د. زينب العسال

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #31
    التجريب الأدبي..موهبة..أم تقليد للآخرين ؟!
    ....................................

    د.ماهر شفيق فريد: ليست تجارب خاصة لكنها تقوم علي إنجازات السابقين
    د.حسين حمودة : الجديد يستكشف أرضاً مجهولة ويقدم جماليات جديدة

    حوار: د. زينب العسال
    ...........................

    مع تعدد الأعمال التجريبية في الإبداع المصري. فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل التجريب في أدبنا تقليد أم تعبير عن موهبة؟ وما أهم الإبداعات الحديثة التي عنيت بالتجريب؟
    التجريب في القرن العشرين كما يقول يوسف الشاروني بدأ بالاتجاه الرومانسي ممثلاً في كتابات جبران وزينب لهيكل وقصص المنفلوطي وخواطره. ثم تحول التجريب إلي الرمز في الثلاثينيات كما في أهل الكهف للحكيم. وكتاب "المنبوذ" لأنور كامل. ويأتي في قالب حوار بين رجل وامرأة. وأهداه صاحبه إلي أعداء هذا الكتاب. ثم جاء محاولات بشر فارس وجماعة السورياليين : رمسيس يونان. وأنور كامل. وجورج حنين. وقد مثلت هذه الأعمال تجاوز التقليدية أعمال لجنة النشر للجامعيين. وأسهمت مجلة "الكاتب المصري" التي كان طه حسين يتولي رئاسة تحريرها في تعميق هذا الاتجاه بتقديم الكتاب الفرنسيين والغربيين بعامة. مثل سارتر وكامي وكافكا. وقدم لويس عوض علي نفس المجلة كتابات الإنجليز المحدثين مثل جويس وت.إس. إليوت. في 1948 ظهرت في مجلة "الفصول" التي كان يصدرها محمد زكي عبدالقادر. كتابات لمحمود أمين العالم وفتحي غانم ويوسف الشاروني وأحمد عباس صالح وعباس أحمد. ونشأت حركة نشطة وجادة في الإسكندرية. وكتب بدر الديب "حرف الحاء". وفتحي غانم "سور حديد مدبب". ثم كتب إدوار الخراط "حيطان عالية" ومحمد منير رمزي "بقايا شموع". ثم ظهر محمد حافظ رجب ودارت معارك بينه وبين فريد أبو حديد وكبار أدباء الفترة. وفي المسرح كتب الحكيم "ياطالع الشجرة "والطعام لكل فم". بعد أن عرضت في مسارح القاهرة الكراسي ليونيسكو ولعبة النهاية لبيكيت وغيرها. وقد وافق الحكيم علي نبرة اليأس التي تخللت المسرحيات الأجنبية. وإن وافق علي الشكل التجريبي. وتعددت الأعمال التي تنحو نحو التجريب مثل أولاد حارتنا لنجيب محفوظ. والظلال في الجانب الآخر لمحمود دياب. والقاهرة لعلاء الديب. وقصة بهاء طاهر القصيرة "المظاهرة" والتي يبدو بطلها أقرب إلي بطل الغريب لألبير كامي. وقد قدمت شخصياً العديد من الأعمال التي تحمل تجارب جديدة. مثل زيطة صانع العاهات. ومصرع عباس الحلو. وهما كما نعلم شخصيتان في زقاق المدق لنجيب محفوظ. ثم كتبت القصة وما يقابلها. فالرجل والمزرعة وآخر العنقود يقابلهما اعترافات ضيق الخلق والمثانة ومن تاريخ حياة مؤخرة. وهكذا. والآن. لا يوجد ما يذكرنا بالمراحل السابقة من حيث التجريب في الموضوعات والأساليب. لكن الجديد يطل برأسه كما أري من الإنترنت. وبالتحديد مدونات الإنترنت التي يتجاور فيها الشعر والنثر والفنون الأخري. إنه يختلف تماماً عن أدب المطبعة.
    زاوية جديدة
    والتجريب الحقيقي في تقدير د.ماهر شفيق فريد يصدر عن رغبة في رؤية الأشياء من زاوية جديدة. وكسر قواعد المنظور التقليدي. فالأسلوب التجريبي ثمرة حساسية مغايرة لما هو شائع. ومحاولة لاكتشاف مناطق جديدة من الخبرة لم يتطرق إليها السابقون. وكل عمل فني جيد يشتمل علي عنصر من التجريب بدرجات متفاوتة. وإلا كان تكراراً للأعمال التي سبقته. التجريب مغامرة فنية وعقلية وروحية. تحاول أن تلبي حاجات عصر جديد. وترتبط بالأفكار والتصور والمذاهب الفلسفية التي تميز العصر. لقد كان تجريب السورياليين وثيق الصلة باكتشافات فرويد عن العقل الباطن والدوافع الغريزية وآليات الحلم والرغبة والإحباط. وكان تجريب جيمس جويس وفرجينيا وولف في استخدام المونولوج الداخلي وثيق الصلة بنظريات عالم النفس الأمريكي وليم جيمس. عن تيار الشعور. وتداعي الأفكار. وكانت رواية بروست "البحث عن الزمن الضائع" وثيقة الصلة بفكرة الديمومة عند معاصره الفيلسوف برجسون وأبحاثه عن الذاكرة ومعطيات الشعور وهكذا. وأعتقد أن الفترة الذهبية للتجريب في أدبنا المعاصر هي في عقد الأربعينيات من القرن الماضي. كانت فترة جيشان سياسي واجتماعي وصراع بين الأيديولوجيات. هذه هي الفترة التي بدأ فيها يوسف الشاروني وإدوار الخراط وفتحي غانم وبدر الديب تجاربهم القصصية الأولي. وواكبهم رمسيس يونان وفؤاد كامل في الفن التشكيلي. وفي فترة تالية ظهرت تجارب محمد حافظ رجب في القصة القصيرة. وحركة الشعر الحر علي أيدي عبدالصبور وحجازي وأبو سنة. وتطويع صلاح جاهين شعر العامية لأعمق التأملات الفكرية. وإفادة ألفريد فرج من التراث العربي وكتاب ألف ليلة وليلة ومسرح بريخت. وإبداع يوسف إدريس فناً قصصياً مصرياً يتمرد علي قوالب القصة الغربية. وإن أفاد منها. وتجارب جبريل والغيطاني وصنع الله في الإفادة من التراث والفولكلور. واستخدام طبقات التاريخ في نقل مشاغل الحاضر واهتماماته. والتوثيق الصحفي إلي جانب الخيال الفانتازي والبعد الصوفي. بل إن أدباء من جيل أسبق عمدوا إلي التجريب. مثل إفادة توفيق الحكيم من مسرح العبث الأوروبي. وتطعيمه بمادة فولكلورية في "ياطالع الشجرة". وابتكاره شكل المسرواية في "بنك القلق". وكما هو الشأن في كل تجربة جديدة. فإننا نجد في مقابل كل عمل أصيل عشرة أعمال زائفة. تقوم علي المحاكاة والرغبة في الإبهار. ولا تنبع من موهبة حقيقية. لقد ظهر علي سبيل المثال عشرات المقلدين لإدريس في مرحلة الواقعية الطبيعية. لكنهم سقطوا من الذاكرة الأدبية. وفي اعتقادي أن أبرز المجددين فكراً وتقنية في المشهد الأدبي اليوم: اعتدال عثمان ومحمد المخزنجي ونبيل نعوم في القصة القصيرة. ومحمد سلماوي في المسرح. وحسني حسن في الرواية. ومن الراحلين كانت هناك تجارب مهمة ليحيي الطاهر ومستجاب وخيري عبدالجواد. لكن اللحظة الراهنة ليست لحظة تجريب بصفة خاصة. إنما هي لحظة بناء علي منجزات أجيال سابقة.
    أرض مجهولة
    ويري د.حسين حمودة أن التجريب يفترض أنه يمثل درجة متقدمة من درجات المغامرة الفنية. بمعني أنه يبحث عن معايير ومقاييس جديدة للفن. والإبداع بشكل عام لا يكتفي بالجماليات السائدة. إنما يغامر باستكشاف أرض مجهولة. وجماليات جديدة. الفنان المجرب أقل اقتناعاً من الفنانين الآخرين بما هو سائد من جماليات وآفاق فنية. إنه يخوض في أرض مجهولة بحثاً عن أفق جديد. وهناك مبدعون بحكم طبيعتهم. أو بحكم ما لست أدري يميلون دائماً إلي مساءلة ما أنجزوه. ويطمحون دائماً إلي تجاوز تجاربهم السابقة. ومن بين هؤلاء المبدعين قلة نادرة. امتلكوا قدرة هائلة علي النسج. بمعني أنهم كانوا يبدأون مراحل جديدة في أعمالهم كأنها بدايات متجددة في إبداعهم. فيها شيء من الشعر. وشيء من الحكمة. وشيء من السرد. وشيء من لغة الحلم. وهي بذلك تمثل ما يشبه المثار الجديد في تجربة نجيب محفوظ التي كانت متجددة دوماً.
    وتشير د.سحر الموجي إلي أن عبارة التجريب تنطبق الآن علي جيل التسعينيات. مثل مصطفي ذكري وإلي حد ما منتصر القفاش. وما قدمه أحمد العايدي ومنصورة عز الدين. وتقول الموجي إنه من الصعب أن نقدم قوالب جديدة. نعم. نحن نأخذ القوالب الغربية. ونضع عليها مضاميننا وأسئلتنا. وهذا ليس ضد العمل. لكن الفيصل هو الأسئلة التي يطرحها العمل. وسكة التجريب التي يسير فيها.
    .................................
    *المساء ـ في 26/7/2008م.

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #32
      الكتابة بشروط"..تفرضها المسابقات الأجنبية

      د. عبدالمطلب: أدباؤنا الشباب يتعجلون الوصول إلي العالمية
      د. العراقي: الكتب المترجمة عن العربية تشوه ثقافتنا
      د. عتمان: كتابة "الموالاة" تحقق أهدافاً مشبوهة
      الجيزاوي: المبدع الحقيقي.. لا يقيس أعماله بـ "مازورة"؟

      حوار: د. زينب العسال
      ....................

      بقدر ما أسعد فوز بهاء طاهر بجائزة جوكر محبي الفن الرفيع. فقد مثل الفوز صدمة لمن طالعونا في الفترة الأخيرة بأعمال وفق شروط يتصورون أنها تستجيب لعين القارئ الأجنبي. ومنها التركيز علي سلبيات حياتنا. لأن التفوق علي الآخرين في تلك السلبيات هو الذي يتيح للكاتب أن يحصل علي جائزة دولية..
      وكما يقول د. محمد عبدالمطلب فإن هذه الشروط فرضها المبدعون علي أنفسهم. وبخاصة بعد أن تكاثرت الجوائز. وسهلت الترجمة من ناحية ثانية. فالبعض ينتج حسب مواصفات الجوائز. والبعض الآخر ينتج نصه حسب مواصفات الترجمة من هنا ظهر ما يمكن أن يسمي "النص المصنع". وعلي مستوي النص الشعري يمكن أن أقول إن 90% من قصيدة النثر الأخيرة. تكاد تكون صورة كربونية. وكأنها خرجت من جهاز كومبيوتر. أو كأنها مترجمة وعلي مستوي النص الروائي. صارت ركائز أساسية يضعها المؤلف. ثم يربط فيها بعض الحوادث والوقائع. بالاضافة إلي عدة تيمات. مثل تيمة الختان. وتيمة الفساد. وتيمة وسط البلد. وتيمة التحول الذي وقع فيه البعض كالتحول من اليسار إلي اليمين. أو العكس. وتيمة الهروب من مصر بحثاً عن العمل يضع المؤلف كل تلك العناصر أمامه. ثم يبدأ في الربط بينها. وبين الأحداث والشخصيات. كأن المؤلف السردي يؤلف آلياً. أو حسب جهاز الكمبيوتر.
      أما إذا كانت الترجمة هي المستهدفة. فإن المؤلف يضيف للسرد ركائز أخري. منها التخلف في المجتمع العربي. إعلاء الذكورة. اضطهاد الأنوثة. الإرهاب.. كل هذه عناصر لابد أن تتوافر في النص. كي يترجم العمل إلي لغة أخري.
      وكانت رواية بهاء طاهر "واحة الغروب" هي النص الذي أفلت أخيراً من هذه الظاهرة. وجاء فوزها بجائزة بوكر رداً قياساً علي مستهدفي الجوائز والترجمة. ممن جعلوا كتاباتهم وفق شروط محددة والحق أننا قرأنا الروايات الأخري التي كانت مع رواية بهاء فنجد انها جميعاً تعتمدعلي الركائز التي أشرت إليها وللأسف فإن النقد أصبح مشجعاً لهذه الظواهر لأنه يتعامل مع النصوص بآلية أيضاً.
      هناك إجراءات نقدية محفوظة يطبقها الناقد علي كل النصوص دون تفرقة. فكل النصوص نجد فيها الاسترجاعات والاستباقات والمشهد والحذف والاختصار. وفي النصوص الشعرية ثمة السواد والبياض وتذكير اللغة صار الإبداع آلياً. والنقد آلياً هو الآخر.
      لا أريد أن أظلم المبدعين. لكنني أخص للأسف جيل الشباب الذي يتعجل الشهرة والترجمة والحصول علي الجوائز وأعتقد أن خطورة هذا الابداع محدودة. فالجيد في الفن يطرد الردئ إنها موضة. عندما يتشبع بها أصحابها سينتقلون إلي سواها.
      ولعلي أشير إلي ظاهرة تطالعنا الآن في الابداع الشعري. فمعظم الدواوين التي قرأتها مؤخراً تعود إلي القصيدة العمودية. وكأن الابداع يتحرك حركة دائرية. فينتهي إلي المنطقة التي بدأ منها.
      لا جديد
      وفي تقدير د. عاطف العراقي أن الكتاب الذي يترجم من اللغة العربية إلي لغات اخري. ليس من الضروري ان يكون ابداعياً في مجاله ما يحدث هو منطق الشللية الذي يقدم كتباً لكي تترجم إلي لغات اخري. رغم أن هذه الكتب في الأعم. لا تضيف جديداً في اي مجال مما يجعل النظر إلي فكرنا في الغرب باعتباره ضحلاً سيء المستوي أما الجوائز العربية. فجميعها في تقديري وبدون استثناء مشكوك في سمعتها وأنا أعرف جيداً أن بعض المشرفين علي تلك الجوائز يتصلون بكتاب للفوز بها شريطة ان يتنازل لهم عن نصف الجائزة. ويقولون له: يكفيك الذيوع الإعلامي وأتحدي لو أن احداً أخذ جائزة. وأظهر الشيك الذي تسلمه.
      أما بالنسبة للموضوعات التي يجب أن تختار للترجمة إلي لغات أخري. فينبغي أن يتم اختيارها علي أساس الابتعاد عن كل ما يسيء إلي سمعة مصر. وعلي سبيل المثال فإنه حين تأليف رواية عن مشاحنات وهمية بين المسلمين والمسيحيين. فهو تصرف يجب رفضه لأنه علي غير الحقيقة. وحينما ترشح رواية تركز علي البعد الجنسي. فهذا أيضاً تصرف مرفوض. لأنه توجد اهتمامات اخري وقيم ومثل عليا يجب أن تراعي ضمائرنا بحيث نختار الكتب التي تركز علي قيم الشعب العربي.
      حالات نادرة
      ويشير د. أحمد عتمان إلي ان الكتابة عن الأوضاع والأمراض الاجتماعية امر مطلوب في الابداع بعامة. علي ان يصدر النقد عن رؤية صادقة وموقف سليم. لأن مهمة الكاتب أو المبدع ان يؤشر بأعماله إلي مواطن الضعف في مجتمعه. ولا بأس ايضاً أن يضع يده علي مناطق القوة لتحفيز المهم. الهمم أن تكون النية صادقة. والابتعاد عن المبالغات. لأنها تحقق أهداف الآخرين خارج حدود هذا الوطن وعموماً فإن الجوائز لا تجد طريقها إلي من يستحقونها إلا في حالات نادرة كما في واحة الغروب والأكثر شيوعاً أن الجوائز تمنح بمساع شخصية. وتحكمها المحاباة لبعض الكتاب. أولبعض الأنظمة الحاكمة.وهو أسميه كتابة الوالاة!
      ويؤكد الروائي خليل الجيزاوي ان مثل هذه الكتابات باتت تلهث وراء الترجمة بكسر تابو المحرمات "الجنس السياسة الدين" والدخول في مناطق محظورة وشائكة. مثل كتابة رواية الأقليات بزعم الاضهاد العرقي أو أنهم يتعرضون للإبادة مثل ما تزعمه احد الكتاب. بل سافر للمشاركة في احد المؤتمرات الأمريكية يستصرخ منظمات حقوق الإنسان بالمساعدة والعمل علي اعادة وطنهم السليب. علي اعتبار انهم يعيشون في ارض الشتات. أيضاً وجدنا أن المجتمع الغربي يدعم ويدشن منذ سنوات بعض الروايات. ويهلل لها في المحافل الدولية. لا لقيمتها الفنية المتواضعة بل لأنها تدعو إلي ممارس العلاقات المثلية وتشجيع العلاقات الجنسية الشاذة ونشرها داخل طبقات المجتمع المصري. وهي احدي الدعوات الخبيثة لنشر مظاهر العولمة وتفتيت هوية وخصوصية المجتمع الشرقي الذي يدعو للمحافظة علي العلاقات الإنسانية. وأعتقد أنها حملة منظمة تديرها شبكة إعلامية تعرف ماذا تريد بالضبط من نشر وترويج لأفكار معينة. وثمة من يكتب الاعمال التي تتكيء علي الحوادث التاريخية مثل اضطهاد الرومان للمسيحيين في مصر وتعذيبهم. بقصد الترجمة إلي اللغات والأوروبية. وليس بعيداً ما حدث لكاتب رواية الصقار الذي ادعي انه مضطهد ومعرض للسجن. ثم سافر ليعيش في احدي العواصم الاوروبية إن هذا المحظور كسر طويلا في الأدب العربي والعالمي. وبقية المحظورات شبعت مضغاً. ولا تضيف جديداً. وتكاد تقع في محظور التكرار. والتهليل لهذه الطريقة في الخروج عن التقاليد قيمنا ومعتقداتنا وعاداتنا وتقاليدنا فقير شدد الفقر. فالإيجابية في الكشف وطاقة الجدة هو الذي يعطي الأدب أهميته. وليس كسر القواعد. فهذا الكسر قد يتحول عند بعض الروائيين والنقاد إلي "مازورة" أو قالب أو مقياس جامد متحجر.
      .................................
      *المساء ـ في 22/3/2008م.

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #33
        بعد صيحة "نحن جيل بلا أساتذة"

        الأجيال الأدبية ..صراع أم تواصل؟!
        د. الكومي: نخبة زمان التحمت بالناس

        حوار: د. زينب العسال
        ....................

        رغم صيحة : نحن جيل بلا أساتذة التي أعلنها محمد حافظ رجب في ستينيات القرن الماضي. فإن العلاقة بين
        الأجيال الأدبية ظلت مثلا لمعني العلاقة بين الاستاذ والتلميذ. ذلك مايبتدي في العلاقة بين نجيب محفوظ علي سبيل المثال وحوارييه من كل الأجيال. وانشغال يحيي حقي باكتشاف الاصوات الحقيقية. وتقديم صلاح عبدالصبور للموهوبين من الشعراء. وأستاذية رجاء النقاش في حرصه علي منح الفرصة للمواهب الطالعة. والأمثلة كثيرة. ولاشك ان الصورة قد تغيرت. تحولت العلاقة بين الأستاذ والتلميذ الي مايشبه الصراع والرفض من كل جانب للاخر.لاتوجد فرصة في تقدير د. شبل الكومي تسمح بأن تتوثق العلاقة بين الاستاذ والتلميذ. فإيقاع العصر سريع جدا. الناس تلهث. ولايوجد وقت يتيح للفرد ان يستمع لأم كلثوم. نحن في عصر جديد. وقيم جديدة. واسلوب جديد. علي مستوي الجامعة نجد ان الجامعة بنظامها لاتتيح ان تتم علاقة بين استاذ وتلميذ كما كنا نحن نتمتع بهذه العلاقة. كنا نحرص علي التأمل والمناقشة في كل شئ. لكن ماحدث لدينا يحدث في العالم كله. فالأجيال الماضية كانت تعيش علي القيم المطلقة. أما الان فكل شئ نسبي. حتي الحقيقة نسبية. لايوجد إجماع أو اتفاق عام بين الناس. وهذا يعطي حرية. لأن الحقيقة متغيرة ونسبية. وأنا أري أن من حق الجيل أن يرفض. ففكرة قتل الاباء موجودة. ومع المظاهرات التي انتشرت في العالم سنة 68 جاءنا مانسميه الان مابعد الحداثة. ثمة عالم جديد وعصر جديد. النخبة المثقفة في الماضي كانت ممثلة في طه حسين وتوفيق الحكيم ويحيي حقي. وكانت هذه النخبة ملتحمة بالناس. لذا كان لها تلاميذ. والنخبة الان هي مجموعة من الشباب تعيش منعزلة عن الناس. لكننا نكرر إن لكل عصر سماته التي تفرض علي الناس سلوكا معينا.
        ظاهرة مرفوضة
        والظاهرة في رأي الروائي الكبير ادوار الخراط مرفوضة. ولا اعتقد أنها عامة الي حد أن تكون ظاهرة. هناك من يري أن التواصل بين الأجيال هو ضرورة الحياة. ولازدهار الأجيال نفسها. وانقطاع هذه الصلة الحميمة يؤدي لنوع من العقم وافتقار كلا الجانبين للتواصل الحقيقي والوثيق بين الأجيال. بما يضمن كفالة استمرار دماء الحياة في الابداع بعامة. حتي يستمر مزدهرا مثمرا.
        ويري د. أحمد عتمان ان المجتمع كله يمر بأزمة. وسبب هذه الأزمة أن المتغيرات سريعة جدا. حدثت طفرات سريعة. وواكب هذا تغيير كبير في القيم والعلاقات الاجتماعية. فالمتطلبات المادية فوق طاقة الجميع. وبخاصة الأجيال الجديدة. إنها مشغولة بالماديات. أين ستكون القيم وسط هذه الماديات؟ القيم تنزوي. وساحتها تقل. والمكاسب والأرباح هي الحلم الاول وسط تلك المتغيرات الجارفة. تنسي الأشياء المهمة الجليلة. قليلون فقط لهم تلاميذ أوفياء. لكن عددهم يقل. ويصبحون عملة نادرة. وحين كنت تلميذا لاساتذتي كانت قيمة الوفاء. والاحترام والتبجيل هي القيمة الاعلي والأهم. القيمة التي تربينا عليها. سواء في الجامعة. أو في الحركة الأدبية. المشكلة التي أخاف منها بشدة أن بعض أدباء الأجيال الجديدة يرون أننا دقة قديمة. وهذا خطأ وعيب. لابد من احترام الجيل الأسبق. جيل الاساتذة. احترام الكبير حتي في الحياة الاجتماعية. نحن لسنا ضد الشباب. انما النصيحة التي أتوجه بها اليهم هي احترام الكبير. وليتذكروا أنه بعد سنوات سيصبح الصغير كبيرا.
        أريد من الشباب عدم الاستخفاف بتجارب الكبار
        ويستعيد الأديب الكبير عبدالعال الحمامصي جولاته في الاقاليم المصرية بحثا عن المواهب. ويتذكر بالاسم مواهب يعتز بأنه قدمها في مجالات الأدب المختلفة. ودافع عن حقها في النشر. ومخاطبة الناس. يقول: لا أنكر أنه كان لهؤلاء الأدباء دور في فوزي المتكرر في انتخابات عضوية مجلس ادارة اتحاد الكتاب. ونادي القصة. وجمعية الأدباء لقد أرادوا التعبير عن محبتهم. وظني اني كنت علي مستوي الثقة التي حظيت بها. فضلا عن ان حرصي علي تقديم المواهب الطالعة لم يتبدل سواء في سلسلة اشراقات أم مجلة أكتوبر أم في المسابقات والندوات والمهرجانات. مع ذلك فإن السؤال الذي يطالعني أحيانا هو: لماذا يتصور بعض أدباء الأجيال الحالية أن وجودهم في نفي الآخر؟ لماذا لاتتصل الحلقات وتكتمل السلسلة باعتبار أن البناية الحقيقية لاتشيد علي فراغ!
        هؤلاء وغيرهم
        ومايطرح الان في تقدير د. عادل وديع فلسطين موجود في كل المجالات. الاجيال الجديدة تريد ان تصل بسرعة. ولاتحترم الكبير. سواء في الادب او الصحافة أو الطب. كل من يكتب عمودا في صحيفة يتصور انه بلغ القمة. وان له مريدين. بينما المثل الذي يحضرني من الجيل القديم هو الفنان الكبير بيكار الذي كان نموذجا للرقة والذوق والاخلاص. فحينما ينقد لوحة يحرص علي اظهار الجانب الجميل. وكان يقف بجوار الصغار. يأخذ بيدهم. ويبصرهم بنقاط الضعف في أعمالهم دون احراجهم. وهذا مايفعله كل من يوسف الشاروني وادوار الخراط وماهر شفيق فريد وحسين علي محمد وغيرهم.
        انهم اساتذة لايعوضون هل الانانية هي التي سيطرت علي تصرفات الأدباء؟ نحن نري الان كتبا تصدر في اكثر من طبعة. وحينما نقرأ نجد ان الكتاب فاقد للقيمة. وظني ان ذلك انعكاس للعلاقة السلبية بين أدباء الاجيال المختلفة.
        وجيل التسعينيات في تقدير الكاتب المسرحي يوسف شعبان هو الذي بدأ إعلان التمرد علي نجيب محفوظ بأنه كاتب كلاسيكي. وقد رد عليهم بما كتبه في "أصداء السيرة الذاتية" وهي كتابة في قالب حداثي. وفجأة اصبح بالنسبة لهم رائدا من الرواد المهمين.
        أما نفي الشباب للكبار الان فإن السؤال الذي يطرح نفسه: من علي الساحة الان؟ هل الكبار هم الذين يحصلون علي الجوائز؟ نحن نعرف أنه يوجد كبار موجودون علي الساحة. خيارهم هو الابتعاد عن هذا الصخب. وأن يخلصوا لعوالمهم الحقيقية مثل صنع الله ابراهيم وجبريل والخراط. فإذا كان الانكار للأدباء الكبار البارزين إعلاميا. فأنا مع هذا الانكار. إن فكرة المجايلة هي فكرة ادبية. وأنا كيوسف شعبان نتاج كل ماقرأته من الاخرين. سواء اعجبني أم لم يعجبني. لايمكن للمرء ان يكتب شيئا بدون القراءة للاخرين. والتعرف الي تجاربهم.
        ويتجه الشاعر مجدي عبدالرحيم بالادانة الي الأدباء من كل الأجيال: قبل دخولي عالم الثقافة بعامة. والادب بخاصة. كنت أظن انه عالم ملائكي ترفرف عليه السعادة. وتسوده المحبة. وبعد فترة ليست قصيرة تبينت للاسف انه عالم تملؤه الصراعات بين الاجيال المختلفة. وهناك سدود وحواجز بين الأدباء الكبار وشباب الادباء. اغلب الكبار اكتفوا بما قدموه. ولايريدون ان يفسحوا الطريق للاخرين. ولم يعد هناك من يمد يد العون لكاتب في بداية الطريق. رغم أنهم وجدوا في شبابهم من يساعدهم. أما شباب الأدباء اليوم رغم صعوبة النشر وقلة الفرص المتاحة أمامهم فإنهم للاسف أيضا بمجرد ان ينشروا عملا واحدا فقط. ويجدوا بعض الاعجاب يظنون انفسهم قد حققوا غاية المراد من رب العباد. ثمة من يقول: نحن جيل بلا اساتذة وانا بدوري اتساءل: أين تعلم هؤلاء الكتابة. وعلي يد من تتلمذوا. ولمن قرءوا؟ اعتقد ان من لاماض له. لاحاضر له ولامستقبل. نحن شريحة من المجتمع. بيننا الجيد والردئ. وهناك أزمة ربما تكون أزمة ثقة بين الأجيال. وأنا بدوري متفائل بالمستقبل. رغم ان الجو العام صعب للغاية. فالمجتمع ينظر الي الادب علي أنه سلعة مهمشة. بينما الساحة مفتوحة أمام الفن والرياضة وغيرها من المسليات. وذلك كفيل بتكاتف الأدباء ليكون لهم دور ايجابي في المجتمع. فلتكن إذن دعوة للحب والتسامح بين الجميع. من أجل غد مشرق للأدب بخاصة. والثقافة بوجه عام.
        ....................................
        *المساء ـ في 25/7/2009م.

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #34
          دائرة معارف عربية .. متى؟

          د. شعلان: العملية ليست سهلة .. وتحتاج إلي تخطيط
          د. مجدي: البداية .. موسوعات للمدارس والجامعات
          حسني لبيب: تأخرنا كثيراً .. رغم آلاف العلماء والمبدعين
          حسين قدري: لجنة من كل التخصصات لتقديم عمل حقيقي

          حوار: د. زينب العسال
          ....................

          مع تعدد الموسوعات التي طالعتنا في الأعوام الأخيرة تتناول جوانب مختلفة من ثقافتنا العربية فإن قضية إصدار دائرة معارف عربية تطرح نفسها من جديد باعتبار أنها الجهد العلمي المتكامل الذي يحتاج إليه المثقفون العرب. لمراجعة المعلومة التي تخلو من الدس والغرض. وتسلط الضوء علي الحقيقة الموضوعية والمنصفة.
          وفي تقدير د. إبراهيم شعلان أن دائرة المعارف عمل جماعي. ولأنها عمل جماعي فلابد ان يكون له تخطيط علي مستوي اللجان. واعتماد ميزانية كبيرة. بمعني أني لو أعددت مادة في دائرة المعارف فستأخذ أسبوعين أو ثلاثة أسابيع. وتضم 30 أو 40 ألف مادة. فهي تحتاج إلي تمويل ضخم. وإلي جهاز يرسم ويخطط. بمعني أن العمل الموسوعي متشعب ومتعدد فيه مواد جغرافية وتاريخية وسياسية وثقافية سواء في مصر أو في الخارج وبما أنها موسوعة لا تمثل فرداً. ولكن ثقافة مجتمع. فإنها تحتاج إلي وقت طويل. وإلي علماء ومثقفين. العملية ليست سهلة. ونحن لا نعرف التخطيط. وهذا عيبنا. وكما قلت. فإن علينا أن نؤكد علي الوقت الذي تستغرقه الموسوعة. حتي لا نضيع الوقت والمال من غير طائل.
          ويشير عبدالعال الحمامصي رئيس نادي القصة إلي أن أية جهة لن تستطيع انجاز دائرة معارف إلا الدولة بما لديها من امكانيات كبيرة جدا. أتمني أن الدولة تقوم بهذا المشروع من خلال هيئات وزارة الثقافة. مثل هيئة الكتاب. والمجلس الأعلي للثقافة. وغيرها شريطة أن تكون مجموعة العمل وطنية وليبرالية وغير منحازة لاتجاه أو لأشخاص بعينهم. وينبغي ان نبدأ بدائرة معارف مصرية أولا. تليها دائرة معارف عربية. ثم دائرة معارف إسلامية. أهداف
          وفي تقدير د. مجدي توفيق أن دوائر المعارف في أعمال مؤسسية تقل قيمتها إذا كان لها مؤلف فرد. وترتفع قيمتها إذا اشترك فيها كبار المتخصصين في حقل من الحقول. وهذا أمر يتطلب كثيراً من النفقات الآن. لأن كتابة مادة في موسوعة لها خصائص محددة. ويصعب أن تحقق أهدافها إلا إذا كان صاحبها استاذاً ملماً بأسرار التخصص. قادراً علي التمييز بين المعلومة المركزية والمعلومة الثانوية. إن مصر في حاجة إلي نشاط موسوعي كبير في شئون مختلفة. وأفضل ان نبدأ بموسوعة للعلوم الإنسانية. وثمة دار الكتب والمجلس الأعلي للثقافة وهيئة الكتاب وغيرها. وجميعها قادرة علي إصدارها في طبعات شعبية واليكترونية يمكن أن يفيد منها الجمهور. وأن تصبح واحدة من الوسائل التعليمية الضرورية في التعليم قبل الجامعي.
          ويذهب الروائي عبدالوهاب الأسواني إلي أنه من الأنسب ان تتولي مشروع دائرة المعارف هيئة حكومية. تتولي الانفاق عليها. وتشكل بمجموعة من المتخصصين الذي ينهضون بهذا العمل الجماعي لأن الأعمال الفردية وحدها لا تكفي. لابد ان تكون الحضارة العربية الإسلامية صلب هذه الدائرة. وان تكون شاملة كما هو الحال في دائرة المعارف البريطانية فهي مرجع ضخم للعالم. ومنذ فترة طويلة اطلق مشروع دائرة المعارف الإسلامية. ولكن لم يكتمل هذا المشروع للأسف. وأتمني أن تنفق الدولة علي المشروع. وتفرغ له متخصصين في كل المجالات. كي تكون دائرة معارف محترمة. وتدل كل المبادرات الفردية علي أنه يجب ان نعمل عملا كبيرا يليق بالحضارة العربية الإسلامية. ودورها في العالم
          موسوعة شاملة
          ويقول الروائي والناقد حسني سيد لبيب إنه في الوقت الذي يتآمر علينا الطامعون والانتهازيون لطمس هويتنا. وتشويه ثقافتنا العربية تظهر الحاجة الماسة إلي تأكيد الهوية وتأصيل الثقافة العربية. لذا كان مهما ان نفكر في إصدار دوائر معارف عربية. علي غرار دوائر المعارف الأجنبية. ويكون هدفنا في هذا اظهار الحقائق وتفنيد المزاعم. ودائرة المعارف أو الانسيكلوبيديا Encyclopedia كلمة يونانية تعني الكلية والإحاطة والشمول. وقد صدرت عشرات الموسوعات باللغة العربية. منها: دائرة معارف القرن العشرين لمحمد فريد وجدي. وهو كتاب ضخم في عشرة مجلدات عبارة عن قاموس عام مطول للغة العربية والعلوم النقلية والعقلية والكونية بجميع أصولها وفروعها. وهناك أيضا دائرة معارف البستاني. ودائرة معارف الشباب لفاطمة محجوب. لكننا في حاجة إلي موسوعة عربية شاملة تدون فيها ثقافتنا العربية بعمق وتأصيل. وإنجاز الموسوعة في حاجة إلي تضافر وجهود عدة مؤسسات علمية وأفراد وأن ترصد لها ميزانية أي أن تتولي مؤسسات الدولة طرح المشروع وتدارسه وضمان استمراره حتي تصدر الموسوعة المرتقبة في ثوب قشيب. وتضخم المعلومة الصحيحة والدقيقة دون تزيد أو ادعاء.. ولعل تضافر جهود المجلس الأعلي للثقافة. ودار الكتب القومية واتحاد الكتاب. وغيرها من المؤسسات الثقافية. يؤتي ثماره المرجوة في هذا المجال. لقد تأخرنا كثيرا في إصدار الموسوعات. وسبقتنا في هذا المجال أمم كثيرة. وكنا جديرين بإحراز فضل السبق. وبلادنا العربية عامرة بمفكريها وعلمائها ومبدعيها الذين يقدرون علي إنجاز المهام الصعبة.
          أما كاتب أدب الرحلات حسين قدري فهو يري أن دوائر المعارف العالمية ليست كثيرة وهي غالبا تكرار لبعضها إلي حد كبير. لأن المعلومات العالمية والشخصيات العالمية واحدة. الأمر نفسه بالنسبة للمعلومات والشخصيات العربية ولكن بنسبة أقل كثيرا. وذلك قد يكون المبرر الوحيد لعمل دائرة معارف عربية تستحق التسمية. ولكي تخرج دائرة معارف عربية في مثل وزن دوائر المعارف العالمية. فإني أتصور لجنة تضم شخصيات بارزة في مختلف التخصصات من كل الأقطار العربية تتيح - في النهاية - دائرة معارف عربية متكاملة تكون في متناول كل عربي مهتم. تجدد وتحدث كل عشر سنوات. يضاف إليها الجديد والحديث. لأن دائرة المعارف ليست مجلة أسبوعية أو شهرية حتي نخرج منها - كل سنة - نسخة جديدة أو طبعة جديدة.
          ................................
          *المساء ـ في 5/4/2008م.

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #35
            بعد صيحة "نحن جيل بلا أساتذة"
            الأجيال الأدبية ..صراع أم تواصل؟!
            د. الكومي: نخبة زمان التحمت بالناس

            حوار: د. زينب العسال
            ....................

            رغم صيحة : نحن جيل بلا أساتذة التي أعلنها محمد حافظ رجب في ستينيات القرن الماضي. فإن العلاقة بين الأجيال الأدبية ظلت مثلا لمعني العلاقة بين الاستاذ والتلميذ. ذلك مايبتدي في العلاقة بين نجيب محفوظ علي سبيل المثال وحوارييه من كل الأجيال. وانشغال يحيي حقي باكتشاف الاصوات الحقيقية. وتقديم صلاح عبدالصبور للموهوبين من الشعراء. وأستاذية رجاء النقاش في حرصه علي منح الفرصة للمواهب الطالعة. والأمثلة كثيرة. ولاشك ان الصورة قد تغيرت. تحولت العلاقة بين الأستاذ والتلميذ الي مايشبه الصراع والرفض من كل جانب للاخر.لاتوجد فرصة في تقدير د. شبل الكومي تسمح بأن تتوثق العلاقة بين الاستاذ والتلميذ. فإيقاع العصر سريع جدا. الناس تلهث. ولايوجد وقت يتيح للفرد ان يستمع لأم كلثوم. نحن في عصر جديد. وقيم جديدة. واسلوب جديد. علي مستوي الجامعة نجد ان الجامعة بنظامها لاتتيح ان تتم علاقة بين استاذ وتلميذ كما كنا نحن نتمتع بهذه العلاقة. كنا نحرص علي التأمل والمناقشة في كل شئ. لكن ماحدث لدينا يحدث في العالم كله. فالأجيال الماضية كانت تعيش علي القيم المطلقة. أما الان فكل شئ نسبي. حتي الحقيقة نسبية. لايوجد إجماع أو اتفاق عام بين الناس. وهذا يعطي حرية. لأن الحقيقة متغيرة ونسبية. وأنا أري أن من حق الجيل أن يرفض. ففكرة قتل الاباء موجودة. ومع المظاهرات التي انتشرت في العالم سنة 68 جاءنا مانسميه الان مابعد الحداثة. ثمة عالم جديد وعصر جديد. النخبة المثقفة في الماضي كانت ممثلة في طه حسين وتوفيق الحكيم ويحيي حقي. وكانت هذه النخبة ملتحمة بالناس. لذا كان لها تلاميذ. والنخبة الان هي مجموعة من الشباب تعيش منعزلة عن الناس. لكننا نكرر إن لكل عصر سماته التي تفرض علي الناس سلوكا معينا.
            ظاهرة مرفوضة
            والظاهرة في رأي الروائي الكبير ادوار الخراط مرفوضة. ولا اعتقد أنها عامة الي حد أن تكون ظاهرة. هناك من يري أن التواصل بين الأجيال هو ضرورة الحياة. ولازدهار الأجيال نفسها. وانقطاع هذه الصلة الحميمة يؤدي لنوع من العقم وافتقار كلا الجانبين للتواصل الحقيقي والوثيق بين الأجيال. بما يضمن كفالة استمرار دماء الحياة في الابداع بعامة. حتي يستمر مزدهرا مثمرا.
            ويري د. أحمد عتمان ان المجتمع كله يمر بأزمة. وسبب هذه الأزمة أن المتغيرات سريعة جدا. حدثت طفرات سريعة. وواكب هذا تغيير كبير في القيم والعلاقات الاجتماعية. فالمتطلبات المادية فوق طاقة الجميع. وبخاصة الأجيال الجديدة. إنها مشغولة بالماديات. أين ستكون القيم وسط هذه الماديات؟ القيم تنزوي. وساحتها تقل. والمكاسب والأرباح هي الحلم الاول وسط تلك المتغيرات الجارفة. تنسي الأشياء المهمة الجليلة. قليلون فقط لهم تلاميذ أوفياء. لكن عددهم يقل. ويصبحون عملة نادرة. وحين كنت تلميذا لاساتذتي كانت قيمة الوفاء. والاحترام والتبجيل هي القيمة الاعلي والأهم. القيمة التي تربينا عليها. سواء في الجامعة. أو في الحركة الأدبية. المشكلة التي أخاف منها بشدة أن بعض أدباء الأجيال الجديدة يرون أننا دقة قديمة. وهذا خطأ وعيب. لابد من احترام الجيل الأسبق. جيل الاساتذة. احترام الكبير حتي في الحياة الاجتماعية. نحن لسنا ضد الشباب. انما النصيحة التي أتوجه بها اليهم هي احترام الكبير. وليتذكروا أنه بعد سنوات سيصبح الصغير كبيرا.
            أريد من الشباب عدم الاستخفاف بتجارب الكبار
            ويستعيد الأديب الكبير عبدالعال الحمامصي جولاته في الاقاليم المصرية بحثا عن المواهب. ويتذكر بالاسم مواهب يعتز بأنه قدمها في مجالات الأدب المختلفة. ودافع عن حقها في النشر. ومخاطبة الناس. يقول: لا أنكر أنه كان لهؤلاء الأدباء دور في فوزي المتكرر في انتخابات عضوية مجلس ادارة اتحاد الكتاب. ونادي القصة. وجمعية الأدباء لقد أرادوا التعبير عن محبتهم. وظني اني كنت علي مستوي الثقة التي حظيت بها. فضلا عن ان حرصي علي تقديم المواهب الطالعة لم يتبدل سواء في سلسلة اشراقات أم مجلة أكتوبر أم في المسابقات والندوات والمهرجانات. مع ذلك فإن السؤال الذي يطالعني أحيانا هو: لماذا يتصور بعض أدباء الأجيال الحالية أن وجودهم في نفي الآخر؟ لماذا لاتتصل الحلقات وتكتمل السلسلة باعتبار أن البناية الحقيقية لاتشيد علي فراغ!
            هؤلاء وغيرهم
            ومايطرح الان في تقدير د. عادل وديع فلسطين موجود في كل المجالات. الاجيال الجديدة تريد ان تصل بسرعة. ولاتحترم الكبير. سواء في الادب او الصحافة أو الطب. كل من يكتب عمودا في صحيفة يتصور انه بلغ القمة. وان له مريدين. بينما المثل الذي يحضرني من الجيل القديم هو الفنان الكبير بيكار الذي كان نموذجا للرقة والذوق والاخلاص. فحينما ينقد لوحة يحرص علي اظهار الجانب الجميل. وكان يقف بجوار الصغار. يأخذ بيدهم. ويبصرهم بنقاط الضعف في أعمالهم دون احراجهم. وهذا مايفعله كل من يوسف الشاروني وادوار الخراط وماهر شفيق فريد وحسين علي محمد وغيرهم.
            انهم اساتذة لايعوضون هل الانانية هي التي سيطرت علي تصرفات الأدباء؟ نحن نري الان كتبا تصدر في اكثر من طبعة. وحينما نقرأ نجد ان الكتاب فاقد للقيمة. وظني ان ذلك انعكاس للعلاقة السلبية بين أدباء الاجيال المختلفة.
            وجيل التسعينيات في تقدير الكاتب المسرحي يوسف شعبان هو الذي بدأ إعلان التمرد علي نجيب محفوظ بأنه كاتب كلاسيكي. وقد رد عليهم بما كتبه في "أصداء السيرة الذاتية" وهي كتابة في قالب حداثي. وفجأة اصبح بالنسبة لهم رائدا من الرواد المهمين.
            أما نفي الشباب للكبار الان فإن السؤال الذي يطرح نفسه: من علي الساحة الان؟ هل الكبار هم الذين يحصلون علي الجوائز؟ نحن نعرف أنه يوجد كبار موجودون علي الساحة. خيارهم هو الابتعاد عن هذا الصخب. وأن يخلصوا لعوالمهم الحقيقية مثل صنع الله ابراهيم وجبريل والخراط. فإذا كان الانكار للأدباء الكبار البارزين إعلاميا. فأنا مع هذا الانكار. إن فكرة المجايلة هي فكرة ادبية. وأنا كيوسف شعبان نتاج كل ماقرأته من الاخرين. سواء اعجبني أم لم يعجبني. لايمكن للمرء ان يكتب شيئا بدون القراءة للاخرين. والتعرف الي تجاربهم.
            ويتجه الشاعر مجدي عبدالرحيم بالادانة الي الأدباء من كل الأجيال: قبل دخولي عالم الثقافة بعامة. والادب بخاصة. كنت أظن انه عالم ملائكي ترفرف عليه السعادة. وتسوده المحبة. وبعد فترة ليست قصيرة تبينت للاسف انه عالم تملؤه الصراعات بين الاجيال المختلفة. وهناك سدود وحواجز بين الأدباء الكبار وشباب الادباء. اغلب الكبار اكتفوا بما قدموه. ولايريدون ان يفسحوا الطريق للاخرين. ولم يعد هناك من يمد يد العون لكاتب في بداية الطريق. رغم أنهم وجدوا في شبابهم من يساعدهم. أما شباب الأدباء اليوم رغم صعوبة النشر وقلة الفرص المتاحة أمامهم فإنهم للاسف أيضا بمجرد ان ينشروا عملا واحدا فقط. ويجدوا بعض الاعجاب يظنون انفسهم قد حققوا غاية المراد من رب العباد. ثمة من يقول: نحن جيل بلا اساتذة وانا بدوري اتساءل: أين تعلم هؤلاء الكتابة. وعلي يد من تتلمذوا. ولمن قرءوا؟ اعتقد ان من لاماض له. لاحاضر له ولامستقبل. نحن شريحة من المجتمع. بيننا الجيد والردئ. وهناك أزمة ربما تكون أزمة ثقة بين الأجيال. وأنا بدوري متفائل بالمستقبل. رغم ان الجو العام صعب للغاية. فالمجتمع ينظر الي الادب علي أنه سلعة مهمشة. بينما الساحة مفتوحة أمام الفن والرياضة وغيرها من المسليات. وذلك كفيل بتكاتف الأدباء ليكون لهم دور ايجابي في المجتمع. فلتكن إذن دعوة للحب والتسامح بين الجميع. من أجل غد مشرق للأدب بخاصة. والثقافة بوجه عام.
            ...............................
            *المساء ـ في 25/7/2009م.

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #36
              مع د.سعد أبوالرضا:

              لا تعارض بين الأدب الإسلامي وحرية الإبداع
              الكتابة للطفل يجب أن تقتصر علي المتخصص
              مشكلة الجامعات الإقليمية في قلة الإمكانيات

              حوار: د. زينب العسال
              ...................

              الحوار مع الدكتور سعد أبوالرضا ينبغي أن يشمل -بالضرورة- ما يشغله من اهتمامات ثقافية وإبداعية. فهو كاتب للقصة القصيرة. ولأدب الأطفال. وأستاذ جامعي. وناقد. وله نظرياته في مجال الأدب الإسلامي التي لا تشترط الاجتهادات الدينية الفقهية. وإنما تعني بالقيم الإسلامية في عمومها. وقد تحدث عنها في مؤتمرات دولية في السعودية والمغرب العربي والأردن وفلسطين واليمن فضلا عن إنجلترا وفرنسا.
              * قلنا: بداية هل هناك تعارض بين مفهوم الأدب الإسلامي وحرية الإبداع؟
              ** قال: لا يمكن أن يكون هناك تعارض بين الأدب الإسلامي وحرية الإبداع فالأديب المسلم يمكنه أن يتحدث في أي موضوع. ويكتب في أية قضية المهم أن تكون هناك مرجعية إسلامية ضابطة لهذه الحرية.. بمعني ألا يكون هناك -مثلا- خروج علي الأخلاق أو تجاوز غير مشروع في حقوق الآخرين. وهكذا.
              * قلنا: بهذا المفهوم يمكن القول إن كل من يلتزم بهذه الضوابط هو كاتب إسلامي. حتي لو لم يكن مسلما؟
              ** قال: مثل هذا الأدب يسمي "أدب موافق" إذا وجدنا فيه خصائص وملامح للأدب الإسلامي.
              * قلنا: إذن. من هو الكاتب الإسلامي في هذا المنظور؟
              ** قال: نجيب الكيلاني روائي متميز علي مستوي الوطن العربي. وثمة عماد الدين خليل وحسن الأمراني من المغرب. وكتاب في أرجاء العالم الإسلامي يلتزمون بما تدعو إليه اتجاهات الأدب الإسلامي.
              * قلنا: هناك إذن -في رأيك- آداب تنتسب إلي الأديان؟
              ** قال: أنا لا اعترف بهذا. لكنه واقع. هناك أدب مسيحي وأدب يهودي. وهناك الكثير من الرسائل في كليات اللغات والترجمة عن هذه الإبداعات وهو أمر ليس جديدا فقد أكد الشاعر والناقد البريطاني الأشهر ت.إس.إليوت إن الحكم النقدي لابد أن تكون له مرجعية أخلاقية مردها الدين المسيحي. من حقنا إذن أن ندعو إلي فكرة الأدب الإسلامي دون تعصب أو اتهام أي شخص بالكفر أو غيره. هذه مسائل لله سبحانه فقط ولا تعني البشر!
              * قلنا: ألا تري في كتابات كل من العقاد وطه حسين والحكيم ومحفوظ ما يصح نسبته إلي الأدب الإسلامي؟
              *. قال: عبقريات العقاد تضعه في مقدمة الكتاب الإسلاميين. وطه حسين خرج عن بعض التوجهات الإسلامية في كتابه الأدب الجاهلي. لكنه من أكبر الدعاة إلي الاهتمام بالقرآن الكريم. والحفاظ علي اللغة العربية. وهو ما يتفق مع أهداف الأدب الإسلامي الحكيم أيضا له كتابات طيبة تدعو إلي الحرية والقانون والعدل ونجيب محفوظ في أسلوبه السردي متأثر تماما بالقرآن الكريم وإن كان لي ملاحظة تتصل بتعامله مع الجنس بإفراط هذا لا يعني أن الإسلام ضد تناول الجنس لكن بصورة لا تثير رغبات الشباب نحن في حاجة إلي أدب يرتقي بالناس وبعواطفهم ويبث في نفوسهم الأخلاق والسلوك القويم ويدعو إلي الخير وينبذ الشر.
              * قلنا: ما رأيك في المشهد الثقافي في مصر الآن؟
              ** قال: هو عامر بالكثير من النماذج الأدبية في الشعر والقصة والرواية والمسرحية. لكن الملاحظ أن بعض جهات النشر ربما وضعت مواصفات لا تساعد الشباب الموهوب أخشي أن أقول إن الشللية تسيطر ولا تسمح بظهور الأدب الجيد لكل الأجيال فالمكتبات الخاصة حريصة علي المشهورين وفي المؤسسات الثقافية هناك قوائم انتظار وهنا يأتي دور النقد الأدبي في مواكبة الإنتاج المعروض وبالمناسبة فإني اقترح أن تصدر لجان المجلس الأعلي للثقافة نشرة شهرية عن أنشطتها لتحقيق المزيد من الفعالية بين المثقفين وكل من لديه موهبة أضيف أن كل المشاركين في هذه اللجان من القاهرة رغم إعلان جابر عصفور ان أعضاءها من المثقفين في القاهرة والأقاليم أنا أجد أن هذا غير متحقق!
              * قلنا: أنت متعدد المواهب.. فأين تجد نفسك؟
              ** قال: كنت خارج مصر عشر سنوات وهذا أحدث قطيعة. أحاول الآن أن استعيد دوري وفي مؤتمر الشعر الأخير أرسلت بحثا إلي مسئولي المجلس الأعلي للثقافة لكنهم اعتذروا قبل موعد المؤتمر بيومين! لقد شارك في المؤتمر 35 شاعرا وناقدا منهم 12 من أعضاء المجلس وما لايزيد علي اثنين من خارج المجلس بينما قدم الآخرون من خارج مصر واتساءل: لماذا لا يتاح للمصريين القادرين علي الاسهام وإثبات الوجود كما يتاح لهم في أقطار الوطن العربي؟
              نماذج جيدة
              * قنا: ما رأيك فيما يكتب للأطفال الآن؟
              *. قال: لا شك أن أدب الأطفال في الولايات المتحدة متقدم كما وكيفا وأذكر إحصائية في الثمانينيات تتحدث عن مائة ألف كتاب هناك وأربعة آلاف كتاب عندنا يجب أن يقدم أدب الطفل من قبل متخصصين والاهتمام بعلم النفس والعلوم الاجتماعية وغيرها من الاهتمامات المطلوبة لكاتب الأطفال هناك نماذج جيدة لكنها قليلة فثمة من هو غير مؤهل للكتابة للطفل وما يكتب للأطفال الآن غير مدرج عليه المرحلة السنية التي يتوجه إليها فكل مرحلة لها خصائصها ولها أسلوبها الذي يجب أن يعرفه الكاتب ويتبعه حتي تصل رسالته وكما قلت فإن لدينا بعض الكتاب المتميزين مثل عبدالتواب يوسف الذي أقدر موهبته وإنتاجه الوفير إلي جانب أن لدينا مؤسسات مهتمة بثقافة وأدب الطفل مثل كليات رياض الأطفال والدراسات العليا في الجامعات المختلفة وقد اسهمت جهود السيدة سوزان مبارك من خلال المسابقات المختلفة في تشجيع ومساعدة أجيال جديدة لاقتحام هذا المجال.
              * قلنا: الأجناس الأدبية.. هل أصبحت من التراث بعد أن ظهر ما يسمي "النص"؟
              ** قال: تداخل الأجناس الأدبية أمر مفيد وفيه إثراء للأدب بشرط ألا يؤدي ذلك إلي اختفاء الحدود بين الأجناس الأدبية المختلفة نعم لتداخل الأجناس الأدبية شريطة أن تكون هناك حدود واضحة تدعم الأنواع الأدبية. وقد أصبح لدينا الآن درامية القصة وشعرية القصة وشعرية الرواية لكن من المهم ألا يقدم إلي مثل هذا التجريب غير المتمرسين بالمقياس العلمي والموضوعي للكلمة!
              * قلنا: كأستاذ في جامعة بنها.. ما تعليقك علي ما يقال من أن الجامعات الإقليمية أقرب إلي المدارس الثانوية؟
              ** قال: المجاميع الآن مرتفعة لأن طريقة التعليم في الثانوي بالإضافة إلي الدروس الخصوصية وطريقة الامتحان.. ذلك كله رفع درجات المجموع ووجود الجامعات الإقليمية ضرورة قومية واجتماعية وإنسانية حتي ينتشر التعليم إضافة إلي أن هذه الجامعات توجد فيها أعضاء هيئات تدريس لا يقلون كفاءة أو مقدرة عن غيرهم في الجامعات الرئيسية لكن المشكلة تكمن في أن الجامعات الإقليمية قد تنقصها الإمكانيات مثل أن تكون معامل اللغات بكليات الآداب غير مكتملة.. الجامعات الإقليمية تؤدي دورها وهو ما ينعكس علي مستوي الخريجين في جامعة القاهرة أو عين شمس أو حلوان.. لكن ذلك لا ينفي وجود تميز في جامعة بنها كما هو الحال في الجامعات الأم مع ضرورة الإشارة إلي أن الإمكانيات التعليمية المكتبية والمعامل المختلفة في الجامعات الأم ذات مستوي مرتفع.
              ...................................
              *المساء ـ في 19/5/2007م.

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #37
                محمد جبريل.. ومعنى الحرية

                بقلم: د. زينب العسال
                .................

                فى شهادته المنشورة فى مجلة "فصول" يقول محمد جبريل: "أنا مبدع مهموم سياسيا.. إنها سدى اهتماماتى الشخصية والإبداعية فى الوقت نفسه."
                جبريل المهموم سياسيا والمعنى بتحقيق الحرية السياسية التى هى حق المواطنين فى المساهمة فى حكم الدولة.. يوسع من مفهوم الحرية، فالأهم عنده من الكتابة عن الحرية.. هو "أن أكتب فى حرية، وأن يغيب ذلك الرقيب الخارجى الذى يحذف ويصادر ويعتقل، إن لاحظ أن الكاتب قد شط فى رأيه، أو أعلن المعاداة، أو أن يغيب ذلك الرقيب الداخلى الكامن فى أعماقى..
                هذا الهم السياسى يبين عن نفسه فى غالبية كتابات جبريل الإبداعية منذ كتابه الأول "الملاك" والذى نشره ولم يتجاوز سن الكاتب آنذاك خمسة عشر عاما بعبارة.. "أشياء ثلاثة كرست حياتى للدفاع عنها: الحق والخير والحرية.. وأرى أن التمتع بالحرية كفيل بأن يحقق الخير والحق.. هل يمكن للإنسان أن يشعر بإنسانيته إلا إذا كان حرا!.. وهل يمكن للإنسان أن يتمتع بالحرية إذا لم يتمتع بها الآخرون؟! إن مبدأ الحرية يلازمه بالضرورة علاقة الفرد الإنسان بالسلطة أيا كانت هذه السلطة.. سواء أكانت سلطة الحاكم أو سلطة الجماعة/المجتمع أو السلطة الأبوية.. البعض لا يرى وجود تعريف محدد للسلطة فإعطاء مفهوم للسلطة سيكون الأمر أكثر سلطوية.. فالسلطة متعددة الوجوه خافية وظاهرة.. من الممكن أن تكون سلطة مركبة.. متعددة.. ومتغيرة الوجوه.. "يمكن أن تعرف نفسها بكونها ذات أسماء عديدة، وتوجد فى كل الأمكنة والخطابات من الأسرة إلى الدولة، من التابو إلى الليبيدو، من العلم إلى الإيديولوجيا، من المستشفى إلى السجن، من العقل إلى الجنون، ومن المدرسة إلى الكنيسة.(1)
                السلطة إجمالا قائمة فى كل خطاب نقوم به حتى ولو كان يصدر من موقع خارج السلطة وهى لها آلياتها المتعددة.
                كان الحديث عن السلطة فى عصور ماضية لا يتم إلا عن طريق الرمز.. فيكون الخطاب على لسان الطير أو الحيوان أو يلجأ الكاتب إلى استخدام البلاغة. إن السلطة هنا تتعلق بالسياسة، لا تتعلق بمن يحكم بقدر تعلقها بكيف يحكم؟ (2)0
                هذا المفهوم تشير إليه روايات "الأسوار" و"إمام آخر الزمان" و"من أوراق أبى الطيب المتنبى" و"قاضى البهار ينزل البحر" و"الصهبة" و"قلعة الجبل" و"الخليج" و"المينا الشرقية".
                من الخطأ البالغ أن نقول إن العلاقة بين المصرى والسلطة سارت دائما فى خط واحد ثابت.. القهر من جانب السلطة والخنوع المطلق من جانب المصرى.. فقد حدثت على مدار التاريخ عدة ثورات شعبية فى مواجهة السلطة الغاشمة..
                أعلن الإمام فى "إمام آخر الزمان" أن الإمامة منصب إلهى كالنبوة، فالأئمة عليهم نفس مسئوليات الأنبياء، وإن كان لا يوحى إليهم.. محمد جبريل يرصد بذكاء فكر الإمام الطاغية، فهو يصادر كل صوت سيعلو بالرفض لسياسته بأن هذه السياسة هى إلهام من عند الله فلا يحق للمسلم رفضه أو حتى مناقشته!.. تطلع الشعب إلى ظهور الإمام الحق "المهدى المنتظر" فكان أول ما فعله هو القضاء على المباذل "أغلقت دور السينما والملاهى الليلية أبوابها.. اقتصرت مواد الإذاعة والتليفزيون على البرامج الدينية والجادة وتلاوات القرآن الكريم.. أوقفت البنوك معاملاتها بالفائدة، ألغيت المدارس المختلطة، شجع على إنشاء الأسبلة والكتاتيب والمساجد.. خصص للعده يومين كل أسبوع فى مجلس عام.." هكذا كانت البداية وهى فى الغالب هكذا.. فإذا أمعنا النظر وجدنا أن بذور السلطة والتفرد بالحكم بادية لكل لبيب.. فهو الذي يقرر بالإغلاق وتحويل مسار البرامج.. التوجه للدعاية الدينية للنظام.. أى اصطباغ النظام بصيغة دينية واضحة. إعادة نظام قديم للتعليم أمام غلق المدارس المختلطة إيذانا بأن على المرأة أن تختفى ويتراجع دورها فى صنع المجتمع، ومن ثم لم نفاجأ بأنه يعيد النساء إلى بيوتهن وإلزامهن بالتزيى بالزى الإسلامى.. وفى خطوة أخرى للتفرد بالسلطة وإحكام قبضة النظام على مقاليد الأمور "اتخذ رجال أمن الإمام أماكنهم بين المصلين، فلا يصلون ولا يغادرون المسجد إلا وهو يغلق أبوابه.." فقد صار الوطن سجنا كبيرا للجميع. سلطة كهذه نجدها تهمل شئون الناس وأمور حياتهم.. يتفاقم الوضع على قسوة الحاكم الذى يهدد شعبه بالتنكيل والقتل لكل من يفكر فى المقاومة.. ورغم ذلك ترددت الألسنة وتساءل الناس: لماذا لا نقاوم؟!
                يدين محمد جبريل أصحاب الرأى الذين يكتفون بالمناقشة ومتابعة أفعال الإمام بالاستهجان والاستنكار.. ولكن لا يتحول الموقف إلى فعل إيجابى ممثلا فى الثورة.. فهم ينتظرون أن يأتى إمام جديد بالحل.. ثم ترجع ريما لعادتها القديمة.. فيعم الفساد والمظالم.
                ظهرت فكرة جماعية القيادة التى طالب بها صفوة العلماء والفقهاء المفكرين.. لم تحظ بقبول..
                -أية جماعية وأية قيادة؟ النبوة ليست بالشورى.. فلماذا نطلب ذلك فى الإمامة، لقد أعطونى طاعتهم حين أعطونى إيمانهم بى.
                انتقل الإمام من خلوته إلى قهوة السيالة.. مكانا شعبيا يلتقى فيه بعامة الناس.. لا يتحدث عن الدين والآخرة –فقط- بل يتحدث عن حياة الناس ومعاشهم.
                ولكن هذا الرجل الذى أمل الناس فى إمامته يقتل ذات يوم.. ليظل السؤال قائما. هل لابد من الفرد الذى يقود الجماعة؟! ولماذا لا يحكم الناس أنفسهم؟!
                يظل الشعب يعانى وتبدأ الثورة بالهمس.. ثم تعلو النبرة، ليعلو صوت الثورة هادرا فى كافة العواصم العربية والإسلامية، لقد دفع الحفناوى حياته ثمنا لتحرك الناس نحو حريتهم، كان موته هو المحرك الأول لتأخذ الجماعة المبادرة وتتحرك لاختيار من يقودها بينهم.
                فى رواية قلعة الجبل تأخذ الجماعة دورها فى الوقوف ضد بطش وقهر السلطان خليل الحاج أحمد.. فالسلطان الذى اختلف النص فى الحديث عنه.. وتعددت الأصوات، وإن ظل الكاتب متعاطفا مع عائشة القفاص، متحدثا عن قضيتها بنوع من التعاطف الذى جمع أهل حدرة الحنة والمناطق المحيطة بها لتقف فى ثورة عارمة أمام بطش السلطان.. ما الحكاية إذن؟
                -تعجب السلطان من امرأة مصرية من عامة الشعب.. يشرد زوجها أو يتخلص منه ومن والدها وخالها وكل من يتعاطف مع عائشة.. تبدو المسألة أنها خلافات بين الرواة فيما ذكروه فى شأن السلطان وحكايته مع عائشة.
                "فاعلم أن السلطان خليل بن الحاج أحمد كان متدينا وعالما وفاضلا، عنى برفع التهارج، ورد الثوابت، وقمع المظالم ونصرة المظلوم وقطع الخصومات والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.. وكان له فى عقاب المفسدين اختراعات مهلكات وإن استمد أحكامه من مصادر التشريع الإسلامى..
                هل يختلف السلطان خليل عن أى إمام ورع صالح.. غير أن حقيقة الأمر تضعنا أمام صورة أخرى رسمها الكاتب لهذا الرجل.. فقهره لم يعلن عنه مباشرة.. فقد استخدم سلطته فى اجتذاب عائشة للصعود إلى القلعة.. ثم التأثير على زوجها خالد عمار.. ووالدها.. فشلت المحاولة.. فكان البطش.. والتخلص من الخصوم بتلفيق التهم.. والتفنن فى العقاب الرادع!
                لم يقف الأمر عند أهل عائشة بل امتد إلى كل شخص حاول أن يقف بجوارها أو لجأت إليه.. بدأ القمع بأناس عاديين واتجه إلى رموز فى السلطة ذاتها.. الخليفة لفقت له تهمة الخيانة، تحدث السلطان عن رسائل بعث بها الخليفة إلى أمراء البلاد يدعوهم فيها إلى مخالفة السلطان.. ثم تخلص من زوجته الأولى.. خرج الناس فى الأسواق والشوارع والعطوف ومضوا إلى قلعة الجبل، تجمعوا حول القلعة يدعون ويطالبون بعودة عائشة ونزولها من القلعة..
                استجاب السلطان لثورة الشعب، عادت عائشة إلى منزلها فى حدرة الحنة، وفتح التجار حوانيتهم، وفتحت أبواب جامع الأزهر.. سكنت الفتنة..
                إن المهادنة هى الطريق الذى سلكه السلطان خليل أمام ثورة الشعب.. لقد أوهم الرعية بأنه يستجيب لطلبهم.. تقرب إليهم.. خرج إليهم حيث كانوا.. يسأل عن أحوالهم ومعاشهم.. يتفقد المساجد ودور العلم ويتأمل بعناية تسوية الشوارع ونظافتها.
                أختلف مع د.ماهر شفيق فريد فيما وصل إليه من أن هناك صوتين متجاورين فى رسم شخصية السلطان.. وقد أدى هذا إلى التباس القارئ.. والحقيقة أن القارئ مع مضيه فى قراءة الرواية سوف يكتشف بل يرسم صورة صادقة للسلطان خليل، وهى الصورة التى أرادها محمد جبريل وبث ملامحها، وهى صورة الحاكم الطاغية، فما صوت الراوى أو المؤرخ الرسمى إلا تأكيدا على تلك الملامح التى رسمها جبريل لهذا الحاكم الطاغية. فيقول الراوى "أشفقت على سيرته من تشويه الموتورين لها، ومؤاخذتهم المعيبة عليها، وإلباسها ثوب الفجاجة.. فبدا الكذب حقيقة" فسيرة الرجل بداية مليئة بالمظالم والأخطاء، وما كان على الراوى أو المؤرخ الرسمى إلا أن ينفى هذه الصورة. إن وظيفته تشير إلى وظيفة وسائل الإعلام التى تقوم بتجميل صور الحكام الطغاة.. فتقدمهم فى صورة مخالفة لما يعرفه الناس عنهم.
                يصف إريك نبتلى الكاتب –أى كاتب- بأنه "متسائل، منشق، خارجى،متحرر، صانع للمشكلات فى حرب على زمنه، مأخوذ بذلك دائما، يقف إلى جانب الأفضل فى عصره، مساعدا إياه على فهم ذاته.
                ويقول جبريل: "إن لى موقفا –أتصوره واضحا- من القضايا الإنسانية والاجتماعية، وهذا الموقف يبين ن نفسه فى أكثر من عمل قصصى وروائى، ثمة وشيجة تربط روايتى "الأسوار" مثلا بقضية التحقيق برواية "قاضى البهار ينزل البحر"، ربما تناولت الفكرة نفسها، الموضوع ذاته فى أكثر من عمل."
                يحمل إبداع محمد جبريل ملامح المفكر القلق الذى يبحث دوما عن كل ما هو حقيقى وإنسانى فى هذا العالم، وهذه التيمة التى تفرض نفسها فرضا، فالأدب مهما اختلف النقاد فى تعريفه، هو إفراز فنى للأفكار التى تعتمل داخل أحشاء المجتمع المعاصر"! (3)
                فى روايته "الأسوار".. يفتدى البطل الملقب بالأستاذ هؤلاء المعتقلين والذين نسيتهم السلطة، أو تناستهم التعبير الأدق. فالأسوار من بعيد –مدينة أسطورية.. كل ما بداخلها معزول عن العالم الخارجى، أبراج الحراسة من الأركان الأربعة، الممنوعات –ما عدا التقاط الأنفاس، تشمل كل شئ: الأفلام، والأوراق والصحف والراديو والمناقشات. فهى بقعة فى جزيرة رملية يحدها.. الأفق.. لا خطوط تليفون ولا قضبان قطارات ولا طرق رملية.
                الأستاذ هو رجل انغمس بالتطورات السياسية فى بلده.. وهو يتمتع بذات مناضلة تحيا واقع الجماعة وتخلص لقضاياها.. أحبه الجميع على اختلاف مشاربهم السياسية فمنهم الوفدى والسعدى والإخوانى والشيوعى، والنشال والقواد وطالب الثأر والقاتل وبائع المخدرات".(4)
                فى المعتقل ثمة مواجهة مباشرة للسلطة وآليات قهرها يتعرض لها كل المعتقلين.. قامت الثورة وأسفرت عن إرسال تلغرافين للحكومة لم يرض الأستاذ ولا الجماعة بتحسن الأوضاع، فالحرية لا تتجزأ (5)
                شعرت إدارة المعتقل/ السلطة بأن هناك عقلا مدبراً يقود المعتقلين، عملت على التخلص منه، جندت العملاء من ذوى النفوس الضعيفة.. وجدوا فى حلمى عزت ضالتهم المنشودة، هددوه بافتضاح أمره.. نقل حلمى عزت الفكرة إلى الجماعة "بدت الفكرة اقتراحا مجنونا فى بادئ الأمر، لكن الليل البارد والأسوار والصحراء التى لا يحدها الأفق ولدغات العقارب والعذاب والغربة والحراس والوحشة والشوق والملل، ذلك كله جعل من الاقتراح المجنون –فى أقل من يوم- حلا مقبولا".(6)
                إن القائد هنا هو واحد من الجماعة.. قدم نفسه فداء لأفكاره ومعتقداته، إنه يعلم بالمؤامرة منذ البداية، فقد دبر أمر الأوراق التى طويت على اسم واحد هو اسمه.. كان على الأستاذ منذ البداية أن يبث الوعى فى نفوس المعتقلين بأهمية الثورة.. والإعلان عن رفض واقعهم المهين داخل المعتقل.. ضحى الأستاذ بنفسه فى سبيل تحقيق مبادئه بالدفاع عن المظلومين حتى لو كانوا من القتلة والقوادين وتجار المخدرات.
                إن المواجهة مع السلطة كانت شرسة وعنيدة دفع ثمنها المعتقلون، فإحرق الأستاذ المحرك الفعلى لهم فى مناهضة الظلم والقهر، وكان دافعا لهم لمواصلة النضال ورفضهم الاستسلام لإدارة المعتقل.. سمع صوتهم لأول مرة فكان انتصارهم وهزيمة السلطة أمام عزمهم.. إن الإشارات الدالة التى بثها محمد جبريل فى نسيج روايته وعلى لسان أبطاله، وعبر اقتباسات متعددة تؤكد على قيمة الفداء والتضحية وهى صلب علاقة المثقف بجماعته ومجتمعه.. "ألا تعلمون أنه خير لكم أن يموت رجل واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها" (يوحنا 11/50).
                كانت العلاقة بين السلطة والمثقف علاقة يشوبها –دائما- التوتر، بدأت السلطة تعى مع العقد الثالث من القرن العشرين دور المثقف فى المجتمع، يكفى أن نشير إلى ترسانة هائلة من التشريعات المقيدة للحريات مثل قوانين المطبوعات، التشريعات المقيدة لحقوق الاجتماع والتجمهر والتظاهر، بل وتقييد التقاضى أحيانا واستحداث أنواع من القضاء الاستثنائى، بالإضافة إلى اللجوء –بصفة شبه مستمرة- إلى قوانين الطوارئ والأحكام العرفية".(7)
                إذا كان الحال هكذا مع المثقف، هل ينتمى محمد إبراهيم مصطفى العطار إلى "قافلة المثقفين الذين عانوا من صلف السلطة، أمثال: على عبد الرازق وبيرم التونسى وسيد قطب وشهدى عطية.. ومجموعة المثقفين التى تم اعتقالها فى خريف1980.. بالطبع لا.. "فقاضى البهار" إنسان بسيط يعمل فى إدارة التخليص الجمركى لا يتعاطى السياسة وليس له أى نشاطات سياسية من أى نوع!.. فلماذا تطارده السلطة؟ وتوجه إليه التهم وحين تفشل فى إثبات تلك التهم تدس عليه "بقلوظة" الراقصة لتلفق له التهم وتراقب جيرانه وأصدقاءه وتسأل عن جميع من يحيطون به فى هجمة شرسة لتبحث عما يشينه ويدينه".( 8 ).
                تتكدس التقارير ونتائج الملاحقات، وتقوم أجهزة الشرطة بمطاردة كل من له صلة بقاضى البهار سواء فى الماضى أم الحاضر، فهل وجدت السلطة فى صمت أو لنقل تجاهل الإنسان المصرى العادى حيال آليات قهرها وملاحقتها للفرد فى صور شتى من العنف والاضطهاد نوعا من المقاومة؟ هل انتهت السلطة من ملاحقة كل من له نشاط سياسى وقهره بزجه داخل السجون والمعتقلات فلم تجد أمامها إلا الإنسان البسيط المهموم بلقمة عيشه تكيل له كل الاتهامات وتوقع به فى حبائلها..
                كان لقاضى البهار سمعة طيبة بين جيرانه وأهله، هل حنق أجهزة الأمن ضده جاء من حرصه على اقتناء الكتب السياسية والدينية والتاريخية، فقد تحسبت أن يقوم بدور ما.. أليس فى نظرها مثقفاً؟!
                الحقيقة أن سيرة محمد قاضى البهار لا تشى بالمرة بوجود ما يعكر صفو العلاقة بينه وبين السلطة التى بطشت به وبأسرته ومعارفه وجيرانه.. تحولت حياة قاضى البهار بسبب ملاحقة أجهزة الأمن له إلى جحيم لا يطاق!
                تنتهى الرواية بلغز اختفاء قاضى البهار.. لا يعنى الاختفاء الموت.. هل اختفاء محمد قاضى البهار يساوى اختفاء الإمام المنتظر إلى حين ظهوره؟ هل كان اختفاء قاضى البهار احتجاجا على كل هذا العنت ممثلا فى المطاردات وإدانة أجهزة الأمن للأبرياء أو المعارضين لها؟
                إذا كان قاضى البهار لم يشعر بالدهشة لما يعانيه من مضايقات أجهزة الأمن له ولكل المقربين إليه.. فإن عادل مهدى يفاجأ باعتراف مساعد فى مباحث أمن الدولة أنه راقب الندوة لمدة ثلاث سنوات.. هذا ما حدث الضبط فى رواية "المينا الشرقية" التى تتناول خفايا الحياة الثقافية عبر الحديث عن ندوة أدبية يعانى من يتردد عليها من مشكلات متعددة، حيث تتشابك العلاقات وتتعقد فيما بينهم وبين أفراد المجتمع.
                كان السؤال الهاجس الذى ظل يردده عادل مهدى.. ما دخل الندوة بالمباحث؟ وماذا فيها لتراقب؟ عانى عادل مهدى من الإحساس بالخوف، ظل يبحث عن هوية هذا المجهول الذى ظل سنوات ينقل التقارير عما يدور فى الندوة، وهل كانت التقارير صادقة، أم أضاف إليها.. من هذا "الشبح الذى ظل يرصد الكلمات والأفعال والإيماءات، لقد زرع الشك داخل نفس الرجل، فشرع فى تمزيق أوراقه وصوره.. وأجندة التليفونات!
                لم تبطش السلطة/المباحث بالندوة، وإن ظل الهاجس قائما، من يكون المدسوس عليها؟
                -إن ما قاله الرجل عمل روتينى.. فهذه مهمة المباحث أنها تراقب الكلمة والنص، فعلاقة السلطة بالكلام وثيقة جدا، ولذلك كانت السلطة تسعى دوما إلى حماية الكلمة بشتى الطرق، وفرض السكوت إما بالقمع المادى الذى يكشف عن عجز هذا الخطاب على التلاؤم مع النص.. ومن ثم تأتى المراقبة والعرقلة والمصادرة، والحبس وترديد مفهومات مضادة لخطاب النص تقوم بعملية التشويش والتضليل!(9)
                هل كان ما تعرض له محمد الأبيض من معاناة سببا فى تعاونه مع أجهزة الأمن؟
                -"تقدم الرجلان، ثنيا ذراعيه وراء ظهره، وسدد الثالث الواقف أمامه لكمات متوالية فى بطنه.. علق قدميه فى حبل مبروم متدل من السقف ورأسه فى أسفل.. توالت الضربات على القدمين المعلقتين. لم يشعر محمد الأبيض باليأس ولم يعن بتلك الممارسات وألوان التعذيب كى يعترف على جريمة لم يرتكبها..
                -أعترف محمد الأبيض لعادل بأن القراءة وراء عدم شعوره باليأس حتى عندما منعوه من القراءة.. "كنت أستعيد ما أحفظه من قصائد وكنت أغنى أحيانا"!
                ظل محمد الأبيض مطاردا.. يشعر بهذه المطاردة.. فكل تصرف مرصود.. هل يرصد تحركات كل من يعرفه.. هل كان محمد الأبيض الشخص الذى جاءوا بسببه إلى الندوة؟
                اعترف محمد الأبيض أن الحادثة القديمة تشكل جثة هامدة يجرها.. "عاد محمد الأبيض إلى المينا الشرقية، والندوة والعمل والبيت، لكنه لم يعد إلى الحياة، حياته"!(10)
                تظل للسلطة هيمنتها على حياة من اصطدم بها.. وعانى من آلياتها المتفننة فى الاستجواب والتحقيق والتعذيب.. فالإنسان قبل الملاحقة ومواجهة السلطة وقهرها يختلف حتى بعد مواجهتها.. يظل هناك شئ ما انكسر فى نفس هذا الإنسان الذى يحاول جاهدا لملمة شتات نفسه وخاصة إذا كان بريئا لا يعرف ما ارتكب من تهم أو جرائم.. لكن السلطة أبدا لا تعترف بخطئها وعجزها.. تظل تلاحقه إلى أن يعترف بما تريد له أن يعترف به.
                فى نهاية رواية "المينا الشرقية" يوصى عادل مهدى أمه بنفسها.. ثم ينزل إلى هؤلاء الذين سألوا عنه منذ ساعتين! عادل هو واحد ممن تعرضوا لاضطهاد السلطة أيا كانت هذه السلطة، فهو يقف بجوار الأستاذ وبكر رضوان فى "الأسوار" ومحمد الأبيض فى "المينا الشرقية" وعائشة القفاص وخالد عمار زوجها فى "قلعة الجبل"، وقاضى البهار فى "قاضى البهار ينزل البحر".
                هوامش:
                1- راجع بارت
                2- راجع عمر أوكان.. مدخل لدراسة النص والسلطة.. الناشر أفريقيا الشرق
                3- د.نبيل راغب، مصر فى قصص كتابها المعاصرين، كتاب أصوات العدد24 إعداد د.حسين على محمد
                4- رواية الأسوار
                5- من حديث إذاعى أجرى مع الكاتب 15/1/1974
                6- رواية الأسوار
                7- راجع على فهمى، المصرى والسلطة، مجلة فكر فبراير 1985
                8- د.حسين على محمد، صورة البطل المطارد فى روايات محمد جبريل، دار الوفاء ـ 1999.
                9- راجع جولد شيلفر، نحو سيمياء الخطاب السلطوى، ترجمة مصطفى كمال، العدد الخامس، السنة الثانية، دار البيضاء 1987
                10- رواية المينا الشرقية.

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #38
                  النقد "الأكاديمي"..هل رفع الراية البيضاء؟!
                  د. شفيع: الكتب تهتم بالدراسات الجادة
                  د. أبو أحمد: المجلات يقرأها كتابها
                  جاهين: البصيرة الجمالية.. القيمة الأولي
                  د. بسطاويسي: نحتاج كل الاجتهادات

                  حوار: د. زينب العسال

                  الاتهام الذي يواجه نقدنا الأدبي الحديث هي غلبة الكتابات الصحفية عليه. بينما النقد الأكاديمي يشحب. ويخف صوته. بدليل اختفاء العديد من المجلات الثقافية المتخصصة. واكتفاء الصحف والدوريات بما يسمي التعريف النقدي. وهي كتابات تعرض مادة الكتاب دون أن تحاول مناقشته وتحليله.
                  في تقدير يوسف الشاروني أن النقدين مكملين لبعضهما من زمن طويل. الأكاديمي للخاصة وغالباً ما يكون منشوراً في كتب ومراجع. وقد يتوخي الغموض بواسطة بعض المتقعرين من النقاد. وهذا النقد له قراؤه. أما النقد الصحفي فهو مبسط لعامة المهتمين وبخاصة أنه ليس لدينا طرق فكرة عن طلاق الإعلان عن النشر الذي يساهم في ترويج الكتاب والتعرف به. إذا لم يكتب عن الكتاب في هذين النوعين من النقد فستضيع الكتب الجديدة. لا يوجد لدينا طريقة لترويج الكتب الجديدة إلا في مجلة "عالم الكتاب" وهي- للأسف- غير متداولة لأن الصحافة تشجع النقد المختصر وأنا- أحياناً- أكتب ملخصاً وتعريفاً بسيطاً لصحيفة أدبية. أما المقال الموسع فينشر في مجلة شهرية وكما أقول فإن النقدين وجهان للتعامل مع الكتب ويجب ألا ننسي المتابعات علي النت وهي طريقة جديدة في التعريف بالكتب ولها متابعون وجمهور خاص.
                  اختلافات
                  قد يبدو هذا صحيحاً- والكلام للدكتور شفيع السيد- لأن النقد الصحفي قد يبدو سريعاً في تتبع الأعمال الإبداعية فمع صدور الصحف يومياً أو أسبوعياً أو شهرياً فإنة علي الكاتب أن يملأ المكان المخصص له بكتابة النقد لكن النقد الأدبي الحقيقي يحتاج إلي وقت لإنضاج الأفكار. وإضاءة العمل بشكل صحيح وليس مجرد تقرير أو إضفاء المدح والثناء علي صاحبه النقد الأكاديمي يحتاج وقتاً بحكم أنه يتم في هدوء ويحتاج الي وقت للقراءة والتأمل وترتيب الأفكار إلخ أما النقد الصحفي فكما قلت سابقاً هو نقد سريع ويكون متعجلاً حين يخاطب الناس ويكون له صوت مسموع لأن جمهوره هم قراءة الجريدة والمجلات الأدبية الحقيقية كان لها مجالها وقراؤها ولأسباب كثيرة أغلقت هذه المجلات مثل إبداع التي لا تثبت كثيرا فهي تصدر في أوقات معينة ثم تتوقف ثم تعود إلي الظهور وهكذا لهذه المجلة قراؤها ونقادها لكن النقد الأكاديمي يظهر في شكل كتب أو أبحاث أو دراسات ويتولاه أساتذة في النقد الأدبي بينما الكتابات النقدية الصحفية يقوم بها من ليسوا مؤهلين في النقد الأدبي. صحيح أن هناك من لديهم الدربة علي التصدي لمثل هذه الكتابات لكن ليس كل الصحفيين- للأسف- لديهم مثل هذه الدربة أو الخبرة.
                  ويري د. حامد أبو الحمد أنه يمكن القول نعم ولا أما نعم فلأن النقد الأكاديمي لم يعد له وجود علي الساحة الصحفية الأكثر انتشاراً والمتاحة للناس فالناقد الأكاديمي فيها غير موجود. بالإضافة إلي ان معظم المجلات أغلقت فلا توجد مجلات تتواصل مع الجمهور والمجلات الموجودة لا يقرأها إلا من يكتبون فيها لكن الموجود علي مستوي التحقيق الفعلي في الساحة النقدية ككتب يصدرها الأساتذة الجامعيون فضلاً عن رسائل الدكتوراه التي تطرح قضايا كثيرة. أو تتناول شخصيات أو ظواهر أدبية بعينها وعلي مستوي المؤتمرات والفعاليات الثقافية وبعض المجلات المتخصصة مثل مجلات كلية دار العلوم ووفكر وإبداع التي أسسها د. حسن البنداري من هذه الناحية فإن النقد الأكاديمي موجود لكن جمهوره محدود جداً. لأنه يشمل المهتمين بالثقافة والأنواع الأدبية من قصة ورواية وشعر ومسرح وغيرها نحن في حالة أزمة كبيرة في الثقافة تنعكس علي كل شيء والسبب هو أن الصحافة لم تعد تسهم بالثقافة علي الإطلاق والصفحات الثقافية مجرد صفحات إخبارية فهي لا تقدم دراسات أدبية أو نقداً لدينا مجلة أسبوعية واحدة. أو جريدة أسبوعية واحدة. معظم المثقفين لا يتعاملون معها ولا يشترونها وكأنها غير موجودة لذلك فهي توزع نسخاً قليلة جداً في مصر لأنها جريدة موجهة ولا تخدم الثقافة المصرية وثمة مجلة إبداع التي تصدر كل ثلاثة أشهر. وتعاني إخراجاً فنياً سيئاً وإذا أردت قراءة موضوع حتي لو كنت أنت كاتبه فسيشق عليك ذلك ليس المطلوب من المجلة أيه مجلة أن تكون مجرد كشكول وكنت أكتب في جريدة "القاهرة" لكنني اصطدمت بشرط المقاس المساحة التي ينبغي عدم تجاوزها فأقلعت عن الكتابة في الصحف واتجهت إلي تأليف الكتب فهي الأبقي إلي جانب أنه لم يعد مهماً أن يحمل ما نكتبه أفكاراً تؤثر- أو لا تؤثر في هذا الشخص أو ذاك.
                  أفكار متوارثة
                  ويختلف الشاعر بهاء جاهين في تقسيم النقد إلي أكاديمي وصحفي هناك- في رأيه- نقد جيد وآخر أعمي. الأعمي- بالنسبة للنقد الأكاديمي- عبارة عن أفكار متوارثة في الأدبيات الجامعية ومصطلحات يمكن تطبيقها. لكن يفتقر الناقد الذي يطبقها الي الحس الجمالي والبصيرة الجمالية. وحين يفتقد الناقد للبصيرة الجمالية فهو يقدم نقداً لا قيمة له أهمية النقد أن يلفت القارئ إلي مواطن الجمال. هذا ما يعطي النقد وجاهته وقيمته ووظيفته. أو يصبح تطبيقات نظرية. أو تطبيلاً لشخص معين. أو تهميشاً لشخص آخر. كل هذا بلا قيمة إذا كان الناقد يريد أن يحصل علي الدكتوراه. أو يكتب عاموداً في جريدة أو يطبل لهذا وينهش في ذاك.
                  ويلاحظ الروائي مجيد طوبيا أن النقد السريع يجد مكانه للنشر في الصحف أما النقد الأكاديمي فيحتاج الي مجلة محترمة أو أكاديمية ولابد من الانتظار فترة حتي تصدر المجلة فقد تكون شهرية أو فصلية لذلك فإن علي الناقد الأكاديمي أن ينتظر قرابة الأشهر الثلاثة حتي تنشر مقالته أو دراسته أما النشر العادي فهو كثير ويقوم بتعريف القارئ علي العمل بسرعة ويسر وهو مفيد أيضا وعلي الناقد الأكاديمي أن يعلم بأن إمكانية النشر لديه محدودة. وهكذا كل واحد وما يحب!
                  ويري د. رمضان بسطاويسي أن النقد الأكاديمي يمارس دوره التأسيسي ودوره العلمي عندما يستخدم لغة خاصة ذات قواعد محددة وتوثيق علمي بينما النقد الصحفي لابد أن يكون سهلاً ومرناً وقادراً علي توصيل الفكر بشكل سريع. أريد أن أقول إن النقاد الأكاديمي انجذبوا للنقد الصحفي. وخسرناهم كنقاد أكاديميين يؤسسون لمشروع نقدي. وهي ظاهرة لافته لأي متابع. ويمكن أن نري المسألة من زاوية أخري فطه حسين والمازني والعقاد صنعوا موازنة للتقريب بين النقد الأكاديمي والنقد الصحفي ليرفعوا القارئ إلي لغة وممارسة نقدية لها دور في وعي القارئ والمفروض أن الناقد الأكاديمي يمارس النقد الثقافي أي تناول ظواهر المجتمع بالنقد والتحلي وإعادة صياغة الوعي لدي القارئ والإسهام في بناء الحياة السياسية والاجتماعية مما يوسع من مفهوم النقد الأدبي الذي لا يعني إلا النصوص أي المساهمات الإنسانية التي تؤثر في حياة الناس أما اقتصار دور الناقد علي النصوص الأدبية فهو نوع من ممارسة السلطة أو ممارسة الرقابة عليها أو محاكمتها يجب تصحيح وظيفة الناقد ليكتب نقداً ثقافياً يمارسه علي الظواهر الاجتماعية والسياسية والثقافية يصبح الأدب متصلاً بالحياة وليس منعزلاً عنها من الممكن أن يكتب نقادنا الأكاديميون في الصحافة ويحدثوا نهضة ثقافية حضارية كان طه حسين يمارس نقده السياسي والاجتماعي وكذلك لطفي السيد. وغيرهما كان لديهم مفهوم واسع لوظيفة النقد. ومعظم ما كتبه العقاد كان منشوراً في الصحف وهذا الأمر يرجع لفعالية الناقد أنا أري أن التفرقة بين النقدين خطأ. وعلي نقادنا الكبار الكتابة في النقد الثقافي هذا أمر نحن في حاجة إليه بحيث يكون دور نقادنا المحدثين مد جسر للتواصل مع ما بدأه الرواد في حياتنا الثقافية.
                  .......................................

                  *المساء ـ في 6/3/2010م.

                  تعليق

                  يعمل...
                  X