هل هناك مؤامرة بالفعل؟ أم نحن مجرد جماعة من الحمقى والمغفلين؟
لا ينكر أي إنسان تتوفر له أبسط مقومات التفكير العاقل أن الأمة العربية والإسلامية على مدى تاريخها تتعرض لمؤامرات كثيرة تهدف إلى طمس هويتها، ومسخ تفكيرها، والتلاعب بثقافتها، وتزوير تاريخها ... إلخ، وأن هذه المؤامرات تحركها جهات ذات أغراض مختلفة، بل وربما تكون متعارضة، ولكن يجمعها هدف واحد، وهو أن العدو واحد. ولا شك أيضاً أن المتأمرين يستغلون ثغرات معينة في تاريخ الأمة تارة، وفي عاداتها وتقاليدها تارة أخرى، وفي ثقافتها ثالثة، وفي خيابتها رابعة ... وهكذا دوليك، لينفذوا من تلك الثغرات فيشوهون، ويهدمون، ويرفعون، ويخفضون، حسبما تسنح لهم الفرصة. وهم لا يكلُّون عن العمل المنظم تارة، والمتفرق تارة، والفوضوي تارة، والمرتب تارة أخرى. والشواهد الدالة على ذلك تكاد أن تفوق الحصر.
الخلاصة إنه على افتراض عدم وجود مؤامرة عالمية النطاق فهناك بالفعل جهات متفرقة في العالم كله تخصص جزءاً من تفكيرها ووقتها وميزانياتها وقوتها لتوجيه ضربات موجعة معلنة أو مستورة للعالمين العربي والإسلامي. ومجموع هذا كله يكفي لأن يبدو كالمؤامرة المنظمة حتى وإن لم يكن كذلك.
وفي العصر الحديث كشف أعداء الأمتين العربية والإسلامية عن أنيابهم، وأظهروا وجوههم القبيحة سافرة أمام العالمين. وأصبح من الحمق -الذي لا شفاء منه ولا دواء له- أن نصدق أن أعداءنا هم في الحقيقة أصدقاء، خصوصاً وهم يقدمون لنا المعونات بيد، ويطعنوننا بألف خنجر وخنجر باليد الأخرى، أو أنهم يريدون لنا الخير وهم يدمرون بلادنا، ويسحقوننا ليل نهار بجيوشهم الجرارة، وصواريخهم الموجهة، ويهاجمونا في أخلاقنا وعقائدنا ورموزنا وجميع مظاهر حياتنا بلا استثناء مهما قل شأنها.
ومن المسلَّم به كذلك أن أنجع سياسة يستخدمها أعداء الأمة على تنوع مشاربهم وأغراضهم هي سياسية "فرِّق تسد"، ومساعدة جهة للنيل من جهة أخرى حتى تُفني هذه تلك، أو على الأقل تضعفها إلى الحد الذي لا تعود تمثل خطراً. وما الفوضى الشاملة التي تعم أرجاء العالمين العربي والإسلامي منذ قرون إلا نتاج لهذه السياسات والمؤامرات والمخططات التي لا تبالي أسالت دمانا في البحر أم في الصحراء، ما دامت المحصلة واحدة، وهي أن تسيل دماؤنا بأي شكل كان.
ومع هذا كله وأكثر إلا أن هناك سؤال محوري ينبغي أن نوجهه لأنفسنا؛ لأنه مهما بلغ تأثير العدو الخارجي فهو محكوم بأمور تتعلق بالسياسات العليا للدول. ولا تفعل تلك المخططات الخبيثة فعلها دون أن يكون هناك من يسمح بها -تحت أي مسمى وبأي ذريعة حتى وإن كان القصد شريفاً والنوايا حسنة- ويذلل أمامها السبل، ثم بعد ذلك تستجيب لها الشعوب، أفراداً وجماعات.
والسؤال هو: هل نحن بالفعل جماعة من الحمقى والمغفلين والأغبياء والمتنطعين والجهلة كي نسير على غير هدى فنفعل ما يريده أعداؤنا تطوعاً منا حتى عندما تكون لدينا القدرة ألا نفعل؟
فإذا كنا نقول بوجود مؤامرات -وهي بالفعل موجودة- ونعلم أن هذا جانباً واحداً مما نعانيه من تشرذم، فماذا عن الجوانب الأخرى التي لا دخل للمؤامرات فيها؟
لقد أصبحت سمة من سمات العرب والمسلمين منذ عقود طويلة أن الاختلاف بينهم في الرأي يفسد للود ألف قضية وقضية إلى الجيل العاشر. فعند اختلاف رئيس دولة مع أخرى تنقلب السياسات رأساً على عقب، وتصبح قبلات الأمس بصاق اليوم، والعكس صحيح. وهذا هو نفسه ما يحدث عند اختلاف تافِهَيْن من العامة مع بعضهما بعضاً. وبين رأس الدولة وأتفه شخص في الدولة هناك شرائح متعددة، تتفاوت في عقلها وفكرها وتعليمها، بل وغبائها أيضاً، حتى أصبح الاختلاف هو الديدن والقاعدة. وأضحى الكِبْر صنواً للاختلاف. فلا هذا يعود إلى الحق لو علمه، ولا هذا يكف عن المراء لو أدركه. ويحدث هذا مع الطبيب والمعلم والمحامي والمهندس والأستاذ الجامعي وعالم الدين وعالم الذرة ... إلخ. ويصبح كل واحد منهم -بقدرة قادر- هو العالم الأوحد، والمناظر الأمجد، والبقية في نظره كومة من الجهل في طبقات بعضها فوق بعض.
ومع الأخذ في الحسبان أن هذا قد يكون الواقع الفعلي، بمعنى أن يكون طرف الحوار عالماً، وطرفه الآخر جاهلاً متعالماً، إلا أن هذا ليس هو القاعدة طيلة الوقت. ولكن كارثة الكوارث هي أن يكون طرفا الحوار متعالمين، أقربَ إلى الجهل من حمار هبنَّقة. ثم يشارك طرف ثالث فينصر هذا على ذلك، ورابع لينصر ذاك على هاك. والنتيجة حرب عالمية يشهر فيها كلٌ ما توفر له من سلاح الشتم والجعجعة وبذئ القول وصراخ القردة، وحميعهم لا يدركون أنهم -رغم تفضيل الله عز وجل لهم بالعقل- قد أبوا إلا أن يتنكبوا سبل الحشرات التي تكفيها ضغطة واحدة من "بيف باف" لتقضى عليهم -عن بكرة أبيهم- دفعة واحدة.
ليس في الأمر مؤامرة خارجية فحسب إذن. لكننا نحن المؤامرة. تآمرنا على أنفسنا بأن رضينا الجهل بديلاً للعلم. بل وجَهِلنا هذا عن أنفسنا وفيها. وتآمرنا على أولادنا بأن نشَّأناهم على ما هم عليه الآن بدعوى الحرية مرة، والتسامح مرة، والأخلاق مرة، والامبالاة مرات ومرات. وتآمرنا على المجتمع بأن رضينا بأن تكون مصلحتنا الفردية مقدمة على مصلحتنا الجماعية. وتآمرنا على جوهر وجودنا بأن رأينا المنكر فاستمرأناه، ورأينا المعروف فعافته نفوسنا، وبعنا آخرتنا الباقية بدنيانا الفانية، ولم نعد نفرِّق بين القبيح والجميل. وأصبحنا من الحمق بحيث ننفق -بل ونقترض- الدينار لنحفظ الفِلس، ونفرط في الكرامة لنحفظ وجوداً ممجوجاً، وأصبح بأسنا بيننا شديداً، ليصدق فينا قول الشاعر:
"أسدٌ عليَّ وفي الحروبِ نعامةٌ"
وقول آخر:
"إذا صاحَ العصفورُ طارَ فؤادُه ** وأسدٌ حديدُ النَّابِ عند الثَّرائدِ".
لقد نمنا على النفاق، واستيقظنا عليه. وسننا سكاكيننا وحرابنا لمن تجرأ علينا ناصحاً. وكيف لنا أن نميز بين الناصح الأمين والعدو المبين بعد أن مُسِخَت فطرتنا، ورأينا القبح جمالاً، والعبودية رفعة، والجبن مرادفاً للحياة، وطعم الذل في أفواهنا أشهى من العسل.
ليس في الأمر مؤامرة خارجية بدوام كامل. إنما المؤامرة الحقيقية -الخبيثة- في داخل كل منا. نحن جميعاً مرضى نفسيون في حالة من الإنكار. والمريض النفسي ليس مجنوناً. فبيننا من هو أعقل من دولة بأسرها، ولكن عقولنا متوقفة عند نقطة بذاتها لا تعدوها. وحين تجبرنا الظروف إلى القفز بعقولنا فوق تلك النقطة، أو التفكير خارج القالب تختلط المفاهيم، وتتبدل معايير الصواب والخطأ، وتظهر علامات البلاهة والحمق على من كان قبل تلك النقطة مثالاً في العقل والحكمة.
إننا يا سادة تجسيد لمسخ عقلي ونفسي بحجم غير مسبوق، تجاوزنا معه كل شيء عرفته الإنسانية على مدى تاريخها. ففي العصور الوسطى مثلاً كان هناك جهل وعلم. كان الغرب في الحضيض، والأمة الإسلامية في عنان السماء. ثم كان التحول والانتقال التاريخي الحضاري -الذي هو من سنن الحياة- فانقلبت الموازين، واختلطت المنابع العذبة بالمياه الآسنة. وأوقفْنا الزمنَ حتى عَلِقنا في مرحلة أشبه بالحلقة مفرغة في قلب بحر لجيّ. وعلى حين نجد بيننا من يحاولون الأخذ بأيدينا لنخرج من قعر ذاك السجن المظلم، ويبينون لنا أن ما بأيدينا هو بالفعل مفتاح النجاة، وأن كل ما علينا هو أن نستخدمه، نجد أننا كأفراد وجماعات نعتقد جازمين أن استخدام ذاك المفتاح لن يؤدي بنا إلا إلى مزيد من المعاناة. فالشيطان الذي أعرفه خير من الشيطان الذي لا أعرفه. وكأن الملائكة لا وجود لها! أو تخرج الجماعات فتقول ليس بيننا من يحسن القياد، وكأن الأمة عقمت أن تلد الرجال! ومن ثم وُجد بيننا من يعتقد أن نجاتنا إنما هي في الغرق. وعلى الرغم من أن ذاك الشخص نفسه يقول بملء فيه غير ذلك، ويجادل جدال المستميت لينفي هذا الاعتقاد إلا أن أفعاله تشي بالنقيض، وهو غير مدرك لما هو فيه من تناقض صارخ. فالمصباح لا يزال مطفئاً. ولكن لأنه اعتاد الظلام لم يعد يدرك أفي يده مفتاح أم خنجر، ولجبنه الموروث لا يريد أن يختبره، فالنجاة ليست في السباحة.
وللحديث بقية ...
لا ينكر أي إنسان تتوفر له أبسط مقومات التفكير العاقل أن الأمة العربية والإسلامية على مدى تاريخها تتعرض لمؤامرات كثيرة تهدف إلى طمس هويتها، ومسخ تفكيرها، والتلاعب بثقافتها، وتزوير تاريخها ... إلخ، وأن هذه المؤامرات تحركها جهات ذات أغراض مختلفة، بل وربما تكون متعارضة، ولكن يجمعها هدف واحد، وهو أن العدو واحد. ولا شك أيضاً أن المتأمرين يستغلون ثغرات معينة في تاريخ الأمة تارة، وفي عاداتها وتقاليدها تارة أخرى، وفي ثقافتها ثالثة، وفي خيابتها رابعة ... وهكذا دوليك، لينفذوا من تلك الثغرات فيشوهون، ويهدمون، ويرفعون، ويخفضون، حسبما تسنح لهم الفرصة. وهم لا يكلُّون عن العمل المنظم تارة، والمتفرق تارة، والفوضوي تارة، والمرتب تارة أخرى. والشواهد الدالة على ذلك تكاد أن تفوق الحصر.
الخلاصة إنه على افتراض عدم وجود مؤامرة عالمية النطاق فهناك بالفعل جهات متفرقة في العالم كله تخصص جزءاً من تفكيرها ووقتها وميزانياتها وقوتها لتوجيه ضربات موجعة معلنة أو مستورة للعالمين العربي والإسلامي. ومجموع هذا كله يكفي لأن يبدو كالمؤامرة المنظمة حتى وإن لم يكن كذلك.
وفي العصر الحديث كشف أعداء الأمتين العربية والإسلامية عن أنيابهم، وأظهروا وجوههم القبيحة سافرة أمام العالمين. وأصبح من الحمق -الذي لا شفاء منه ولا دواء له- أن نصدق أن أعداءنا هم في الحقيقة أصدقاء، خصوصاً وهم يقدمون لنا المعونات بيد، ويطعنوننا بألف خنجر وخنجر باليد الأخرى، أو أنهم يريدون لنا الخير وهم يدمرون بلادنا، ويسحقوننا ليل نهار بجيوشهم الجرارة، وصواريخهم الموجهة، ويهاجمونا في أخلاقنا وعقائدنا ورموزنا وجميع مظاهر حياتنا بلا استثناء مهما قل شأنها.
ومن المسلَّم به كذلك أن أنجع سياسة يستخدمها أعداء الأمة على تنوع مشاربهم وأغراضهم هي سياسية "فرِّق تسد"، ومساعدة جهة للنيل من جهة أخرى حتى تُفني هذه تلك، أو على الأقل تضعفها إلى الحد الذي لا تعود تمثل خطراً. وما الفوضى الشاملة التي تعم أرجاء العالمين العربي والإسلامي منذ قرون إلا نتاج لهذه السياسات والمؤامرات والمخططات التي لا تبالي أسالت دمانا في البحر أم في الصحراء، ما دامت المحصلة واحدة، وهي أن تسيل دماؤنا بأي شكل كان.
ومع هذا كله وأكثر إلا أن هناك سؤال محوري ينبغي أن نوجهه لأنفسنا؛ لأنه مهما بلغ تأثير العدو الخارجي فهو محكوم بأمور تتعلق بالسياسات العليا للدول. ولا تفعل تلك المخططات الخبيثة فعلها دون أن يكون هناك من يسمح بها -تحت أي مسمى وبأي ذريعة حتى وإن كان القصد شريفاً والنوايا حسنة- ويذلل أمامها السبل، ثم بعد ذلك تستجيب لها الشعوب، أفراداً وجماعات.
والسؤال هو: هل نحن بالفعل جماعة من الحمقى والمغفلين والأغبياء والمتنطعين والجهلة كي نسير على غير هدى فنفعل ما يريده أعداؤنا تطوعاً منا حتى عندما تكون لدينا القدرة ألا نفعل؟
فإذا كنا نقول بوجود مؤامرات -وهي بالفعل موجودة- ونعلم أن هذا جانباً واحداً مما نعانيه من تشرذم، فماذا عن الجوانب الأخرى التي لا دخل للمؤامرات فيها؟
لقد أصبحت سمة من سمات العرب والمسلمين منذ عقود طويلة أن الاختلاف بينهم في الرأي يفسد للود ألف قضية وقضية إلى الجيل العاشر. فعند اختلاف رئيس دولة مع أخرى تنقلب السياسات رأساً على عقب، وتصبح قبلات الأمس بصاق اليوم، والعكس صحيح. وهذا هو نفسه ما يحدث عند اختلاف تافِهَيْن من العامة مع بعضهما بعضاً. وبين رأس الدولة وأتفه شخص في الدولة هناك شرائح متعددة، تتفاوت في عقلها وفكرها وتعليمها، بل وغبائها أيضاً، حتى أصبح الاختلاف هو الديدن والقاعدة. وأضحى الكِبْر صنواً للاختلاف. فلا هذا يعود إلى الحق لو علمه، ولا هذا يكف عن المراء لو أدركه. ويحدث هذا مع الطبيب والمعلم والمحامي والمهندس والأستاذ الجامعي وعالم الدين وعالم الذرة ... إلخ. ويصبح كل واحد منهم -بقدرة قادر- هو العالم الأوحد، والمناظر الأمجد، والبقية في نظره كومة من الجهل في طبقات بعضها فوق بعض.
ومع الأخذ في الحسبان أن هذا قد يكون الواقع الفعلي، بمعنى أن يكون طرف الحوار عالماً، وطرفه الآخر جاهلاً متعالماً، إلا أن هذا ليس هو القاعدة طيلة الوقت. ولكن كارثة الكوارث هي أن يكون طرفا الحوار متعالمين، أقربَ إلى الجهل من حمار هبنَّقة. ثم يشارك طرف ثالث فينصر هذا على ذلك، ورابع لينصر ذاك على هاك. والنتيجة حرب عالمية يشهر فيها كلٌ ما توفر له من سلاح الشتم والجعجعة وبذئ القول وصراخ القردة، وحميعهم لا يدركون أنهم -رغم تفضيل الله عز وجل لهم بالعقل- قد أبوا إلا أن يتنكبوا سبل الحشرات التي تكفيها ضغطة واحدة من "بيف باف" لتقضى عليهم -عن بكرة أبيهم- دفعة واحدة.
ليس في الأمر مؤامرة خارجية فحسب إذن. لكننا نحن المؤامرة. تآمرنا على أنفسنا بأن رضينا الجهل بديلاً للعلم. بل وجَهِلنا هذا عن أنفسنا وفيها. وتآمرنا على أولادنا بأن نشَّأناهم على ما هم عليه الآن بدعوى الحرية مرة، والتسامح مرة، والأخلاق مرة، والامبالاة مرات ومرات. وتآمرنا على المجتمع بأن رضينا بأن تكون مصلحتنا الفردية مقدمة على مصلحتنا الجماعية. وتآمرنا على جوهر وجودنا بأن رأينا المنكر فاستمرأناه، ورأينا المعروف فعافته نفوسنا، وبعنا آخرتنا الباقية بدنيانا الفانية، ولم نعد نفرِّق بين القبيح والجميل. وأصبحنا من الحمق بحيث ننفق -بل ونقترض- الدينار لنحفظ الفِلس، ونفرط في الكرامة لنحفظ وجوداً ممجوجاً، وأصبح بأسنا بيننا شديداً، ليصدق فينا قول الشاعر:
"أسدٌ عليَّ وفي الحروبِ نعامةٌ"
وقول آخر:
"إذا صاحَ العصفورُ طارَ فؤادُه ** وأسدٌ حديدُ النَّابِ عند الثَّرائدِ".
لقد نمنا على النفاق، واستيقظنا عليه. وسننا سكاكيننا وحرابنا لمن تجرأ علينا ناصحاً. وكيف لنا أن نميز بين الناصح الأمين والعدو المبين بعد أن مُسِخَت فطرتنا، ورأينا القبح جمالاً، والعبودية رفعة، والجبن مرادفاً للحياة، وطعم الذل في أفواهنا أشهى من العسل.
ليس في الأمر مؤامرة خارجية بدوام كامل. إنما المؤامرة الحقيقية -الخبيثة- في داخل كل منا. نحن جميعاً مرضى نفسيون في حالة من الإنكار. والمريض النفسي ليس مجنوناً. فبيننا من هو أعقل من دولة بأسرها، ولكن عقولنا متوقفة عند نقطة بذاتها لا تعدوها. وحين تجبرنا الظروف إلى القفز بعقولنا فوق تلك النقطة، أو التفكير خارج القالب تختلط المفاهيم، وتتبدل معايير الصواب والخطأ، وتظهر علامات البلاهة والحمق على من كان قبل تلك النقطة مثالاً في العقل والحكمة.
إننا يا سادة تجسيد لمسخ عقلي ونفسي بحجم غير مسبوق، تجاوزنا معه كل شيء عرفته الإنسانية على مدى تاريخها. ففي العصور الوسطى مثلاً كان هناك جهل وعلم. كان الغرب في الحضيض، والأمة الإسلامية في عنان السماء. ثم كان التحول والانتقال التاريخي الحضاري -الذي هو من سنن الحياة- فانقلبت الموازين، واختلطت المنابع العذبة بالمياه الآسنة. وأوقفْنا الزمنَ حتى عَلِقنا في مرحلة أشبه بالحلقة مفرغة في قلب بحر لجيّ. وعلى حين نجد بيننا من يحاولون الأخذ بأيدينا لنخرج من قعر ذاك السجن المظلم، ويبينون لنا أن ما بأيدينا هو بالفعل مفتاح النجاة، وأن كل ما علينا هو أن نستخدمه، نجد أننا كأفراد وجماعات نعتقد جازمين أن استخدام ذاك المفتاح لن يؤدي بنا إلا إلى مزيد من المعاناة. فالشيطان الذي أعرفه خير من الشيطان الذي لا أعرفه. وكأن الملائكة لا وجود لها! أو تخرج الجماعات فتقول ليس بيننا من يحسن القياد، وكأن الأمة عقمت أن تلد الرجال! ومن ثم وُجد بيننا من يعتقد أن نجاتنا إنما هي في الغرق. وعلى الرغم من أن ذاك الشخص نفسه يقول بملء فيه غير ذلك، ويجادل جدال المستميت لينفي هذا الاعتقاد إلا أن أفعاله تشي بالنقيض، وهو غير مدرك لما هو فيه من تناقض صارخ. فالمصباح لا يزال مطفئاً. ولكن لأنه اعتاد الظلام لم يعد يدرك أفي يده مفتاح أم خنجر، ولجبنه الموروث لا يريد أن يختبره، فالنجاة ليست في السباحة.
وللحديث بقية ...
تعليق