العش الدافئ - في حلقات -

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • رشيد الميموني
    مشرف في ملتقى القصة
    • 14-09-2008
    • 1533

    العش الدافئ - في حلقات -

    (1)

    التفت يمينا و شمالا .. ووجهت بصري نحو الجبال و الروابي الممتدة حتى الأفق وهي لا تزال تهتز وتربو مبتلة بآخر قطرات المطر لخريف يأبى إلا أن يزيد بهاء .. الكلمات و الحروف تتأجج في داخلي .. تريد أن ترى النور عنوة .. لكني لا أجد المكان و لا الزمان المناسب لأطلق سراحها و أجعلها ترتع على صفحاتي كما تريد ..
    وتمتد خطواتي حثيثة حتى أوغل في متاهة الجبل .. و اظل ابحث عن مكان يأويني و كلماتي .. حتى أقف عند دوحة لا يعرف إلا الله عمرها ..
    تنظر إلي بصمت مشوب بالحنان ، فألمس جذعها المبتل و أنظر إلى أعلاها في شبه ابتهال لأجد كل ما فيها يفتح لي الأذرع .. ولا أتردد في في تسلق الأغصان الكثيفة لأصل أخيرا إلى ما كنت أبحث عنه ..
    وجدت مستندا لي وقد أحاطت بي الأوراق من كل جهة إلا من فجوة أمامي سمحت لي بنظرة إلى الوادي الممتد اسفل الجبل ..
    هنا عشي الدافئ .. وهنا مأواي .. وهنا ملاذي و ملاذ أفكاري ..
    الآن فقط يمكنني أن أطلق لكلماتي العنان ..
    كلماتي .. انطلقي الآن .. الهي و ارتعي .. فلا أنا ولا أي أحد يمكنه منذ هذه اللحظة أن يكبح جماحك ..
    التعديل الأخير تم بواسطة رشيد الميموني; الساعة 22-11-2009, 12:32.
  • خلود الجبلي
    أديب وكاتب
    • 12-05-2008
    • 3830

    #2
    الآن فقط يمكنني أن أطلق لكلماتي العنان ..
    كلماتي .. انطلقي الآن .. الهي و ارتعي .. فلا أنا ولا أي أحد يمكنه منذ هذه اللحظة أن يكبح جماحك ..

    دعها تنطلق
    لتسكن أفئدة البشر
    أخي الكريم رشيد
    مضى وقت طويل ولم تروينا بمثل هذا الجمال
    أحترامي
    لا إله الا الله
    محمد رسول الله

    تعليق

    • رشيد الميموني
      مشرف في ملتقى القصة
      • 14-09-2008
      • 1533

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة خلود الجبلي مشاهدة المشاركة
      الآن فقط يمكنني أن أطلق لكلماتي العنان ..
      كلماتي .. انطلقي الآن .. الهي و ارتعي .. فلا أنا ولا أي أحد يمكنه منذ هذه اللحظة أن يكبح جماحك ..

      دعها تنطلق
      لتسكن أفئدة البشر
      أخي الكريم رشيد
      مضى وقت طويل ولم تروينا بمثل هذا الجمال
      أحترامي
      مرحبا بك أختي الكريمة خلود و أهلا بك و سهلا في عشي الدافئ الذي أرجو أن يكون بوحي فيه عند حسن ظنك وفي مستوى ذائقتك الأدبية الرفيعة .. أشكرك من كل قلبي على ثنائك و تشجيعك الدائب .
      دمت بكل المودة .
      التعديل الأخير تم بواسطة رشيد الميموني; الساعة 18-01-2011, 15:40.

      تعليق

      • رشيد الميموني
        مشرف في ملتقى القصة
        • 14-09-2008
        • 1533

        #4
        (2)

        من عشي هذا و أنا أرقب الوادي الذي غلفه الضباب .. تعتريني أحاسيس مبهمة و السكون يحيط بي من كل جهة إلا من حفيف الأوراق أو زقزقة عصفور فاجأته ربما باقتحام هذا العش المقابل لعشه .. نظر إلي وهو يحرك رأسه الصغير متسائلا ربما عن هذا الغريب الذي تجرأعلى الدنو من مملكته أو على الأصح جمهوريته الخاصة ..
        سعدت لأنه لم يفر من أمامي .. ربما لأنني جمدت في مكاني حتى لا أخيفه بحركة مني .. هل كنت محتاجا لأحد يؤنسني رغم أني كنت أهفو للوحدة أناجي فيها نفسي و أطلق العنان لأحاسيسي ؟.. كنت محتاجا لأعيش على سجيتي دون قيد .. أضحك .. ابتسم .. أبكي ..
        أبكي ؟ .. ولم لا ؟ .. هل كلمة رجل تقف حائلا بيني وبين البكاء ؟ .. هل الدموع مقتصرة على الإناث ؟ .. ألا يبكي الرجال ؟ .. و إذا بكوا ، هل هو ضعف ؟ .. ولم لا يكون ضعفا مادام الباكي إنسانا .. أجد نفسي أترنم بصوت خافت أمام عصفوري الذي بدا و كأنه متجاوب مع ترنيمتي :
        علمني حبك .. أن أحزن
        و أنا محتاج منذ عصور
        لامرأة تجعلني أحزن

        ثم أسهو مع ترنيمتي و العصفور ماثل أمامي يتعهد عشه بالعناية اللازمة .. فيشجعني ثباته أمامي وعدم خوفه مني على أن استمر مترنما :
        أدخلني حبك سيدتي مدن الأحزان
        و أنا من قبلك لم أعرف مدن الأحزان
        لم أعرف أبدا أن الدمع هو الإنسان
        أن الإنسان بلا حزن ذكرى إنسان .

        في لحظة .. اختفى العصفور .. ربما ذهب ليبحث عن قوت يسد به رمقه .. وجدتها فرصة للنزول من أعلى الدوحة حتى لا يعود و يطير بسبب حركتي . في نيتي أن آتي ببعض البر و أضعه في عشه ..
        نزلت و شعور بالطمانينة يغزو فكري و جسدي .. نظرت إلى أعلى .. لأطمئن على عشي .. فوجدت العصفور هناك يطل علي بفضول .. ابتسمت ، ثم عدت منحدرا الجبل
        ..
        التعديل الأخير تم بواسطة رشيد الميموني; الساعة 23-11-2009, 14:21.

        تعليق

        • رشيد الميموني
          مشرف في ملتقى القصة
          • 14-09-2008
          • 1533

          #5
          (3)

          عودتي اليوم إلى عشي كانت على غير ما توقعته .. فأحاسيسي المتضاربة التي كانت تعتريني و أنا أغادر أغصان شجرتي المتشابكة قد انتفت مني فلم أعد اشعر بشيء ، أو لنقل إن شعورا واحد بقي ملتصقا بي .. أحس بالكآبة رغم أن الصباح جاء كما أشتهي و سمح لي بأن أسرح بنظري إلى الأفق الصافية سماؤه الزاهية شمسه ..
          حتى عصفوري لم أجد له أثرا .. أين يكون اختفى ؟ .. انتابتني هواجس لما يمكن أن يلاقيه من مصير و احس بحاجتي لمناجاته و بثه كل ما يكربني و يقض مضجعي .
          كلما نظرت إلى ما حولي أجد شكل قبة صفراء .. وساحة يعيث فيها همج و رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون .. و أحس بالقبة الصفراء و الساحة الطيبة تئنان تحت وطأة المتوحشين من هؤلاء المرتزقة .. أنين و شكوى و صراخ و همس و نحيب و بكاء وصدى يملأ جهات هذا العالم العالم "المتحضر" المنغمس في أنانيته و نفاقه و جوره ..ولا حياة لمن تنادي .
          أين أنت يا عصفوري لأبثك ما لا طاقة لصدري به ؟ هل حلق بك جناحاك الصغيران إلى هناك فرأيت ما رأى قلبي و مهجتي من فظائع ؟ ما أسعد حظك إذ تقتحم هذه الحدود بدون رقيب أو حاجز .. وما أتعسني من عاجز لا يملك سوى الصراخ أو الصمت . عد يا عصفوري لأخبرك أنني ضقت ذرعا بما يجري هناك .. ولتخبرني كيف أعوض عجزي هذا بشيء أستطيع أن افخر به في دنياي و آخرتي ..
          حملت لك برا و أنا اعلم أن رزقك مضمون ممن خلقك .. وأحمل إليك حبا ولد يوم رأيتني فلم تهرب مني .. عد لأنسى ولو للحظة حزني . لأني أعلم أن هذا الحزن متجذر في حنايا النفس و القلب .. ولن يزول إلا إذا تطهرت القبة الصفراء و الساحة الكئيبة من الدرن و النجس .
          سأدعو و أصوم و أتبتل .. ثم ماذا ؟ سأكتب .. لأني أعلم أن الكتابة سلاح أيضا .. وقد تفوق فعاليتها نيران المدافع و القنابل ..
          أحس أنني أعيش ليلا سرمديا .. لكني اعلم بكل إيمان أن هذا الليل سينجلي عن فجر بهي .. فجر يضيء الكون وقد تناثرت أشلاء الهمج وعصابات الإجرام .. وقطيع سفاكي الدماء ..
          سأعود يا عصفوري لنقضي وقتا في المناجاة و البوح .. فقط ، عد ولا تختف كما اختفيت اليوم .

          تعليق

          • رشيد الميموني
            مشرف في ملتقى القصة
            • 14-09-2008
            • 1533

            #6
            (4)

            هذه الليلة .. لم أطق التواجد بين أربعة جدران .. أحسست بأنفاسي تضيق حتى خلت أن تنفسي صار حشرجة و أن نبضي يتسارع ويكاد يتوقف .. الوقت سحرا .. تسللت إلى الخارج ليتلقفني هواء بارد لكنه منعش .. الصمت يلف المكان .. تركت غطائي الصوفي على كتفي ومضيت أذرع الطريق الملتوي بين الروابي الغارقة في سبات عميق .. القمر لم يظهر له أثر بعد ونحن في نهاية الشهر .. لكن الظلام ليس حالكا و لمعان النجوم يسمح لي بتمييز الطريق نحو الدوحة المنتصبة في إباء ..
            أتسلق فروعها الضخمة حتى أصل إلى عشي وأنا أحرص على ألا تبدر مني حركة توقظ عصفوري فيما لو كان هنا .. لكن أملي بتواجده خاب وظلت عيني ترنو إلى عشه الصغير في حنان و أسى .. أين تكون يا صغيري ؟ هل امتدت إليك يد الغدر كما يحدث هناك ؟
            انزويت داخل عشي مسندا ظهري إلى الغصن الكبير وأنا ملتف بغطائي الصوفي .. كانت الفجوة التي تلوح بين أوراق الدوحة تسمح لي بتفحص الوادي الغارق في الظلمة .. لحظات سكون خلتني أسمع ترنيمة و ابتهالات تخترقه .. نعم .. هي لحظة نزول الخالق إلى السماء الدنيا محفوفا بملائكة عرشه .. لأغتنمها فرصة أبث خالقي كل شجوني و آلامي ، ولأدعه أن يفرج غمي وغم كل المقهورين على هذه البسيطة .. وأن يحفظ لهذا الإنسان كرامته التي منحها إياه وحمله في البر و البحر ..
            فكرت في مآل هذا العالم الذي كان من المفروض أن يعمه الحب و السلام بعيدا عن الجشع و الطمع و الأنانية وسفك دماء الأبرياء وعادت من جديد صورة القبة الصفراء و الساحة الطيبة تملأ مخيلتي فيزيد غمي و تنقبض نفسي من جديد ..
            أخذتني سنة و أنا في ابتهالي و تضرعي .. أحس بسخونة الدموع تروي خدودي و تنسكب على عنقي و شفتي فأشعر بملوحتها ..
            كل من حولي أراه يبتهل و يتضرع ..الربى أمامي تهتز و تربو على إيقاع الترنيمة الشجية .. حتى لم اعد اسمع ولا أرى شيئا ..
            تتفتح عيني شيئا فشيئا لتقع على شيء جعلني أكبح جماح نفسي كي لا أنتفض و اسقط من أعلى الشجرة ..
            هناك على غصن مقابل لعشي وقف عصفوري .. أي و الله .. ولكنه لم يكن وحيدا . جاء بصحبة عصفورة وقفت إلى جانبه وكأنها تضايقت من وجودي فلم تلزم مكانها وصارت تنط من غصن إلى غصن .. خفت أن أقوم بحركة تتسبب برحيلهما .. وجمدت في مكاني رغم إحساسي بدبيب كدبيب النمل في مفاصلي ..
            لم أتحرك و لم أسمح لضحكتي أن تتجاوز شفتي .. لكن داخلي كله كان يرقص و يصرخ و يترنم بهجة و سعادة بعودة العصفور .. بل و لتواجد عصفورين في عشي المتواضع ..
            التعديل الأخير تم بواسطة رشيد الميموني; الساعة 24-11-2009, 18:19.

            تعليق

            • رشيد الميموني
              مشرف في ملتقى القصة
              • 14-09-2008
              • 1533

              #7
              (5)

              كم لبثت في مكاني أتامل العصفورين وحركتهما لا تهدأ ؟ .. كان العش الذي بدأ عصفوري تشييده قد بدأ ينتفش و يفقد بعضا من عيدانه ، فصرت أرى عملا دؤوبا لم يخل من أوقات استراحة كان يقف فيها العصفوران ربما ليتأملا ما صنعته مناقرهما الصغيرة من عمل ..أو ربما كان هناك غزل خفي لم يريدا أن أطلع عليه .. فراقني انسجامهما ..
              الوقت ضحى ..وعلي أن أنزل لأسد رمقي .. ولكن كيف والعصفوران لم يغادرا الغصن المقابل لي ؟ .. هل أغامر بالنهوض وأعرض نفسي لأوخم العواقب فلا أراهما من بعد أبدا ؟ .. لأصبر قليلا ..
              دوحتي تستقبل العديد من العصافير كمحطة يلقون فيها نظرة شاملة على المكان ثم أسمع حفيف أجنحتها وهي ترفرف عاليا منطلقة في حرية و دعة إلى ما شاء الله لها أن تذهب ..
              حين اختفى عصفوراي لحظة ، اسرعت بالنزول ونظري لا يزال معلقا بالسماء حيث أسراب الطيور الخريفية تطير مجتمعة وهي ترسم أشكالا هندسية مختلفة .. ما أسعدها وهي تنعم بحريتها .. و أسائل نفسي ألست حرا ؟ .. ألا أفعل ما يحلو لي و أكتب ما أريد و أذهب حيثما يروق لي ؟
              الجواب لا أجده صعبا .. لكن هل أنا حر بالمعنى العام و الشامل ؟ .. هنا أعجز عن الإجابة ..
              و أنا في معرض التفلسف حول كلمة الحرية نسيت أنني عدت لأتناول فطوري .. وجلست على ربوة تطل على الوادي من الجهة اليمنى .. بدا لي النهر واضحا بعد انجلاء ضباب الصباح .. كل شيء كان ينطق بالبهاء .. وتحركت في رغبة الكتابة .. ماذا أكتب ؟ وعماذا أكتب ؟
              خطر لي أن أكتب خاطرة تحتفي بعودة عصفوري صحبة رفيقته .. وهنا شعرت بأني أولي اهتماما مبالغا في لهذه الرفقة الجديدة .. هل هو إحساس بالغبطة إن لم أقل بالحسد تجاه عصفوري ؟.. طردت سريعا فكرة الحسد عن ذهني و استبقيت الغبطة .. إذن فهي غبطة تفضح شعوري بالوحدة .. هل ينادي لا وعيي عصفورتي أنا ايضا ؟ .. خفقان قلبي المضطرب أخبرني أنني على صواب .. إذن فلأكتب لهذين اللذين ملآ علي دنياي .. فلربما تناثرت كلماتي في عنان السماء لتصل إلى عصفورتي الساجية هناك في مكان ما من هذا العالم الرحب ..ربما تنتظرني أو تنتظر إشارة مني لتهل على عشي يوم ما .
              عدت إلى عشي بالزاد وبعض البر و الأوراق وقد شمل نفسي حبور لا يوصف وقد غطى ما اعتراني من ضيق وتوتر .

              تعليق

              • طارق الايهمي
                أديب وكاتب
                • 04-09-2008
                • 3182

                #8

                أيامك سعيدة
                كل عام وأنت بألف خير
                أعاده الله علينا وعليك والأمة بالخير والبركة





                ربما تجمعنا أقدارنا

                تعليق

                • رشيد الميموني
                  مشرف في ملتقى القصة
                  • 14-09-2008
                  • 1533

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة طارق الايهمي مشاهدة المشاركة
                  أيامك سعيدة
                  كل عام وأنت بألف خير
                  أعاده الله علينا وعليك والأمة بالخير والبركة

                  حياك الله أخي الغالي طارق و جعل أيامك كلها مسرات و افراح ..
                  شكرا لك من كل قلبي على هذه الالتفاتة الطيبة ..
                  عيدك مبارك سعيد و كل عام و أنت بألف خير ..
                  محبتي .

                  تعليق

                  • رشيد الميموني
                    مشرف في ملتقى القصة
                    • 14-09-2008
                    • 1533

                    #10
                    (6)

                    بعيون متفحصة يبدو فيها مزيج من الفضول و الترقب ، كانت عصفورتي تقف على غصن قريب من عشي ، إلى جهة اليمين قليلا .. كان رفيقها قد طار إلى جهة لا أعرفها .. ربما ليبحث عن أعواد و قضبان رفيعة يقوي بها عشهما .. تأملتها لحظات و أنا أعد نفسي لكتابة شيء ما ، حسب ما تمليه علي أحاسيسي المتضاربة في ذلك الأصيل الذي لونت شمسه الكون بصفرة فاقعة .

                    لم أبد حركة ولكني حاولت الابتسام .. ثم مددت يدي إلى جيبي لأستجمع حبات البر .. لكن العصفورة لزمت مكانها .. سحبت يدي ببطء شديد ثم فتحت كفي .. كانت جرأة مني وكنت أعلم أنني قد أتسبب في اختفاء العصفورة .. لكن شيئا من هذا لم يحدث .. ولبثت على تلك الوضعية بضع دقائق حتى كدت أيأس من ردة فعلها التي أترقبها بفارغ الصبر .. ثم ، وبدون مقدمات ، قفزت العصفورة قرب ركبتي وهي تتطلع إلي .. كانت عيناها تنطق بشهية عارمة ولا أدري لم تمثلتا لي نجلاوين كعيني عصفورتي الأخرى الغائبة عني .. ولا أدري أيضا لم تخيلت ريشها شعرا غجريا ومنقارها شفتين قرمزيتين .. هل أحلم ؟ .. لا أدري .. ففي الوقت الذي انكبت فيه العصفورة على كفي تلتقط البر مدغدغة كفي ، كنت سابحا في دنيا أخرى ووجدت نفسي أتحدث إليها هامسا :
                    كلي يا عصفورتي و قري عينا .. هنيئا مريئا .. لم كل هذا الخوف مني ؟ هل حسبتني اغار من رفقتكما ؟.. ألا فاعلمي أنني كنت أنتظر هذه اللحظة من رفيقك الغائب فجئت عوضه .. وكنت في أمس الحاجة لمن يؤنس وحدتي فكنت أنت المؤنسة .. لا يغرنك معدات الكتابة هاته فهي لا تسمن ولا تغني من جوع .. قد تبدد وحشتي للحظات لكن لا شيء يملأ علي دنياي منذ غادرتني تلك التي وهبتها القلب و الروح .. لم تغادرني وهي تعلم أنها الهواء الذي اتنفسه و الضياء الذي يملأ عيني ؟ .. هل من جواب لديك ايتها العصفورة الجميلة .. ما أشبهك بها .. قولي أين أنت الآن ؟ ومتى تعودين .. كل جداولي قد جفت وكل أوراقي قد ذبلت .. أفلت شمسي و خسف قمري وانكدر نجمي حين فضلت الرحيل لتجربي - كما قلت لي - حبك لي ومدى صبري و صبرك على الفراق .. هل جربت الحب و الفراق ؟ أم تخجلين من أن تبدي أمامي منكسرة مهزومة .. عجبا لك .. كنت تمقتين الفراق و تخشين الهجر وتقبلين على الحب بنفس متعطشة لا ترتوي .. وكنت تعبرين لي عن خشيتك من يوم نفترق فيه .. بل إنك لم تكوني تريدين تخيل هذا الفراق ..رحلت فرحل معك الضياء .. وهجرت فلم يبق لي سوى حزن يطبق على القلب و الروح .. وجرح لا أخاله يلتئم يوما ما .. نفسي مثخنة بالجراح .. ذهني مشتت لا يملي علي شيئا أحبه .. كلماتي تستعصي علي ولا أطوعها إلا بعد جهد جهيد ..
                    أنسيت أنك كنت ملهمتي في كل ما أكتب ؟.. و أنك كنت تقرئين معي كل القصائد التي كتبتها لك .. فتتيهين خيلاء و تهمسين أنك ستحفظينها عن ظهر قلب لتحرقيها فيما بعد ، لأنك لا تقبلين أن تقع عليها يد أحد .. كنت تملكينها وتعتلين عرشها كما ملكت القلب و اعتليت عرشه .. هل علي الآن أن ابحث عنك في الآفاق و أجوب كل الأمصار لعل كلماتي و حروفي تطاوعني .. أم قدر لي أن أظل هنا أراقب حركة الليل و النهار واندفاع الشهب ليلا و أستمع إلى زمجرة الرياح و هي تدوي بين الوديان لعلها تأتيني بأخبارك ؟
                    نعم .. سأظل هنا .. أنتظرك .. يوما أو شهرا أوعاما وربما دهرا .. فكما جئتني من الأزل .. سوف أنتظرك إلى الأبد .
                    أفقت على حفيف جناح العصفورة فوجدتها تتطلع إلي من جديد وقد عادت إلى غصنها .. لم يكن رفيقها قد عاد .. فأحسست أنني و إياها نعيش وضعين متشابهين .. فلم أملك إلا أن أتأملها من جديد و أتفحص عينيها .. منقارها .. ريشها .. و قلمي يسطر أشكالا دون أن أعي ذلك ..
                    تنفست الصعداء وكأن ما بحت به قد نفس عني بعض ما كنت أحسه من ضيق و كرب .. ثم نظرت إلى أوراقي لأجد بوحي كله هناك .. وقد ذيلته صورة غادة نجلاء العينين.. قرمزية الشفتين .. تسبح بين الغيوم وقد تناثرت جدائل شعرها الغجري في أرجاء السماء ..

                    تعليق

                    • د.مازن صافي
                      أديب وكاتب
                      • 09-12-2007
                      • 4468

                      #11
                      وتسافرين في نسمات عابرة
                      تلامس سقيع الليل لتذيب جليد أنفاسي
                      وترتحل طيور الميناء ككل مساء تودع المحبين
                      ونسافر هناك ونعود هنا
                      وتبقين أنتِ قمري الذي يزور نافذتي
                      وتعطرين أجواء قصيدتي المخملية
                      وترقصين فوق حروفي الوردية
                      وأنا أضحك طويلا .. بلا توقف
                      ثملت منكِ من ذكرياتك من حروفك
                      تراني بدأت اراك اثنتين ...
                      واحدة أنتِ .. والثانية أنتِ ..
                      وما بينهما أنتِ أيضا ..
                      هل ترين لازلت أحلم بك

                      رشيد الميموني

                      رائع جدا ..
                      نصوص جميلة وابداعية
                      كل عام وانت بخير ،،
                      مجموعتي الادبية على الفيسبوك

                      ( نسمات الحروف النثرية )

                      http://www.facebook.com/home.php?sk=...98527#!/?sk=nf

                      أتشرف بمشاركتكم وصداقتكم

                      تعليق

                      • رشيد الميموني
                        مشرف في ملتقى القصة
                        • 14-09-2008
                        • 1533

                        #12
                        الأخ الكريم د. مازن ..
                        أسعد الله أيامك بكل خير ..
                        عيدك مبارك سعيد و كل عام و أنت بألف خير ..
                        أسعدني مرورك من هنا و تعليقك و كذا ثناؤك على ما كتبت ..
                        و أبهجني ما أضفته من كلمات رصعت متصفحي و زادته بهاء و رونقا ..
                        لك مني كل المودة .

                        تعليق

                        • رشيد الميموني
                          مشرف في ملتقى القصة
                          • 14-09-2008
                          • 1533

                          #13
                          (7)

                          مع أفول آخر شعاع من شمس ذاك المساء البهي كانت الأوراق تصدر حفيفا متواصلا يقوى مع مرور الوقت .. وكان شرودي يمنعني من الانتباه إلى ما يحدث حولي .. بينما واصلت العصفورة النط من غصن إلى غصن و كأن شيئا ما يقلقها .. هل هو غياب رفيقها الذي طال أكثر من اللزوم ؟ أم أنها استشعرت شيئا أفزعها ؟ .. ابتسمت لها و أنا أهمس : لاعليك يا صغيرتي .. أنا أيضا أفتقد عصفورتي التي تاهت عني بمحض إرادتها .. عسى أن يأتي بهما القدر كليهما .. لا تخافي والزمي عشك واستريحي ، فالظلام وشيك و الليل قد اقبل بالاعتكار ..
                          حفيف الأوراق كان يقوى و تمايل الأغصان يتزايد حتى أحسست بالأرض تميد من تحتي .. نظرت إلى الأفق عبر الفجوة الصغيرة بين الأوراق فهالني اسوداد الأفق .. هو عارض ممطر ولا شك .. هل تكون عاصفة ؟ .. ربما تكون العصفورة قد أحست بدنوها .. هاهي أولى قطرات الغيث تنزل على أنفي و يدي .. علي بالنزول و الاختباء في مكان ما حتى لا تداهمني العاصفة ..
                          نهضت و أنا أنفض ما علق بثيابي من عيدان صغيرة ، وأخذت في النزول بطريقة خلفية .. نظرت إلى أعلى لأجد العصفورة تطل علي بفضولها المعتاد وقد نفشت الريح ريشها .. هل أتركها لمصيرها ؟ .. مستحيل .. المطر زادت حدته ووقعه على الأوراق صار واضحا .. فعدت إلى الصعود من جديد ومددت يدي نحو العصفورة الحائرة .. لاحت مني التفاتة نحو عشها لأجده يكاد يتطاير من شدة الريح ، فلملمته .. لم تهرب العصفورة و استكانت إلى راحتي بكل طمأنينة . أحسست بارتعاش جسمها الصغير المبتل و أسرعت إلى أقرب كهف بالجوار .. وكأن الليل قد هبط فجأة .. فساد الظلام و صارت الرؤية صعبة للغاية و أنا أتلمس طريقي إلى الكهف .. ولولا البرق الخاطف بين الفينة و الأخرى لتهت عبر الربى الغارقة في الظلام و الأمطار .
                          وصلت أخيرا إلى الكهف و أسرعت بوضع العش و العصفورة في مكان آمن وعدت إلى مدخل الغار أتملى بالطبيعة و هي في أوج ثورتها .. كان البرق يريد أن يريني هذه الثورة فتبدو لي زخات المطر كأنه سيل عارم .. ثم يتلوه هزيم الرعد ليتردد دويه عبر الجبال المحيطة بي .. الكل ثائر .. الريح .. البرق .. الرعد .. النهر وهو يرغي ويزبد جارفا معه كل ما اعترض سبيله من أحجار و فروع الأشجار اليابسة .. نفسي أيضا كانت تتجاوب مع هذه الثورة الجنونية .. وبين الفينة و الأخرى كنت ألتفت نحو العصفورة لأجدها قد استكانت إلى عشها و أتوجه نحوها لألمس ريشها فأطمئن إلا جفافه و أحس بلهفتها الخفية و قلقها المبطن على مصير رفيقها الغائب ، وأعود إلى مخرج الكهف .. لكن تأجج نفسي و ثورتها كانت تشعل جسمي نارا تلظى .. فصرت أتقدم خارج الكهف بخطى و ئيدة غير عابئ بالمطر الغزير وهو يبللني من قمة رأسي حتى أخمص قدمي فيطفئ شيئا من اللهيب المستعر في كياني.. و استمر في السير حتى أقف على صخرة مطلة على الوادي وهديره يصم الآذان ..
                          " أين أنت الآن يا عصفورتي ؟ .. الم يئن الأوان لتعودي إلى رشدك و تضعي حدا لهذا الفراق المضني ؟.. ألم يكفك ما نخره الحزن في جسمي حتى لم يبق منه إلا الخيال ؟ .. هل جربت حبك لي ؟ .. تعالي وانظري إلى ما يحدث الآن .. كل شيء ينطق بحبي الذي تريدين أن تجربيه .. انظري إلى ما حوالي من هيجان .. هو الحب .. في أوج قوته و عنفوانه .. زخات المطر حب .. وهبوب الريح العاتية حب .. ولمعان البرق حب .. وهزيم الرعد حب .. حتى هدير ذاك النهر و هو ينهمر كالسيل العظيم حب .. كل شيء ينطق .. يصرخ .. يهذي بهذا الحب الذي لم تستشفيه من قبل فاخترت الرحيل ..
                          كل ما يهدر حوالي ما هو إلا رجع لصدى ما يعتلج في نفسي من هيجان .
                          تعالي وكفاك تدللا .. وضعي حدا لهذا الرحيل الذي لا معنى له .. فلربما طال الزمان و صدقت مقولة "البعيد عن العين بعيد عن القلب " .. تعالي إلى عشي الذي بنيته بكل نبضة من قلبي و رويته بكل الدموع و الآهات .."
                          عدت أدراجي و جسمي يقطر ماء .. كنت أحس بثيابي ملتصقة بجلدي فيكسبني هذا متعة و انتعاشا ، حتى وصلت إلى باب الكهف و ألقيت نظرة على العصفورة الغافية .. ترى بماذا تحلم و أين ذهب بها خيالها الصغير ؟ .. هل هي مثلي تترقب اليوم الذي يهل عليها رفيقها وتناجيه كما ناجيت أنا عصفورتي ؟
                          على باب الغار استلقيت مستندا ظهري على مدخله . كانت العاصفة قد خفت حدتها وهدأت الريح قليلا .. لبثت أتأمل الأفق والنعاس يغشيني ويتسلل شيئا فشيئا إلى جفوني المثقلة سهادا ..
                          بزغ الفجر و أنا لا زلت على وضعيتي .. أفقت لأجد كل شيء هدأ .. وبدا لي كأن الطبيعة لا تزال تلهث بعد هيجان وثورة لم أعهدها فيها منذ مدة ليست بالقصيرة .. لكن جفوني ظلت مثقلة بالنوم الذي لم أذقه إلا في السحر .. فعدت إلى إغفاءتي .
                          لم أشعر إلا و أشعة الشمس تلفح وجهي في الصباح .. فتحت عيني منبهرا بضيائها ووضعت يدي عليهما لأحجب ذاك الضياء .. وهنا انتفض جسدي بعنف وخفق قلبي حتى أحسست أنه يكاد ينخلع من صدري ..
                          على باب الكهف ..كانت جدائل شعر أعرفها حق المعرفة تتطاير من فوقي بينما تمثلت لي عينان نجلاوان تحدقان في وجهي .. وقد علت المحيا ابتسامة مشرقة ..
                          التعديل الأخير تم بواسطة رشيد الميموني; الساعة 30-11-2009, 21:03.

                          تعليق

                          • رحاب فارس بريك
                            عضو الملتقى
                            • 29-08-2008
                            • 5188

                            #14
                            [align=center]الاخ رشيد الميموني

                            هذه ليست اول مرة أقرا لك وأجد بين ثنايا كلماتك
                            مشاعر رائعة تخطها حروفك
                            لقد تابعت زيارة عشك حتى الزيارة الرابعة عندما قرات
                            وجعك لكل ما يدور على هذه الكرة الأرضية من وجع الاديب الكاتب
                            واعجبتني جملك خاصة تلك التي ذكرت من خلالها بانه ليس هنالك ما يستطيع ان يوقف كلماتك التي وصفتها بالسلاح
                            وقد صدقت يا اخي فبكاء الرجال ليس عيبا
                            وهو ليس محظورا علينا كنساء , فبكاء الرجال صادقا بعمق البحر
                            متابعة لزيارة عشك هنا فانطلق ودع كلماتك كجناحي عصفور تتطاير ولا تتوقف للحظة عن الحرية
                            تقدير [/align]
                            ..................عندما أمسك قلمي ، لا أفكر ماذا سأكتب إنما ، أكتب ما أحس ..

                            تعليق

                            • رشيد الميموني
                              مشرف في ملتقى القصة
                              • 14-09-2008
                              • 1533

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة رحاب فارس بريك مشاهدة المشاركة
                              [align=center]الاخ رشيد الميموني

                              هذه ليست اول مرة أقرا لك وأجد بين ثنايا كلماتك
                              مشاعر رائعة تخطها حروفك
                              لقد تابعت زيارة عشك حتى الزيارة الرابعة عندما قرات
                              وجعك لكل ما يدور على هذه الكرة الأرضية من وجع الاديب الكاتب
                              واعجبتني جملك خاصة تلك التي ذكرت من خلالها بانه ليس هنالك ما يستطيع ان يوقف كلماتك التي وصفتها بالسلاح
                              وقد صدقت يا اخي فبكاء الرجال ليس عيبا
                              وهو ليس محظورا علينا كنساء , فبكاء الرجال صادقا بعمق البحر
                              متابعة لزيارة عشك هنا فانطلق ودع كلماتك كجناحي عصفور تتطاير ولا تتوقف للحظة عن الحرية
                              تقدير [/align]
                              الأخت الكريمة رحاب .. حياك الله و كل عام و أنت بألف خير .
                              أعترف أني كنت أنتظر منك ذا المرور وهذا التشجيع كما حدث مع نصوص سابقة .. و الحقيقة أن هذا يزيد في تحفيزي و تشجيعي على المزيد من الكتابة و تقصي كل ما هو جيد منها .
                              أشكر لك اهتمامك و أتمنى أن أظل عند حسن ظنك وفي مستوى ذائقتك الأدبية الرفيعة ..
                              دمت بكل المودة و التقدير .

                              تعليق

                              يعمل...
                              X