جلس يستريح
بوجوده غير المرئي
جال بفضاء السوق المكتظ بالناس، ينظر بشفقة إلى وجوه البشر المتعبة، يتصبب العرق منها لشدة القيظ، وحرارة الجو تزداد سخونة كلما ارتفعت شمس الظهيرة، لتتوسط السماء المتخمة بدخان التفجيرات، معلنة انتصاف نهار صيفي لاهب آخر.
أمعن النظر بوجه شاب وسيم، لا يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، يمسح بيده عرقا تفصد على جبينه؛ وينظر إلى بطن زوجته المنتفخ بتساؤل يشوبه القلق، وهي تقلب ملابس صغيرة تشبه ملابس الدمى، وظل ابتسامة خفيفة تلوح على وجهها؛ كلما وجدت قطعة تلاءم وليدها المنتظر، غير عابئة بالحر الشديد ولا بنظرات زوجها القلقة.
خطف نفسه من أمامهما، ليطوف فوق رأس شابين يعملان بالتحميل، يكومان الكثير من الرزم فوق كتفيهما وقد ابتلت ملابسهما بعرقهما.. يتسابقان بالوصول أولا للحصول على بقشيش، يعينهما على قوت يومهما، وإطعام أفواه كثيرة جائعة تنتظرهما، فتركهما وطفق يحوم حول فضاء السوق مرة أخرى، يتابع عن علو أكوام البشر وهي تروح وتجيء، وقد بدا له الكثير منهم، يحمل هموم وأعباء حياة سقيمة لا تطاق تكاد تنطق ملامحهم بما يعانون من بؤس وشقاء، بينما بدا له البعض الآخر غير عابئ تبدو اللامبالاة على محياهم، وهنالك ثلة قليلة منهم بدت ملامحهم المترفة توحي له بأنهم سعداء، بالرغم من تذمرهم من زحمة السوق وحرارة الجو لحد الاختناق بلفحات الهواء الساخنة المشربة برائحة العرق والأنفاس.
من بعيد، لمح رجل زائغ النظرات دميم الوجه، عرفه على الفور، يحمل بين طيات جنبه ميقات الموت، ولحظة الآذان فيه.
تحرك بسرعة خاطفة باتجاهه، يطوف فوق رأسه والرجل يمشي مطرق الرأس مشية سكرا، وهو يلازمه ملتصقا به، لا يفارقه!
مد الرجل يده بداخل جيبه، وهو يسرع خطاه المترنحة، ينظر إلى وجوه الناس؛ الذين أبدى البعض منهم علامات الاشمئزاز والتقزز عند رؤية وجهه الدميم، يرمقهم بنظرات الغضب والحقد ثم .. توقف فجأة!!
توسط السوق.. وضغط على زر الموت بقوة !
دوى الانفجار سريعا قويا، فتقطع جسده إلى أشلاء صغيرة، وتناثرت معه أجساد كثيرة متطايرة إلى الفضاء، يتطافر الدم منها وكأنه انهمار مطري ثقيل، وغير المرئي يتلقف الأرواح بسرعة البرق؛ و بلمح البصر، يرفعها إلى السماء عاليا فتطير أرواحا كنسمات خفيفة .. وتبقى أرواحا أخرى؛ تصارع الموت من أجل الحياة.
مئات الأرواح التي قبضها اليوم، وشدة النيران والدخان الكثيف؛ والأبنية المنهارة وحدوث هذا الانفجار؛ الذي يحمل الرقم ثمانية منذ بدء النهار؛ وحتى انتصافه، جعله يشعر بالتعب الشديد والإنهاك، فترك بعض الأرواح تنازع.. وجلس على حافة الرصيف .. يستريح! تتفحص عيناه أعداد الجثث المتناثرة، بنظرةٍ مذهولةٍ!
تناهى لسمعه، صوت بشري يئن أنينا خافتا يائسا
التفت ناحية مصدر الأنين، فرأى جسد شاب مسجى على قارعة الطريق؛ مقطع الأطراف تنزف كل أوردته، مع كل نبضة من نبضات قلبه.. ترقد بجانبه امرأة بلا رأس، مقطعة الأوصال؛ وقد تدلى جنينها من بطنها التي انفلقت من شدة عصف الانفجار، فبدا الجنين وكأنه لعبة صغيرة ممزقة، تقبع إحدى يديه المقطوعتين على صدر أبيه، كأنه يستجير فيه إبوته، يستغيث حمايتها، تفترش أحشائه الصغيرة الرفيعة إسفلت الشارع، وشرايينه الرقيقة تضخ الدماء على الأرض؛ التي اغتسلت بدماء والديه ودمائه .
أدار رأسه إلى الناحية الأخرى؛ مشيحا النظر عن ذاك الجسد الممزق، يتحاشى رؤية وجهه وسماع أنينه .. فالتعب أخذ منه مأخذه.. ولم يعد يطيق قبض روح أخرى!
طأطأ رأسه؛ وصوت أنين الشاب يدوي بأذنيه، ووجهه المألوف يحوم حوله.. يأبى أن يفارقه.. وهو يتوسل بصوت خافت ملهوف أن يسرع بقبض روحه، ويخلصه من عذاب وألم لم يعد يحتملهما .
أدار رأسه مرة أخرى؛ ينظر إلى وجه الشاب فوجده يحدق.. بوجوده.. بعينين تملؤهما نظرة متوسلة، تطلب الرحمة والخلاص، يؤشر إلى السماء بإصبعه الوحيد المتبقي من يده.. يستغيث، بصوت واهن، يستعطفه:
- أستحلفك الله أن تعجل.
خشع
أحس بالشفقة والرحمة تملأ روحه.
نهض بسرعة
قبض روح الشاب
يصرخ بلوعة مستغيثا:
- رحماك إلهي .. ألا ينتهي الموت في هذا البلد أبدا.. ألا ينتهي ؟!
جال بفضاء السوق المكتظ بالناس، ينظر بشفقة إلى وجوه البشر المتعبة، يتصبب العرق منها لشدة القيظ، وحرارة الجو تزداد سخونة كلما ارتفعت شمس الظهيرة، لتتوسط السماء المتخمة بدخان التفجيرات، معلنة انتصاف نهار صيفي لاهب آخر.
أمعن النظر بوجه شاب وسيم، لا يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، يمسح بيده عرقا تفصد على جبينه؛ وينظر إلى بطن زوجته المنتفخ بتساؤل يشوبه القلق، وهي تقلب ملابس صغيرة تشبه ملابس الدمى، وظل ابتسامة خفيفة تلوح على وجهها؛ كلما وجدت قطعة تلاءم وليدها المنتظر، غير عابئة بالحر الشديد ولا بنظرات زوجها القلقة.
خطف نفسه من أمامهما، ليطوف فوق رأس شابين يعملان بالتحميل، يكومان الكثير من الرزم فوق كتفيهما وقد ابتلت ملابسهما بعرقهما.. يتسابقان بالوصول أولا للحصول على بقشيش، يعينهما على قوت يومهما، وإطعام أفواه كثيرة جائعة تنتظرهما، فتركهما وطفق يحوم حول فضاء السوق مرة أخرى، يتابع عن علو أكوام البشر وهي تروح وتجيء، وقد بدا له الكثير منهم، يحمل هموم وأعباء حياة سقيمة لا تطاق تكاد تنطق ملامحهم بما يعانون من بؤس وشقاء، بينما بدا له البعض الآخر غير عابئ تبدو اللامبالاة على محياهم، وهنالك ثلة قليلة منهم بدت ملامحهم المترفة توحي له بأنهم سعداء، بالرغم من تذمرهم من زحمة السوق وحرارة الجو لحد الاختناق بلفحات الهواء الساخنة المشربة برائحة العرق والأنفاس.
من بعيد، لمح رجل زائغ النظرات دميم الوجه، عرفه على الفور، يحمل بين طيات جنبه ميقات الموت، ولحظة الآذان فيه.
تحرك بسرعة خاطفة باتجاهه، يطوف فوق رأسه والرجل يمشي مطرق الرأس مشية سكرا، وهو يلازمه ملتصقا به، لا يفارقه!
مد الرجل يده بداخل جيبه، وهو يسرع خطاه المترنحة، ينظر إلى وجوه الناس؛ الذين أبدى البعض منهم علامات الاشمئزاز والتقزز عند رؤية وجهه الدميم، يرمقهم بنظرات الغضب والحقد ثم .. توقف فجأة!!
توسط السوق.. وضغط على زر الموت بقوة !
دوى الانفجار سريعا قويا، فتقطع جسده إلى أشلاء صغيرة، وتناثرت معه أجساد كثيرة متطايرة إلى الفضاء، يتطافر الدم منها وكأنه انهمار مطري ثقيل، وغير المرئي يتلقف الأرواح بسرعة البرق؛ و بلمح البصر، يرفعها إلى السماء عاليا فتطير أرواحا كنسمات خفيفة .. وتبقى أرواحا أخرى؛ تصارع الموت من أجل الحياة.
مئات الأرواح التي قبضها اليوم، وشدة النيران والدخان الكثيف؛ والأبنية المنهارة وحدوث هذا الانفجار؛ الذي يحمل الرقم ثمانية منذ بدء النهار؛ وحتى انتصافه، جعله يشعر بالتعب الشديد والإنهاك، فترك بعض الأرواح تنازع.. وجلس على حافة الرصيف .. يستريح! تتفحص عيناه أعداد الجثث المتناثرة، بنظرةٍ مذهولةٍ!
تناهى لسمعه، صوت بشري يئن أنينا خافتا يائسا
التفت ناحية مصدر الأنين، فرأى جسد شاب مسجى على قارعة الطريق؛ مقطع الأطراف تنزف كل أوردته، مع كل نبضة من نبضات قلبه.. ترقد بجانبه امرأة بلا رأس، مقطعة الأوصال؛ وقد تدلى جنينها من بطنها التي انفلقت من شدة عصف الانفجار، فبدا الجنين وكأنه لعبة صغيرة ممزقة، تقبع إحدى يديه المقطوعتين على صدر أبيه، كأنه يستجير فيه إبوته، يستغيث حمايتها، تفترش أحشائه الصغيرة الرفيعة إسفلت الشارع، وشرايينه الرقيقة تضخ الدماء على الأرض؛ التي اغتسلت بدماء والديه ودمائه .
أدار رأسه إلى الناحية الأخرى؛ مشيحا النظر عن ذاك الجسد الممزق، يتحاشى رؤية وجهه وسماع أنينه .. فالتعب أخذ منه مأخذه.. ولم يعد يطيق قبض روح أخرى!
طأطأ رأسه؛ وصوت أنين الشاب يدوي بأذنيه، ووجهه المألوف يحوم حوله.. يأبى أن يفارقه.. وهو يتوسل بصوت خافت ملهوف أن يسرع بقبض روحه، ويخلصه من عذاب وألم لم يعد يحتملهما .
أدار رأسه مرة أخرى؛ ينظر إلى وجه الشاب فوجده يحدق.. بوجوده.. بعينين تملؤهما نظرة متوسلة، تطلب الرحمة والخلاص، يؤشر إلى السماء بإصبعه الوحيد المتبقي من يده.. يستغيث، بصوت واهن، يستعطفه:
- أستحلفك الله أن تعجل.
خشع
أحس بالشفقة والرحمة تملأ روحه.
نهض بسرعة
قبض روح الشاب
يصرخ بلوعة مستغيثا:
- رحماك إلهي .. ألا ينتهي الموت في هذا البلد أبدا.. ألا ينتهي ؟!
تعليق