آخر بابات ابن دانيال

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    آخر بابات ابن دانيال

    آخر بابات ابن دانيال
    كان يمزق فلذاته ، بعنف يجهز عليها ، المطواة تشرد ، تطعنه هو . اختلط ريشها ، قطنها ، حشوها بدمه . دموعه لا تتوقف ، ملابسه فى حالة مزرية ، كأنه لم ينم منذ أيام . صوته يعلو و ينكسر :" لا .. لا أريدك .. لا أريدك .. اذهبي أيتها الدمى الملعونة .. يا من صورت لي الأشياء كقوس قزح .. علمتني أسماءها .. من أول الأبجدية حتى حروف السحاب .. كنت الطفل و كنت الآية السرمدية .. صفحة بيضاء تلونت بأصابعك ، فكانت قمرا وشمسا ، وليال مفتونة بك ..لا .. لا .. موتى ".
    المطواة تنحرف ، تجرح ذراعه ثانية . لا يتوقف ، كان مبدعا ، وحيد عصره في تحريك ، في إدارة عرائس الماريونيت . خلف هذه الحجرة كان ظهره ينقصم انحناء ، لهتافات و تصافير الجماهير ، للكبار لعب ، للصغار تغنى ، وقدم للمدينة عمره !
    أنفاس مختنقة ، تتحشرج بألم . دموعه تتهاطل . أخيرا تهالك ، ترنح فى فراغ الحجرة ، يتأمل عمرا ، حوله لنتف و قصاصات . ترنح ، فقد السيطرة على توازنه ، انهار على الأرض . الدماء تنزف ، الدموع تجرى . الأرض تدور ، الرؤية تبهت .. تبهت . تاه الوعي . ليس غير أنفاس تتردد بقسوة ، وصدر مجهد ، و كوابيس تفزع ، تسرق منه صرخة أو بعض أنين . يتكور كجنين ، بهياج يقاتل : نعم أنت .. ألم تزرعي وهمك ياسمينا وجوريا و حنطة ، بينما أنا لا شيء عندك .. محض رقم .. محض رقم ".
    عاد المكان لصمته ، إلا من أنفاس واهنة . خبط على الباب :" معلم .. معلم .. إن كنت بالداخل رد على .. أستاذ ".
    فزع قاعدا . تجلطت الدماء ، بعد أن نقشت ملابسه :" لا .. لا .. أنت من فعل ، حتى لو كنت بريئة .. لست بريئة ، أنت من أطلق جرذان الوهم ، و سمنها .. نعم .. أنت .. أنت ".
    عاد الخبط و الطرق ثانية :" يا أستاذ .. يا أستاذ .. هل أنت هنا ؟!".
    قرر أن تكون بابته الأخيرة ، انتفض واقفا ، تحرك مترنحا كقتيل ، جذب الباب المغلق ، كسكير آبق تهاوى ، تماسك قليلا ، عاود الحركة . على خشبة المسرح كان يجهز دميته ، يشكل من نفسه عروسة ماريونيت ، يضع الخيوط بترتيب تعوده ، يصله هرج و مرج الصالة ، يسارع لإنهاء الدمية . كانت عيناه فقدتا القدرة ، على رؤية أي شيء ، إلا ما يفعل الآن ، سوف يقدم لهم الليلة ، سندريللا كما أذاع ، ومن خلال رؤيته هو ، و بعروسة وحيدة ، عروسة لأمير مطعون ، خلفته أميرته لشكوكه تضنيه ، تقتله كل لحظة من لحظات غيابها ، لم ترهق نفسها بدرئها ، بل أمعنت في عنادها ، حتى أصابه الجنون ، و قتله الحنين إليها ، فباغتها ذات ليلة كدمية ماريونيت ، غزا قلعتها ، تدحرج عبر دهاليز و سراديب ، ورآها أخيرا ، سندريللا و فأر الشقوق !
    الآن .. يرفع الستار . تتحرك الدمية . تعتصر نفسها . تصفيق حاد يخرق أذنيه ، يفتته . يؤدى بعبقرية ، أتى على مشهد القتل ، يحتضن سندريللا ، يأخذها بين ذراعيه ، يجثو على الأرض ، يدفن وجهه فى صدرها ، يجهش ، يهتز ، يمزق خيوط اللعبة ، يصرخ : لا .. لا ". فجأة علت أنوار الصالة ، كان مايزال يصرخ ، يحملها ، يزحف بها ، ثم يقعى منكفئا . تصفيق حاد . يحاط برجال الشرطة . يزداد تصفيق الصالة . يشهر الرجال أسلحتهم ، يتقدم أحدهم ، ليوقف الدمية . بينما التصفيق يتزايد !!



    بابات : تمثيليات
    ابن دانيال : صاحب خيال الظل الشهير و صاحبى فى حبى للمسرح و الحياة .. و أيضا الموت !
    sigpic
  • رشا عبادة
    عضـو الملتقى
    • 08-03-2009
    • 3346

    #2
    [align=center]والموت!
    ......
    المسرح والحياة والموت!
    حينما رأيت ثلاثتهم مجتمعين بسطر واحد
    تذكرت تللك اللعبة التي كنا نلعبها ونحن صغار، وهي حذف الشىء المختلف عن بقية المجموعة...؟؟
    ترى يا أستاذي.. أيهما بنظرك يخالف قواعد المجموعة
    المسرح
    ام الحياة
    أم الموت
    شخصيا سأختار المسرح، وأبقي على الحياة والموت فأنا أيضا أحب ما يحمله كلاهما من صراخ
    صراخ مولود جديد يستقبل الحياة
    وصراخ ينتحب لرحيل من كانت لهم حياة


    فاصل،
    نفس عمييييييييق...
    أكانت هناك إمرأة أيضا، أكانت هي نفسها تلك الخائنة مع هذا الفأر
    أكانت سندريلا بكل ما تحمله ملامحها من براءة خادعه، أخفت تفاصيل الجريمة
    ومن طعن الآخر يا سيدي
    إن كان كلاهما دمية تقاذفتها فنون الحياة على مسرح لا ترى فيه وجوه الأبطال الحقيقية!؟
    المؤلم أنهم كانوا هناك يصفقون خلف أوجاع روح تحولت إلى دمية بلا روح
    دوما ما يرى الناس الإبتسامة تملأ الوجوه، دون ان يستشعروا انها مجرد إطار يخفي ألف دمعة وألف جرح

    أحببتتها يا أستاذي
    ربطت معصمي بخيوط وعلقت نفسي ما بين السطور، وحاولت التحكم بحركاتي
    فكنت أنا وكانت تلك قرآءتي لك أنت!
    تحياتي ومودتي يا أرقي من يبعث الربيع في الأغصان الذابلة[/align]
    " أعترف بأني لا أمتلك كل الجمال، ولكني أكره كل القبح"
    كلــنــا مــيـــدان التــحــريـــر

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة رشا عبادة مشاهدة المشاركة
      [align=center]والموت!
      ......
      المسرح والحياة والموت!
      حينما رأيت ثلاثتهم مجتمعين بسطر واحد
      تذكرت تللك اللعبة التي كنا نلعبها ونحن صغار، وهي حذف الشىء المختلف عن بقية المجموعة...؟؟
      ترى يا أستاذي.. أيهما بنظرك يخالف قواعد المجموعة
      المسرح
      ام الحياة
      أم الموت
      شخصيا سأختار المسرح، وأبقي على الحياة والموت فأنا أيضا أحب ما يحمله كلاهما من صراخ
      صراخ مولود جديد يستقبل الحياة
      وصراخ ينتحب لرحيل من كانت لهم حياة


      فاصل،
      نفس عمييييييييق...
      أكانت هناك إمرأة أيضا، أكانت هي نفسها تلك الخائنة مع هذا الفأر
      أكانت سندريلا بكل ما تحمله ملامحها من براءة خادعه، أخفت تفاصيل الجريمة
      ومن طعن الآخر يا سيدي
      إن كان كلاهما دمية تقاذفتها فنون الحياة على مسرح لا ترى فيه وجوه الأبطال الحقيقية!؟
      المؤلم أنهم كانوا هناك يصفقون خلف أوجاع روح تحولت إلى دمية بلا روح
      دوما ما يرى الناس الإبتسامة تملأ الوجوه، دون ان يستشعروا انها مجرد إطار يخفي ألف دمعة وألف جرح

      أحببتتها يا أستاذي
      ربطت معصمي بخيوط وعلقت نفسي ما بين السطور، وحاولت التحكم بحركاتي
      فكنت أنا وكانت تلك قرآءتي لك أنت!
      تحياتي ومودتي يا أرقي من يبعث الربيع في الأغصان الذابلة[/align]
      كلماتك أستاذة كانت أدهش و أروع من النص
      كيف أرد عليها ، و قد لبست عينى ربيعا ممطرا

      تحيتى و تقديرى
      sigpic

      تعليق

      • على جاسم
        أديب وكاتب
        • 05-06-2007
        • 3216

        #4
        السلام عليكم

        تحية لك أستاذ ربيع

        حقيقة لدي سؤال وهو ما الفرق بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً

        وما هي شروط كل واحدة منها

        لأنه طالعت هذه القصة في هذا القسم وطالعت سابقاً قصص في القصة تقريباً

        لها نفس هذا الحجم من حيث عدد الكلمات

        فهل عدد الكلمات تعتبر شرطاً في القصة القصيرة جداً

        تقديري لك أستاذ ربيع
        عِشْ ما بَدَا لكَ سالماً ... في ظِلّ شاهقّةِ القُصور ِ
        يَسعى عَليك بِما اشتهْيتَ ... لَدى الرَّواح ِ أوِ البكور ِ
        فإذا النّفوس تَغرغَرتْ ... في ظلّ حَشرجَةِ الصدورِ
        فهُنالكَ تَعلَم مُوقِناَ .. ما كُنْتَ إلاََّ في غُرُور ِ​

        تعليق

        • ربيع عقب الباب
          مستشار أدبي
          طائر النورس
          • 29-07-2008
          • 25792

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة على جاسم مشاهدة المشاركة
          السلام عليكم

          تحية لك أستاذ ربيع

          حقيقة لدي سؤال وهو ما الفرق بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً

          وما هي شروط كل واحدة منها

          لأنه طالعت هذه القصة في هذا القسم وطالعت سابقاً قصص في القصة تقريباً

          لها نفس هذا الحجم من حيث عدد الكلمات

          فهل عدد الكلمات تعتبر شرطاً في القصة القصيرة جداً

          تقديري لك أستاذ ربيع
          أهلا أستاذ على
          شرفت بمرورك من هنا
          سوف أرد عليك بالفعل بخصوص القصة القصيرة جدا بمقال أعجبنى منقول من أحد المواقع !!
          و لكن و قبل طرح الموضوع .. أقول أن قصتى لا تندرج تحت مسمى القصة القصيرة جدا .. أنا أعرف هذا .. أدرك أنها بعيدة عن هذا الفن ، الذى بقدر ما أحببته ، عافته نفسى .. و لكن ربما نكتب فيه كتابات متفرقة ، كنوع من سد فجوات ، بين الكتابة و الاملال

          و إليك هذا المقال :
          إن مصطلح الـ (ق. ق. جداً) توصيف اختزالي لنص حكائي محدد لا يستطيع أحد فيما أظن الإقرار بحداثته المطلقة لأنه موجود في شكله ومحتواه الراقيين ومتوافر في كم كبير من التراث الأدبي القديم ناهيك عن المعاصر , ولم يختلف كتابه على تنسيبه أو تصنيفه فالمسألة فيما يلوح لي أن ثمة حاجة موضوعية وملحة دعت إلى خلق أو بعث نص قصصي يحمل كل مواصفات الاختزال ومعانيه .

          ومن الطبيعي أن يتصدى لهذا الأمر الكثير من الأدباء أو من السابحين في فلك الأدب الذين شجعهم على المضي في هذا السبيل أن بعض الأشكال الأدبية التي تشبه القصة القصيرة جداً في التراث العربي من النكتة والطرفة والشذرة والخبر قد نفضت عن أكتافها غبار السنين وقدمت دليلاً أو ما يشبه الدليل على أن هذا الضرب من الأدب لا يفتقد إلى الجذور وأن هذا المصطلح الذي ظهر على الساحة الأدبية وشغل المشتغلين بها وفرق ما بينهم فتحمس له من تحمس وسخر منه من سخر نائياً بنفسه عنه ومنشغلاً بمشكلات أعظم خطراً لا تكاد تكفيها بحسبه مجلدات من الروايات والقصص القصيرة فما بالك بالقصيرة جداً !

          أن هذا المصطلح تسمية حديثة لفن قديم وإننا إذ نتفق مع جميع النقاد الذين يقولون أن معظم الفاشلين في ميداني القصة والشعر قد وجدوا في الـ (ق. ق. جداً) ملاذاً آمناً لأن هناك كتاباً يمارسونها هرباً من كتابة القصة العادية متوهمين فيها السهولة ما أدى إلى طوفان من القصص القصيرة جداً يفتقر إلى أبسط شروط هذا الفن من حدث متنامٍ كثيف وعمق في الفكرة ونهاية مفاجئة وامضة فإن الأمانة تفرض علينا عدم تجاهل النماذج الجيدة على قلتها ولا نستطيع إلا أن نمنحها الإعجاب والتعاطف ونستمد منها حجة في الدفاع عن حق الـ (ق. ق. جداً) في الحياة ، ففي هذا العصر ذي المزاج المتقلب والتطور المتسارع والإنجازات العلمية الخارقة يواجه الأدب بأشكاله المألوفة المقروءة خصوصاً تحدياً كبيراً يشعر به كل أديب ومشتغل في الأدب , هذا التحدي يتجسد في أشكال التعبير المختلفة والجديدة الوافدة منها خصوصاً فقد يكون من أهم أسباب وجود هذا الجنس الاستجابة لروح العصر القائم على السرعة والاختصار والتكثيف فالحاسب مثلاً قد جرى تصغيره عشرات المرات حتى انتهى قطعة يمكن حملها في الجيب بعد أن كانت الغرف تعجز عن استيعابه، وكذلك الوصف في كثير منه عبء ثقيل على الحكاية يوقف سير الحدث وقد يصرف القارئ عن القصة خاصةً أن إيقاع العصر إيقاع سريع لا يحتمل التمهيد والاستفاضة والإنشاء , فوظيفة الوصف تطوير الحدث وبناء الشخصية لا أكثر ولا أقل .

          وأظن أن المحاولة الجديرة بالذكر لقوعدة هذا الجنس من الأدب هي محاولة الدكتور أحمد جاسم الحسين الذي يعد من أكثر المتحمسين لهذا الجنس الأدبي الـ (ق. ق. جداً) كما أسماه اختصاراً في كتابه الرائد (القصة القصيرة جداً) (*) . وقد ذهب الدكتور الحسين في كتابه المذكور آنفاً إلى أن أهم أركان هذا الجنس هي التالية :
          القصصية/ الجرأة/ وحدة الفكر والموضوع/ التكثيف/ خصوصية اللغة والاقتصاد/ الانزياح/ المفارقة/ الترميز/ الأنسنة/ السخرية/ البداية والقفلة/ التناص .

          قد يتبادر إلى الأذهان صعوبة اشتمال أي جنس أدبي على هذه الأركان مجتمعةً ولا سيما إذا كان هذا الجنس قصة صغيرة الحجم من هذا النوع وأنا أميل إلى هذا الرأي فليس من الصواب أن يسعى أي متصدٍ لهذا الجنس الأدبي إلى إرقاد قصصه على سرير لابروكروست وإلزامها بكل هذه الأركان والعناصر إنما أتصور ضرورة وجود نصفها على الأقل في القصة القصيرة جداً الواحدة وللمؤلف بعد ذلك مشروعية الاختيار – كما أرى – بين الأركان والعناصر الملائمة لقصته دون التزام بعناصر وأركان بعينها على أن الركن الأخطر والعنصر الأهم في أية قصة قصيرة جداً هو عنصر القصصية فكثيراً ما يقول لنا أحدهم : "هات من الآخر.. وبعدين" مما يعني أنه غير مستعد لتضييع وقته في الإصغاء إلى كلام يظنه فارغاً ولا يعنيه في شيء فكلنا يود مواجهة المواضيع والأحداث باختصار وبإيجاز لا يخل بالمعنى ، وهذه بالطبع مسؤولية ومسؤولية كبيرة جداً فأن يضعك أحدهم أمام الجديد والطريف والجميل والمختصر في مفاجأة تلو أخرى ومنعطف عقب آخر ويأخذ بيدك ويغزو قلبك وعقلك ويثير ما لديك من رغبات وحب فلن تجد نفسك إلا منساقاً إليه بكل سهولة لا لشيء إلا لكي تلبي فضولك وتشبع حاجتك إلى استطلاع كل ما هو طريف وطارئ من حولك وتلك هي مهمة القاص في القصة القصيرة جداً وبما أن الحكاية أية حكاية هي كذبة متفق عليها بين القارئ والكاتب فإن على الكاتب فوق ذلك أن يستخدم هنا كل ما من شأنه اجتذاب اهتمام الآخر وإقناعه وشد انتباهه فإذا فشل فلن يعني هذا سوى فشل أسلوبه والنتيجة هي خسارة هذا الآخر وإحجامه عن المتابعة .

          القصة القصيرة جداً هي قصة الحذف الفني والاقتصاد الدلالي الموجز وإزالة العوائق اللغوية والحشو الوصفي الذي كان الدكتور طه حسين يدعو إليه بشكل غير مباشر في مجمل كتاباته وبشكل تبدو فيه الاستهانة بذكاء القارئ فمن الواجب والحال هذه أن يكون داخل القصة شديد الامتلاء وكل ما فيها حدثاً وحواراً وشخصياتٍ وخيالاً من النوع العالي التركيز بحيث يتولد منها نص صغير حجماً لكن كبير فعلاً كالرصاصة وصرخة الولادة وكلمة الحق ، أي أن المشكلة في التعامل مع هذا الجنس هي تشذيب وتهذيب واصطفاء يذهب بما هو زائد ونافل. فبنية هذا الأدب الوليد لا تقبل الترهل اللغوي ولا تتحمله إطلاقاً أما اللغة فيجب أن تكون متجاوبة مع التكثيف وبما يحمله ذلك التكثيف من إيحاءات ودلالات أي أن تكون رشيقة في إيصال المعنى والمضمون ، فلم يعد خافياً على أحد أن أكثر الفنون صارت تميل إلى الإيجاز في لغاتها التعبيرية والشعر مثلاً مال جزء منه إلى المقطعات والقصيدة القصيرة جداً لها حضور ما حتى إن نزار قباني – رحمه الله – وهو من هو كان يحرص في كل أمسية من أماسيه على إلقاء نماذج منها.

          ولأن هذا النوع من الكتابة صعب للغاية ويتطلب قدرة عالية على التكثيف وتوصيل الرسالة في ذات الوقت فإن الجرأة في طرح المواضيع واصطياد اللقطة وتدوينها على الورق وإيجاد الحلول لنقاط الذروة بأسلوب هادف وساخر وجميل أمر يستحق الاهتمام خاصة إذا كان الكاتب في هذا الأدب متسلحاً بأدوات الجرأة وعلى ذلك فلا مانع أن يكون الكاتب ملماً أو على اطلاع بكافة الأجناس الأدبية ، وفي ذلك دليل على خصوبة هذا الجنس الأدبي المازج لجميع الأجناس الأدبية الأخرى المنفتحة بعضها على بعض فالقصة القصيرة جداً يمكنها أن تستفيد من أدوات الشعر كما أن الشعر يمكنه أن يستفيد من أدواتها وهذه الاستفادة مقيدة بشرط واحد هو ألا يطغى الشعر على بنيتها القصصية ومثالنا هنا هو ما كتبه جبران خليل جبران منذ ما يزيد على (80) عاماً في مجموعته التي كانت تحمل عنوان (المجنون) فقد كتب وقتئذ مجموعة قصص قصيرة جداً مستوفية جميع الأركان والعناصر التي يتطلبها هذا الجنس الأدبي والتي يذهب إليها معظم النقاد على قلتهم في الوقت الحاضر فتحت عنوان (الثعلب) كتب ما يلي:
          "خرج الثعلب من مأواه عند شروق الشمس، فتطلع إلى ظله منذهلاً وقال: (سأتغذى اليوم جملاً) ثم مضى في سبيله يفتش عن الجمال الصباح كله وعند الظهيرة تفرس في ظله ثانية وقال مندهشاً: (بلى، إن فأرة واحدة تكفيني..).

          ثم جاء بعده زكريا تامر وأثبت أحقية ومشروعية هذا الجنس في العيش جنباً إلى جنب مع الأجناس الأدبية الأخرى, ففي كتابه (النمور في اليوم العاشر) كتب هذه القصة وكانت بعنوان (محو الفقراء) :
          "جاع المواطن سليمان القاسم، فأكل جرائد زاخرة بمقالات تمتدح نظام الحكم وتعدد محاسنه المتجلية في محو الفقر. ولما شبع، شكر الله رازق العباد، وآمن إيماناً عميقاً بما قالته الجرائد"

          أما أحمد جاسم الحسين في كتابه (همهمات ذاكرة) فقد كتب قصةً بعنوان (بكاء):
          فرحت كثيراً (باعترافه لها)، فلا أجمل من أن تسمع فتاة اعتراف شاب بحبها!
          حين مر شرطي خافت وراحت تبكي، لم يهن على الشرطي أن يراها تبكي، فهو (مسؤول عن الأمن)، قاده إلى المخفر، وأجبره على (الاعتراف) لكنها لا تزال تبكي!.

          وما تقدم قصص قصيرة جداً مكثفة وخالية من الزوائد والحشو الوصفي والاستطرادات ، إضافةً إلى تركيزها على خط قصصي هام وترصد بمهارة شديدة حالات إنسانية شديدة الصدق ، فقد نجح القاصان في إرباكنا فنياً مدينين بهذا الإرباك واقعنا القميء والضاحك دوماً ببلاهة وهذه القصص على صغر حجمها تطرح تساؤلات عديدة وهامة تدور حول وظيفة اللغة وعمق الفكرة وعودة الحياة إلى الكلمة التي تراجعت أمام طوفان الصور المزركشة والفاقعة والبراقة وبالتالي تراجعت الثقافة الحقيقية التي تخاطب العقل وتحاوره أمام ثقافة التسطيح والتعليب. فاللغة الزاخرة بهذه العوالم من اللامتناهيات والرموز والإشارات هي الذاكرة والحياة وهي الكاتب والكتابة معاً. وعلى ذلك فهذه القصص كما أعتقد قادرة على إعادة رسم الحياة المفتقدة بدفئها ونبضها البراقين كما يشاؤها القاص مقدماً الصورة التي يريد ناقلاً الواقع أحياناً بحلوه ومره عابثاً فيه أحياناًًً أخرى بدافع من السخرية والتهكم المريرين وذلك من خلال تقنيات مشغولة وعناصر منتقاة وكثير من المحفزات المتواشجة لتقديم سرد مراوغ عبر إيقاع قصصي ساحر يسلب اللب ، وينغرز سهاماً محرضة دائمة الأثر في أعماق النفس حاثةً إياها على الإمتاع والإبداع.

          أخيرا ً:
          إن ما يغري بالنقاش هو أن هذه القضية ، قضية القصة القصيرة جداً لم تحسم بعد ، ومن المعروف أنه إذا كثرت الاتهامات قل النقد ، ورغم كثرة مناقشة ذلك الموضوع واجتذاب أطرافه فثمة تقصير واضح في الدراسات والندوات والبحوث الجادة والكافية حول هذا الجنس والمسؤولية تقع على عاتق الجميع : أدباءً ونقاداً وباحثين ولا بد من الوقوف على أسباب هذا التجاهل خاصةً من قبل ذوي الاختصاص .

          سيبقى هذا المجال ميداناً مفتوحاً لفرسانه القادرين على ترك بصماتهم للحاضر والتاريخ، وإذا كان في كل فن الغث والسمين فالزمن وحده هو الكفيل بأن ما ينفع الناس لا بد أن يمكث في الأرض .


          (*) - صادر عن دار عكرمة بدمشق عام 1997

          عمران أحمد/ سورية
          omran-h@scs-net.org
          sigpic

          تعليق

          • على جاسم
            أديب وكاتب
            • 05-06-2007
            • 3216

            #6
            السلام عليكم

            الأستاذ ربيع

            تحية لك وتقدير ..

            شكراً لك على هذا الشرح

            فأنت تعلم بأن البعض منا وأنا منهم تحديداً في طور التعلم

            وأنت والأستاذ محمود عادل وغيركم من الأساتذة لنا الفخر في أن نتعلم منكم

            فأنتم مدرسة في أدب القصة

            شكراً لك أخي ربيع مرة أخرى على هذا الشرح

            تقديري
            عِشْ ما بَدَا لكَ سالماً ... في ظِلّ شاهقّةِ القُصور ِ
            يَسعى عَليك بِما اشتهْيتَ ... لَدى الرَّواح ِ أوِ البكور ِ
            فإذا النّفوس تَغرغَرتْ ... في ظلّ حَشرجَةِ الصدورِ
            فهُنالكَ تَعلَم مُوقِناَ .. ما كُنْتَ إلاََّ في غُرُور ِ​

            تعليق

            • مجدي السماك
              أديب وقاص
              • 23-10-2007
              • 600

              #7
              قص نادر

              الرائع ربيع عقب الباب..تحياتي
              هذا عمل رائع بلا رتوش..كأنه يصلح معيارا للقص القصير..ستاندرد..مقياس.
              كأن المسرح تحويل الواقع الى حلم. والواقع يحول الحلم الى مسرح.
              سعدت هنا امام عمل متميز.. وربما نادر.
              مودتي
              عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

              تعليق

              • ربيع عقب الباب
                مستشار أدبي
                طائر النورس
                • 29-07-2008
                • 25792

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة على جاسم مشاهدة المشاركة
                السلام عليكم

                الأستاذ ربيع

                تحية لك وتقدير ..

                شكراً لك على هذا الشرح

                فأنت تعلم بأن البعض منا وأنا منهم تحديداً في طور التعلم

                وأنت والأستاذ محمود عادل وغيركم من الأساتذة لنا الفخر في أن نتعلم منكم

                فأنتم مدرسة في أدب القصة

                شكراً لك أخي ربيع مرة أخرى على هذا الشرح

                تقديري
                نحن هنا رفاق طريق أخى العزيز
                أنا أتعلم منك
                خالص تحيتى و تقديرى
                sigpic

                تعليق

                • ربيع عقب الباب
                  مستشار أدبي
                  طائر النورس
                  • 29-07-2008
                  • 25792

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة مجدي السماك مشاهدة المشاركة
                  الرائع ربيع عقب الباب..تحياتي
                  هذا عمل رائع بلا رتوش..كأنه يصلح معيارا للقص القصير..ستاندرد..مقياس.
                  كأن المسرح تحويل الواقع الى حلم. والواقع يحول الحلم الى مسرح.
                  سعدت هنا امام عمل متميز.. وربما نادر.
                  مودتي
                  حديثك رائع مثلك مبدعنا المدهش
                  بل أنت من يقدم النادر دائما
                  لا حرمنى الله من لمساتك الحانية ، و كتاباتك الفريدة

                  تحيتى و تقديرى
                  sigpic

                  تعليق

                  • محمد سلطان
                    أديب وكاتب
                    • 18-01-2009
                    • 4442

                    #10
                    سندريللا جديدة !!

                    وهو كالجاثى ...
                    يدفن رأسه في صدرها و يجهش , و يبكى ,,
                    ونضطرب و ننكفئ .. تمثيلية جديدة من باباتك يا صاحب الخيال !!
                    تجيد المسرحة و لعبات الدمى .. و التحريك لا يتوقف .. يأخدنا معك على الخشبة و نندس فيك ؛ نحب سندريللا أخرى .. لعبة التمسرح وبلمسة منك لشفتاها القرمزيتين .. لكنك لا تشفق علينا .. حجرتك المظلمة تبعث فينا حب العزلة , و باب غرفتك دائماً تبلعه الخربشات و يزعجنا , لذا نكتفى بالمشاهدة و نتفرج , أيضاً كالدمى .. ننتظرك حتى تفك عنا حبال التقيد و نراك بوضوح هذه المرة .. لكن دون رجال الشرطة و دون القيود .. ولا غيرها سندريللا جديدة ستحرر مقلنا ؛ فهى عروسك الليلة , ليست من ضمن الدمى . بل هى الأكيدة بين الموجودات و المخلوقات .. يجهلها إبن دانيال و تعرفها أنت .. هى عيون المدينة حينما يلسعها الليل .. و نجوم الليل حينما تتبختر فيه أنت و تتمايل سندريللاك على جوانبك والطرقات و تترفع عنها بقبلة جسد مرتعش برداً و جمالاً ...
                    تحياتي لسندريللا جديدة ربيع ...
                    التعديل الأخير تم بواسطة محمد سلطان; الساعة 05-06-2009, 10:08.
                    صفحتي على فيس بوك
                    https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

                    تعليق

                    • صبري رسول
                      أديب وكاتب
                      • 25-05-2009
                      • 647

                      #11
                      نصّ مدهش

                      العزيز الأخ ربيع
                      تحية لك
                      سردٌ ممتعٌ، لغة جميلة.
                      شخصيات تستحق الوقوف أمامها
                      نصٌّ جديرٌ بالقراءة

                      دمتَ متألقاً

                      تعليق

                      • م. زياد صيدم
                        كاتب وقاص
                        • 16-05-2007
                        • 3505

                        #12
                        ** الراقى الاديب ربيع........

                        هل هو اندماج فى المشهد لذلا النازف..؟؟ هل هو الحب الجارف له لتوصيل احاسيس وشعور دافق فلم يتمالك اعصابه...فوصلت رسالته حسب رؤيته وفلسفته وانفعالاته ..!!!

                        ادب حقيقى..يسعدنى القرائة لكم استاذى ربيع.

                        تحايا بعبق الرياحين.............
                        أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
                        http://zsaidam.maktoobblog.com

                        تعليق

                        • ربيع عقب الباب
                          مستشار أدبي
                          طائر النورس
                          • 29-07-2008
                          • 25792

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة محمد ابراهيم سلطان مشاهدة المشاركة
                          سندريللا جديدة !!

                          وهو كالجاثى ...
                          يدفن رأسه في صدرها و يجهش , و يبكى ,,
                          ونضطرب و ننكفئ .. تمثيلية جديدة من باباتك يا صاحب الخيال !!
                          تجيد المسرحة و لعبات الدمى .. و التحريك لا يتوقف .. يأخدنا معك على الخشبة و نندس فيك ؛ نحب سندريللا أخرى .. لعبة التمسرح وبلمسة منك لشفتاها القرمزيتين .. لكنك لا تشفق علينا .. حجرتك المظلمة تبعث فينا حب العزلة , و باب غرفتك دائماً تبلعه الخربشات و يزعجنا , لذا نكتفى بالمشاهدة و نتفرج , أيضاً كالدمى .. ننتظرك حتى تفك عنا حبال التقيد و نراك بوضوح هذه المرة .. لكن دون رجال الشرطة و دون القيود .. ولا غيرها سندريللا جديدة ستحرر مقلنا ؛ فهى عروسك الليلة , ليست من ضمن الدمى . بل هى الأكيدة بين الموجودات و المخلوقات .. يجهلها إبن دانيال و تعرفها أنت .. هى عيون المدينة حينما يلسعها الليل .. و نجوم الليل حينما تتبختر فيه أنت و تتمايل سندريللاك على جوانبك والطرقات و تترفع عنها بقبلة جسد مرتعش برداً و جمالاً ...
                          تحياتي لسندريللا جديدة ربيع ...
                          الجديد تأكله الزمتة محمد و قلة الحيلة
                          تأكله الهواجس و التحليق بين الغيوم بلا وصول
                          كما يأكلنى الوقت و يسحقنى بأنيابه الشرسة رغم
                          أننى أدري أن لي قلبا سوف ينبت أخضر .. تماما
                          كما كان الآخر .. لكنه هذه المرة فى الجهة اليمنى من القلب !!

                          أرجو أن تكون قد وصلت بالسلامة
                          أنتظر تليفونك بين وقت و آخر
                          إلا إذا كان الشح هو آخر ماانتجت بلاد الغربة !!

                          محبتي .. كنت جميلا و أكثر
                          sigpic

                          تعليق

                          • ربيع عقب الباب
                            مستشار أدبي
                            طائر النورس
                            • 29-07-2008
                            • 25792

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة صبري رسول مشاهدة المشاركة
                            العزيز الأخ ربيع

                            تحية لك
                            سردٌ ممتعٌ، لغة جميلة.
                            شخصيات تستحق الوقوف أمامها
                            نصٌّ جديرٌ بالقراءة

                            دمتَ متألقاً

                            كنت كما العهد بك جميلا و صادقا
                            شكرا على المرور و التعقيب

                            و آسف على تأخر الرد

                            محبتي
                            sigpic

                            تعليق

                            • ربيع عقب الباب
                              مستشار أدبي
                              طائر النورس
                              • 29-07-2008
                              • 25792

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة م. زياد صيدم مشاهدة المشاركة
                              ** الراقى الاديب ربيع........

                              هل هو اندماج فى المشهد لذلا النازف..؟؟ هل هو الحب الجارف له لتوصيل احاسيس وشعور دافق فلم يتمالك اعصابه...فوصلت رسالته حسب رؤيته وفلسفته وانفعالاته ..!!!

                              ادب حقيقى..يسعدنى القرائة لكم استاذى ربيع.

                              تحايا بعبق الرياحين.............

                              أشكرك أيها المبدع الكبير
                              على المرور و الثناء على النص

                              لا حرمت منك

                              ’سف على تأخر الرد !!

                              محبتي
                              sigpic

                              تعليق

                              يعمل...
                              X