القصة الذهبية تربة مخضّبة للرائعة نادية البرينى عن شهر نوفمير

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نادية البريني
    أديب وكاتب
    • 20-09-2009
    • 2644

    القصة الذهبية تربة مخضّبة للرائعة نادية البرينى عن شهر نوفمير

    ارتفعت الأصوات مردّدة :"مازالت الحياة تنبض بين جوانحها الصّغيرة".
    سرى الخبر في شراييني ففاض ماء الحياة في جسدي بعد ما نضب لهول ما حدث.
    تحاملت على أوجاعي.كنت قد فقدت القدرة على الحركة لكنّ الأمل خرج من بين أنقاض نفسي المتهالكة ليلملم كلومها.
    زهرتي الجميلة على قيد الحياة.خلت أنّني فقدتها للأبد فندبت مصابها وعشت مرارة فراقها.
    اقتربت منهم والشّوق إلى احتضانها يهزّ كياني ،نظرت إليها،غام الأفق أمامي أصابني دوار...

    "صغيرتي الحلوة،يا جميلة الرّوح لطالما حلمنا برحلة عبر ربوع بلادنا نهيم في حقولها ومزارعها فندفن فيها بؤسنا وشقاءنا.طالما تمنّينا لقاء أقربائنا هناك وراء الأسلاك الشّائكة والجدران الفاصلة.
    فلنحلم قبل أن تصبح أحلامنا باهضة الثّمن فلا نقدر على شرائها ولنحلم ماداموا لم يقرّروا بعد حظرها ومصادرتها.ماذا بقي غير الحلم نملأ به رئتينا وقد تلوّث هواء بلادنا بما نفثوا فيها من سموم؟
    أدميت قلبك الصّغيرالذي يتفتّح للحياة كزهرة بريّة.
    لا عليك أمّي الغالية،إنّني أعيش في أعماق أحزانك وأحلامك.أستيقظ كلّ صباح على رائحة الأرض وهي تطهّر أنفاسي من براثن ما علق بها.
    يعصف بي الشّوق إلى أن أزور قبر أبي وأتمرّغ في ثرى التّربة التّي تحمل في أحشائها بقاياه.لم يكتب لي أن أعيش بين أحضانه وقد اغتالته أيديهم القذرة"

    -أريد رؤيتها.أريد الاطمئنان عليها.تبّا لهم لقد مزّقوا بالأرزاء صدري لكنّني الآن أكثر قوّة من أيّ وقت مضى .أريد رؤيتها.
    -حرارتك تنخفض تدريجيّا. سأسمح لك بزيارتها حالما تتعافين.
    -قدرنا واحد أنا وصغيرتي وكلّ من صودرت أحلامه لذلك كنّا نغنم الحلم لأنّنا قد نفقده يوما.
    سكنت في فراشي لكنّ نفسي لم تنم فقد اتّقدت أوجاعي داخلي تئنّ تحت وطأة عذاب ابنتي التي تجاورني في هذا المستشفى.نهضت وتسلّلت في حذر..
    -توقّفي . ماذا تفعلين؟ عودي إلى الفراش.لا يمكنك المجازفة بصحّتك. سأرافقك إليها عندما تتماثلين للشّفاء...

    "كان عليّ الخروج لأؤمّن لنا الطّعام في تلك الأيّام العصيبة.تسللّت في حذر بعد أن تركتها في البيت وفي اعتقادي أنّي ضمنت لها الأمان.
    صوّب رشّاشه نحوي:
    مكانك.إلى أين تتّجهين؟أين بطاقتك الشّخصيّة؟
    غمغمت:هل كان عليّ أن أحملها لأبتاع خبزا؟
    اخترقت الحصاربعد جهد كبيرفي إقناعه بضرورة المضيّ قدما.
    تخطّيت بقعا حمراء حتّى لا أنتهكها بقدميّ.جليلة تلك الحمرة التّي تخضّب تربة وطني.كنت أحذر انتهاك قداستها وقداسة أصحابها.
    تقدّمت قليلا:
    -احذري سيّدتي.الطّريق غير آمن.كان عليك ألاّ تجازفي.احذري
    تقّدمت.الدّكاكين مغلقة.بالكاد وجدت أحدها شبه مفتوح.حصلت فقط على ما يسدّ الرّمق.
    أصابت إحدى الشّضايا كتفي وأنا في طريق العودة.نزفت دما ووجعا.
    -لا تتقدّمي أختاه لا يمكننك العبور.لقد أغاروا بطائراتهم على المنازل.يريدون تدمير كلّ شيء.
    تحاملت على نفسي ووصلت بمشقّة..المنازل تئنّ تحت وطأة الخراب.الأنين يسمع بين الأنقاذ،أنين العباد والتّراب.
    نزفت دما ودموعا.نزف جرح الماضي وأنا أحسّ وجعه في حاضر مأساتي.
    يا ربّ جرحي مازال لم يندمل بعد"

    -كيف حالك سيّدتي؟تبدين اليوم أفضل.سأرافقك مساء إلى صغيرتك.إنّها تنتظرك.
    -كيف حالها؟اشتاقت إليها كلّ ذرّة في كياني.
    -بخير بخير والحمد لله...

    "إنّها تئنّ. هيّا أسرعوا مازال فيها نبض حياة.
    خرجت من تحت الرّكام عروسا مخضّبة بالدّم.لم أميّز وجهها.كانت مزيجا من الدّم والتّراب.ارتعدت،أصابني دوّار"

    -هيّا سيّدتي إنّها في انتظارك.
    تجمّدت الدّموع في عينيّ.وأدت وجعي وحرقتي .كتمت أنيني.
    تبدومتماسكة طفلتي التّي تختزن أوجاعها داخلها.
    بتروا يدها اليمنى لكن لم يبتروا ثباتها ورباطة جأشها.
    لن يبتروا حلمها في أن تزور قبر والدها هناك في الضّفة الأخرى.
    التعديل الأخير تم بواسطة عائده محمد نادر; الساعة 25-01-2011, 20:27.
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    أقرأت أنا .. هل استطعت ابتلاع كل هذا الوهج و الثورة على أى من صنوف التخاذل و التراجع .. أأستطيع التعليق هنا الان .. أسأل نفسى .. هل أنا فى وضع يسمح لى بالتعليق .. و هذا العمل المخضب بالدم و التراب .. وخطوات تدب بالجسارة على امتداد عين الوطن ؟!!

    أنا فى حالة تراجع بالفعل ، نعم .. أخاف أن يفوتنى قدر ضئيل من هذا
    النشيج المخضب بالنشيد .. و لذا سوف أطوى الصفحة الآن ، و أعود إليه
    ثانية ، لأكون بين يديه جديدا !!


    خالص تقديرى لقلمك نادية الشقيقة !!
    sigpic

    تعليق

    • إيهاب فاروق حسني
      أديب ومفكر
      عضو اتحاد كتاب مصر
      • 23-06-2009
      • 946

      #3
      الزميلة المبدعة
      نادية البريني

      أبدعتِ في تجسيد الوجع
      حتى استطعتِ أن تثيري الأوجاع في قلوبنا
      لكن بماذا يجدي الوجع في صمت؟...
      هناك حيث يرقد الألاف بين أحضان الألم
      يصارعون الموت كل لحظة
      لا زال البعض هنا ينعم بالتمرغ في ريش النعام
      ولذائذ الحياة
      لقد أثرتِ وجعي حقاً
      وليت بيدي ما أستطيعه تجاه البلدة الحزينة
      ذلك الجرح الذي لا يتوقف عن النزف
      ماذا عساي أن أفعل أكثر من كلمة تخطها يداي
      أرشحكِ للذهبية سيدتي
      إيهاب فاروق حسني

      تعليق

      • د.إميل صابر
        عضو أساسي
        • 26-09-2009
        • 551

        #4
        .................................................. .............
        .................................................. ..........
        .................................................. ........
        .................................................. ......

        تقبلي تحية صباح مفعم بالأمل
        وترشيح للقصة الذهبية
        [frame="11 98"]
        [FONT=Tahoma][SIZE=6][FONT=Tahoma][FONT=Tahoma][SIZE=6][FONT=Simplified Arabic][COLOR=blue][SIZE=5][SIZE=6][FONT=Tahoma][COLOR=#000000]"[/COLOR][/FONT][/SIZE][FONT=Simplified Arabic][COLOR=navy][FONT=Simplified Arabic][COLOR=#000000][FONT=Tahoma]28-9-2010[/FONT][/COLOR][/FONT][/COLOR][/FONT]
        [FONT=Simplified Arabic][COLOR=navy]
        [FONT=Tahoma][SIZE=5][COLOR=#333333][FONT=Simplified Arabic]هناك أناس لو لم يجدوا جنازة تُشبع شغفهم باللطم، قتلوا قتيلا وساروا في جنازته[/FONT][/COLOR][COLOR=#333333][FONT=Simplified Arabic]لاطمون.[/FONT][/COLOR][/SIZE][/FONT]
        [COLOR=#333333][FONT=Simplified Arabic][FONT=Tahoma][SIZE=5]لدينا الكثير منهم في مصر.[/SIZE][/FONT][/FONT][/COLOR][/COLOR][/FONT][/SIZE][/COLOR][/FONT][/SIZE][/FONT][SIZE=6]" [/SIZE]
        [SIZE=4]د.إميل صابر[/SIZE]
        [/FONT][/SIZE][/FONT]
        [CENTER][FONT=Tahoma][COLOR=navy][B]أفكار من الفرن[/B][/COLOR][/FONT][/CENTER]
        [CENTER][U][COLOR=#000066][URL]http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?p=484272[/URL][/COLOR][/U][/CENTER]
        [/frame]

        تعليق

        • مجدي السماك
          أديب وقاص
          • 23-10-2007
          • 600

          #5
          تحياتي

          اختي المبدعة نادية البريني..تحياتي
          نص جميل..يستحق كل احترام وتقدير.ا يسعني سوىالقول انك مبدع وقاصة قديرة.. اكن لها كل الاحترام.
          مودتي
          عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

          تعليق

          • مها راجح
            حرف عميق من فم الصمت
            • 22-10-2008
            • 10970

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة نادية البريني مشاهدة المشاركة
            ارتفعت الأصوات مردّدة :"مازالت الحياة تنبض بين جوانحها الصّغيرة".
            سرى الخبر في شراييني ففاض ماء الحياة في جسدي بعد ما نضب لهول ما حدث.
            تحاملت على أوجاعي.كنت قد فقدت القدرة على الحركة لكنّ الأمل خرج من بين أنقاذ نفسي المتهالكة ليلملم كلومها.
            زهرتي الجميلة على قيد الحياة.خلت أنّني فقدتها للأبد فندبت مصابها وعشت مرارة فراقها.
            اقتربت منهم والشّوق إلى احتضانها يهزّ كياني ،نظرت إليها،غام الأفق أمامي أصابني دوار...

            "صغيرتي الحلوة،يا جميلة الرّوح لطالما حلمنا برحلة عبر ربوع بلادنا نهيم في حقولها ومزارعها فندفن فيها بؤسنا وشقاءنا.طالما تمنّينا لقاء أقربائنا هناك وراء الأسلاك الشّائكة والجدران الفاصلة.
            فلنحلم قبل أن تصبح أحلامنا باهضة الثّمن فلا نقدر على شرائها ولنحلم ماداموا لم يقرّروا بعد حظرها ومصادرتها.ماذا بقي غير الحلم نملأ به رئتينا وقد تلوّث هواء بلادنا بما نفثوا فيها من سموم؟
            أدميت قلبك الصّغيرالذي يتفتّح للحياة كزهرة بريّة.
            لا عليك أمّي الغالية،إنّني أعيش في أعماق أحزانك وأحلامك.أستيقظ كلّ صباح على رائحة الأرض وهي تطهّر أنفاسي من براثن ما علق بها.
            يعصف بي الشّوق إلى أن أزور قبر أبي وأتمرّغ في ثرى التّربة التّي تحمل في أحشائها بقاياه.لم يكتب لي أن أعيش بين أحضانه وقد اغتالته أيديهم القذرة"

            -أريد رؤيتها.أريد الاطمئنان عليها.تبّا لهم لقد مزّقوا بالأرزاء صدري لكنّني الآن أكثر قوّة من أيّ وقت مضى .أريد رؤيتها.
            -حرارتك تنخفض تدريجيّا. سأسمح لك بزيارتها حالما تتعافين.
            -قدرنا واحد أنا وصغيرتي وكلّ من صودرت أحلامه لذلك كنّا نغنم الحلم لأنّنا قد نفقده يوما.
            سكنت في فراشي لكنّ نفسي لم تنم فقد اتّقدت أوجاعي داخلي تئنّ تحت وطأة عذاب ابنتي التي تجاورني في هذا المستشفى.نهضت وتسلّلت في حذر..
            -توقّفي . ماذا تفعلين؟ عودي إلى الفراش.لا يمكنك المجازفة بصحّتك. سأرافقك إليها عندما تتماثلين للشّفاء...

            "كان عليّ الخروج لأؤمّن لنا الطّعام في تلك الأيّام العصيبة.تسللّت في حذر بعد أن تركتها في البيت وفي اعتقادي أنّي ضمنت لها الأمان.
            صوّب رشّاشه نحوي:
            مكانك.إلى أين تتّجهين؟أين بطاقتك الشّخصيّة؟
            غمغمت:هل كان عليّ أن أحملها لأبتاع خبزا؟
            اخترقت الحصاربعد جهد كبيرفي إقناعه بضرورة المضيّ قدما.
            تخطّيت بقعا حمراء حتّى لا أنتهكها بقدميّ.جليلة تلك الحمرة التّي تخضّب تربة وطني.كنت أحذر انتهاك قداستها وقداسة أصحابها.
            تقدّمت قليلا:
            -احذري سيّدتي.الطّريق غير آمن.كان عليك ألاّ تجازفي.احذري
            تقّدمت.الدّكاكين مغلقة.بالكاد وجدت أحدها شبه مفتوح.حصلت فقط على ما يسدّ الرّمق.
            أصابت إحدى الشّضايا كتفي وأنا في طريق العودة.نزفت دما ووجعا.
            -لا تتقدّمي أختاه لا يمكننك العبور.لقد أغاروا بطائراتهم على المنازل.يريدون تدمير كلّ شيء.
            تحاملت على نفسي ووصلت بمشقّة..المنازل تئنّ تحت وطأة الخراب.الأنين يسمع بين الأنقاذ،أنين العباد والتّراب.
            نزفت دما ودموعا.نزف جرح الماضي وأنا أحسّ وجعه في حاضر مأساتي.
            يا ربّ جرحي مازال لم يندمل بعد"

            -كيف حالك سيّدتي؟تبدين اليوم أفضل.سأرافقك مساء إلى صغيرتك.إنّها تنتظرك.
            -كيف حالها؟اشتاقت إليها كلّ ذرّة في كياني.
            -بخير بخير والحمد لله...

            "إنّها تئنّ. هيّا أسرعوا مازال فيها نبض حياة.
            خرجت من تحت الرّكام عروسا مخضّبة بالدّم.لم أميّز وجهها.كانت مزيجا من الدّم والتّراب.ارتعدت،أصابني دوّار"

            -هيّا سيّدتي إنّها في انتظارك.
            تجمّدت الدّموع في عينيّ.وأدت وجعي وحرقتي .كتمت أنيني.
            تبدومتماسكة طفلتي التّي تختزن أوجاعها داخلها.
            بتروا يدها اليمنى لكن لم يبتروا ثباتها ورباطة جأشها.
            لن يبتروا حلمها في أن تزور قبر والدها هناك في الضّفة الأخرى.

            نص يشحن القلوب التي أوشكت على الجفاف والتلف
            بوهج ساطع يحمل حلما لن يمحى ولن يبتر ابدا

            براعة سلسة ولغة ممتعة مؤلمة
            تحيتي استاذة نادية
            رحمك الله يا أمي الغالية

            تعليق

            • وضاح محمد فؤاد
              طبيب وكاتب
              • 31-10-2009
              • 198

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة نادية البريني مشاهدة المشاركة
              ارتفعت الأصوات مردّدة :"مازالت الحياة تنبض بين جوانحها الصّغيرة".
              سرى الخبر في شراييني ففاض ماء الحياة في جسدي بعد ما نضب لهول ما حدث.
              تحاملت على أوجاعي.كنت قد فقدت القدرة على الحركة لكنّ الأمل خرج من بين أنقاذ نفسي المتهالكة ليلملم كلومها.
              زهرتي الجميلة على قيد الحياة.خلت أنّني فقدتها للأبد فندبت مصابها وعشت مرارة فراقها.
              اقتربت منهم والشّوق إلى احتضانها يهزّ كياني ،نظرت إليها،غام الأفق أمامي أصابني دوار...

              "صغيرتي الحلوة،يا جميلة الرّوح لطالما حلمنا برحلة عبر ربوع بلادنا نهيم في حقولها ومزارعها فندفن فيها بؤسنا وشقاءنا.طالما تمنّينا لقاء أقربائنا هناك وراء الأسلاك الشّائكة والجدران الفاصلة.
              فلنحلم قبل أن تصبح أحلامنا باهضة الثّمن فلا نقدر على شرائها ولنحلم ماداموا لم يقرّروا بعد حظرها ومصادرتها.ماذا بقي غير الحلم نملأ به رئتينا وقد تلوّث هواء بلادنا بما نفثوا فيها من سموم؟
              أدميت قلبك الصّغيرالذي يتفتّح للحياة كزهرة بريّة.
              لا عليك أمّي الغالية،إنّني أعيش في أعماق أحزانك وأحلامك.أستيقظ كلّ صباح على رائحة الأرض وهي تطهّر أنفاسي من براثن ما علق بها.
              يعصف بي الشّوق إلى أن أزور قبر أبي وأتمرّغ في ثرى التّربة التّي تحمل في أحشائها بقاياه.لم يكتب لي أن أعيش بين أحضانه وقد اغتالته أيديهم القذرة"

              -أريد رؤيتها.أريد الاطمئنان عليها.تبّا لهم لقد مزّقوا بالأرزاء صدري لكنّني الآن أكثر قوّة من أيّ وقت مضى .أريد رؤيتها.
              -حرارتك تنخفض تدريجيّا. سأسمح لك بزيارتها حالما تتعافين.
              -قدرنا واحد أنا وصغيرتي وكلّ من صودرت أحلامه لذلك كنّا نغنم الحلم لأنّنا قد نفقده يوما.
              سكنت في فراشي لكنّ نفسي لم تنم فقد اتّقدت أوجاعي داخلي تئنّ تحت وطأة عذاب ابنتي التي تجاورني في هذا المستشفى.نهضت وتسلّلت في حذر..
              -توقّفي . ماذا تفعلين؟ عودي إلى الفراش.لا يمكنك المجازفة بصحّتك. سأرافقك إليها عندما تتماثلين للشّفاء...

              "كان عليّ الخروج لأؤمّن لنا الطّعام في تلك الأيّام العصيبة.تسللّت في حذر بعد أن تركتها في البيت وفي اعتقادي أنّي ضمنت لها الأمان.
              صوّب رشّاشه نحوي:
              مكانك.إلى أين تتّجهين؟أين بطاقتك الشّخصيّة؟
              غمغمت:هل كان عليّ أن أحملها لأبتاع خبزا؟
              اخترقت الحصاربعد جهد كبيرفي إقناعه بضرورة المضيّ قدما.
              تخطّيت بقعا حمراء حتّى لا أنتهكها بقدميّ.جليلة تلك الحمرة التّي تخضّب تربة وطني.كنت أحذر انتهاك قداستها وقداسة أصحابها.
              تقدّمت قليلا:
              -احذري سيّدتي.الطّريق غير آمن.كان عليك ألاّ تجازفي.احذري
              تقّدمت.الدّكاكين مغلقة.بالكاد وجدت أحدها شبه مفتوح.حصلت فقط على ما يسدّ الرّمق.
              أصابت إحدى الشّضايا كتفي وأنا في طريق العودة.نزفت دما ووجعا.
              -لا تتقدّمي أختاه لا يمكننك العبور.لقد أغاروا بطائراتهم على المنازل.يريدون تدمير كلّ شيء.
              تحاملت على نفسي ووصلت بمشقّة..المنازل تئنّ تحت وطأة الخراب.الأنين يسمع بين الأنقاذ،أنين العباد والتّراب.
              نزفت دما ودموعا.نزف جرح الماضي وأنا أحسّ وجعه في حاضر مأساتي.
              يا ربّ جرحي مازال لم يندمل بعد"

              -كيف حالك سيّدتي؟تبدين اليوم أفضل.سأرافقك مساء إلى صغيرتك.إنّها تنتظرك.
              -كيف حالها؟اشتاقت إليها كلّ ذرّة في كياني.
              -بخير بخير والحمد لله...

              "إنّها تئنّ. هيّا أسرعوا مازال فيها نبض حياة.
              خرجت من تحت الرّكام عروسا مخضّبة بالدّم.لم أميّز وجهها.كانت مزيجا من الدّم والتّراب.ارتعدت،أصابني دوّار"

              -هيّا سيّدتي إنّها في انتظارك.
              تجمّدت الدّموع في عينيّ.وأدت وجعي وحرقتي .كتمت أنيني.
              تبدومتماسكة طفلتي التّي تختزن أوجاعها داخلها.
              بتروا يدها اليمنى لكن لم يبتروا ثباتها ورباطة جأشها.
              لن يبتروا حلمها في أن تزور قبر والدها هناك في الضّفة الأخرى.
              صورة واضحة بملامحها وعواطفها وأوجاعها...

              صورة دخلتها مع كل كلمة وحرف فعشت بين جوانب جدرانها ونبض دمها الطاهر

              صورة جميلة جميلة حتى آخر دمعة حمراء قانية
              التعديل الأخير تم بواسطة وضاح محمد فؤاد; الساعة 31-01-2011, 20:17.

              تعليق

              • نادية البريني
                أديب وكاتب
                • 20-09-2009
                • 2644

                #8
                السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                أتدري أخي الطّيب ربيع؟
                وأنا أكتب هذه القصّة كنت أراجع بين الفينة والأخرى عباراتي فتسري القشعريرة في كامل جسدي،أحسّ وهج النّيران التي لم يخفّف حدّتهاإلاّ الصمود، صمود أهلنا في فلسطين، صمود الأطفال الذين يصنعون ملحمة الفعل والقول.
                قلت في نفسي: هل ستخترق هذه القشعريرة أجسادكم وهل سيصل صدى هذا النّشيج الدّاخليّ الذي يعتري قلوبنا المكلومة إليكم عبر هذه القصّة؟
                مدينة لك أخي ربيع بهذا الحرف الذي طالما رعيته ووجّهته.
                هو لك ينبض حركة بمثل ما تريد
                أهديك النّص بمرارة طعمه وقداسة أحداثه المستمدّة من ملحمة المقاومة
                دمت بألف خير

                تعليق

                • محمد سلطان
                  أديب وكاتب
                  • 18-01-2009
                  • 4442

                  #9
                  أستاذتي القديرة نادية البريني

                  تحية جميلة لهذه السطور التي حملت من وهج القداسة الوطنية ما جعلها أكثر ألماً و وجعاً مستفيض .

                  نص جرت فيه الحياة بألوان أخرى ربما تعايشناها و ربما لم نجربها , لكن بالتأكيد هي القيقة المفروضة على كل سكان الأرض دون هروب من القضية القائمة ..

                  قلمك سيدتي يحمل لنا الكثير من الجمال الذي يشرح صدورنا حتى و إن كان هذا الجمال ترب ممزوج بدم .. و أرغفة حمراء ..

                  محبتي لك و تقديري
                  صفحتي على فيس بوك
                  https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

                  تعليق

                  • إيمان عامر
                    أديب وكاتب
                    • 03-05-2008
                    • 1087

                    #10
                    تحياتي بعطر الزهور



                    أستاذة نادية البريني

                    أبدعتي سيدتي

                    لقد عزفتي علي أوتار قلوبنا فنزفت مع كل قطرة حبر دما



                    انحني في صمت لهذا الإبداع المتألق

                    لا تبخلي علينا بحروف إبداعك

                    كوني بخير

                    لك ارق تحياتي
                    "من السهل أن تعرف كيف تتحرر و لكن من الصعب أن تكون حراً"

                    تعليق

                    • نادية البريني
                      أديب وكاتب
                      • 20-09-2009
                      • 2644

                      #11
                      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                      الفاضل إيهاب
                      ما الذي يمكن فعله أمام هذا الوجع؟كثيرا ما نشعر بالعجز الشّديد أمام الصّور المأساويّة القاتمة التّي تدمي قلوبنا.لسنا صنّاع قرارلكنّنا مربّون نجتهد في ترسيخ قيم فضلى في النّاشئة،نوعّيهم بخطورة الموجود،نزرع فيهم الكرامة وعزّة النّفس.
                      هذا قليل ممّا يمكن فعله فكلّنا في الهمّ شرق.
                      اعتزّ كثيرا برأيك في قصّتي فشكرا جزيلا لك
                      دمت بكلّ الخير أخي إيهاب

                      تعليق

                      • أحمد عيسى
                        أديب وكاتب
                        • 30-05-2008
                        • 1359

                        #12
                        ابداع متجدد يا نادية .. نص ذو شجون ...
                        لن يموت الحلم يا نادية ..اسألي عن هذا جميلة التي فقدت قدميها ولم تفقد حلمها .. واسألي عن هذا لؤي .. فقد بصره ولم يفقد بصيرته ..
                        الأحلام لا تموت ، وانما تكبر اذا ما تخضبت بالشقاء ..

                        تحية بحجم ابداعك
                        ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
                        [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

                        تعليق

                        • نادية البريني
                          أديب وكاتب
                          • 20-09-2009
                          • 2644

                          #13
                          تحيّة مسائيّة مفعمة بالتّقدير
                          شكرا أخي الفاضل أميل صابرعلى تفاعلك مع نصّي
                          أرجو أن أكون باستمرار عند حسن ظنّك بأعمالي
                          سلمت وسلم إحساسك بما تعانيه شعوبنا

                          تعليق

                          • نادية البريني
                            أديب وكاتب
                            • 20-09-2009
                            • 2644

                            #14
                            السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
                            الفاضل مجدي
                            أعتزّ كثيرا كثيرا بشهادتك في قصّي
                            دام تواصلنا فيما يساعدنا على الرّقيّ بأدبنا وكشف ما يعتري أمّتنا من هموم نأمل في زوالها
                            دمت بخيرأخي الكريم مجدي

                            تعليق

                            • عائده محمد نادر
                              عضو الملتقى
                              • 18-10-2008
                              • 12843

                              #15
                              الزميلة القديرة
                              ناديه البريني
                              وبماذا سأرد على كل هذا الوجع
                              أتكفي الكلمات الباردة كي تدفيء حضن الصغيرة
                              لاأتصور
                              وكلماتي الآن أوهن من خيط العنكبوت أمام نص دام
                              موجع إلى حد الذهول
                              ويحي كنت أبكي بدموع ساخنة
                              تحياتي لك سيدتي
                              الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                              تعليق

                              يعمل...
                              X