جَهَّزَ مُحْسنُ أدواتِ الرسمِ : الألوانَ والكُرَّاسةَ ؛
فََهوَ فى شَوقٍ أنْ يَرْسَمَ عُصفُورً ا ،
أَبْصَرَهُ اليومَ .. وهوَ يَتَنقلُ بينَ حقولِ البِلْدَةْ !
لا يَعرفُ كيفَ تعلَّقَ هذا العصفورُ برأسِهِ ، دونَ طيورِ الغيطِ الأُخرَى ؛
فلقد أَبصرَ حِدأةْ ..
وَغُرَابًا أَسْوَدَ ..
وغُرَابًا أَبْقَعَ ،
وَأَبَا قِرْدَانٍ ذَا اللُّونِ الأَبيضِ ،
وَهُوَ يُتَابِعُ مَاءَ السَّاقيةِ يَرْوِى الأَرْضَ العَطْشَى !
كانَ العُصْفُورُ يُرَفْرِفُ بَينَ أَصَابِعِِ مُحسنِ ،
يَعْلُو ويَهْبِطُ فِي خِفَّةٍ ٍ .
لكنَّه حَارَ فِى تَلْوِينِ العُصْفُورِ ..
حَارَ كثيرًا ،
رَاحَ يُطِيلُ التَّفْكِيرَ : "هَلْ كانَ رماديَّ اللونِ ،
أَمْ كانَ الأَخْضَرُ لَوْنَهُ ؟ ".
فَجأَةً .. قَالَ :" أََجْعَلُهُ عُصفُورَ الجنَّةِ .. وَعَصَافِيرُ الجَنَةِ خُضْرُ !!".
اِرْتَاحَ قَلِيلًا بَعْضَ الشَّيءِ ،
وَحِينَ رَاحَتْ أَلْوَانُهُ لِتُغَطِى العُصْفُورَ تَوَقَفَ ، وَأَرْجَأَ تَلْوِينَ الرَّسْمِ حَتَى يُنْهِيه !
يَطِيرُ العُصْفُورُ ، وَيَحُطُّ عَلَى سُنْبُلَةٍ خَضْرَاءَ .
السُّنْبُلَةُ لَََمْ تَهْتَزْ ، وَسَاقُ القَمْحِ ضَعِيفَةٌ لَا تَتَحَمَلُ ؛
أَحَسَّ بِكِذْبَةٍ ، فَاخْتَنَقَ ، وَمَزَّقَ كُلَّ الرَّسْمِ ، وَأَلْقَىَ الْوَرَقَةَ في السَّلَةِ .
عَادَ يُخَطِّطُ ثَانِيةً : العُصْفُورُ ، وَجِنَاحَاهُ ، وَمِنْقَارُهُ .
حَطَّ ليلْقُطَ قَشَّةً ، يَحْمِلَهَا ، وَيُحَلِقَ .
اِحْتَارَ ..
العُصْفُورُ لَا يَأكُلُ قَشًّا ؛ فَمَا يَصْنَعُ بالقَشَّةِ ؟
فَجْأَةً تَذَكرَ ، بالقَشَّةِ يَبْنِى بَيْتَهُ .
وَعَاقَبَ مُحْسِنُ نَفْسَهُ بِلَطْمِ الجَبْهَةِ أَنْ خَانَهُ عَقْلُهُ ..
وَظَلَّ العُصْفُورُ يَرُوحُ ، وَيَلْقُطُ قَشًّا ، حَتَّى بَنَى عُشًّا فَوْقَ الشَّجَرَةِ !
كانَ العُشُّ جَمِيلًا ،
مَا شَاهَدَ مُحْسِنُ مِثْلَهُ ،
فَأَحَسَّ بِرَاحَةٍ ، وَبِفَرَحٍ يَمْلَأُ صَدْرَهُ .
وَكمَا يَتَنَفَّسُ قَائِدٌ أَحْرَزَ نَصْرًا ،
تَنَفَّسَ مُحْسِنُ .
ثُمَّ اِنْسَابَتْ فُرْشَتُهُ فَرَسَمَتْ بَيْضًا فِى العُشِّ .
ثُمَّ يأتي العُصْفُورُ وَيَحْضُنُ بَيْضَهُ .
فِى الصُّبْحِ حِينَ الدِّيكُ يَصِيحُ ، عَلَى الكوْنِ فَيَصْحُو ،
يَطِيرُ العُصْفُورُ ، يَبْحَثُ عَنْ حَبَةٍ ، أَو دُودَةٍ ، أَو حَشَرَةٍ ،
حَتَّى يَمْلَأَ بَطْنَهُ ؛ فَيَعُودُ إِلَى العُشِّ ، وَيَحْضُنُ بَيْضَهُ ،
ثُمَّ يَنَامُ مَكانَهُ !
تَمَهَّلَ مُحْسِنُ ،
شَمَلَ الصَّفْحَةَ بِنَظْرَةٍ ،
وَبِعَينَيهِ كان يُتَابِعُ رَسْمَهُ .. خُطْوَةً خُطْوَةً ،
رَاحَ بِفُرْشَاتِهِ يَضَعُ بَعْضَ خُطُوطٍ فِى مَوْضِعٍ ،
وَيُعْدِّلُ مِنْقَارَ العُصْفُورِ فِى هَذِى اللَّقْطَةِ ،
وَهُوَ يَلْتَقِطُ الحَبَةَ .تلو الحبة .
ثُمَّ قَامَ عَنْ كُرْسِيهِ ، وَفَرَدَ ذِرَاعَيْهِ ، تَمَطَّى ، وَتَثَاءَبَ .
دَارَتْ في عَقْلِهِ حَرَكةٌ :" لِمَاذَا كان العُصْفُورُ وَحِيدًا يَا مُحْسِنُ ؟ ".
حِينَ وَصَلَ الغَيْظُ مَدَاهُ ، كادَ يُمَزِّقُ رَسْمَهُ ، وَأَحَسَّ بِسُخْفِ الرَّسْمِ ، وَضَحَالَةِ عَقْلِهِ ؛ لَكِنَّ الرَّسْمَ جَمِيْلٌ ، لَمْ يَرْسُمْ أَبَدًا مِثْلَهُ .
وَتَرَاجَعَ مُحْسِنُ عَنْ تَمْزِيقِهِ ،
قَالَ :" أحْفَظُهُ حَتَّى أُحْدِثَ تَعْدِيلًا فِيهِ ، ومَا يَلْزَمُنِي مِنْ هَذَا أَخَذْتُهُ ! ".
رأى صائب وجميل ..
وعليه اندفعت فرشاته تخطو ،
رسم عصافيرا حلوة ، وطيورا أجمل من نجمة ،
وفراشات بين الزهر وبين الخضرة ،
تحط على نوار الزرع ، وتقبله
ثم رسم نحلا ودبابير..
الله ما أجمل ما صنعت إصبع محسن ..
وفى الغيط رجالا ونساء ، وعيال صغار ..
رسم حياة ما أفتنها!!
كأنها فعلا حية تتحرك فى حجرته الآن ،
كأن شريطا يعرضه الفيديو بالفعل ..
لا .. بل أجمل ..
حتى وصل العصفور إلى العش ؛
فوجد العصفورة فوق البيض ..تستقبل بالفرحة عودته إليها !
هتف محسن :" الله .. ما أحلى الصدق .. حتى فى الرسم !!".
العصفور يهلل ،
يعلو ويحلق ،
ثم يتوقف فجأة ،
ويترك جسمه للريح ،
يهبط ، ثم يغرد .. وتقابله العصفورة.
ما أحلى هذا المشهد !
محسن حزم جسم العصفورة بورقة شجرة ،
والعصفور بالطبل يطبل .
محسن مبدع ،
طبل فوق المكتب ،
ونقَّر بأصابعه .. طويلا ..
حتى آن الوقت ففقس البيض !
امتلأ العش بالأولاد ، بعصافير خضر ،
وعلت فى العش الفرحة .
لكن سلطان النوم سرق محسنا من فرحته ، فنام !!
فى نفس الموعد ، من يوم تال ..
فرد الكراسة أمامه ؛ فامتلأت حجرته بفراشات حلوة ..
هنا وهناك .. على الجدران ..
على الشباك ..
وطن النحل بأذنه ..
غرد عصفور ، فتغنت كل عصافير الغيط .. غنت خلفه ..
ومحسن مبهور .. فرحته فراشات تخرج من فمه ، وتحط تقبل وجهه ..
راح يطالع رسمه ، أخذته الدهشة :" هل حقا هذا رسمه ؟ ".
انتظر قليلا يستجمع أفكاره ،
وبفرشاته يكمل ما بدأه :" وماذا بعد يا محسن ؟ ".
فقس البيض ،
والعصفور يطير مع العصفورة ، في الغيطان يلمان الحب ،
ويعودان سريعا للعش ..
هذا يسقى صغاره ، وهذى تغذيها ..
ثم يعودان ثانية ، ولا ينتهيان .
محسن راح وبفرشاته ،
صمم شيئا ،
ليس بعصفور ،
بعض خطوط ،
أصبح ما يرسمه أوضح ..
كانت حدأة ..
كانت بين فروع الشجرة ترقب ،
وعصافير العش تهلل ، وتصوصو ،
ما أبصرت الحدأة بعد .
الحدأة راحت تتنقل بين الشجرة ،
من فرع إلى فرع ، حتى كانت قرب العش !
رأيتها عصافير العش ؛
فاختبأت فى قاع العش !
رسم الذعر الظاهر فى العينين ،
ورسم الفرحة في عيني الحدأة !
ثم أطلق محسن جناحي الحدأة للريح ..
و بلا صوت مثل اللص تماما.. طارت ،
حامت حول العش ، ثم اقتربت منه ،
فجأة خطفت كل العش بمخالبها الحادة ، وانسلت هاربة ..
الحدأة لصة !
وهناك بعيدا حطت بالعش !!
توقف محسن ، وتردد ،
قال لنفسه :" لن أكمل .. لن أكمل .. هذا شيء محزن ".
عاد العصفور مع العصفورة إلى العش ،
ما وجدا العش .. داخا بحثا عنه . ما وجدا شيئا ..
بكيا ،
وأحسا بالعجز كأنه قيد .. كأنه فخ .
ثم فجأة ، مسحت عينيها العصفورة ،
وبجناحيها لطمت وجه العصفور برفق ،
وهى تقول :" قم نبحث عنها .. أطفالي سرقت ،
هيا .. لا تسلم نفسك لليأس ".
طارا فى كل مكان .. بين الغيطان ، وبين فروع الأشجار ..
وأخيرا كان قلب العصفورة يلمحهم بين مخالب حدأة ،
صاحت بالعصفور:" هاهي ذي .. توشك أن تبلعها ".
ثانية ضرب العجز جناح العصفور ..
كاد يموت ؛ فالأولاد تموت ، وهو لا يفعل شيئا !
رفع المنقار لأعلى ، نزت عيناه دموعا ،
ودعا ربه أن يلهمه الحيلة ؛
فكر !
فجأة ..طار وحلق حتى أبصر صقرا ؛ فدنا منه يشاغبه !
وحين كان الصقر يمنى نفسه بفريسة ،
كان العصفور يطمعه ،
حتى عزم الصقر على قنص العصفور ..
لم يخجل من ضعف فريسته ..
أبدا.. اهتبل الفرصة فورا ..
بدأ الجولة !!
العصفور يطير ،
والصقر يطارده ، ومخالبه مشهرة .
العصفور يتجه صوب الحدأة ،
والصقر وراءه .
والعصفورة مشفقة ..تبكى مصيره ، وتصيح
:" أسرع .. أكلت واحدة .. أسرع ".
الحدأة أبصرت الصقر يحلق ، يدنو منها ،
خافت في الحال وطارت ،
تركت عش العصفور ، وأنسلت بين فروع الشجرة ،
ثم انطلقت هاربة !
لكن الصقر طال العصفور بقفزة ، لمه بمخالبه وطار !
ضاق الفنان برسمه ،
واختنق الدمع بعينه ،
فرمى الفرشاة ، وقام ، تحرك في الحجرة ،
وعند الشباك توقف ، كان يفكر
:" لماذا جعلتُ العصفور فريسة صقر غاشم ؟
ومن أدارني أن الصقر لن يفترس صغار العصفور ؟
عقلي خائب .. عقلي خائب!!".
ومن الشباك شم رائحة الخضرة ،
شاف العصفورة فى العش ،
وصغارا فرحة ، ترقص و تهلل ، وتصوصو
والعصفورة تقبل الواحدة بعد الأخرى .
محسن راح يؤنب نفسه ،
ويعلن فشله ،
عاد يقلب فى رأسه :" كيف لاذ العصفور ؛ ليخرج من محنته بعدو يبغى موته ؟
هذى يا محسن سقطة ..
هذى كذبة ..
أنت رأيت الصدق جميلا أكثر تعبيرا من كذب لن يدفع ورطة ".
خطا بضعة خطوات ،
كان أمام المكتب ،
حدق فى الرسم طويلا ،
شاف العلة ، وعليها راح بفرشاته يضع خطا فوق الرسم ، تحديدا ..
حين رأى العصفور الصقر ،
ألغى سعى العصفور لهذا الوحش ،
ألغى مطاردة الصقر ،
جعل العصفور يحلق ، وبشكل أسرع ،
يدخل أعشاش عصافير .. ويمامات ..وحمائم ،
يعلو أفرع أشجار السرو والصفصاف ،
يحكى ما وقع لعشه ، ويبكى ضياع عياله ،
ويثير النخوة فيها حتى تخرج خلفه ،
وترفرف فى موكب ، ما رأت الدنيا مثله ،
حتى وحوش الطير اختبأت حين رأت الجمع الهادر ،
كان لصوت الجمع دوى قادر ،
لم الأحباب من كافة غيطان البر ،
وأفزع كل صقور الوادي والحدآت !!
هلل محسن .. حجل برجله يرقص .. حل صائب !
قال بحب :" ما كان العصفور ليلجأ إلا لجنسه ؛
وقديما قال الجد الأكبر : من حكمة ربى ..
يقع الطير على أشكاله ،
لا لغريب يسرق عشه ، ويشتت فى الأرض عياله ".
شعر براحة ،
لم كراسته برفق ، أدناها من فمه ، وقبلها ،
ثم رتب ألوانه ،
وأسرع يلتقط ثوبه ، وهو يطير كعصفوره ؛
حتى أكمل هندامه ،
فحمل كراسة رسمه ؛ وانطلق بفرحته ؛
ليدرك أصحابه ، فيأخذ كل منهم قسطا ،
ويشارك عصفوره فرحه ،
أو يبدى رأيا ، فيدور نقاش ،
وتكون ولادة بقعة نور في رأس الواحد منهم !
حاشية : أبو قردان ، و الغراب : من طيور الحقل المهاجرة
فََهوَ فى شَوقٍ أنْ يَرْسَمَ عُصفُورً ا ،
أَبْصَرَهُ اليومَ .. وهوَ يَتَنقلُ بينَ حقولِ البِلْدَةْ !
لا يَعرفُ كيفَ تعلَّقَ هذا العصفورُ برأسِهِ ، دونَ طيورِ الغيطِ الأُخرَى ؛
فلقد أَبصرَ حِدأةْ ..
وَغُرَابًا أَسْوَدَ ..
وغُرَابًا أَبْقَعَ ،
وَأَبَا قِرْدَانٍ ذَا اللُّونِ الأَبيضِ ،
وَهُوَ يُتَابِعُ مَاءَ السَّاقيةِ يَرْوِى الأَرْضَ العَطْشَى !
كانَ العُصْفُورُ يُرَفْرِفُ بَينَ أَصَابِعِِ مُحسنِ ،
يَعْلُو ويَهْبِطُ فِي خِفَّةٍ ٍ .
لكنَّه حَارَ فِى تَلْوِينِ العُصْفُورِ ..
حَارَ كثيرًا ،
رَاحَ يُطِيلُ التَّفْكِيرَ : "هَلْ كانَ رماديَّ اللونِ ،
أَمْ كانَ الأَخْضَرُ لَوْنَهُ ؟ ".
فَجأَةً .. قَالَ :" أََجْعَلُهُ عُصفُورَ الجنَّةِ .. وَعَصَافِيرُ الجَنَةِ خُضْرُ !!".
اِرْتَاحَ قَلِيلًا بَعْضَ الشَّيءِ ،
وَحِينَ رَاحَتْ أَلْوَانُهُ لِتُغَطِى العُصْفُورَ تَوَقَفَ ، وَأَرْجَأَ تَلْوِينَ الرَّسْمِ حَتَى يُنْهِيه !
يَطِيرُ العُصْفُورُ ، وَيَحُطُّ عَلَى سُنْبُلَةٍ خَضْرَاءَ .
السُّنْبُلَةُ لَََمْ تَهْتَزْ ، وَسَاقُ القَمْحِ ضَعِيفَةٌ لَا تَتَحَمَلُ ؛
أَحَسَّ بِكِذْبَةٍ ، فَاخْتَنَقَ ، وَمَزَّقَ كُلَّ الرَّسْمِ ، وَأَلْقَىَ الْوَرَقَةَ في السَّلَةِ .
عَادَ يُخَطِّطُ ثَانِيةً : العُصْفُورُ ، وَجِنَاحَاهُ ، وَمِنْقَارُهُ .
حَطَّ ليلْقُطَ قَشَّةً ، يَحْمِلَهَا ، وَيُحَلِقَ .
اِحْتَارَ ..
العُصْفُورُ لَا يَأكُلُ قَشًّا ؛ فَمَا يَصْنَعُ بالقَشَّةِ ؟
فَجْأَةً تَذَكرَ ، بالقَشَّةِ يَبْنِى بَيْتَهُ .
وَعَاقَبَ مُحْسِنُ نَفْسَهُ بِلَطْمِ الجَبْهَةِ أَنْ خَانَهُ عَقْلُهُ ..
وَظَلَّ العُصْفُورُ يَرُوحُ ، وَيَلْقُطُ قَشًّا ، حَتَّى بَنَى عُشًّا فَوْقَ الشَّجَرَةِ !
كانَ العُشُّ جَمِيلًا ،
مَا شَاهَدَ مُحْسِنُ مِثْلَهُ ،
فَأَحَسَّ بِرَاحَةٍ ، وَبِفَرَحٍ يَمْلَأُ صَدْرَهُ .
وَكمَا يَتَنَفَّسُ قَائِدٌ أَحْرَزَ نَصْرًا ،
تَنَفَّسَ مُحْسِنُ .
ثُمَّ اِنْسَابَتْ فُرْشَتُهُ فَرَسَمَتْ بَيْضًا فِى العُشِّ .
ثُمَّ يأتي العُصْفُورُ وَيَحْضُنُ بَيْضَهُ .
فِى الصُّبْحِ حِينَ الدِّيكُ يَصِيحُ ، عَلَى الكوْنِ فَيَصْحُو ،
يَطِيرُ العُصْفُورُ ، يَبْحَثُ عَنْ حَبَةٍ ، أَو دُودَةٍ ، أَو حَشَرَةٍ ،
حَتَّى يَمْلَأَ بَطْنَهُ ؛ فَيَعُودُ إِلَى العُشِّ ، وَيَحْضُنُ بَيْضَهُ ،
ثُمَّ يَنَامُ مَكانَهُ !
تَمَهَّلَ مُحْسِنُ ،
شَمَلَ الصَّفْحَةَ بِنَظْرَةٍ ،
وَبِعَينَيهِ كان يُتَابِعُ رَسْمَهُ .. خُطْوَةً خُطْوَةً ،
رَاحَ بِفُرْشَاتِهِ يَضَعُ بَعْضَ خُطُوطٍ فِى مَوْضِعٍ ،
وَيُعْدِّلُ مِنْقَارَ العُصْفُورِ فِى هَذِى اللَّقْطَةِ ،
وَهُوَ يَلْتَقِطُ الحَبَةَ .تلو الحبة .
ثُمَّ قَامَ عَنْ كُرْسِيهِ ، وَفَرَدَ ذِرَاعَيْهِ ، تَمَطَّى ، وَتَثَاءَبَ .
دَارَتْ في عَقْلِهِ حَرَكةٌ :" لِمَاذَا كان العُصْفُورُ وَحِيدًا يَا مُحْسِنُ ؟ ".
حِينَ وَصَلَ الغَيْظُ مَدَاهُ ، كادَ يُمَزِّقُ رَسْمَهُ ، وَأَحَسَّ بِسُخْفِ الرَّسْمِ ، وَضَحَالَةِ عَقْلِهِ ؛ لَكِنَّ الرَّسْمَ جَمِيْلٌ ، لَمْ يَرْسُمْ أَبَدًا مِثْلَهُ .
وَتَرَاجَعَ مُحْسِنُ عَنْ تَمْزِيقِهِ ،
قَالَ :" أحْفَظُهُ حَتَّى أُحْدِثَ تَعْدِيلًا فِيهِ ، ومَا يَلْزَمُنِي مِنْ هَذَا أَخَذْتُهُ ! ".
رأى صائب وجميل ..
وعليه اندفعت فرشاته تخطو ،
رسم عصافيرا حلوة ، وطيورا أجمل من نجمة ،
وفراشات بين الزهر وبين الخضرة ،
تحط على نوار الزرع ، وتقبله
ثم رسم نحلا ودبابير..
الله ما أجمل ما صنعت إصبع محسن ..
وفى الغيط رجالا ونساء ، وعيال صغار ..
رسم حياة ما أفتنها!!
كأنها فعلا حية تتحرك فى حجرته الآن ،
كأن شريطا يعرضه الفيديو بالفعل ..
لا .. بل أجمل ..
حتى وصل العصفور إلى العش ؛
فوجد العصفورة فوق البيض ..تستقبل بالفرحة عودته إليها !
هتف محسن :" الله .. ما أحلى الصدق .. حتى فى الرسم !!".
العصفور يهلل ،
يعلو ويحلق ،
ثم يتوقف فجأة ،
ويترك جسمه للريح ،
يهبط ، ثم يغرد .. وتقابله العصفورة.
ما أحلى هذا المشهد !
محسن حزم جسم العصفورة بورقة شجرة ،
والعصفور بالطبل يطبل .
محسن مبدع ،
طبل فوق المكتب ،
ونقَّر بأصابعه .. طويلا ..
حتى آن الوقت ففقس البيض !
امتلأ العش بالأولاد ، بعصافير خضر ،
وعلت فى العش الفرحة .
لكن سلطان النوم سرق محسنا من فرحته ، فنام !!
فى نفس الموعد ، من يوم تال ..
فرد الكراسة أمامه ؛ فامتلأت حجرته بفراشات حلوة ..
هنا وهناك .. على الجدران ..
على الشباك ..
وطن النحل بأذنه ..
غرد عصفور ، فتغنت كل عصافير الغيط .. غنت خلفه ..
ومحسن مبهور .. فرحته فراشات تخرج من فمه ، وتحط تقبل وجهه ..
راح يطالع رسمه ، أخذته الدهشة :" هل حقا هذا رسمه ؟ ".
انتظر قليلا يستجمع أفكاره ،
وبفرشاته يكمل ما بدأه :" وماذا بعد يا محسن ؟ ".
فقس البيض ،
والعصفور يطير مع العصفورة ، في الغيطان يلمان الحب ،
ويعودان سريعا للعش ..
هذا يسقى صغاره ، وهذى تغذيها ..
ثم يعودان ثانية ، ولا ينتهيان .
محسن راح وبفرشاته ،
صمم شيئا ،
ليس بعصفور ،
بعض خطوط ،
أصبح ما يرسمه أوضح ..
كانت حدأة ..
كانت بين فروع الشجرة ترقب ،
وعصافير العش تهلل ، وتصوصو ،
ما أبصرت الحدأة بعد .
الحدأة راحت تتنقل بين الشجرة ،
من فرع إلى فرع ، حتى كانت قرب العش !
رأيتها عصافير العش ؛
فاختبأت فى قاع العش !
رسم الذعر الظاهر فى العينين ،
ورسم الفرحة في عيني الحدأة !
ثم أطلق محسن جناحي الحدأة للريح ..
و بلا صوت مثل اللص تماما.. طارت ،
حامت حول العش ، ثم اقتربت منه ،
فجأة خطفت كل العش بمخالبها الحادة ، وانسلت هاربة ..
الحدأة لصة !
وهناك بعيدا حطت بالعش !!
توقف محسن ، وتردد ،
قال لنفسه :" لن أكمل .. لن أكمل .. هذا شيء محزن ".
عاد العصفور مع العصفورة إلى العش ،
ما وجدا العش .. داخا بحثا عنه . ما وجدا شيئا ..
بكيا ،
وأحسا بالعجز كأنه قيد .. كأنه فخ .
ثم فجأة ، مسحت عينيها العصفورة ،
وبجناحيها لطمت وجه العصفور برفق ،
وهى تقول :" قم نبحث عنها .. أطفالي سرقت ،
هيا .. لا تسلم نفسك لليأس ".
طارا فى كل مكان .. بين الغيطان ، وبين فروع الأشجار ..
وأخيرا كان قلب العصفورة يلمحهم بين مخالب حدأة ،
صاحت بالعصفور:" هاهي ذي .. توشك أن تبلعها ".
ثانية ضرب العجز جناح العصفور ..
كاد يموت ؛ فالأولاد تموت ، وهو لا يفعل شيئا !
رفع المنقار لأعلى ، نزت عيناه دموعا ،
ودعا ربه أن يلهمه الحيلة ؛
فكر !
فجأة ..طار وحلق حتى أبصر صقرا ؛ فدنا منه يشاغبه !
وحين كان الصقر يمنى نفسه بفريسة ،
كان العصفور يطمعه ،
حتى عزم الصقر على قنص العصفور ..
لم يخجل من ضعف فريسته ..
أبدا.. اهتبل الفرصة فورا ..
بدأ الجولة !!
العصفور يطير ،
والصقر يطارده ، ومخالبه مشهرة .
العصفور يتجه صوب الحدأة ،
والصقر وراءه .
والعصفورة مشفقة ..تبكى مصيره ، وتصيح
:" أسرع .. أكلت واحدة .. أسرع ".
الحدأة أبصرت الصقر يحلق ، يدنو منها ،
خافت في الحال وطارت ،
تركت عش العصفور ، وأنسلت بين فروع الشجرة ،
ثم انطلقت هاربة !
لكن الصقر طال العصفور بقفزة ، لمه بمخالبه وطار !
ضاق الفنان برسمه ،
واختنق الدمع بعينه ،
فرمى الفرشاة ، وقام ، تحرك في الحجرة ،
وعند الشباك توقف ، كان يفكر
:" لماذا جعلتُ العصفور فريسة صقر غاشم ؟
ومن أدارني أن الصقر لن يفترس صغار العصفور ؟
عقلي خائب .. عقلي خائب!!".
ومن الشباك شم رائحة الخضرة ،
شاف العصفورة فى العش ،
وصغارا فرحة ، ترقص و تهلل ، وتصوصو
والعصفورة تقبل الواحدة بعد الأخرى .
محسن راح يؤنب نفسه ،
ويعلن فشله ،
عاد يقلب فى رأسه :" كيف لاذ العصفور ؛ ليخرج من محنته بعدو يبغى موته ؟
هذى يا محسن سقطة ..
هذى كذبة ..
أنت رأيت الصدق جميلا أكثر تعبيرا من كذب لن يدفع ورطة ".
خطا بضعة خطوات ،
كان أمام المكتب ،
حدق فى الرسم طويلا ،
شاف العلة ، وعليها راح بفرشاته يضع خطا فوق الرسم ، تحديدا ..
حين رأى العصفور الصقر ،
ألغى سعى العصفور لهذا الوحش ،
ألغى مطاردة الصقر ،
جعل العصفور يحلق ، وبشكل أسرع ،
يدخل أعشاش عصافير .. ويمامات ..وحمائم ،
يعلو أفرع أشجار السرو والصفصاف ،
يحكى ما وقع لعشه ، ويبكى ضياع عياله ،
ويثير النخوة فيها حتى تخرج خلفه ،
وترفرف فى موكب ، ما رأت الدنيا مثله ،
حتى وحوش الطير اختبأت حين رأت الجمع الهادر ،
كان لصوت الجمع دوى قادر ،
لم الأحباب من كافة غيطان البر ،
وأفزع كل صقور الوادي والحدآت !!
هلل محسن .. حجل برجله يرقص .. حل صائب !
قال بحب :" ما كان العصفور ليلجأ إلا لجنسه ؛
وقديما قال الجد الأكبر : من حكمة ربى ..
يقع الطير على أشكاله ،
لا لغريب يسرق عشه ، ويشتت فى الأرض عياله ".
شعر براحة ،
لم كراسته برفق ، أدناها من فمه ، وقبلها ،
ثم رتب ألوانه ،
وأسرع يلتقط ثوبه ، وهو يطير كعصفوره ؛
حتى أكمل هندامه ،
فحمل كراسة رسمه ؛ وانطلق بفرحته ؛
ليدرك أصحابه ، فيأخذ كل منهم قسطا ،
ويشارك عصفوره فرحه ،
أو يبدى رأيا ، فيدور نقاش ،
وتكون ولادة بقعة نور في رأس الواحد منهم !
حاشية : أبو قردان ، و الغراب : من طيور الحقل المهاجرة
تعليق