آخر بابات ابن دانيال
كان يمزق فلذاته ، بعنف يجهز عليها ، المطواة تشرد ، تطعنه هو . اختلط ريشها ، قطنها ، حشوها بدمه . دموعه لا تتوقف ، ملابسه فى حالة مزرية ، كأنه لم ينم منذ أيام . صوته يعلو و ينكسر :" لا .. لا أريدك .. لا أريدك .. اذهبي أيتها الدمى الملعونة .. يا من صورت لي الأشياء كقوس قزح .. علمتني أسماءها .. من أول الأبجدية حتى حروف السحاب .. كنت الطفل و كنت الآية السرمدية .. صفحة بيضاء تلونت بأصابعك ، فكانت قمرا وشمسا ، وليال مفتونة بك ..لا .. لا .. موتى ".
المطواة تنحرف ، تجرح ذراعه ثانية . لا يتوقف ، كان مبدعا ، وحيد عصره في تحريك ، في إدارة عرائس الماريونيت . خلف هذه الحجرة كان ظهره ينقصم انحناء ، لهتافات و تصافير الجماهير ، للكبار لعب ، للصغار تغنى ، وقدم للمدينة عمره !
أنفاس مختنقة ، تتحشرج بألم . دموعه تتهاطل . أخيرا تهالك ، ترنح فى فراغ الحجرة ، يتأمل عمرا ، حوله لنتف و قصاصات . ترنح ، فقد السيطرة على توازنه ، انهار على الأرض . الدماء تنزف ، الدموع تجرى . الأرض تدور ، الرؤية تبهت .. تبهت . تاه الوعي . ليس غير أنفاس تتردد بقسوة ، وصدر مجهد ، و كوابيس تفزع ، تسرق منه صرخة أو بعض أنين . يتكور كجنين ، بهياج يقاتل : نعم أنت .. ألم تزرعي وهمك ياسمينا وجوريا و حنطة ، بينما أنا لا شيء عندك .. محض رقم .. محض رقم ".
عاد المكان لصمته ، إلا من أنفاس واهنة . خبط على الباب :" معلم .. معلم .. إن كنت بالداخل رد على .. أستاذ ".
فزع قاعدا . تجلطت الدماء ، بعد أن نقشت ملابسه :" لا .. لا .. أنت من فعل ، حتى لو كنت بريئة .. لست بريئة ، أنت من أطلق جرذان الوهم ، و سمنها .. نعم .. أنت .. أنت ".
عاد الخبط و الطرق ثانية :" يا أستاذ .. يا أستاذ .. هل أنت هنا ؟!".
قرر أن تكون بابته الأخيرة ، انتفض واقفا ، تحرك مترنحا كقتيل ، جذب الباب المغلق ، كسكير آبق تهاوى ، تماسك قليلا ، عاود الحركة . على خشبة المسرح كان يجهز دميته ، يشكل من نفسه عروسة ماريونيت ، يضع الخيوط بترتيب تعوده ، يصله هرج و مرج الصالة ، يسارع لإنهاء الدمية . كانت عيناه فقدتا القدرة ، على رؤية أي شيء ، إلا ما يفعل الآن ، سوف يقدم لهم الليلة ، سندريللا كما أذاع ، ومن خلال رؤيته هو ، و بعروسة وحيدة ، عروسة لأمير مطعون ، خلفته أميرته لشكوكه تضنيه ، تقتله كل لحظة من لحظات غيابها ، لم ترهق نفسها بدرئها ، بل أمعنت في عنادها ، حتى أصابه الجنون ، و قتله الحنين إليها ، فباغتها ذات ليلة كدمية ماريونيت ، غزا قلعتها ، تدحرج عبر دهاليز و سراديب ، ورآها أخيرا ، سندريللا و فأر الشقوق !
الآن .. يرفع الستار . تتحرك الدمية . تعتصر نفسها . تصفيق حاد يخرق أذنيه ، يفتته . يؤدى بعبقرية ، أتى على مشهد القتل ، يحتضن سندريللا ، يأخذها بين ذراعيه ، يجثو على الأرض ، يدفن وجهه فى صدرها ، يجهش ، يهتز ، يمزق خيوط اللعبة ، يصرخ : لا .. لا ". فجأة علت أنوار الصالة ، كان مايزال يصرخ ، يحملها ، يزحف بها ، ثم يقعى منكفئا . تصفيق حاد . يحاط برجال الشرطة . يزداد تصفيق الصالة . يشهر الرجال أسلحتهم ، يتقدم أحدهم ، ليوقف الدمية . بينما التصفيق يتزايد !!
بابات : تمثيليات
ابن دانيال : صاحب خيال الظل الشهير و صاحبى فى حبى للمسرح و الحياة .. و أيضا الموت !
كان يمزق فلذاته ، بعنف يجهز عليها ، المطواة تشرد ، تطعنه هو . اختلط ريشها ، قطنها ، حشوها بدمه . دموعه لا تتوقف ، ملابسه فى حالة مزرية ، كأنه لم ينم منذ أيام . صوته يعلو و ينكسر :" لا .. لا أريدك .. لا أريدك .. اذهبي أيتها الدمى الملعونة .. يا من صورت لي الأشياء كقوس قزح .. علمتني أسماءها .. من أول الأبجدية حتى حروف السحاب .. كنت الطفل و كنت الآية السرمدية .. صفحة بيضاء تلونت بأصابعك ، فكانت قمرا وشمسا ، وليال مفتونة بك ..لا .. لا .. موتى ".
المطواة تنحرف ، تجرح ذراعه ثانية . لا يتوقف ، كان مبدعا ، وحيد عصره في تحريك ، في إدارة عرائس الماريونيت . خلف هذه الحجرة كان ظهره ينقصم انحناء ، لهتافات و تصافير الجماهير ، للكبار لعب ، للصغار تغنى ، وقدم للمدينة عمره !
أنفاس مختنقة ، تتحشرج بألم . دموعه تتهاطل . أخيرا تهالك ، ترنح فى فراغ الحجرة ، يتأمل عمرا ، حوله لنتف و قصاصات . ترنح ، فقد السيطرة على توازنه ، انهار على الأرض . الدماء تنزف ، الدموع تجرى . الأرض تدور ، الرؤية تبهت .. تبهت . تاه الوعي . ليس غير أنفاس تتردد بقسوة ، وصدر مجهد ، و كوابيس تفزع ، تسرق منه صرخة أو بعض أنين . يتكور كجنين ، بهياج يقاتل : نعم أنت .. ألم تزرعي وهمك ياسمينا وجوريا و حنطة ، بينما أنا لا شيء عندك .. محض رقم .. محض رقم ".
عاد المكان لصمته ، إلا من أنفاس واهنة . خبط على الباب :" معلم .. معلم .. إن كنت بالداخل رد على .. أستاذ ".
فزع قاعدا . تجلطت الدماء ، بعد أن نقشت ملابسه :" لا .. لا .. أنت من فعل ، حتى لو كنت بريئة .. لست بريئة ، أنت من أطلق جرذان الوهم ، و سمنها .. نعم .. أنت .. أنت ".
عاد الخبط و الطرق ثانية :" يا أستاذ .. يا أستاذ .. هل أنت هنا ؟!".
قرر أن تكون بابته الأخيرة ، انتفض واقفا ، تحرك مترنحا كقتيل ، جذب الباب المغلق ، كسكير آبق تهاوى ، تماسك قليلا ، عاود الحركة . على خشبة المسرح كان يجهز دميته ، يشكل من نفسه عروسة ماريونيت ، يضع الخيوط بترتيب تعوده ، يصله هرج و مرج الصالة ، يسارع لإنهاء الدمية . كانت عيناه فقدتا القدرة ، على رؤية أي شيء ، إلا ما يفعل الآن ، سوف يقدم لهم الليلة ، سندريللا كما أذاع ، ومن خلال رؤيته هو ، و بعروسة وحيدة ، عروسة لأمير مطعون ، خلفته أميرته لشكوكه تضنيه ، تقتله كل لحظة من لحظات غيابها ، لم ترهق نفسها بدرئها ، بل أمعنت في عنادها ، حتى أصابه الجنون ، و قتله الحنين إليها ، فباغتها ذات ليلة كدمية ماريونيت ، غزا قلعتها ، تدحرج عبر دهاليز و سراديب ، ورآها أخيرا ، سندريللا و فأر الشقوق !
الآن .. يرفع الستار . تتحرك الدمية . تعتصر نفسها . تصفيق حاد يخرق أذنيه ، يفتته . يؤدى بعبقرية ، أتى على مشهد القتل ، يحتضن سندريللا ، يأخذها بين ذراعيه ، يجثو على الأرض ، يدفن وجهه فى صدرها ، يجهش ، يهتز ، يمزق خيوط اللعبة ، يصرخ : لا .. لا ". فجأة علت أنوار الصالة ، كان مايزال يصرخ ، يحملها ، يزحف بها ، ثم يقعى منكفئا . تصفيق حاد . يحاط برجال الشرطة . يزداد تصفيق الصالة . يشهر الرجال أسلحتهم ، يتقدم أحدهم ، ليوقف الدمية . بينما التصفيق يتزايد !!
بابات : تمثيليات
ابن دانيال : صاحب خيال الظل الشهير و صاحبى فى حبى للمسرح و الحياة .. و أيضا الموت !
تعليق