رسالة من داخل السّجن

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصباح فوزي رشيد
    يكتب
    • 08-06-2015
    • 1272

    رسالة من داخل السّجن

    (1)
    توقّفتُ عن التدخين، ثم عن شرب الخمر بعد ذلك، وكان قرارا ساذجا في نظر المدخّنين والمدمنين. لكنّه غيّر حياتي رأسا على عقب. من الصّعب جدّا أن تقنع مدخّنا أو مدمنا ما بأنّ ما تفعله صواب. لأن المدمن بداخله مركّب نقص لا يداويه تجاهل أو نسيان. وفي مثل حالتي، فإن الأمر أكبر من مجرّد قرار يمكن تجاهله.
    كان أخطر شيء على الجماعة أن أغيّر طريقي، ومن اليمين إلى اليسار. وهذا يعني بالنسبة إليهم أنّني قد تزحزحتُ عن الصّف، والخروج من الصّف يعني تمرّد، والتمرّد يؤدّي إلى الخِذلان.
    خطفتُ انتباه أحد الأعوان المقرّبين إليّ، بينما كنتُ أصلّي، منزويّا في مكتب زميل من الزّملاء المهمّشين، والسبب في ذلك انخراطه السيّاسي "الإسلامويّ"، فأمسى شخصا غير مرغوب فيه.
    عبثا حاول جلب انتباهي ذاك العون المحبوب المقرّب إليّ، المحسوب عليّ؛ لأنّني كنتُ سببا في توظيفه ذات يوم. وحين يئس منّي قال لي بصريح العبارة: "ستدفع الثّمن باهظا يا رشيد". لم ألتفت إلى تلك العبارة السّخيفة، ولا إلى تلك الهمزات واللّمزات التي كانت تلازمني حين أكون في رفقة السّوء، ظِلّ ظِلّيل، لا يفارقُنّني في اللّيل ولا في النّهار؛ فحين تعود السّكينة إلى القلوب وتهدأ الأنفس والأبدان، عندها يَؤُّنُ للتّائهين أمثالي، الضّائعين في الغابات والأدغال، البحث عن زجاجة خمر أخيرة لإكمال السّهرة. ثمّ فجأة ارتأى لي أن أتخلّص منهم بهذه العُجالة:
    ــــ" رويدك يا سي رشيد فلابُدّ وأنّك تسخَرُ منّا !". قالها لي أحدهم حين رآني أحمل سجّادة الصّلاة، وكأنّي به أحمل ذنبا لايُغتفر.
    وحين تأكّد لبعض الوجوه المكشّرة أنّني جادٌّ فيما أزعم وأعتقد، أخذتْ تلك الوجوه التي كنتُ قد ألفتُها تتوارى لتختفي عنّي.
    وذات يوم كتب لي صديق رسالة ختمها بمقولة:" Rira bien qui rira le dernier " ـــ
    كيف وصلوا إليه ونهض إليّ يهدّدني!؟
    ـــ لستُ أدري؟!.
    لم أكن اتوقّع تلك اللّهجة القاسية من هذا الشّخص بالذّات؛ تأكّد لي من فحوى الرّسالة أنّه يهدّدني، ولم يعد بإمكاني سوى الإذعان.
    تعاملتُ مع صاحب الرّسالة بحذر شديد وبنوع من الذّكاء، وتلك مهنة ورثتها من الفاسدين. لكن صديقي لا يريد التخلّي عنّي، فكان يتوعّدني بين الفينة والأخرى. وكنتُ كلّما حاولتُ التملّص منه، وصرف نظره عن الموضوع، يشتدّ ضراوة. فتيقّنت من إنّهم استطاعوا استمالته، وأصبحتُ كلّما رأيته استحضر قول الشّاعر المتنبّي:
    [وَزَائِرَتي كَأنّ بهَا حَيَاءً ـــــــ فَلَيسَ تَزُورُ إلاّ في الظّلامِ
    بَذَلْتُ لهَا المَطَارِفَ وَالحَشَايَا ـــــــ فَعَافَتْهَا وَبَاتَتْ في عِظامي]
    لم يكن لدى صاحبي هذا ما يخسره، فقد كان عازبا ومشرّدا وعاقّا لوالديه، وكانت بداية صلتي به ثلاّجة اشتراها منّي. فاللّعنة على يوم عرفته فيه وعلى الثلاّجة التي ابتاعها منّي.
    يتبع.../...

    التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 19-12-2020, 15:47.
    لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
  • مها راجح
    حرف عميق من فم الصمت
    • 22-10-2008
    • 10970

    #2
    نتابع بكل شغف ..
    رحمك الله يا أمي الغالية

    تعليق

    • محمد فطومي
      رئيس ملتقى فرعي
      • 05-06-2010
      • 2433

      #3
      وجدتُ هنا قصّا جميلا غير متكلّف، وأحداثا مُشوّقة، تجعلني أكون من المتابعين.
      استمرّ رشيد.
      أخلص التحايا.
      مدوّنة

      فلكُ القصّة القصيرة

      تعليق

      • مصباح فوزي رشيد
        يكتب
        • 08-06-2015
        • 1272

        #4

        لا أخفي على سيادتكم أنّني تعرّضت لنوع من العتاب من طرف بعض الأصدقاء بسبب توظيفي للمثل أو المقولة الفرنسية [" Rira bien qui rira le dernier "]، والذي برّر عتابه بأن السواد الأعظم من القرّاء لا يفهمون اللغة الأجنبية مبديا تأسّفه الشديد. وقد انصفته القول بداية لأنّني بصراحة أجهل إن كان يجوز توظيف بعض الكلام باللّغات الأخرى في القصة العربية؟ وأريد أخذ رأي سيادتكم في هذا الموضوع.
        وأنقل لكم حرفيا ما كتبه على الصّفحة التي كنت قد نشرتُ عليها قصّتي المتواضعة.
        مع جزيل الشكر والامتنان على المتابعة و الاهتمام.
        [Salah Aboshanab]
        [ليتك تتخلى عن حشر بعض الجمل الغير عربية فانها علاوة على ان الكثيرين لا يعرفون غير العربية التى هى أشرف واللغات فقد قال رسول الله حين سأل عن سبب حبه للعرب فاجاب صلى الله عليه وسلم : لانى عربى والقرءان عربى ولغة أهل الجنة فى الجنة عربى.
        الرد؛
        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أصدقك القول؛ بدوري أنا أيضا لا أحب غير لغتي الفصيحة، ولكن في
        هذه المرّة كانت النيّة أن أنقل المثل الذي قام بتوظيفه
        هذا "الصّديق" الخائن خاتما به كلامه في رسالته المشئومة، ولكي أجلب انتباه القارئ وتكون لديه فكرة عن طبيعة التهديد وليس من باب الغرور أو التباهي بلغة الغير. ثم إن القول بأن هناك من لا يفهم اللّغات الأجنبية في ظلّ هذا الكم من المترجمات الآلية التي توفّرها محرّكات البحث العديدة يعتبر كلاما غير واقعي من وجهة نظري على الأقل.
        التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 21-12-2020, 07:20.
        لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

        تعليق

        • محمد فطومي
          رئيس ملتقى فرعي
          • 05-06-2010
          • 2433

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة مصباح فوزي رشيد مشاهدة المشاركة

          لا أخفي على سيادتكم أنّني تعرّضت لنوع من العتاب من طرف بعض الأصدقاء بسبب توظيفي للمثل أو المقولة الفرنسية [" Rira bien qui rira le dernier "]، والذي برّر عتابه بأن السواد الأعظم من القرّاء لا يفهمون اللغة الأجنبية مبديا تأسّفه الشديد. وقد انصفته القول بداية لأنّني بصراحة أجهل إن كان يجوز توظيف بعض الكلام باللّغات الأخرى في القصة العربية؟ وأريد أخذ رأي سيادتكم في هذا الموضوع.
          وأنقل لكم حرفيا ما كتبه على الصّفحة التي كنت قد نشرتُ عليها قصّتي المتواضعة.
          مع جزيل الشكر والامتنان على المتابعة و الاهتمام.
          [Salah Aboshanab]
          [ليتك تتخلى عن حشر بعض الجمل الغير عربية فانها علاوة على ان الكثيرين لا يعرفون غير العربية التى هى أشرف واللغات فقد قال رسول الله حين سأل عن سبب حبه للعرب فاجاب صلى الله عليه وسلم : لانى عربى والقرءان عربى ولغة أهل الجنة فى الجنة عربى.
          الرد؛
          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أصدقك القول؛ بدوري أنا أيضا لا أحب غير لغتي الفصيحة، ولكن في
          هذه المرّة كانت النيّة أن أنقل المثل الذي قام بتوظيفه
          هذا "الصّديق" الخائن خاتما به كلامه في رسالته المشئومة، ولكي أجلب انتباه القارئ وتكون لديه فكرة عن طبيعة التهديد وليس من باب الغرور أو التباهي بلغة الغير. ثم إن القول بأن هناك من لا يفهم اللّغات الأجنبية في ظلّ هذا الكم من المترجمات الآلية التي توفّرها محرّكات البحث العديدة يعتبر كلاما غير واقعي من وجهة نظري على الأقل.
          تحية طيبة أستاذ مصباح،
          فيما يخصّني لا أرى في هذا الرأي (أي رأي الصديق) سوى مصادرة لحريّة المبدع في كتابة نصّه ونوعا من المزايدة بالدّين، حيثُ لا داعي لتذكير مُسلم بمنزلة اللغة العربيّة، ثمّ إنّ اللغة العربيّة لغة كغيرها وهي ليست مُقدّسة، المُقدّس ما جاء بلسانها، أمّا المُصطلح فإنساني كما هو المُصطلح الفرنسي إنساني أيضا.
          يورد كتاب لا حصر لعددهم نصوصا بلغات أخرى بل وأحيانا جملا موسيقيّة مكتوبة بالنوتة دون أن يكون لذلك تأثرا على جودة أعمالهم بل إنّها تمنحها عمقا ودلالة.
          مدوّنة

          فلكُ القصّة القصيرة

          تعليق

          • مصباح فوزي رشيد
            يكتب
            • 08-06-2015
            • 1272

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
            تحية طيبة أستاذ مصباح،
            فيما يخصّني لا أرى في هذا الرأي (أي رأي الصديق) سوى مصادرة لحريّة المبدع في كتابة نصّه ونوعا من المزايدة بالدّين، حيثُ لا داعي لتذكير مُسلم بمنزلة اللغة العربيّة، ثمّ إنّ اللغة العربيّة لغة كغيرها وهي ليست مُقدّسة، المُقدّس ما جاء بلسانها، أمّا المُصطلح فإنساني كما هو المُصطلح الفرنسي إنساني أيضا.
            يورد كتاب لا حصر لعددهم نصوصا بلغات أخرى بل وأحيانا جملا موسيقيّة مكتوبة بالنوتة دون أن يكون لذلك تأثرا على جودة أعمالهم بل إنّها تمنحها عمقا ودلالة.
            تم الأخذ بعين الاعتبار. شكرا على الإفادة. كل الاحترام والتقدير.
            التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 23-12-2020, 05:07.
            لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

            تعليق

            • مصباح فوزي رشيد
              يكتب
              • 08-06-2015
              • 1272

              #7
              (2)
              سمعتم بقصّة الدّب وصديقه الحطّاب طيّب القلب المسكين!
              توطّدت علاقتي بذاك الجبان بسبب تلك الثلاّجة اللّعينة، وصار يختلق الأسباب في كل مرّة، وشيئا فشيئا استطاع أن يتقرّب منّي، وحصل على بعض الخدمات. وأقرُّ أنّني خلال مجاراتي له ارتكبتُ خطأ فادحا حين وثقتُ به وتعاملتُ معه كصديق يؤتمن. لكن من كان طبعه الغدر فإنّه لا يرقب في العدوّ ولا في الصّديق إلاّ ولا ذمّة. وحاولوا دفعه كي يخيّرني بين السّجن وشهادة الزّور، ولكن نفسي أبتْ، مستحضرا قول الرّسول الأعظم: ( ألا وشهادة الزّور). فاخترتُ السّجن؛ (السّجن أحبّ إليّ مما يدعونني إليه).
              جاءتني أكثر من فرصة كي أنتقم، واشفي غليلي من الذين عرفوا كيف يتخلّصون سريعا منّي وبأقلّ التكاليف وأخف الأضرار. لكنّني لم أفعل. لسذاجتي ربّما، و ربما لطيبتي الزّائدة عن اللّزوم. لقد مكّنتهم من نفسي، وما كان لهم عليّ من سلطان.
              كان لابد من كبش فداء، ولم يكن هناك سوى العبد الضّعيف السّاذج، قليل الحيلة كثير الحياء. ومن بين الأسباب التي جعلتني أكون قربانا تأكله النّار، مخالطة هؤلاء الأراذل.
              حدث هذا أيضا مع "جبان" آخر؛ ابن بلدة ظلّ يشتغل بالفرع الإداري طيلة أربعة أو خمسة أعوام، استغلّها في التّزوير والمحاباة، في غياب الرّقابة والتفتيش. توسّمتُ فيه الخير، ووثقتُ به كثيرا حينما صار تحت إمرتي، وقرّبته منّي فاطّلع على كل أسراري، وكنتُ سببا في إخراجه من العزلة التي كانت قد ضربت عليه بنسجها، فغدا شخصا مهمّا في قريته النّائية. ولمّا استمكن نسي صاحب الفضل عليه، بل ولم يهنأ له عيش ولم يهدأ له بال حتّى سرق منه المكان؛ "كل شيء تزرعه تحصل على ثمرته إلا بني آدم تغرسه يقلعك".
              فَيَا عَجَبًا لمن رَبَّيْتُ طِفْلاً * ألقَّمُهُ بأطْراَفِ الْبَنَانِ
              أعلِّمهُ الرِّماَيَةَ كُلَّ يوَمٍ * فَلَمَّا اشْتَدَّ ساَعِدُهُ رَمَاني
              وَكَمْ عَلَّمْتُهُ نَظْمَ الْقَوَافي * فَلَمَّا قَال قَافِيَةً هَجَاني
              أعلِّمهُ الْفُتُوَّةَ كُلَّ وَقْتٍ * فَلَمَّا طَرَّ شارِبُهُ جَفَاني

              التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 23-12-2020, 20:37.
              لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

              تعليق

              • ناريمان الشريف
                مشرف قسم أدب الفنون
                • 11-12-2008
                • 3454

                #8
                برأيي الخاص
                أجمل الحكايات تلك المأخوذة من الواقع بكل ما فيه من قسوة وسوء ونذالة
                فهناك نوعان من القصص :
                القصص التي تعرض الواقع كما هو ، وبكل ما فيه من تناقضات
                والقصص التي تعرض الواقع كما يجب أن يكون ، وهذا النوع من القصص التي تميل إلى المثالية غير الموجودة
                فمثل هذا النوع ، مملّ ومتعب للقارئ ، لأن صاحب القصة يتكلّف في سرد شيء غير موجود أصلاً
                رائع وأكثر
                سأكون هنا وأتابع
                تحية ... ناريمان
                sigpic

                الشـــهد في عنــب الخليــــل


                الحجر المتدحرج لا تنمو عليه الطحالب !!

                تعليق

                • مصباح فوزي رشيد
                  يكتب
                  • 08-06-2015
                  • 1272

                  #9
                  (3)
                  - نعم. كلمة سهلة وبسيطة، "خفيفة على اللّسان ثقيلة في الميزان". لو قلتها، ولو على مضض، لطلعتُ كما يقولون كالشّعرة من العجينة.
                  كل أولئك الذين كانوا من حولي، من ذوي القربى والزّملاء والأحباب والأصدقاء... استغربوا في البداية ولم يأخذوا الكلام على محمل الجد، ولم ييأسوا قط.
                  - كلمة ثلاثية الحروف والأبعاد عميقة المعاني، كثلاثية فيلم "العرّاب" (The Godfather)‏ للمخرج السينمائي (فرانسيس كوبولا) الذي استغرق تصويره عقدين كاملين من ا لزّمن. لكنّه في الأخير حصد الألقاب وعاد على أصحابه بأرباح خيالية. واستغرقت قضيّتي حولا كاملا؛ بين الأخذ والرد. ثم انتقلوا إلى التهديد والوعيد، فابتزاز...، وآخرها الاستنطاق على يد رجال الدّرك المحترمين، لأنّني لم أجرؤ على قول شهادة الزّور.
                  - أقولها ثم أعود إلى البيت وأخلد إلى الرّاحة، وتعود الأمور إلى ما كانت عليه، وكأنّ شيئا لم يكن. أو"وكأن شيئا لم يكن" - على حد قول الشاعر[محمود درويش]. لكن النّفس الضّعيفة تأبى أن أزجّ بغيري في موضوع هو بريء منه براءة الذّئب من دم ابن يعقوب -عليه وعلى نبيّنا أفضل صلاة وأزكى سلام-؛ رئيس بلدية غلبان شاءت الأقدار أن تجمع بيني وبينه تحت مظلّة سقف واحد، كان يبحث عن المسئولية ويريدها بأيّ ثمن، (لإرضاء زوجته وحماته التي كانت تعيّره وتذمّه، وبعض المعارف والأصدقاء الذين يتقنون النّفخ وذر الرّماد في العيون؛ بأنّه رجل شهم وشجاع... وهو في الحقيقة معلّم بسيط و حاله كحالي. غير أن مصيبتي أعظم كوني اخترت الإدارة وكان أسوأ قرار أتّخدته في حياتي). لكن رئيسي ضعيف البنية، غلبان. والبلدية تحتاج إلى رجل شديد الشّكيمة، حتّى إذا استعصى عليه الأمر واجهه ببرودة دم وأعصاب فولاذيّة. فالمسؤولية تتطلّب بسْطة في العلم وأخرى في الجسم. [إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ]-كما جاء في القرآن-.
                  كم نصحته ولم أكن بخيلا معه. وكلّما أسديتُ له بنصيحتي، وقلتُ له كما قال الرسول الأعظم: ( يَا أَبَا ذَرٍّ، إنَّكَ ضَعِيفٌ وإنَّهَا أَمانةٌ، وإنَّها يَوْمَ القيامَة خِزْيٌ ونَدَامةٌ) محاولا اقناعه، تحجّج لي بموقف الغير...وردّ عليّ بنفس المنطق:"وماذا سيقولون عنّي؟" . إلى أن وقع في مصيدة غريمي المستهتر صاحب الثلاّجة؛ الثلاّجة اللّعينة التي كانت سببا في معرفتي به وبمرور الأيّام تطوّرت العلاقة لتصبح فيما بعد صداقة ثم تواطؤ قبل أن يتّهمني زورا وبهتانا أنا الآخر. وأقول له كما ورد في الحديث: - ربّ كلمة لم تلقِ لها بالاً, تهوي بك سبعين خريفاً في جهنّم. فأبشر يا هذا إن كنت تسمعني.
                  -كلمة واحدة أقولها تقضي على رفيق دربي، الرّئيس الغلبان الذي رمى بنصيحتي في القمامة ووضع نصب عينيه نصائح بطانة السّوء، وتنتهي المسألة، ويذهب به إلى السّجن، ويعود العبد الضّعيف إلى النّعومة من جديد؛ حياة الكذب والنّفاق والكواليس. لكنّني فضّلتُ السّجن، وفي غياهب السّجن أمور كثيرة أجهلها قد تكون مفيدة للسذّج أمثالي. وكان القاضي الذي استجوبني من المعارف؛ شربنا ذات ليلة مجنونة حتّى الثُّمالة، وركب هواه وفقد السّيطرة على مشاعره وراح يحدّثني عن فتاة أعرفها. كان يومها قاضي أحوال مدنية ببلدة مجاورة، قبل أن يترقّى إلى قاضي تحقيق ويتم تكليفه بقضيّتي. "أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما".
                  بمجرّد عزوفي عن اللّهو وأسبابه وعن شرب الخمر وأهله، أضحت علاقتي بصديقي القاضي من الماضي. ويبدو أن صاحبنا من طينة صلبة، فلم يغتر بمنصبه الجديد، وبقي يحافظ على العلاقة الطيّبة بينه وبين الوجوه القديمة ومنهم العبد الضّعيف، وهذه ميزة تحسب له. وفي المقابل، كان متحفّظا، وأمضى يومه يستجوبني كأيّ واحد من السفلة المجرمين، ثم في آخر النّهار فرّ من مكتبه وتركني أواجه مصيري بنفسي. وبينما خرج الجميع من المحكمة، وبقيتُ وحدي أتابع خطوات العاملة تنظّف المكان هنا وتختلس النّظر من هناك، وتحدث أصواتا تردّدها جدران المكاتب الشّاغرة... وفجأة جلس بجانبي شخص ليس بالغريب؛
                  -إنّه المحامي(ز)! جاء يشدّ أزري. وسلّمني بطاقة عمل تحمل عنوانه ورقم هاتفه ثم انصرف. فأدركتُ أن الأمر لن يطول، وسيأتي أصحاب الأصفاد بالبدلات الرّسمية ليزيدوا على سعادتي فرحة أخرى.
                  التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 27-12-2020, 16:19.
                  لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

                  تعليق

                  • الهويمل أبو فهد
                    مستشار أدبي
                    • 22-07-2011
                    • 1475

                    #10
                    غليان=غلبان؟

                    قصةلطيفة وآسرة

                    تعليق

                    • مصباح فوزي رشيد
                      يكتب
                      • 08-06-2015
                      • 1272

                      #11
                      (4)
                      قبل مجيئي إلى هذا المقر الفسيح الذي قرّر صاحبه الاحتفاظ بي في السّجن، والذي سهرت الدّولة وأجهزتها المحترمة على إنجازه وتشييده في سبيل السذّج الأغبياء أمثالي، لأنّي أعاني من سذاجة حمل وديع يُساق إلى المسلخ وهو يرقص من شدّة الفرح، وعته الحمار الذي يتحمّل الجهد والمشقّة ولا يشكو إلى أحد، ولا حتى إلى صاحبه أقرب الناس منه. كنتُ أعاني من الرّهاب الإجتماعي بداية وأنا في سن المراهقة، ولم أكن أعرف عنه شيئا. وكم أنغص حياتي وأنا صابر محتسب ولم أشتكِ. وقد شجّعني هذا المرض اللّعين على شرب أنواع المخدّرات والمسكرات وكنتُ على عتبة الإدمان، وحتّى أنّني فكّرتُ في الإنتحار. وكان سببا في إقبالي على قراءة العديد من المقالات و الكتب. أتطلّع إلى ما فيها من حالات شبيهة بحالي، وأحيانا أجري أنواع التّجارب "المسمارية" و"البافلوفية" على نفسي وعلى غيري، من السذّج أمثالي... ولعلّي أجد حلاّ لمعضلتي.
                      لأّنّني عشتُ في وسط، تغلّب فيه الجهل على الدّين والخرافة على العلم، فقد كان أمثالي يعتقدون أن ما بهم من هواجس وأمراض نفسيّة سببها مَسٌّ أوعيْنٌ أو سِحر، وأنّ شفاءهم بيد السّحرة والمشعوذين، لا بيد الله العظيم أو الأطبّاء المختصّين!
                      لأنّني أنتمي إلى جيل معرّب، بينما الإدارة كانت " ولا تزال" فرنكوفونية حتى النّخاع، فقد كنتُ - ويا أسفي على المعرّبين أمثالي - أعاني كثيرا من السّخرية والتّهميش، إلى أن سقطتُّ دون إرادتي في زمرة المفسدين. وكل تلك الشّكاوي وطلبات النّقلة والاستقالة العديدة... من التي تعمّدتُّ كتابتها بحروف عربيّة مستنيرة، وحرصتُ على تبليغها للمعنيين بالأمر مباشرة..، لم تحظ بردّ مقنع ومفيد، ولم تجد لها آذانا صاغية.
                      بتُّ أعاني من ألم الخيبة والإحباط، ولم أكن قادرا على نفض الغبار عنّي ولا على المقاومة، وغدوتُ كطريدة شاردة وتحوم من حولها الضّباع. وكقرد زاقح يحاول الإفلات من القفص.
                      دعوتُ الله مرارا أن يريحني من محنتي، بإحدى "الحسنيين"؛ بالموت أو السّجن. وكانت لحظة إجابة.
                      فلترتح والدتي المسكينة دائمة البكاء والنّحيب، ولتهنأ زوجتي كثيرة الشّجْب. وليفرح كل أولئك الذين كانوا سببا في تعاستي... فقد أحسستُ بثقلي عليهم.
                      لم يعد شبح السّجن يخيفني. فهذه ليلتي، و لطالما كنتُ أبحث عنها كي أرضي ضميري و أتصالح فيها مع نفسي. ولطالما اشتقتُ إلى هذه النّفس الرّقيقة، رهيفة الإحساس؛ أنصتُ إليها وهي تعاتبني تارة، وتعدّ مساوئي وتوبّخني؛ فقد كنتُ بالفعل آفة ولم أكن أدري.

                      التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 01-01-2021, 15:36.
                      لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

                      تعليق

                      • مصباح فوزي رشيد
                        يكتب
                        • 08-06-2015
                        • 1272

                        #12
                        (5)
                        تقدّم الأول، ولمّا استدرتُ إليه وكان يحمل الأصفاد، فلمّا اقترب منّي والتقتْ نظرتي بنظراته، تراجع منسحبا.
                        ثم آخر من بعيد راح يسأل: " أين هو؟" وعاد أدراجه لما رآني.
                        ما هي إلاّ دقائق معدودة حتّى جاء شرطي آخر، وكان هذا الأخير ممّن تجمعني به صلة قرابة من جهة الوالدة - رحمها الله -؛ التقيته بعد استقالته من الشّرطة كما قال لي في أحد الأيام حين قمتُ باستئجار شاحنته المتواضعة من نوع "هاربين" وكان في حالة بائسة تدلّ على وضعه السيّء. المهم أن هذا الشّخص بالذّات لم يقم بتقييدي فحسب بل زاد من ضغط الأصفاد على معصميّ وبلا شفقة ولا رحمة حتّى أوجعني فشعرتُ بالألم. وهمس في أذني قائلاً: " تعرف المهنة يا لبلاد". لتبرير حماسته الزّائدة، وربّما لشيء آخر لا يعلمه إلاّ الله. وقام رفقة زملائه باقتيادي إلى سيارة الشّرطة التي كانت بدورها تنتظرني خارج المحكمة، ومن ثمّ إلى السّجن أو المركز، أو...أو..أو... سمّوه كما شئتم، فهو في النّهاية مكان لا يليق إلاّ للموتى-الأحياء، و مقبرة "الدّاخل إليها مفقود والخارج منها مولود" كما جاء في المثل.
                        كنتُ قبل ذلك أمرُّ بالسّجن، إما راجلا أو راكبا، ولا أكترثُ لحال "المقبورين" القابعين فيه، ولا أحبّ حتّى أن أسمع مجرّد الحديث عنهم.
                        ماهي إلاّ لحظات حتى ركنتْ سيارة الشرطة أمام بوّابة رهيبة، يفوق حجمها أمواج البحر العاتية، وكان صاحبها في انتظارنا - على ما يبدو، فقام بفتح الباب على مصراعيه، وأذن لنا بالولوج. وفي سكينة ووقار، ونحو باب آخر كأنّه باب الآخرة، تقدّمت المركبة، منتشية تجرّ ذيل النّشوة والفرحة، ثم توقّفت بنا عند رهط من الزّبانية؛ حرّاس مدجّجين بأنواع الرشّاشات و الأسلحة. كنتُ أسمع عن السّجن وأبوابه السّبعة فبدأتُ أعُدُّ: "بقي خمسة".
                        وسارع صاحبي إليّ ونزع الأصفاد من معصميّ، وكان أكثر حميّة هذه المرّة. ربّما لأنّه اطمئنّ وهو يقوم بتسليمي إلى أيدٍ أمينة لن تفلتني أبدا، ولن أفلت منها مهما أوتيتُ من حيلة أوقوّة.
                        واستقبلني كبيرهم ببشاشة ووجه طليق، وكان يسمّى "عمّي موسى"؛ ذاك الرّجل الأنيق، أطال الله في عمره إذا كان حيّا، ورحمة الله الواسعة عليه إذا كان قد فارق الحياة.
                        «الْبَرُّ شَيْءٌ هَيِّنٌ: وَجْهٌ طَلِيقٌ وَكَلَامٌ لَيِّنٌ»
                        -كما قال ابن عمر رضي الله عنهما-.

                        التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 05-01-2021, 16:13.
                        لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

                        تعليق

                        • مصباح فوزي رشيد
                          يكتب
                          • 08-06-2015
                          • 1272

                          #13
                          (6)
                          بعد إزالة الأصفاد من يديّ، تم تسليمي إلى سجّان آخر كان يقف أمام باب مدخل الإدارة الرّئيسيّ دقّ الباب ثم انصرف.
                          فُتح باب ثالث وقلتُ في نفسي: "بقي أربعة". لعلّ صاحبه كان يسمعني، وكان هذا الأخير بزيّ مدنيّ وتبدو عليه، من خلال ظهره المحدودب وعينيه الغائرتين في وجهه الشّاحب، أعراض الرّطوبة وثقل السّنين... كان المسكين، وحاله كحالي، مثيرا للشّفقة؛
                          الإداري الكادح عبارة عن سلّم يصعد عليه الطّامحون لنيل المناصب، ثمّ يرمى به في قعر جهنّم؛ الموت أو السّجن.
                          أمام مكتبه المشحون بدخّان السّجائر، دعاني إليه وتركني واقفا ولم يسمح لي بالجلوس؛ أمثال هؤلاء الأعوان الإداريين يقضّون الأعمار في حرفة المهانة بين قلق وحذر شديدين. تموت فيهم كل الأشياء الجميلة، وللأسف.
                          لم يكن قادرا على دعوتي إلى الاسترخاء والجلوس! حتّى وإن كنتُ رهن التّحقيق فأنا "بريء حتّى تثبت إدانتي" من وجهة الحق ونظر القانون.
                          نال منه الغضب والإدمان على شرب السّجائر الواحدة تلو الأخرى والقهوة المعصورة بكثرة… منالا، ولم يعد يتحمّل حتّى نفسه التي بين جنبيه.
                          كانت دعوته لي شحيحة جدّا، واختزلها في بعض الأسئلة المقتضبة؛ ما اسمي و لقبي؟ - وما اسم أبي وأمّي التي أنجبتني وما لقبها؟ وعنواني وهل أنا متزوّج؟ وكم عدد الأبناء؟ وهل تحتي نقود أو أيّ شيء ذو قيمة...؟ ولمّا وصل إلى السؤال الأخير؛ عمّا إذا كان لديّ وشم على أحد الأطراف وخامره الشكّ، أمرني بخلع الثيّاب، ففعلتُ. وكان له ما تمنّى، وكان ذلك أول امتحان لي في المروءة والشّرف. وبدأ الشكّ يراودني أنا الآخر؛ ومهما قيل عن السّجن وما يقع فيه من ظلم وذلّ ومهانة... فهناك أشياء لا تُروَى ولن يجرؤ أحد، من أولئك الذين تم تجريدهم وفرّوا بجلودهم من هذا المكان المقرف المكفهرّ ، على إفشائها. ومن بين هذه الأشياء المسكوت عنها كشف العورات المغلّظة، ومنها تفحّص الدّبر بمعنى أوضح. ودعوتُ الله مخلصا لا يريني بأسا ولا مكروها في هذا اليوم الأغر، فأنا لم أُرِ دبُري لأحد من النّاس طول حياتي. اللّهم إلاّ إذا كان قد سرى عليّ بالّليل وأنا غارق في النّوم، والنّاس نيّام. وأتحدّى من يثبت العكس. وتجرّدتُ من كامل الثيّاب كما طُلب منّي، ومن المروءة والرّعونة أيضا، وبقيتُ كيوم ولدتني أُمّي. وقلتُ في نفسي: "هكذا أفضل".
                          أفضل من أن أعود إلى تلك الواجهة المزركشة التي كانت تربطني بها حياة النّفاق؛ فلم أشعر يوما بالسّعادة وأنا أرتدي أنواع البدلات والأحذية الملمّعة وروابط العنق المنمّقة والمتدليّة...، بينما الرّوح تعاني من الملل والكآبة والفراغ الشّديد.
                          "الحياة في حقيقتها بسيطة، لكنّنا نُصرُّ على جعْلها معقّدة "- كونفوشيوس-

                          التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 09-01-2021, 11:41.
                          لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

                          تعليق

                          • ناريمان الشريف
                            مشرف قسم أدب الفنون
                            • 11-12-2008
                            • 3454

                            #14
                            سلام عليك أخي
                            ما زلت أتابعك .. جميل هذا السرد ومشوق للغاية
                            أرجو لك الخير ودمت به
                            تحية ... ناريمان
                            sigpic

                            الشـــهد في عنــب الخليــــل


                            الحجر المتدحرج لا تنمو عليه الطحالب !!

                            تعليق

                            • مصباح فوزي رشيد
                              يكتب
                              • 08-06-2015
                              • 1272

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة ناريمان الشريف مشاهدة المشاركة
                              سلام عليك أخي
                              ما زلت أتابعك .. جميل هذا السرد ومشوق للغاية
                              أرجو لك الخير ودمت به
                              تحية ... ناريمان
                              تشرّفتُ بهذا الاهتمام أستاذتي الفاضلة.
                              التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 09-01-2021, 12:59.
                              لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

                              تعليق

                              يعمل...
                              X