغربية والمتصهينة..حتى باتت النفوس تتشاحن مع بعضها وتزيد بؤرة الفساد في العراق..قاتل الله كل من يساهم في تمزيقها ..وأصبحت العشائر اليوم تحمل من صفات الغرب والصهاينة حين باعت أفراد بلدها للشيطان الرجيم..فتغيرت أنظمتها وأصبحت تحمل معايير مادية تبتز بها الآخرين لتحقيق مآربها الفاسدة...
                  .
                  الأديبة الراقية المبدعة البارعة في تخطيط الحرف وبنائه
                  أ.عائده محمد نادر
                  أتحفتينا بقصة قصيرة جداً بارعة النسج تدل على مكانتك وحرفيتك في تنظين نسيج فني تعبيري متقن..
                  شكراً لقلمك الرائع
                  وبورك بك وبحرفك النفيس
                  وفقك الله لما يحبه ويرضاه
                  .
                  .
                  .
                  .
                  جهاد بدران
                  فلسطينية

                  تعليق

                  • جهاد بدران
                    رئيس ملتقى فرعي
                    • 04-04-2014
                    • 624

                    #10
                    النّص : صائد الورود
                    النّاص : فوزي سليم بيترو
                    القراءة : جهاد بدران
                    .........................


                    النّص :


                    قطفها
                    أخذ ينزع وريقاتها ورقة ورقة .
                    ــ بتحبّني .. بتحبِّنيش .. بتحبّني .. بتحبّنيش ...
                    لسعته نحلة كانت تمارس جمع حبيبات الطلع .
                    ــ يبدو أنها لا تحبّني...



                    القراءة :



                    قصة قصيرة جدا رغم مفعولها وأبعادها وما ترمز إليه كبير..
                    ربما للوهلة الأولى والقراءة العابرة للقصة يظن المتلقي أنها عادية التعابير لا تظهر تأويلاتها ولا نصل للمحتوى بدقة..
                    لكن حين ندقق ونتخيل ونفكر نجد بين أنامل هذا القلم ما هو أبعد من ظاهر النص..
                    العنوان يكشف المضمون..ويُكسب الفكر التعمق بين أوراقه..

                    العنوان/صائد الورد/

                    الكاتب هنا اختار كلمة صائد بدل من كلمة قطف قاطف الورد../ الورود..
                    في مضمون كلمة صائد تذهب بنا إلى عملية الاصطياد/الفريسة/الضحية/أهداف مختلفة للحصول عليها/..إلخ
                    وهذه الكلمة تأخذنا لمنحى سلبي كي نعلق على أشجابه كل فكرة يلفها السواد...
                    أما كلمة ورود بدل ورد..فالورد حسب مصادر عديدة هي جمع لكلمة وردة..ويوجد اختلاف على جمعها ورود والله أعلم..
                    إلا إذا كان قصد الكاتب بمعنى ورود/
                    (الوُرُودُ) في اللغة مصدرُ وَرَدَ يَرِدُ، والوُرُوْدُ : الحضور والوصول.../ حسب مصدر من مصادر النت..
                    وهنا تتضح رؤيتنا في اصطياد كل من يصل ويحضر عند الكاتب من الفتيات..وأنا أعتقد أن هذا المعنى أقرب لعميلة الاصطياد..
                    وفي ظلال هذا العنوان يكمن جمال المضمون لأبعد من ظاهر المعنى في عملية قطف الورد..بل ذهب بنا لعمليات الاحتيال واللعب بمشاعر الفتيات..وذلك استناداً على محتوى العنوان الذي استدرجنا لعمليات القنص واصطياد النفوس بغرض التسلية والمتعة...
                    ومن فعل المضارع// ينزع//
                    والفعل الماضي// لسعته//
                    والفعل المضارع // تمارس//
                    هي أفعال توحي بغرض وهدف الكاتب في توضيح صورة الاحتيال على مشاعر الفتيات لتحقيق رغباته..
                    كلمة ينزع كلمة قاسية جدا..إذ توحي بمعناها إلى عملية القلع..وهذه الكلمة فيها نوع من القسوة لوردة جميلة عذبة المنظر والملمس..فكأننا نتخيل عملية نزع الابن من والده..تماماً حين ننزع ونقلع أوراق الوردة عن أمها..لمجرد تحقيق غاية ما في نفوسنا..
                    وهو ينزع أوراق الوردة في مقولة الكاتب :

                    // ــ بتحبّني .. بتحبِّنيش .. بتحبّني .. بتحبّنيش ...//

                    ترك الكاتب الكلمات وفق اللغة العامية..كعملية طرح لتوارث الأحداث والأفعال والتمسك بالمقولات المتناقلة من جيل لآخر...
                    وكأنه يريد بنا الحفاظ على التراث لعملية الاستمرارية لأيام الطفولة وتناقلها من باب تجديد العهد مع ما استجمعناه من تناقل الكلام عبر التاريخ العريق لأجدادنا..وهذا نوع من الحفاظ على هوية العربي الذي يعيش وفق تراث نعتز فيه يعيد مجدنا ويثبت جذورنا..

                    نعود لفقرة العامية هنا/ نستشعر من خلال قراءتنا لها وكأن البراءة تسري في عروق قاطف الورد..وكأنه يعتمد على الحظ ببراءة متناهية دون دراسة وتخطيط لعملية الحب ونهايتها..يسير بعشوائية متكاملة..لأنه لو لم يكن يحمل البراءة لما اعتمد على حظ الحب فيما يعشق..ولما قال/ بتحبني..بتحبنيش.../
                    لكن نعود ليتضح لنا عملية التعدي على الغير..نلمسه من خلال لسعة النحل التي تنارس عملها من جمع الرحيق بقوله/

                    // لسعته نحلة كانت تمارس جمع حبيبات الطلع .
                    ــ يبدو أنها لا تحبني//

                    عملية الحظ يكتمل هلالها حقيقة وتظهر عملية الحظ عندما قال/ يبدو أنها لا تحبني..
                    وكأنه اعتمد على القدر والحظ دون أن يحاول بشكل فعلي إظهار معالم الحب لها..وهذا دليل على حب من جانب وطرف واحد ربما يكون مضمونه التسلية فقط واللعب بالقلوب حسب الأهواء الذاتية..ليكون علاقة واضحة مع العنوان / صائد الورد..
                    فالاصطياد يكون بالحيلة من طرف واحد للطرف الآخر لايقاعه في شباكه..
                    أما دور النحلة هنا فهي وظيفتها ربانية أكرمها الله للغذاء مصلحة للإنسان للحصول على العسل من خلال جمعها الرحيق في بطونها وحفظه في بيتها الشمعي لآلاف السنين..
                    وكأن الكاتب أراد توضيح صورة النحلة للدلالة على عدم التعدي على حرمة الآخرين وعدم نزع حقوق الآخر لتحقيق المصلحة والمنفعة النفسية..
                    النحلة كانت درساً قوياً لمن يتعدى على جمال الورد والروح..وعلى كل من يتعدى على الغير بطريقة غير شرعية..وكأن الكاتب أراد لنا التعلم درساً من الحياة على أن من يقترب من الجمال والرقة أو الحياة لابد وأنه سيتذوق من أشواكها ومرارة التعدي عليها...
                    بمعنى أن الدنيا وما فيها كوردة جميلة فاتنة ساحرة..نسعى لها لقطفها ونزع قشورها للحصول على لبها لإشباع الرغبات..إلا أنها ممتلئة بالأشواك والمفاجآت المختلفة التي تصيبنا نتيجة عدم استغلالها بالطريقة الصحيحة السليمة وعدم الحذر منها ومن عواقبها...
                    ومن يحاول اصطياد الورد فليتلقى الألم والوخز من أشواكها..ولتكون له عبرة في مختلف ميادين الحياة..
                    .
                    أستاذنا الراقي الأديب الكبير المبدع البارع
                    أ.فوزي سليم بيترو
                    لقد أتحفتنا بحلّة إبداعية فاتنة من حلل قلمكم البارع..والتي كانت لوحة فنية راقية تعلمنها منها الكثير..وحازت على مناحي كثيرة من الخيال وحيث حلّق بنا لأوسع مدى من التفكير..تفتحت معها شرايين الغوص في نصكم الجميل..
                    وفقكم الله ورعاكم
                    شكراً لقلمكم المائز الذي منحنا الوقوف بين ظلاله الوارفة..
                    .
                    .
                    .
                    .
                    جهاد بدران
                    فلسطينية

                    تعليق

                    • جهاد بدران
                      رئيس ملتقى فرعي
                      • 04-04-2014
                      • 624

                      #11
                      النّص : لي عودة .. ! ؟
                      النّاص : سعد الأوراسي
                      القراءة : جهاد بدران
                      .......................


                      النّص :


                      قرأت كتابا لأبي عبيدة بن المثنى وأغفيت ..
                      فرأيت المدينة سوقا لحشاشي الاحساس ، وعلماء القلوب
                      وإذا بحشاش يصيح : " لي عودة "
                      فملأ الصهيل والحمحمة أركان السوق ..
                      أدرك أمير المدينة أنها ليست تلك المرة من عاد وثمن
                      فأصدر بيانا :
                      ( إلى كل من يريد التثمير ، خصصنا ركنا للحمحمة والشخير )



                      القراءة :


                      لي عودة .. !؟
                      عنوان يقبع تحت ظله تأويلات عدة تأخذنا لمفاهيم متنوعة ودلالات مختلفة..
                      لكن سنحاول طي كل التأويلات لنخرج من فوهة الحدث اليوم وما يجري على أرض الواقع من انقلاب المعايير والمبادئ الأساسية التي تحفظ ماء وجه الأرض ..
                      فالسؤال هنا //العودة إلى أين// ومن هذا الذي سوف يعود// وهل العودة من زمان مضى لزماننا الحاضر//؟
                      عنوان يطرح الكثير من التساؤلات التي تأخذنا إلى لب الحدث وجوف المحتوى الذي قصده الكاتب أو الذي لمّح له بطريقة البحث والتنقيب عن جداوله النقية..
                      فالعودة لها حيّز مختلف من قبَل الفكر المجنّد له ووفق ذلك الخيال العميق الذي يتجذر في شرايين النص والمضمون الذي يعتمد في أساسه على الرمزية الإحترافية الفذة..وهذا ما يحث الفكر بفتح نوافذه وطرق المجهول بتحليلات المتلقي..
                      ربما تكون عودة للأرض..عودة للفكر من جديد بثوب مختلف يساهم في التجديد وعقد صفقات التغيير وفقاً لمستجدات التكنلوجيا والعلوم المزهرة اليوم..عودة لكلمة حق عند سلطان جائر..عودة للمجتمع وإصلاحه..عودة لبناء الأمة بمفهوم شامل وأوسع..
                      من خلال عنوان// لي عودة//
                      الكاتب هنا خص العودة لنفسه من خلال قوله// لي//للمتحدث الذي يرمز إليه أو لكلمة الحق أو للعدل..
                      يبدأ الكاتب افتتاح لوحته الراقية العميقة المكتنزة بالتأويلات والقراءات..بقوله:

                      // قرأت كتابا لأبي عبيدة بن المثنى وأغفيت .//

                      هنا لمجرد قول الكاتب// قرأت كتاباً// هذا يحيلنا توجهاً لركن القراءة وإعادة النظر في العلوم المختلفة لإنارة العقل وشحذ الذهن بذبذبات الوعي والإدراك في معالم الحياة الدنيا ليزداد المرء نوراً على نور وتتسع أبعاد نظراته في تغيير الواقع للرقي والعلو..
                      لأن في عملية القراءة تذويت الروح فيما يدفعها نحو الأمن والأمان والاطمئنان والفكر الآمن الذي يخطط ويعمل في حدود الضمير والإنسانية...والقراءة التي تعنى بالعلوم والتاريخ والفقه بأنواعه والاطلاع على مؤسسات الحكم والإدارة وكيفية تطبيق عملية التثمير ..إلخ ..هي عامل محفز للنهض بالأمة بعيداً عن التسلط الفردي والارتجال في عملية البناء..فالقراءة الواعية وتذويتها بشكل عملي.. تهيء لبيئة مخططة مع استثمار الموارد البشرية والمادية بما ينفع الإنسان وبما يتناسب مع حاجات الزمان والمكان..وللمساهمة في عملية الإصلاح والتجديد لا القمع والقتل وحرق الفكر الناضج والقلم الواعي الذي يقدم طرق النجاة والتقدم والتحضر لنشل الأمة من التيه والضياع والانحطاط على جميع الأصعدة..
                      عملية القراءة كانت أول اتصال بين الأرض والسماء..وأول وصية ربانية من الله سبحانه لنبيه العظيم محمداً عليه الصلاة والسلام..كي ينير بها العقول والقلوب وتصبح سلوكاً مضيئا في كل مكان بعيداً عن الاستبداد والظلم..فمن يترك القراءة والإبحار فيها فإنه يترك نور الله وقناديله المشعة بالإيمان والكمال لينطفئ نور الله من القلب والروح والفكر ليعيش في غياهب الظلم ويبتعد عن معالم الإنسانية..وهذا ما يحدث لعالمنا اليوم..ابتعدت الأمة عن قراءة كتاب ربها والعلوم المختلفة ليعم مكانها الجهل ثم التخبط بالوحل والجنون في قتل البشرية دون وجه حق..كلما ابتعدنا عن التنوير في لغتنا كلما ازددنا ظلاماً واسوداداً ..كلما تخبطنا في مسارات الحياة...أمة إقرأ لا تقرأ..قاعدة تأخذنا لما يحصل اليوم من محاولات الطغاة من تجهيل وتضليل وتجويع لأبناء أمتنا كي يغرقوا في ملذاتهم ويحافظوا على مناصبهم ويستبدوا بالسيادة في الأرض..
                      الكاتب هنا بلا إرادة مخصصة وجّهنا لعالم النور من خلال القراءة كي نحافظ على أنفسنا في محراب الله ولا نطمس أنفسنا في جبّ الجهل ومؤثراته حتى لا تنعكس في سلوكنا..
                      ثم ذكر الكاتب كلمة // كتابا// غير معرفة بلا أل التعريف..حتى يشدنا للإطلاع على جنيع كتب أبو عبيدة بن المثنى..لأنه لو حدد لنا كتاباً معيناً لاقتصرنا عليه دون التوسعة في جميع كتبه وعلومه..

                      // لأبي عبيدة بن المثنى//

                      لماذا أرادنا الكاتب أن نعود لقراءة كتب أبي عبيدة بن المثنى؟
                      طبعاً هذا ذكاء وتخطيط في بناء سلسلة حروفه لتكون قالباً مميزاً ومفيداً بهدف إحياء النفوس وطمس الغفلة التي تحركها..من خلال التمسك بالعلم وما يصدر عنه.
                      فهذا العالِم الكبير أبي عبيدة أعلم بجميع العلوم..فقد قيل في حقه منقولاً من المكتبة الشاملة:
                      "كان أبو عبيدة عالمًا بالشعر والغريب والأخبار والنسب. أخذ عنه أبو عبيد، وأبو حاتم والمازني، والأثرم وعمر بن شبَّة. وله نحو مائتين من المصنفات منها: مجاز القرآن؛ إعراب القرآن؛ الأمثال؛ في غريب الحديث؛ ما تلحن فيه العامة؛ نقائض جرير والفرزدق؛ أيام العرب؛ الخيل، وغيرها."

                      // وأغفيت//..

                      الغفوة هنا من النوم الخفيف..
                      لماذا تمّ ذكر الغفوة بعد قراءة الكتاب..؟
                      الغفوة هنا هي عملية استرجاع لمادة الكتاب وتخزينها في الذاكرة حتى تبقى مرسوخة لا تنتسى..عدا عن أن الغفوة لها دور كبير في فتح المجال للخيال أن ينبت ويزهر بأفكار تكون كعملة مكملة لما أجمعه الذهن من نور البصيرة أثناء قراءة الكتاب..عدا أيضاً عن دور الغفوة في حفظ المادة التي استوعبها البصر وتلاها اللسان..وهذه طريقة تجربة خضتها كثيراً وكان لها الدور في تفعيل وتنشيط الذهن واسترجاع ما انتسخ في الذاكرة...
                      أو أن تأويل الغفوة ذهبت لمسار آخر معاكس..ربما أراد الكاتب منها..أن القراءة وتذويت العلم لم يثمر بصاحبه ولم يضيء له دربه ولم ينتفع به لتحل الغفوة مكان العمل فيما يحمل الكتاب من فائدة مرجوة..
                      كمن يتخذون الأفكار شعارات فقط لا تمس بتطبيقها على أرض الواقع مثقال ذرة..أقوال بلا أفعال..وكأن الغفوة جاءت حائلاً بين المادة النظرية وبين العمل على تطبيقها بشكل فعلي مثمر...

                      // فرأيت المدينة سوقا لحشاشي الاحساس ، وعلماء القلوب//

                      بعد عملية الإغفاءة انتقل بنا الكاتب لعالم آخر يفسر به فكره وخياله ويأخذنا لطرح مفاهيم معينة تعتمد على تفكيكنا لشيفرة فكره ومقاصده تقع بين جدران الواقع المرير ويحكي ربما بسخرية عن ظل الأحداث التي تضرب أمتنا العربية اليوم...
                      فيقول // فرأيت المدينة سوقا ً//
                      هل الكاتب جعل علاقة متجانسة بين كتاب أبو عبيدة وبين رؤيته المدينة سوقا لحشاشي الإحساس..فما هو الرابط الذي يجمعهما ..هل ذلك امتداد الواقع الذي عايشه الكاتب من خلال قراءة الكتاب ومحتواه وبين العالم الآخر الذي كان ترجمة لخياله أثناء الإغفاءة الخفيفة؟؟
                      أو أنه أراد عملية تحويل الواقع وتغييره؟
                      هذه الأسئلة هي مما يتوقعه المتلقي الذي يبحث عن كشف أسرار اللغة العجيبة التي يخلقها الكاتب من خلال لحظة تجلي استوت مع ميادين المجتمع الحاضر..
                      فالكاتب جعل من رؤيته للمدينة وكأنها //سوقاً//..وهذا نوع من الذكاء والعبقرية في انتقائه لحروفه بحرفية وإتقان ودقة مذهلة.. وذلك لأن السوق يجمع كل شرائح المجتمع بكل مستوياتهم..فلا يكون السوق لطبقة واحدة فقط بل مختلط الجنسيات والهويات والأفكار بما يشمل كل أصناف البشر..
                      لكن عندما يضيف حالة وصفات هذا السوق فهو يجعله لاختصاص حشاشي الإحساس وعلماء القلوب...
                      وهنا جعل الكاتب مكاناً خاصاً يجمع علماء القلوب وأصحاب الحس العميق يتداولون المشاعر في هذا المكان ..المكان الموجود في أحلام الكاتب..وكأنه يريد أن يقول أن حشاشي الإحساس وعلماء القلوب التي تحرك كل مشاعر الحب والعواطف التي تجمعهم على الرقة والشعور بالآخر..ليس لهم مكان في الواقع بل هم خارج منظومة الحياة الحقيقية..والتي يحكمها الأشرار بدلاً عنهم...
                      وهذا ما أراده من الإغفاءة التي فصلت بين الواقع والخيال..وربما هم من يحمل الإنسانية بمضامينها ومعانيها بما يشمل الضمير..يريد مجتمعاً يحركه القلب ويعالجه بالحس والضمير لا باللاإنسانية..
                      وأما علماء القلوب هم العلماء الذين يجمعون ما بين المشاعر والحس الإنساني وبين العقل والفهم..وذلك لأن القلب مركز العقل وليس مجرد مضخة للدم..إذ هناك تناسق بينه وبين الدماغ..وكأنه يترجم ما فيه عن طريق عمليات ذهنية متشابكة توافق ما يطبعه في الواقع من ترددات..وفي هذا التناسق والنظام المشترك بين الدماغ والقلب ما زال البحث جارياً ليومنا هذا..وأما عمل القلب وما فيه من عقل يعود ذلك لقوله تعالى:
                      (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف: 179 ].

                      وقوله تعالى:
                      (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج: 46].

                      من بين حروف هذه الآيات دليلاً واضحاً على وظيفة القلب في عملية للعقل والفهم دون الاقتصار فقط على ضخ الدم..لو تأملنا في تدبر وخشوع ودون ان نذهب لِما قاله الباحثون والأطباء والعلماء في معادلة بسيطة لوجدنا أن القلب مركز العقل والحواس..عن طريقه حين نتدبر آيات الله في الكون وفي النفس نجد إيقاظاً للحواس والتي دفعها العقل للخشوع في تجانس عقلي قلبي..وهذا يدل على تناسق
                      أعضاء الجسد في نظام عجيب دقيق من صنع الله..سبحانه وتعالى ما أعظم آلائه فيما خلق..
                      لذلك نعود لعلماء القلوب الذين ذكرهم الكاتب في لوحته البارعة..إذ هم يجمعون بين أدلة عقلية بإحساس التقرب من الله مع كل ما يجمعهم من مشاعر لا تحيد عن الإنسانية قط..


                      // وإذا بحشاش يصيح : " لي عودة "
                      فملأ الصهيل والحمحمة أركان السوق ..//

                      حشاشي الإحساس..في حرفيتها تأويلات عدة..ربما تعكس مجتمعات اليوم التي تحاكي المكان والزمان تحت منظومة إحياء القلوب والنفوس ..إلا أنها لا تحصد إلا أصواتاً كالصهيل والحمحمة والتي هي كناية عن عدم تذويت أصواتهم أو قبول صرخاتهم وكلماتهم التي تنبع من الأعماق..والإستماع لهم وتطبيق أفكارهم ومنظومات عقولهم..فهم لا يُسمعونهم إلا مجرد حمحمة وصهيلاً لا تمت بالتطبيق على أرض الواقع..بمعنى أن هناك فئات مختلفة من البشر الذين يقدمون التنديد والمعارضة فيقابلونهم بآذان صماء..

                      وعندما يستعمل الكاتب كلمات:
                      // " لي عودة "//
                      هي بنظري أن العودة صحوة الضمير والعودة للوطن والمكان الذي عزلوه عنه بسبب صوته وكلمة الحق أو ما يحيي المكان ويعيد اخضراره بأية حجة كانت..والعودة تأتي بعد الهجرة من مكان سكناه..وكأنه وصراخه بالعودة يريد إثبات الهوية والانتماء للمكان..بالصيحة يريد الثورة والمقاومة لمن كان السبب بابتعاده..والعودة تعني حجم الغربة التي كان يقتاتها ذلك الذي يناجي بالعودة..وتعني عدم التفريط بأي شيء يكون فيه حرية إن كان بالكلمة أو بالأرض والوطن ولو على حساب الروح..
                      ولكن الكاتب هنا قال:/"لي عودة"/ ولم يقل
                      /أريد العودة/ والفرق بينهما كبير..
                      /لي عودة/ لا يتضح متى ..نكرة بدون أل التعريف..وهذا يدل على عدم وجود توقيت معين للعودة جعلها مفتوحة بلا عقارب زمنية وبلا تشديد على العودة ..بينما/ أريد العودة/ فيها إصرار وتأكيد على وعد مقطوع على النفس..وفيها مقاومة لكل من يوقف في سبيل عودته...
                      ومع ذلك حينما قال/ لي عودة/ كان التجاوب والهتاف بالتصديق على ذلك واضحا وبشكل أثار من حوله كل من في المكان..فصدر على الفور صوت الصهيل والحمحمة أركان السوق..
                      والأصوات هذه تنبع من الخيل.. والحمحمة هي كما في معجم المعاني:
                      " الحمْحَمة:
                      صوت الفرس إِذا طلب العَلَفَ أَو رأَى صاحبه الذي كان أَلِفه فاستأْنس إِليه"....
                      يتضح من ذلك أن عملية توظيف صوت الصهيل والحمحمة لها دلالات عدة وتأويلات مختلفة تخدم أهمية الخيل في نسيجها المثخن بالعبر ..فالخيل كناية عن الأداة المعقود في جبينها الخير للجهاد في سبيل الله ودحر كل منافذ الظلم والوقوف في وجه كل ظالم مهما كبرت منزلته في الدنيا...والخيل وسيلة عظيمة لتحقيق النصر..لكنها تحتاج فارسها القوي ليوجهها في طرق الجهاد لتحقيق العدالة والأمن ..والخيل بدون هذا الفارس لا تحقق شيئاً..لذلك هنا في هذه القصة عندما قيل فيها / لي عودة/ وكأنه الفارس والصحوة الذي كان في غياب طويل وعاد يريد العودة ليكون هو من يقود الجهاد بكل أنواعه..فعندما سمعت الخيل صوت فارسها أطلقت صوتها الصهيل والحمحمة وكأنها رأت فارسها المغوار الذي يهتم بها ويعيدها للحرية وعادت للاستئناس به بعد ما ذاقت في غيابه الإهمال والتنكيل والتجويع..ولماذا التجويع؟؟ لأن صوت الحمحمة يكون مقداره أقل من الصوت المرتفع وهذا نتيجة تعرضها للتعب والإرهاق بسبب الجوع ..فأطلقت صوت الصهيل كما ذكرت من معنى هذا الصوت أنه يطلقه إذا ما طلب العلف..والعلف هو وقود الحركة والنصر..وهذه هي سياسة الدول العربية اليوم في استخدامها للشعوب حتى تستطيع إخضاعها وإذلالها..بالجوع والتضليل والتخويف مبادئ القادة للحصول على منافذهم وكراسيهم وسيادتهم للحكم والتلاعب في الأرض بما يفيض منهم من فساد...فالخيل لا تتحرك بدون صاحبها وفارسها...وقد قيل في حديث صحيح عن فضل الخيل بما يلي:
                      روى البخاري (2371) ، ومسلم (987) - واللفظ له - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: فَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ ، وَلِرَجُلٍ وِزْرٌ ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ : فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا فِي سَبِيلِ اللهِ وَيُعِدُّهَا لَهُ ، فَلَا تُغَيِّبُ شَيْئًا فِي بُطُونِهَا إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ أَجْرًا ، وَلَوْ رَعَاهَا فِي مَرْجٍ ، مَا أَكَلَتْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا أَجْرًا ، وَلَوْ سَقَاهَا مِنْ نَهْرٍ ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ قَطْرَةٍ تُغَيِّبُهَا فِي بُطُونِهَا أَجْرٌ، - حَتَّى ذَكَرَ الْأَجْرَ فِي أَبْوَالِهَا وَأَرْوَاثِهَا - وَلَوْ اسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ ، كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا أَجْرٌ، وَأَمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ: فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا تَكَرُّمًا وَتَجَمُّلًا، وَلَا يَنْسَى حَقَّ ظُهُورِهَا، وَبُطُونِهَا فِي عُسْرِهَا وَيُسْرِهَا، وَأَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ وِزْرٌ فَالَّذِي يَتَّخِذُهَا أَشَرًا وَبَطَرًا، وَبَذَخًا وَرِيَاءَ النَّاسِ، فَذَاكَ الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ ) .
                      طبعاً هنا لن أذهب لتفسير الحديث وما فيه من فضل الخيل التي نوجهها في سبيل الله كم نأخذ الخير والأجر منها إذا ما أحسنّا صيغة النية وعقدناها لتكون خالصة لوجه الله..
                      لذلك صوت الصهيل جاء عندما أحست بوجود صاحبها الذي تستأنس به وكأنها تستنجد به..مثلها كالشعوب التي يذلها الحكام بالسيطرة عليها بالمبادئ التي ذكرتها ثم تستفيق وتقوى بوجود قائد قوي يتكلم عنها ويناصرها ويشد من أزرها كي تستفيق من الصمت والتخدير..
                      لكن عندما قرر العودة كان الجواب واضحاً من الكبار والذي يمثلهم الأمير بقوله:

                      // أدرك أمير المدينة أنها ليست تلك المرة من عاد وثمن
                      فأصدر بيانا :
                      ( إلى كل من يريد التثمير ، خصصنا ركنا للحمحمة والشخير )//

                      عملية الإدراك هنا وكأنها عملية التحاق الأمر قبل وقوع نتائجه من خلال عودة الذين يعيدون الصوت للحناجر وقول الحق ..أدرك الأمير كأمراء اليوم والملوك والقادة..أن بعودة هؤلاء إنما يُشكل خطراً على منصبه ويثير القلائل وزعزعة منصبه..ليكون ردة الفعل سريعاً في حرف الفاء في كلمة / فأصدر/ في إبعادهم عن المكان العام وتخصيص مكان خاص كالسجن مثلاً أو المنفى لصوت الحمحمة والشخير..الشخير هنا الصوت الذي يخرج أثناء النوم..وهو صوت مزعج ويدل على علة ما بصاحبه..وكأنهم في حصر الصوت في سخرية لجعله صوتاً مزعجاً لا فائدة فيه..يريدون كل الإصوات أن تكون شخيراً بلا صحوة ومع غفوة أبدية كي يصلوا لتحقيق مآربهم...
                      الأمير في بيانه قال/ إلى كل من يريد التثمير/
                      التثمير معناه كما ذكر في معجم المعاني

                      /تثمير ( اسم ):مصدر ثمَّرَ توظيف ، تنمية لابدَّ من تثمير طاقات الشَّباب في الأعمال البنَّاءة تفعيل وتنشيط عمل النُّوّاب على تثمير الحوار وتقريب وجهات النَّظر/...
                      هنا برز المعنى الأقرب للتثمير وتفعيل الطاقات لإعادة بناء المجتمعات..والأمراء والكبار لا يريدون ذلك ..يريدون شعوبا لا تعي مخدرة صامتة لا تعترض على سيادتهم وسلطتهم...
                      وهؤلاء يتم تخصيص ركناً خاصاً بهم بعيداً عن سلطتهم والمساس بمناصبهم ونفوذهم...
                      فيطلقون على من يقول كلمة الحق وينتقد مساوئهم وسلطتهم بالحمحمة والشخير..كناية عن الذل والاستهزاء بأصحاب العقول النيرة الصادقة الحقة...
                      فهل العودة مرتبطة بالوطن فقط..وهل مرتبطة بعودة الضمير..وهل مرتبطة بعودة الفكر المنير وترك ثوب الذل والاستعمار للعقول النيرة..هل لنا عودة من غفلتنا ومن صمتنا البغيض..؟؟؟؟
                      سنعود للحق مهما أصابنا من وجع..سنعود والأكفان على أكتافنا ناصعة البياض لا نخاف في الله لومة لائم..سوف نكسر كل الحواجز المختبئة من الذات حتى أعناق الوطن..
                      ...
                      أستاذنا الكبير الراقي الفذ المبدع البارع في اصطياد الكلمة الماينة والبناء المحكم بعمق الهدف..
                      أ.سعد الاوراسي
                      شكراً لكم على تحفتكم البارعة وما فعلتم بالفكر والهيال للوصول لأبعد مدى في السبر بين ظلال قصتكم الوارفة..
                      وقفت طويلاً أمام لوحتكم النضرة هذه ومازال في جعبتي الكثير من التأويل من خامتها المعتقة بالقوة والجمال..
                      قصة تفتحت معها شرايين الذائقة وسال منها عذب المعاني والأهداف العميقة التي ترمي بعمقها لمناحي مختلفة من أركان هذا الكون الفسيح وما فيه من تضاريس أدبية مختلفة..
                      قصة وجدت فيها ذلك الذكاء المحترف والبراعة في تنظيم سبل الحرف نحو لوحة فنية فريدة..وهذا هو الجمال الأدبي المزركش بزهور الحرف الناضج الواعي..
                      دمتم ودام عطر حرفكم ينثر شذاه في سماء الأدب الراقي..
                      وفقكم الله لنوره ورضاه ورفع شأنكم وأسعدكم في الدنيا والآخرة..وزادكم بسطة من العلم والنور والخير الكثير..
                      .
                      .
                      .
                      .
                      جهاد بدران
                      فلسطينية

                      تعليق

                      • جهاد بدران
                        رئيس ملتقى فرعي
                        • 04-04-2014
                        • 624

                        #12
                        النّص : ثوب الملكة الجديد
                        النّاص : محمد شهيد
                        القراءة : جهاد بدران
                        ........................


                        النّص :


                        دنونا منها حين استرهبنا سحر النداء: "إني أحمل مسكاً!"
                        فطرنا، من شدة الإغراء، بلا وعي، إلى حيث مجلس الإحذاء.
                        شذا العطر، ونحن في حضرتها، فارتقينا حتى بلغنا سدرة الإغماء.
                        طلعت علينا شرارات تلفح الوجوه حين استفقنا على صرخات الغلام: "أن يا أيتها العير، إن المسك لَكيرٌ!"



                        القراءة :



                        في هذه القصة القصيرة جداً..معالم وتأويلات عدة تأخذنا لمناحي مختلفة في الحياة..
                        قصة بلباس جديد يجمع بين القصة الشعبية والتناص الديني من حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام وحديث الكير ومجالسة فئات متضادة من أفراد المجتمع..
                        الحرفية الموجودة في النص عالية جداً وبراعة متقنة تجلب الخيال وتحث الفكر على التدبر والتأمل بين خلاياها على أوسع مدى..
                        بالرغم من قصر النص وقلة الحروف..إلا أن الكاتب استطاع أن يجمع قواه الفكرية واللغوية الحكيمة في أقل مساحة في أوسع مدى في التحليل واستحضار لب الفكر على مائدة أدبية متقنة التطريز عميقة الدلالات غنية المفاهيم وغزيرة المعاني..لتُصب في قالب أدبي إبداعي قلّ نظيره وتفرّد في خياله..

                        لنبدأ من العنوان:
                        ثوب الملكة الجديد..

                        من خلال هذا العنوان المركب من ثلاث كلمات لكل منها دلالته الخاصة، يأخذنا الكاتب نحو سدة الشكليات والمظاهر الخارجية والإغراءات التي تعكف في جوف هذا العنوان الكبير..

                        //فالثوب// هنا برمزيته يدل على عدم الاستقرار والثبات..وذلك لأنه يتغير ويتجدد كل حين..
                        ويدل على طبقة المجتمع الذي ينتمي إليه الفرد..وثقافته وحضارته وتاريخه خاصة إذا اصطحب الثوب بالنقوش والرسومات التي تدل على أصله وجنسه..
                        ثم فلسفة الثوب تتماشى مع الجوهر المكنون والرؤية البعيدة المدى التي تنطوي من وراء رمزية الثوب الملكي وأبعاده السياسية ونمط الحياة الذي يريد توضيحه الكاتب في هذه القصة القصيرة جداً..ثم هوية المجتمع ..

                        // الملكة//
                        وترمز لنوعية الحكم السائد في البلاد والذي تحكمه امرأة تملك من الأحاسيس والعواطف التي جبلها الله عليها، أضعاف الرجل والذي إذا اختل توازن المشاعر فيها، يختل معها نظام الحكم ومنهاج المجتمع كله..وحينها يُعرف المصير لهذه المملكة التي تحكمها ملكة..

                        // الجديد//
                        في رمزية هذه الكلمة هي عملية تغيير وتجديد لمنظومة الحياة وعملية تبديل لنوعية الحكم والقرارات ونهج الحياة الروتيني..
                        تغيير الثوب هو تغيير واقع تمّ فيه فشل ما وإعادة ترميمه بطراز جديد يعيد للواقع روحه من جديد..
                        وهكذا يحدث في جميع الأنظمة الوضعية حين لم تعد تجدي وفق تطورات المجتمع وعمق الفكر المتجدد الذي يحتاج عالماً جديداً يتأقلن وفق أبعاده وخياله..
                        .
                        يبدأ الكاتب قصته بكلمة
                        // دنونا//

                        /دنونا منها/ هي فعل ماضي مرتبط بال/ نا/ الدالة على الجماعة..وهنا نرى ذلك البعد الدقيق المتقن في استخدام فعل..دنونا..وهو عملية الاقتراب البطيئ من الملكة..والذي يحمل الرهبة والخوف من سمو الملكة صاحبة الحكم في البلاد..فالكاتب لم يقل وقفنا أمامها أو بجوارها..بل..دنونا..لتمهد عملية الرهبة التي تتملك الفرد حين يكون في مجلس حاكمه..
                        وهذا الفعل جاء متماشياً بالضبط مع المفردات التالية للنص بقوله:

                        //حين استرهبنا سحر النداء: //
                        فالرهبة تحتاج التأني في الاقتراب خوف القادم المجهول..وهذا نوع من الذكاء التوظيفي للغة والتي تدل على البراعة في اختيار ما يلائم النص بحذافيره ليتماشى مع جزئيات الحدث...
                        أما كلمة // سحر// جاءت متماشية مع ما يفعله السحر في تغيير النفس لوقت قصير والذي يتم بلا تفكير عميق أو إدراك لحيثيات اللحظات المفتونة..
                        سحر النداء كان عاملاً مهماً في جلب النفوس والتقوقع حول أبعاده..وهذا يذكرنا بنوعية الدعايات وفبركتها وطرق التسويق التي يروج لها وسائل الإعلام لجلب قدر معين من الزبائن لبيع المنتج..فالترويج للشيء بدعاية سحرية تسلب القلوب قبل العقول..وهذا ما حدث مع سحر النداء الذي يقول:

                        //"إني أحمل مسكاً!"//

                        كلمة المسك حجبت العقول عن التفكير وجلبت القلوب والحواس دون وعي ودون عمل العقل..
                        المسك هنا يدل على هوية المجتمع وتاريخه ونوعية الطبقة الإجتماعية المرفهة والمستوى المعيشي الذي تتميز به هذه الفئات وحالات الناس هنا..
                        المسك يعتمد على الرائحة بحاسة الشم..وهو مسلك حسي يدخل عن طريقة هذه الحاسة لأعماق القلب..فالرائحة العذبة السحرية هي عامل مساعد للإغراء والإعجاب والإفتتان..
                        ثم الناتج فساد الروح إذا تخلى الفرد عن دينه واتبع هواه ليقع فريسة المعاصي والذنوب..وإلا لما نهى المصطفى عليه الصلاة والسلام للمرأة أن يشتم رائحتها الغرباء..فالرائحة الطيبة لا تتوقف عند حدّ الرائحة السحرية والجمال بل تكون ملغومة أحيانا لوكر الفساد...لذلك الكاتب بذكائه وبراعته وحذقته الأدبية المتمكنة أردف يقول:

                        //فطرنا، من شدة الإغراء، بلا وعي، إلى حيث مجلس الإحذاء. //

                        هنا ظهرت عملية الإغراء والتي تنمّ عن عدم الوعي في تقدير ما سيحصل لاحقاً..
                        وهذه سياسة يتبعها الساسة في جلب العقول لصالحهم وتمكينهم من تغيير طبائعهم ومبادئهم..من خلال الإغراءات التي تُقدّم لهم من تحت الطاولة السياسية والمصالح الذاتية والحفاظ على الكراسي..
                        هنا في هذا المقطع هو بداية التنفيذ لمخطط سياسي أو اقتصادي أو إجتماعي وغيره لتحقيق المآرب المختلفة لأصحاب النفوذ..
                        التنادي بالأقوال على غير شاكلة الأفعال..
                        فالهتافات المزيفة والمنمقة ليست سبيلاً لنيل المراد وتحقيق الطموحات..بل على العقل أن يختم حكّ الدماغ ليخلص لرضى الذات والضمير الحي...
                        مثل هذه السياسات البراقة التي تحصد في كسب النفوس ليكون بعدها الندم..
                        يكمل الكاتب لوحته الإبداعية المتفردة بقوله:

                        //شذا العطر، ونحن في حضرتها، فارتقينا حتى بلغنا سدرة الإغماء. //

                        هذه الفقرة كانت قمة في الجمال والسبك..
                        وقمة في عملية التبعية لنظام الإغراء هذا..
                        الأوصاف التي استخدمها الكاتب فاتة للروح ومحببة للذائقة حتى عاش من خلالها المتلقي درجة من جمال وسحر الحرف في تصوير عملية الإغراء هذه..وهذا هو ما يسمى بنظام التبعية التي يتخلى فيها الفرد عن ضميره وفكره ويترك عقله جانباً في سباتٍ لحينٍ من الزمن حتى الصحوة التي تهزه من موت أو ضياع..
                        قمة الجمال في هذه الديباجة والسمفونية المطربة في التعمق بين زوايا الحرف هي تلك الكلمة التي تنتشي الروح بسماعها وتذكرنا بالجمال وعذوبة اللقاء بسدرة المنتهى في جنة الله.. تناص أبداعي متقن من كاتب يعرف كيف يغرس حرفه..بقوله // سدرة الإغماء// وهذا يتبع كيفية الطرق والأساليب التي تنتهجها أنظمة اليوم لتركيع البشر تحت قوانينها وحتى بلا إغراءات..عن طريق التهديد بالسلاح والسجن والتجويع.. بعد هذا الجو المفعم بالتبعية والإغواءات تأتي عملية الصحوة..والتي يحركها حدث ما أو نكسة ما أو صاعقة تهزّ العقول والأنفس..
                        وهذه الصحوة جاءت على يد غلام..
                        حيث يقول الكاتب:

                        //طلعت علينا شرارات تلفح الوجوه حين استفقنا على صرخات الغلام: "أن يا أيتها العير، إن المسك لَكيرٌ!"//

                        من هنا بدأت عملية التحويل وإعادة دور العقل..
                        //على صرخات الغلام//..هنا وجدت في طرح كلمة غلام أفضل من كلمة رجل أو شاب..
                        وفي ذلك ذكاء عالي في انتقاء الألفاظ الملائمة المتقنة لتحقيق اكتمال الجمال..
                        لأن الغلام أقرب للتصرف بعفوية وبصدق في ادعاءاته وتلك الشرارات الحارقة التي تختفي تحت لواء المسك..وذلك الغش الذي يكمن في أسلوب التعامل مع الشعب..
                        وهذا يبرز من وجود الغلام أن الأمة بخير ومنه عملية التواصل بين الأجيال..وهو بمثابة الجيل الجديد لهذه الأمة الذي سيغير وجه التاريخ نحو الأفضل..وكلنا أمل بالجيل القادم..
                        عملية التنبيه التي صدرت من الغلام هي بمثابة فترة زمنية تمر بها الأمة والتي تكون بمثابة عهد جديد يحكمه الصحوة وليست الغفلة..وبالفكر والعلم والتطور والوعي والنضج يتحقق تغيير المجتمعات نحو مستقبل آمن..
                        // إن المسك لكير//
                        هي تلك المرحلة السوداء التي تمر بها أمتنا وهي في خداع مع حكام وساسة وإدارة فاشلة تحمل كل أسباب الشلل والضياع والظلم..
                        عملية غش في كل المفاهيم والتي تخططها أيدي مغموسة بدم الأبرياء...
                        .
                        .
                        الكاتب الراقي الأديب الفذ المبدع
                        أ.محمد شهيد
                        النص القصير هذا والذي يتمثل في عمق فكركم وحجم خيالكم لهو طاقة إبداعية متفردة تدل على الترابط والاتقان للعبارات وملائمتها مع روح النص..عدا عن اندماج الرموز مع الدلالات المختلفة التأويل المعبرة عن واقع الحكم العربي في البلاد..أو هناك تأويلات تأخذنا نحو التعلم من قيم إجتماعية وتربية الفرد على النحو الذي يرضي ربنا..
                        لذلك فالقصة هذه جاءت متعددة المفاهيم زاخرة بالعبر مكتظة بتدريب الفرد على مفاهيم وعادات وقيم ذاتية واجتماعية تفيد في إصلاح الفرد وعمله الصالح في نطاق الذات وعلى نطاق أوسع في المجتمع العام..
                        .
                        جزاكم الله كل الخير
                        ودام عطر حرفكم ينثر العبق في سماء الأدب..
                        وفقكم الله لنوره ورضاه
                        وأسعدكم في الدنيا والآخرة
                        .
                        .
                        .
                        .
                        جهاد بدران
                        فلسطينية
                        التعديل الأخير تم بواسطة جهاد بدران; الساعة 21-09-2020, 18:03.

                        تعليق

                        • جهاد بدران
                          رئيس ملتقى فرعي
                          • 04-04-2014
                          • 624

                          #13
                          النّص : تحــطــيم
                          النّاص : فرحان بوعزة
                          القراءة : جهاد بدران
                          .....................


                          النّص :


                          فتحت له الباب وهي تحمل كل أناقـــتها في ملابسها الفضفاضة.
                          استدارت حول نفسها وقالت له:
                          ـــ كيف أبدو لك ؟
                          ـــ من أنتِ؟
                          ـــ يا لــك من أعمش! افتح عينك جيدا.
                          قصفها بنظرة عميقة وقال: ما رأيت شيئا سوى فزاعة.
                          الفرحان بوعزة...
                          هذا النص كبير جداً بمحتواه ومضامينه ودلالاته التي هي واقع إجتماعي مؤلم ..يترتب عليه حياة ومصير لكل أسرة لا تجد منفذاً للتفاهم ولا فقهاً لأساليب التعامل ولا فقهاً في شريعة الله..


                          القراءة :


                          تحطيم....عنوان له أبعاده ومقاسه حسب النص المفروض أمامنا..فهو عنوان مفتوح التأويل غير معرف..ليكون له وجوه أكثر وتتعدّد له المرايا..
                          لكن من خلال العنوان يتضح أنه يوجد حالة سوداوية تتشكّل على كومة أحداث تتناسل خيبات وانكسارات..ربما هي تحطيم للذات أو تحطيم الواقع..أو تحطيم المجتمعات..
                          وهنا سنراود الحرف عن مجمله لنقتص منه مضمون لبّه..
                          ومن خلال النص والمضمون نستطيع الحكم على شرايين النص إن كانت متكاملة الأبعاد متناسقة الخطوات ومتلائمة مع تخطيط العنوان ..
                          لذا سنحرّك شيفرة الحروف ونكسر قيودها بما يتلاءم مع فهمنا للنص..ولكل متلقي له طريقته وزاوية تفكيره التي يبني عليها رؤيته بين السطور المعطاة..
                          الكانب هنا بدأ قصته الصغيرة جداً بقوله:

                          // فتحت له الباب وهي تحمل كل أناقـــتها في ملابسها الفضفاضة.//

                          عملية فتح الباب ..تدل على معرفة مسبقة بموعد عودة زوجها..ومن هنا هذه المرأة تدرك أن واجبها نحو زوجها أن يراها بحلة جميلة..لذلك تهيأت له بكامل زينتها التي تعرفها وربما تتلاءم مع المجتمع الذي تعيش فيه..واختلاف المجتمعات واردة ..والتربية مختلفة من مجتمع لآخر ..خاصة أنها ربما لا تدرك ذلك التطور السريع والتكنلوجيا التي أصبحنا باستغلالها بطريقة الشكل لا الجوهر..

                          // تحمل كل أناقـــتها//

                          عملية /تحمل/ هو فعل يترتب عليه جهد ما ..لأن الحمل فيه مشقة معينة تتغير بقدر الوضع الراهن والمفروض..
                          ومن هنا نرى أن الزوجة بذلت جهداً لصالح من؟
                          طبعاً لإدخال السعادة لروح زوجها ..تطير فرحاً وهي تجمل بنفسها لزوجها وتظهر بملابسها مدى حبها له وإخلاصها في تحقيق سعادته ..

                          // كلّ//

                          هذا الحرف..كلّ..يدل على عمق الحدث..إذ هي لا تملك أكثر من هذه الأناقة..ربما لا تملك ملابس أخرى تتزين بها..والعيب حينها من تقصير الرجل في تهيئة متطلبات أسرته..فهي بذلت جهداً في تزيين نفسها في كل ما تملك من أناقة..
                          هذا تأويل من زاوية معينة...
                          وتأويل آخر ..وهو أن هذه المرأة لا تملك القدرة في فهم تطورات المجتمع اليوم والإغراءات التي تحيط بالرجل من كل حدب وصوب..
                          بمعنى أنها لا تعي فقه الحياة الزوجية ليكون تضارباً واضحاً بين عقليتها وعقلية الرجل الذي يبحث عن إشباع غرائزه في أشكال مختلفة..
                          فكثير من النساء لا تفكر بعد الزواج في طرق الحفاظ على زوجها وخاصة مع كثرة وسائل الاتصال الإجتماعية..لتكون فريسة جهلها في التسبب في الصراع بينها وبين زوجها...
                          ولكن مع هذا كله..يقع اللوم على الزوجين..في عدم التفاهم وتبسيط الحياة بجمالية التعامل والحفاظ على الأسرة من منطلق المخافة من الله..فالخوف من الجليل يُهذب الروح ويصقلها ويجعل عمل الزوجين من منطلق رضا الله..
                          ومتى كانت المسؤولية والأمانة نصب أعينهما..كان السبيل للتفاهم وتسوية الأمور أقرب للسعادة والانسجام بينهما..

                          // في ملابسها الفضفاضة.//

                          الملابس الفضفاضة كانت صورة واضحة عن مستوى هذه المرأة في حياتها داخل المنزل..
                          وبهذه الجملة كشفت سر أبعاد الحياة التي يتطلع لها الرجل ..وهنا يبدأ التضارب في الأفكار والفهم والعلاقة المنكسرة بينهما..مع ما يتطلع إليه الرجل من ملاحقة التطور الاجتماعي اليوم..وهذا يتطلب ذكاء إجتماعي منهما الإثنين في حسن التصرف والحصول على المبتغى بأرقى السبل دون كسر الخواطر وتشريح الواحد منهم للآخر...
                          لأن الزواج والأسرة هي أعظم مملكة في الكون..يترتب عليها فن المعاشرة وفن التعامل..فهي بمثابة مؤسسة يجب أن نعمل لإنجاحها ورفعها لرضا الله..
                          وطبعا لابد وأن تتواجد المشكلات المختلفة والهنات المتكررة في الحياة ..لكن يبقى الأسلوب الذي يتبعه كل منهما مع الحفاظ على ثقافة الاعتذار والتسامح والنزول لمستوى الصفح والتنازل مقابل أن يبقى البيت دافئاً..
                          كما كان يفعله صلى الله عليه وسلم..حيث كان ينزل لمستوى عقول زوجاته..
                          وللأسف الشديد حالات الطلاق الموجودة في مجتمعنا وصلت للقمة..وهذا انعكاس واضح من عدم التفاهم والتسامح والبحث عن طرق بديلة لرفع مستوى التعايش بينهما...
                          فكل منهما عند أول مشكلة تصادفهما ..أول ما يفكران به الانفصال..دون اللجوء للبحث عن طرق تغيير لتعديل الحياة..وصبر كل منهما على الآخر هو باب من أبواب الجنة..
                          ومن الحكمة والذكاء والفطنة نزول الرجل لعقل المرأة ..خاصة مع ما تحمله من عاطفة ورقة ..فهن كالقوارير..والله تعالى ورسوله قد أوصى الرجال بالنساء من كثرة ما تتحمله في الحياة الدنيا..
                          "عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
                          ( اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا ) رواه البخاري (3331) ومسلم (1468)
                          وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي ) رواه الترمذي ....
                          وهنا لا أحمّل المسؤولية في التعامل وحسن المعاشرة للرجل وحده ..بل هي شريكة في كيفية تعاملها وطاعتها وحسن لباقتها في جلب زوجها لها..يجب أن تكون حكيمة في المعاملة والقول..احترامها لزوجها بلطافة لغتها وحسن اختيار الألفاظ في المحادثة معه..في الصبر عليه وتحمل مشاق الحياة برضى وانتظار الثواب من الله..
                          فالبيت العظيم الدافيء وراءه امرأة حكيمة تحسن تدبير أمورها في كل شيء..
                          فقد قال تعالى عن مملكة الحياة الزوجية:
                          ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
                          ( سورة الروم: الآية 21 )
                          ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾
                          ( سورة النساء: من الآية 19)

                          فالمودة والرحمة تأتي من زينة التدبر والتفكر فيما خلق الله في هذه الأسرة والتي سينتج منها أجيال صالحة تقوم على بناء هذا المجتمع الذي تتكالب عليه قوى الشر وأذناب الكفرة والفجرة...لننظر للحياة على أنها شيء مقدس وكيان له احترامه وخصوصياته حتى نشعر بقيمة تلك العلاقة التي أوجدها رب العزة...

                          يكمل الكاتب قصته بما يثبت ما قلته سابقاً وتلك اللهجة التي يتبادل بها الزوجان الحوار..:

                          // استدارت حول نفسها وقالت له:
                          ـــ كيف أبدو لك ؟
                          ـــ من أنتِ؟
                          ـــ يا لــك من أعمش! افتح عينك جيدا.
                          قصفها بنظرة عميقة وقال: ما رأيت شيئا سوى فزاعة//

                          هنا فعل /استدارت/ يعبر عن مدى سعادة الزوجة وهي تعتبر نفسها بكامل أناقتها...وكان هذا قمة استعدادها لإدخال السعادة لقلبه..
                          والدليل هذا الحوار الذي فتح أبواب التعرف على ذات كل منهما...
                          فحين بادرته بسؤالها ..
                          /ـــ كيف أبدو لك ؟ /
                          كان من الواضح أنها تنتظر جواباً إيجابياً خاصة مع مدى استعدادها لاستقباله...
                          لكن المفاجأة هنا والتي حملت الاستهزاء والاستحقار منه لها..بقوله:
                          / ـــ من أنتِ؟ /
                          فتح باب الدفاع عن النفس بعد الجهد في طبع السعادة لقلب زوجها من خلال تجهيز نفسها..والدفاع جاء تلقائيا ونوع من أنواع القهر بقولها:
                          / ـــ يا لــك من أعمش! افتح عينك جيدا/
                          هذه الجملة كان الأولى أن تكون بطريقة أجمل وبنفس الرد..لكن بأسلوب محبب أكثر حتى تكسر ازدراءه وتحقيره..
                          لكنها فقدت أسلوب التعامل اللبق في وقت اللا مبالاة..
                          والأعظم من ذلك سوء معاملته وعدم حفاظه على الرباط المقدس الذي يجمعهما..حين قال:
                          // قصفها بنظرة عميقة وقال: ما رأيت شيئا سوى فزاعة//...
                          هذا السلوك يدل على أنه يحدث خلل في فهم الآخر..وتحطيم الشخصية والحياة الزوجية..فلا يوجد حوار لائق ومحترم من قبل الإثنين ..فهما بحاجة لبناء خطة أخلاقية ومنهاج تعاملي فيه الاحترام المتبادل..
                          وفي مثل هذه الحالة لا تتوقف الحياة ولا نحكم عليهما بالطلاق ..بل الحياة تحتاج منا التضحية والتنازلات وهذا ليس عيباً كي تستقيم الحياة..لنغير أسلوب حياتنا وطرق السعادة وفتح باب التفاهم والمصارحة..
                          وأكثر ما يبني الحياة هي كلمة التشجيع ورفع الهمة بكلام طيب لا بالاحباط وكسر اللغة والسباب والشتائم..لنرقى بأسلوبنا في التعامل ..ولنجعل الله مفتاح حياتنا في كل شيء مع الخشية منه والتقوى..
                          من هنا كان العنوان لباساً لكل عناصر فحواها..لأننا نكون سبباً في تحطيم الآخر من أنانية كل واحد منهما..
                          ...
                          هذه القصة فتحت أبواب كثيرة يمكن أن نبحثها ونتداول أبعادها لإصلاح المجتمعات التي تفتقر لفقه المعاملة وفهم قوانينها ودورنا كمخلوقات نعمل وفق رضا الله تعالى...
                          من نافذة هذه القصة ربما كان ثوب القلم فضفاضاً في التحليل والقراءة ولكن كان لزاماً علي تقديم ما يواجهه المجتمع من مشاكل يومية تحيل الحياة للطلاق والانفصال وتشتت كل الأسرة بأفرادها..
                          الكاتب الأديب الكبير المبدع الراقي
                          أ.فرحان بوعزة
                          استطعتم.. بذكاء وفطنة.. أن تقدموا عناصر القصة القصيرة جداً باقتدار وباختصار وما حملت في ظلالها من اختلاف في الواقع الاجتماعي الذي كان في بيئة الأسرة والذي يحتاج لتوازن دقيق بين الطرفين وتعايش واع يجمع بينهما للاستقرار..مما جعلنا نقف ببن أركانها والسبر ببن أغوارها لجمال سبكها وترتيب ألفاظها..وهذا يدل على حرفيتكم ومنزلتكم الأدبية الراقية وما تمتلكون من حسن التوظيف والبناء..
                          بوركتم وما نطق قلمكم من المحتوى الذي يحمل العبر والدروس ...
                          وفقكم الله لنوره ورضاه
                          وشكراً كبيرة لنخيل الأدب الذي تغرسونه في كل مكان..
                          .
                          .
                          .
                          .
                          جهاد بدران
                          فلسطينية

                          تعليق

                          • جهاد بدران
                            رئيس ملتقى فرعي
                            • 04-04-2014
                            • 624

                            #14
                            النّص : مجاهدة
                            النّاص : فرحان بوعزة
                            القراءة : جهاد بدران
                            .......................


                            النّص :


                            أحسست بخطوات ورائي ، التفت...وجدت امرأة في ريعان شبابها.
                            خفت أن أرمي قلبي بين خطواتي، بسرعة أسقطت عيني إلى الأرض.
                            أحسست بالانتصار، لكني لم أستطع ردع رائحة العطر الهارب.



                            القراءة. :



                            مجاهدة...
                            ومضة عميقة جداً ..من عنوانها كان ممر العبور لكنوزها وأخراج دررها وكشف حقيقة ما تحمله بين ضلوعها من معاني وقيم وحكم وعبر وموعظة حسنة لجيل هذا اليوم الذي يضرب بالأخلاق عرض الحائط..
                            ومضة هادفة يفيض منها العبر والمواعظ..وتحمل في طياتها رسالة
                            أخلاقية ونفسية ودينية وإجتماعية..
                            ومضة حيكت بذكاء وفطنة ودراسة..لأنها شاملة ويقبع تحت حرفها الكثير من الدروس القيمة..لأنها باختصار رسالة توجيهية لجيل هذا العصر ..لضبط النفس ومجاهدتها من الوقوع في الشهوات والملذات والمعاصي..وبفضل المجاهدة الذاتية التي تأخذ من النفس جهداً في كبت جموح النفس وعدم خروجها عن الآداب الإسلامية والأخلاقية والنفسية..
                            إن الكاتب المبدع البارع هو الذي يبني ومضته بإحكام وإتقان بحيث يكون عنوانها الخيط الرفيع الذي يفتح للمتلقي ربطه بجسد النص ويبدأ بالتنقيب والكشف عن أعضاء هذا الجسد الملائم لما تحت الكلمات من غموض..
                            وبما أن الكاتب أعلن عن عنوان ومضته بالمجاهدة..هذا العنوان يأخذنا لتجاويف الذات وعلاقة الذات بالتحرك الحسي والجهد في بذل القوة في كبحها وردعها عن غيّها واعوجاجها...
                            فالمجاهدة من..
                            "جاهد الشَّخص / جاهدَه الشَّخص : سعى وحاول بجِدّ ..بذل وسعه
                            مجاهدةُ النفس : جهاد روحيّ للنفس بفطامِها عن الشهوات والرِّضا بمشيئة الله"...
                            وهنا المجاهدة في حق سمات الشخصية المؤمنة التي تريد غض البصر وكسر الشهوات بالإنتصار على نزوات الذات ومجاهدتها بعكس ما تريده النفس الأمارة بالسوء...
                            ويأتي دور المجاهدة..من جهاد النفس والذي هو من أنواع الجهاد في رضى الله ..
                            كما في الحديث: "المجاهد من جاهد نفسه في الله". رواه الترمذي وصححه الألباني"..
                            فالمؤمن القوي هو الذي يتلاعب في هوى ذاته ويسيطر على نزواتها وأهوائها..ولا يدعها تأكله أو تقوى عليه..لأن مجاهدة النفس وصرفها لطاعة الله ورضاه تكون نقطة تحوّل في الشخصية ومسك زمامها من الإنحراف والوقوع في شراك المعاصي والفساد..وبمجاهدة النفس لتقويمها.. سبيلٌ للوصول للجهاد الأكبر في سبيل الله والذي هو أقوى أنواع الجهاد إذ يبذل روحه وماله وأهله في سبيل رضى الله ..
                            لذلك فكلمة المجاهدة لها تأثير كبير في صقل الذات من الغي والإنحراف..وجلدها من المعاصي والذنوب..والمؤمن القوي هو الذي يملك بوصلة توجيه النفس لنور الله لا العكس..
                            يبدأ الكاتب قوله :

                            ( أحسست بخطوات ورائي،)

                            من خلال الفعل الماضي ( أحسست).. نفهم منه أن هناك تشغيل لكل الحواس وليس لحاسة واحدة..كما لو قال..سمعت خطوات ورائي..فالفعل ( أحسست) جاءت معبرة أكثر وشاملة لكل الحواس..وإلا ما الذي يجعل الشاعر يحس بخطوات وراءه..إلا إذا كان السمع والقلب والذهن والمشاعر قاست حجم هذه الخطوات...عدا عن أن عملية الإحساس بوقع أقدام من الخلف تدل على أن هناك خطوات رقيقة تمشي خلفه مما جعلته يشغّل الحواس كلها ليبني عليها توقعاته والتي جعلته من حب الإستطلاع ومن جمّ حواسه أن يلتفت للوراء ليقدر صدق مشاعره وإحساسه النابض...
                            لذا فعل ( أحسست) كان في قمة الإتقان وبراعة التوظيف لإعطاء صورة صحيحة عن خلفية الشخصية التي تتبعه وتلاحقه...حيث فيها معاني الرقة والخفة والجمال في المعاني والوصف..

                            وأما في قوله: ( بخطوات ورائي)

                            هنا لم يقل الكاتب : بوقع خطوات ورائي...
                            لاحظنا أن فعل ..أحسست ورقة هذا الفعل كان يحتاج لكلمات بعده تفسر هذه الرقة ..لذلك التحق اللفظ بعدها ( بخطوات ورائي) حتى لا تنزع الحس من تلك الخطوات الرقيقة التي تلاحق الكاتب..بدل من كلمة ( وقع خطوات ورائي) لأن الوقع يظهر الغلظة وعمق الخطوة كخطوة الرجل مثلاً...والتي تدل على رجولته وقوته...
                            لذلك عملية اختيار الكلمات هنا كانت في قمة الإتقان والبراعة في التوظيف ويحمل من الفطنة والذكاء ما يدل عليه...
                            بعدها يقول الكاتب:

                            ( التفت)..

                            في هذا الفعل كان رداً سريعاً على ما استحوذت عليه الحواس من الخطوات التي جاءت تتحدث عن نفسها من ورائه..
                            وطبعاً هذه ردة فعل طبيعية لتحسس الخبر الذي نتج من تلك الخطوات.. والذي يدل على التعرف عن مصدر ذلك الصوت بتشغيل باقي الحواس ليدرك الخدث بأكمله...وكان هذا الرد بمعنى اكتمال الصورة من براعة نسج الكاتب لنبقى معه في صورة الحدث بشغف المتابعة ..والذي يعطينا قوته في رسم حدود حرفه وحرفيته في بناء ألفاظه والتي تستوفي كل جنال البناء والتوظيف في حدود الومضة البارعة المذهلة..
                            يكمل الكاتب قوله:

                            (وجدت امرأة في ريعان شبابها)

                            في عملية الإلتفات كان له حظ كبير في التعرف على شخصية الملاحق له ..ولولا عملية الإلتفات لبقي الهاجس والتحزر وفرض الفرضيات والتخمين قائمة في رسم الصورة الحقيقية لتلك الملاحقة..
                            لذلك كان صورة الشخصية عملية تأكيد متقن لرقة هذه الشخصية والتي نستدل بذلك من خلال وصفه بأنها ..امرأة في ريعان شبابها..بمعنى جمالها الآسر ورقتها التي تفوح عذوبة وشفافية..
                            وعملية وصفه لها بأنها في ريعان شبابها..يعني أن جمالها المبهر كان عنوان خطفها له في خلال التفاتة واحدة..وشدة جمالها جعله يخاف من عملية الإفتتان والوقوع بين حبائل الشيطان..لأن النظرة سهم من سهام إبليس وممر للعبور للقلب..
                            لذا نطق الكاتب ما يجول بنفسه وما يفرض عليه خوفه ..حيث قال الكاتب:

                            ( خفت أن أرمي قلبي بين خطواتي، )

                            عملية رمي القلب بين الخطوات..وليس الدوس عليه.. رميه بين الخطوات لأن تراه وتتعلق به لأنه مستديراً ظهره لها..ورميه بين الخطوات كي تراه وتحس به ..لذلك خاف أن يجعل قلبه محطة عبور لها ..ليكون الخوف رادعاً له من الوقوع في شباك لا يعرف عاقبته..
                            وكان الله الدافع لذلك الخوف ويبعثه بالمجاهدة مع النفس والصراع القوي لشهوات الذات والإنتصار على نزواته التي لاينتهي بالفرد أبداً..وهنا وبالمجاهدة يكمن سرّ القوة عند المرء..تلك القوة والدرة المضيئة التي يسكت المرء شهوات ذاته ويصبر عليها ويقوّمها ما استطاع بغية إرضاء الله وطاعته..وهذه من أقوى عمليات المجاهدة للنفس..لأن مجاهدة النفس إنما هي محرك أساسي للإنطلاق نحو النور بكل شيء ونحو الطمأنينة والراحة والتي لا يحس بها إلا من تذوق حلاوتها وحلاوة الحياء الذي يصحبها والذي هو قمة الإيمان للمرء المؤمن..

                            (بسرعة أسقطت عيني إلى الأرض)

                            من ذكاء الكاتب توظيفه لكلمة ( بسرعة)
                            لأنها كلمة انعكاسية لمعنى الحياء..وانعكاس للإيمان وعدم استفراد الشيطان ومداخله اللعينة للنفس..لأن مداخله كثيرة وطرقه لعينة لمن لا يملك لنفسه الحياء والإيمان والمجاهدة...
                            لتأتي عملية الحياء والخجل واللذان هما ضياء نور الوجه عند كل إنسان مؤمن يخاف الله وتنتظر منه الأجر والثواب...
                            ومن خلال عملية غض البصر هذه وحلاوة وقعها في النفس ..فإن الله يبدله مكانها نوراً وحلاوة عظيمة لا يعرف نشوتها ولا طعمها إلا من تذوقها وعمل بفعلها...
                            ومن خلال هذه الخصال يوجّه الكاتب دروساً وعبراً وموعظة وحكماً لجيل هذا العصر الذي يفاخر بمعاصيه ويجهر بشهواته ويعلن للملأ بفساده..وقد غابت خصلة الحياء من الكثيرين اليوم بجهر معاصيهم وفواحشهم...
                            يكمل الكاتب وينهي ومضته البارعة بقوله:

                            (أحسست بالانتصار، لكني لم أستطع ردع رائحة العطر الهارب)

                            طبعاً هذا شعور وإحساس أكيد بالشعور بالإنتصار للنفس الأمارة بالسوء..حين كبح جماحها وانتصر على شهواتها..حيث يبدله الله شعوراً عظيماً سحرياً يسري بالجسد مع كل خلايا الدم ويتدفق إيماناً وراحة لا يتذوقها إلا من عرف...
                            ولكن الكاتب بحنكته وذكائه وقوة بصيرته في ربط حروفه ببناء متقن ونسيج متين..جعل من رائحة العطر الهارب..مكان المجاهدة عن بعد ومحل صراع مع النفس للخلاص من ألاعيب المعاصي ومداخل الشيطان لنفسه...يعني تركنا الكاتب نقاوم أو نعود للمعاصي من خلال شدة الرائحة العطرية التي تنبعث من المرأة..والتي تشير لحبائل المعاصي..ومن هنا قد حرّم الإسلام خروج المرأة برائحة عطرية تفوح على الملأ..لشدة إغوائها في نفس الرجل ووقوعه في المعصية..لأن العطر له رائحة يفتتن بها الرجل ويتلاعب به الشيطان لإيقاعه بخيوط المعاصي...
                            ......
                            الكاتب الكبير الأديب المبدع الفذ
                            أ.الفرحان بوعزة
                            رسمت لنا لوحة بارعة النسج بأسلوب فريد وحروف منتقاة لها وقعها في الذات وتأثيرها في النفس من خلال ما احتوت عليه من دروس وعبر وحكم وتوجيهات لجيل هذا العصر وجيل المستقبل ليعود لمحراب ربه ويبتعد عن طرق الغواية والحرام ويبقى بين أحضان نور الله تعالى
                            بوركتم وفكركم الواعي وقلمكم الرشيق البارع
                            وما حملتم من رسالة سامية استخرجنا دررها من أعماق هذا النص الباذخ بكل أنواع العبر وممزوجاً بصور الجمال السحرية ..
                            شكراً لكم وما منحت الخيال والفكر أن ينسج أبعاداً وتأويلات لهذه الومضة وما حملت بعد في طياتها الكثير من تأويلات ودلالات مختلفة..
                            وفقكم الله ورعاكم وحفظكم لما يحبه ويرضاه
                            .
                            .
                            .
                            .
                            جهاد بدران
                            فلسطينية

                            تعليق

                            • جهاد بدران
                              رئيس ملتقى فرعي
                              • 04-04-2014
                              • 624

                              #15
                              النّص : رغيفُ خبز!
                              النّاص : محمد مزكتلي
                              القراءة : جهاد بدران
                              ......................


                              النّص :


                              صَفٌّ طويلٌ والكل ينتظرُ دَورَه.
                              سَقَطَت قُربَهم قذيفَةٌ طائِشة.
                              - الحمد لله، سَيهربُ الجميع، وأغنَمُ الخُبز.
                              لَم يتحرَّكْ أحد!.


                              القراءة :



                              يا لروعة جمال السبك وقدرة الكاتب على بناء الحرف بتوافقه مع المعنى...
                              رغيف خيز..
                              قصة قصيرة جدا..أدلت بمضامين ودلالات على الصعيد الفردي والصعيد الإجتماعي والصعيد السياسي..حتى استطعنا ارتشاف العبرة والحكمة من بين سطورها وجُلّ فحواها وما حملت من أبعاد تأويلية رضخت تحت عنق شعب بل أمة تعيش وفق سياسات ممنهجة في تركيع الشعوب وإخضاعها وإذلالها..
                              حتى قادتها وزعمائها اتبعوا سياسة التجويع لشعوبهم من خلال دراسة وافية من أباطرة الكفر وصانعي الظلم لتوطيد وتمكين قواهم بالسيطرة على الشعوب من خلال القاعدة الحياتية الأساسية التي يجب أن توفرها للفرد كي يعيش باستقرار وأمن وأمان..لكن هؤلاء القادة ولاة الأمر لا يملكون القدرة في قيادة شعوبهم وفق نظام متكامل يمنحهم الحرية في كل شيء..لأن الحرية في نظرهم لا تفي بوصولهم للحكم والتشبث بالمناصب..بل على العكس تقلل من صلاحياتهم وتحد من التحرك وفق نفوذهم ..ولتأمين الغرب من العبث في قيادتهم تحت سمعاً وطاعةً لهم لتبقى كراسيهم في أمان..
                              بعيداً عن إدارة بلادهم في عمل واعي الفلسغة والأسس والأهداف ثم تطبيق ذلك وفق منظومة تحافظ على الاحتياجات الأساسية للفرد..وفق قوانين تجديدية لحياة الأفراد والمجتمعات التي توفر الأمن والاستقرار في بيئة مدروسة تضمن استقرار وأمن الفرد داخل دولته وعلى أرضه ..
                              لكن قادة اليوم خالية عقولهم من حمل رسالة تضمن وجود أمتهم وأمان شعبهم..ولذلك من منطلق عدم حمل رسالة الأمة والتي تضمن وحدة الشعب وتجنب انقسامهم وتمزقهم للطائفية والحزبية التي تفتح أبواب المصالح والنفوذ والعمل في عصبيات مختلفة..وتتشرع الأهداف الفردية فوق مصالح الجميع والتي تساهم في تمزيق الأمة أكثر..لذلك كل حاكم لا يملك رسالة هادفة تتبلور وفق مضامين العصر المتغيرة ووفق تطوير استراتيجيات تلائم بناء مجتمعاتنا وفق الرسالة الربانية والمنهاج التربوي القويم الأساسي الذي بنبع من الكتاب والسنة..
                              في ظل غياب الشريعة وتلاشي تطبيقاتها ..تكون نتيجة حتمية ممارسة الإذلال والقهر والفساد وتركيع الشعوب بوسائل مختلفة بهدف السيطرة عليهم وتسلطهم واستعبادهم..وهذا هو قمة الجاهلية..لا فرق بين جاهلية اليوم والجاهلية الأولى ..والذي يختلف في ذلك هو ثوبها المزركش والحلة الحديدة تحت مسميات تلائم العصر..ومن هنا بدأ المرض يفتك بهذه الأمة التي لا ترى إلا اتباع قادتها الظالمين الطغاة..
                              من أهم عوامل الأمن والاستقرار إشباع حاجات الشعوب الأساسية الإنسانية من غذاء وأمن..وبغير ذلك يعني التحكم بقدرات الفرد العقلية والنفسية والمادية ليبقى في خضوع تام تحت عزوة الفشل والإحباط بعيداً عن تحقيق الذات الآمنة المستقرة ...
                              .
                              الكاتب هنا بحروفه القليلة استطاع أن يُشغل الخيال والفكر في البحث والتنقيب عن أسرار حروفه وفك شيفرتها بما يتوافق وفق موضوع حساس وخطير ..هو سياسة التجويع المتبعة اليوم في كل شعوبنا العربية...
                              الكاتب يبدأ قصته بقوله المعبر لحقيقة الواقع المعاش بقوله:

                              (صَفٌّ طويلٌ والكل ينتظرُ دَورَه.)

                              صف طويل..
                              كناية عن حجم المعاناة التي يعيشها شعب كامل بحثاً عن حاجاته الأساسية لتسكيت آلامه التي هي مصير حياته..
                              والكل ينتظر دوره...
                              دليل على قهر الشعوب وإذلالهم عن طريق لقمة العيش التي لا يستغني عنها أي مخلوق على وجه الأرض...

                              (سَقَطَت قُربَهم قذيفَةٌ طائِشة)

                              الكاتب هنا أراد بالقذيفة الطائشة الغير متعمدة ..ليومئ لنا المقصود ليست قذائف حرب إنما هو معنى مجازي لمفهوم مستوى لقمة العيش بمستوى الموت..وكأن الكاتب أراد لنا أن الموت والبحث عن لقمة العيش متوازيين..يبحث عنها الفرد وهو تحت سيطرة الجوع أن يفتك به ويقضي على حياته..بمعنى مدى الجوع وخطورته التي وصلت إليها الشعوب اليوم وفق سياسة تحطيم العقول وتركيع النفوس...
                              لذلك اختار الكاتب كلمة قذيفة طائشة..لأن الجوع يفتك بالنفس أكثر من تلك القذائف المقصودة أو الطائشة...

                              (الحمد لله، سَيهربُ الجميع، وأغنَمُ الخُبز.)

                              يكمل الكاتب ببراعة في نسيج النص المثخن بالألم..المشبع بالعبر والحكم والموعظة...ليقول لنا أن الجوع هو من أكثر الحاجات الأساسية الإنسانية التي يحتاجها الفرد ولا غناء عنها مهما حصل له..ولو تم تركيعه وقتل فكره..المهم هو إشباع الذات من غذاء لتتم عملية استمراره بالعيش..حياة الإنسان والروح غالية جداً..
                              فعبارة الكاتب من عملية الخوف والهروب جاءت أيضاً توحي بمدى الجوع الذي يتعرض له الشعب من حكامه وقادته الذين يكنزون الذهب والفضة في خزائنهم وفي البنوك الغربية...كما حدث من قبل وانكشفت الحجب عن هؤلاء الحكام الذين يسيرون وفق نهج واحد...

                              ( لم يتحرَّكْ أحد!)

                              قمة الأبداع في رسم الحرف وفق الغاية الأساسية ووفق طرق تفكير الأفراد اتجاه لوعة وألم الجوع...
                              وهذا قمة الجمال والسحر في بناء معجم تحت معاني هذه الحروف القليلة...دليل على أهمية إشباع الفرد ليؤدي الفرد حياته العادية وفق ذلك الأمن والأمان والاستقرار..
                              ..
                              الكاتب الكبير الراقي المبدع
                              أ.محمد مزكتلي
                              حرفية وإتقان ليس غريباً عليكم في نسيج إبداعكم وقدرتكم في تطويع الحرف وفق منظومة متقنة مؤثرة معبرة استوفت كل شروط الإبداع...
                              ما أكثر فنكم وما أبرع نظمكم..فن راقي ساحر..
                              لا أقول لهذا الإبداع..إلا ..جزاكم الله كل الخير ووفقكم لما يحبه ويرضاه..
                              وزادكم بسطة من العلم والأدب والنور والخير الكثير...
                              .
                              .
                              .
                              .
                              جهاد بدران
                              فلسطينية
                              التعديل الأخير تم بواسطة جهاد بدران; الساعة 23-09-2020, 13:09.

                              تعليق

                              يعمل...
                              X