فاروق شوشة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #16
    (13) صديقي منصور الرحباني‏(1)‏

    بقلم : فاروق شوشة
    .....................

    رأيته لاول مرة في مناسبة احتفال لبنان بالذكري الخمسين لرحيل شاعره الكبير الياس أبو شبكة عام‏1997.‏ كان الحفل في قرية الشاعر زوق مكايل بعيدا عن بيروت في مكان يطل علي بيته وبيت محبوبته ليلي التي خلدها في شعره‏.‏ الحفل تحت رعاية رئيس الجمهورية حينذاك الياس الهراوي ويشارك فيه خمسة من الشعراء‏:‏ سعيد عقل من لبنان‏,‏ وسليمان العيسي من سوريا‏,‏ وعبدالوهاب البياتي من العراق‏,‏ ومحمد الفيتوري من ليبيا والسودان‏,‏ وفاروق شوشة من مصر‏,‏ وأدهشنا ان سعيد عقل أبي أن يحيي رئيس الدولة لخلاف بينهما في الرأي والموقف بالرغم من أنهما ينتميان إلي بلدة واحدة هي زحلة‏.‏ بين الجمهور الحاشد كان وجه منصور الرحباني يطل علي المشهد كله ويتابع قصائد الشعراء من أعلي مكان في القاعة الشاسعة‏,‏ وكأنه واحد من آلهة الاولمب ـ فيالأساطير اليونانية ـ يتأمل مخلوقات العالم الارضي‏,‏ وملامح وجهه تضطرم فيها عواصف من الشجن والانفعال وحميا المشاركة‏.‏ كان واضحا ان المشهد الشعري يهزه من الاعماق ويحرك شاعريته وهو يشارك بالتحديق والتحليق‏.‏
    في اليوم التالي كنا بصحبته أنا والفيتوري والشاعر اللبناني هنري زغيب في زيارة للشاعر عبدالله الأخطل ـ ابن الاخطل الصغير بشارة الخوري ـ وزوج شقيقة منصور وعاصي الرحباني‏,‏ وكانت ليلة من ليالي الشعر التي لاتنسي‏,‏ أتاحت لي أن أقترب أكثر من منصور الرحباني الانسان والفنان المبدع المتألق الحضور‏.‏
    وبعد عدة سنوات كنت أحمل ـ في احدي زياراتي إلي لبنان للمشاركة في مهرجان ربيع زحلة ـ دعوة من الدكتور ممدوح البلتاجي وزير الاعلام ـ وقتها ـ إلي منصور الرحباني لتكريمه في مهرجان القاهرة للأغنية في دورته الاولي‏,‏ وحين سلمت الدعوة لمنصور بكي وقال في تأثر‏:‏ كيف يتم تكريمي وعاصي غائب ليس معي؟ مشيرا إلي رحيل أخيه عاصي عام‏1986‏ ـ وكيف أجيء إلي القاهرة دون ان يكون معي عمل فني جديد يليق بها وبشعبها وبتاريخها في الفن؟ اشكر لي وزيركم المثقف واعتذر له نيابة عني‏.‏ لكنه جاء إلي القاهرة بعد ذلك بسنوات ليعرض علي المسرح الكبير بالأوبرا مسرحيته الغنائية آخر أيام سقراط واستضفته في البرنامج التليفزيوني الأمسية الثقافية ومعه ابناه‏:‏ أسامة وغدي‏,‏ وكان اللقاء حارا وحافلا‏,‏ وظل هو محتفظا بالسر الذي جمع بينه وبين أخيه عاصي‏:‏ أيهما الشاعر وأيهما الملحن؟ والاجابة دائما كل منا شاعر وموسيقي‏,‏ يبدأ أحدنا الكلمات أو اللحن وينهي الأخر ما بدأه أخوه‏,‏ نذوب معا في العمل الفني المشترك ويصبح منسوبا للأخوين رحباني ثم أتيح لي أن أشهد مسرحيته الغنائية البديعة أبو الطيب المتنبي علي مسرح دمشق‏,‏
    وليلتها همس لي بأن في داخله مشروعا جديدا سيعمل علي عرضه في القاهرة‏,‏ مستعيدا ذكريات جميلة عن مسرحيته التي سبق عرضها فيها آخر أيام سقراط ومشيدا بما يتحلي به الجمهور القاهري من ذوق رفيع وحس فني مرهف‏,‏ ونضج في التلقي‏,‏ وقبل وفاته بأسابيع كان يخبرني هاتفيا بأن اتفاقه مع الأوبرا أوشك أن يتم‏,‏ وأنه سيجيء ومعه مسرحيته الجديدة‏,‏ وأرسل لي دواوينه الشعرية حتي نلتقي‏.‏ لكن القدر كان أسبق وفي خضم مذبحة غزة صعدت روح منصور‏.‏
    شكل عاصي ومنصور معا ـ علي مدي أكثر من خمسة وثلاثين عاما ـ عصر الاغنية اللبنانية وحمل صوت سفيرتهما فيروز ابداعات هذا العصر الرحباني إلي كل الدنيا‏,‏ وأصبحت هذه الصيغة الثلاثية النادرة حالة من الكلمات والأنغام والاداء الراقي التي لايمكن تكرارها في أي زمان ومكان‏,‏ ورددت الملايين في كل بقاع الوطن العربي‏,‏ وخارج حدوده‏,‏ كل ماتغنت به فيروز ـ من صنعهما ـ لزهرة المدائن ويافا وجسر العودة والشام ومصر وبغداد وشهر زاد وبيسان وسيد الهوي وزمان الحب ولقاء الامس والسمراء حلم المراعي‏,‏ وعصفورة الشجن وغيرها مئات من القصائد‏,‏ وجاءت فيروز إلي مصر ـ لاول مرة ـ مع الاخوين رحباني بدعوة من الاذاعة المصرية ـ في مستهل الستينيات ـ لتسجل عددا من الاغنيات والصور الغنائية في عهد مستشار الاذاعة العظيم الموسيقار محمد حسن الشجاعي‏,‏ وكان من ثمار هذه الرحلة قصيدة سوف أحيا التي أبدعها شاعر الاغنية المصرية الفذ مرسي جميل عزيز وشددت فيها فيروز من تلحين الرحبانية‏,‏ ثم جاءت مرة ثانية بعد نكسة‏1967‏ لتقدم حفلا موسيقيا أقيم في حديقة الأندلس‏,‏ وكان زوجها عاصي يقود الفرقة الموسيقية‏,
    ‏ وغنت فيروز قصيدة مصر التي كتبها ولحنها الرحبانيان تحية لمصر وشعبها العظيم‏.‏ وهو الحفل الذي يذيع التليفزيون المصري ـ بين الحين والحين ـ مشاهد منه لبعض ما شدت به فيروز وفي أغنيتها عن مصر يقول الرحبانيان‏:‏ مصر عادت شمسك الذهب‏/‏ تحمل الارض وتغترب‏/‏ كتب النيل علي شطه‏/‏ قصص بالحب تلتهب‏/‏ لك ماض مصر ان تذكري‏/‏ يحمل الحق وينتسب‏/‏ ولك الحاضر في عزه‏/‏ قبب تغوي بها قبب‏/‏ جئت يامصر وجاء معي‏/‏ تعب‏,‏ ان الهوي تعب‏.‏
    وفي ختامها يقول الرحبانيان‏:‏
    مصر ياشعبا جديد غد‏/‏ صوب وجه الشمس يغترب
    أنجز عاصي ومنصور بين عامي‏1957‏ و‏1984‏ أكثر من خمس وعشرين مسرحية غنائية‏,‏ أشهرها جسر القمر‏,‏ وبياع الخواتم‏,‏ وهالة والملك‏,‏ والشخص‏,‏ وصح النوم‏,‏ والمحطة وميس الريم‏,‏ وبترا وغيرها‏.‏ وبعد رحيل عاصي أنجز منصور اثنتي عشرة مسرحية أبرزها الوصية‏,‏ وآخر ايام سقراط‏,‏ وأبو الطيب المتبني‏,‏ وملوك الطوائف‏,‏ وحكم الرعيان‏,‏ وجبران والنبي‏,‏ وزنوبيا‏,‏ وعودة الفينيق التي رحل صاحبها وهي لاتزال معروضة علي مسرح كازينو لبنان بعد أن أفتتح بها مهرجان جبيل في الصيف الماضي‏.‏ رحل منصور عن ثلاثة وثمانين عاما بعد أن أصدر دواوينه الشعرية أسافر وحدي ملكا‏,‏ والقصور المائية‏,‏ وأنا الغريب الآخر وديوانه الوحيد بالمحكية اللبنانية بحار الشتي تاركا لنا ـ نحن أصدقاءه وقراءه من بعده ـ بصمته الشعرية المتميزة في ديوان الشعر اللبناني المعاصر‏,‏ وريادته في عالم الأغنية المكتوبة بالفصحي والعامية‏,‏ ودوره الكبير في المسرح الغنائي والحديث موصول‏.
    ..............................................
    *الأهرام ـ في 22/2/2009م.

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #17
      (14) منصور الرحباني شاعرا‏(2)‏

      بقلم : فاروق شوشة
      ......................

      في دواوين منصور الرحباني الأربعة‏:‏ أسافر وحدي ملكا‏,‏ وأنا الغريب الآخر‏,‏ والقصور المائية‏,‏ وبحار الشتي‏(‏ وهو الوحيد بالمحكية اللبنانية‏),‏ يتجلي تأثره بالمدرسة الرمزية‏,‏ التي رفع لواءها في لبنان الشاعر الكبير سعيد عقل امتدادا لتراث الرمزية الفرنسية‏,‏ كما تضج قصائده بأصوات تعبر عن بنية درامية‏,‏ وجدل فكري وفلسفي‏,‏ ذائبة في نسيج غنائي محكم‏,‏ تأثر فيه منصور وشقيقه الأكبر عاصي بما أنجزاه من قصائد بالعربية والمحكية اللبنانية حملها صوت سفيرتهما الغنائية إلي العالم‏:‏ فيروز‏.‏
      وبنشر هذه الدواوين الأربعة‏,‏ يفصح منصور عن الشاعر الحقيقي في صيغة الأخوين رحباني‏,‏ الذي قام بالنصيب الإبداعي الأكبر‏,‏ ولقد كانت إجابة الأخوين التي لا تتغير كلما سئلا عن أيهما الشاعر وأيهما الموسيقي‏,‏ أن يجيبا بصيغة لا تسمح بالاستنتاج‏..‏ أما الآن فقد وضح الأمر‏,‏ كلاهما شاعر وكلاهما ملحن وموسيقي‏,‏ لكن مساحة الشعر الأكبر عند منصور تقابلها مساحة التلحين الأكبر عند عاصي‏,‏ وبهما معا قامت نهضة باذخة في عالم الموسيقي والغناء حملها صوت فيروز باسم لبنان والعالم العربي إلي العالم‏.‏
      لابد من عودة إلي البدايات لفك أسرار هذا العالم الرحب لمنصور الرحباني الذي ولد عام‏1925‏ في بلده أنطلياس شمال بيروت‏,‏ لوالد فنان عازف بزق وصاحب ملهي ترعرعت فيه طفولة الشقيقين اللذين عاشا طفولة بائسة قرأنا سطورا عنها فيما نشره الشاعر اللبناني هنري زغيب في كتابه‏:‏ الأخوين رحباني طريق النحل علي لسان منصور‏:‏ تشردنا في منازل البؤس كثيرا‏,‏ سكنا بيوتا ليست ببيوت‏,‏ هذه هي طفولتنا‏,‏ بعد وفاة الوالد اضطررت مبكرا إلي خوض معترك الحياة الصعب‏,‏ فدخلت سلك بوليس بيروت العدلي في سن السابعة عشرة‏.‏
      تلقي منصور دروسه الموسيقية الأولي علي يد الأب بولس الأشقر‏,‏ فأتقن الموسيقي الشرقية والنوتة وأطلع علي المراجع النادرة فيها مثل كتاب كامل الخلعي ومؤلفات الكندي والفارابي والرسالة الشهابية في قواعد ألحان الموسيقي العربية‏..‏ وفي بيئة تزخر بالأعمال الموسيقية من عربية وتركية وبيزنطية وغربية اغترف عاصي ومنصور وتفاعلا‏,‏ من غير أن يقعا في التقليد‏.‏
      يقول منصور‏:‏ لم نذهب شرقا ولا غربا‏,‏ أعطينا الأخوين رحباني‏,‏ كنا نحن‏,‏ لا أحد يشبهنا أو نشبهه‏,‏ ودخلا معا الإذاعة اللبنانية عام‏1945,‏ ومنها إلي أسماع العالم كله بصيغة نغمية فريدة وثورة لحنية وموسيقية هي الأكبر في النصف الثاني من القرن العشرين علي امتداد الوطن العربي كله‏.‏
      وبعد رحيل عاصي‏,‏ ملأ منصور الساحة بمسرحياته الغنائية‏,‏ التي كشف فيها ـ منفردا ـ عن موهبته الشعرية والموسيقية‏,‏ عندما كتب ولحن ووضع موسيقي‏:‏ صيف‏840,‏ والوصية‏,‏ وأخر أيام سقراط‏,‏ والمتنبي‏,‏ وملوك الطوائف‏,‏ وحكم الرعيان‏,‏ وجبران والنبي‏,‏ وزنوبيا‏,‏ وعودة الفينيق‏.‏
      في ديوانه أنا الغريب الآخر‏,‏ يقول منصور الرحباني في قصيدته شمس الينابيع‏:‏ سكناي في مطالع القصائد‏/‏ شمس الينابيع أنا‏/‏ شعائر الصيف أنا‏/‏ وكلما تحطمت ريح علي بحر أنا‏/‏ لي في الهنيهات مجيء ولي انقضاء‏/‏ أحضر في التراب في الأعشاب في أجنحة الطير وفي الهواء‏/‏ أرحل في التراب في الأعشاب في أجنحة الطير وفي الهواء‏/‏ أنا هو التحولات والجذور والأعماق‏/‏ رأيت كل لحظة‏/‏ سمعت كل همسة‏/‏ سكنت في التعاطف الخفي بين الحزن والأوراق‏/‏ بين الطير والسفر‏/‏ سكنت بين الصمت والنعاس والقمر‏/‏ منذ متي؟‏/‏ منذ البدايات أنا صحوت‏/‏ يندهني الصوت‏/‏ ألبي الصوت‏/‏ توجهي الوجود‏/‏ في حيثما تندفع العناصر وامرأة تتبعني كالموت‏/‏ حتي الموت‏!‏
      الإيقاع السريع‏,‏ والنفس الشعري اللاهث‏,‏ والرسم الخاطف للصورة الشعرية واللحظة الوجودية‏,‏ هي جميعا بعض ملامح قصائد منصور الرحباني‏.‏
      يقول منصور‏:‏ العاشق مذهول‏/‏ يتفيأ شمس امرأة صارت وطنا‏/‏ واختار عبوديتها‏/‏ الحب يزيد المنفي‏/‏ من أجلك أحزن يا منصور‏/‏ يا وجه النحت الفرعوني‏/‏ مصلوب أنت علي شطآن العالم‏/‏ كل العالم‏.‏
      ويقول منصور‏:‏ بعدك من يرث الملك‏/‏ بعدك من يغزو مدن الغيب ويفتح أسوار المستقبل‏/‏ من يملأ فرحا أهراء الفقراء‏/‏ وفقيرا يمضي‏/‏ يا من توجت الوضعاء‏/‏ وجلست وحيدا‏/‏ يا مثالا يعبد تمثالا‏,‏ يا ينبوعا يستعطي قطرة ماء‏.‏
      ويقول منصور‏:‏ قتلوني الليلة يا امرأة تسكن في قلبي‏/‏ مسحوا بالزيت حناجرهم ثم اقتسموا فرح السلب‏.‏
      وأخيرا يقول‏:‏ إليك يا من تسكنين‏/‏ في الهاتف الليلي في الرنين‏/‏ هذي الكتابات وفي هذا الشوق والحنين‏/‏ تساقط الزمان في أثوابنا‏/‏ صرنا الينابيع وعشب الأرض‏/‏ صرنا العمر والسنين‏.‏
      هذا شعر من شأنه ـ بعد أن تمم نشره في دواوين ـ أن يشعل جذوة الشعرية العربية‏,‏ وأن يملأ نفوسنا ثقة في مستقبل الإبداع الشعري‏..‏ هذه خميرة شعرية فذة من شأنها أن تنضج أصواتا شعرية متميزة ومغايرة‏,‏ وأن تشق دروبا جديدة تأخذ بالأيدي للخروج من نفق الرتابة والتكرار إلي فضاء الحرية والمغامرة والتجريب‏.‏
      وهذا هو درس الرحبانية في الشعر والموسيقي والغناء معا‏,‏ نذكره ونتأمله ونحن في وداع منصور الرحباني‏,‏ القامة السامقة والضلع الثاني من أضلاع مثلث الرحبانية العظيم‏.‏
      ...........................................
      *الأهرام ـ في 1/3/2009م.

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #18
        (15) محمود القيعي وثقافة الحوار

        بقلم : فاروق شوشة
        .....................

        هذا كتاب يكتنز بالوعي العميق والخبرة الواسعة والرؤي الكاشفة لكاتب يغمس قلمه في هموم وطنه واشواق روحه‏,‏ مستشرفا آفاقا جديدة تشرق فيها شمس الاستنارة‏,‏ وتغيب ظلمات الجهل وأفاعي الفساد‏,‏ وتنطلق ثقافة الحوار التي لم تترسخ لدينا بعد
        الكتاب عنوانه ثقافة الحوار للكاتب والمفكر محمود القيعي ـ المدير السابق في منظمة اليونسكو بباريس ـ صادر عن مركز الحضارة العربية‏.‏ يتناول في فصوله قضايا لاتزال مطروحة علي الساحة مثل‏:‏ الديمقراطية والانتماء واللغة العربية وحرية الرأي والتعبير ودور المثقفين‏,‏ وكلها ـ كما يقول المؤلف ـ مسائل مجتمعية معقدة تتسع للمزيد من الابداع والاجتهاد‏,‏ وهو يختار هذا العنوان لكتابه من منطلق معايشته طيلة سنوات طويلة من الدراسة والعمل بالخارج مايموج به المجتمع الغربي من حركة دافقة وتنوع في الاداء والافكار وحرية في التعبير يقول في تقديمه لكتابه‏:‏ فمن خلال متابعتي للحياة العامة عبر وسائل الاعلام‏,‏ ومعايشتي للاحداث المتتالية والتطورات السياسية والثقافية المتعاقبة في اطار الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني وغيرها‏,‏ ادركت قيمة ثقافة الحوار ومدي تغلغل هذه الثقافة في نسيج الحياة ذاته بمختلف ابعادها‏,‏ ومالذلك من تأثير قوي في تعزيز الديمقراطية‏.‏
        نحن اذن مع كاتب يري واقع وطنه في إطار دائرة اوسع هي دائرة العالم المتقدم‏,‏ في فرنسا وفي سويسرا‏,‏ في باريس وفي جنيف‏,‏ مقارنا بين ثقافة الحوار لدي الاخرين وثقافة الاستئثار التي جاءت نتيجة لركود الحياة السياسية المصرية‏,‏ طوال مايقرب من خمسين عاما في ظل هيمنة الحزب الواحد والفكر الواحد‏.‏ من هنا تبرز في رأيه اهمية دور النظام التعليمي الاعلامي ونظام التنشئة الاجتماعية بوجه عام في ارساء قواعد ثقافة الحوار وترسيخها‏.‏
        ففي مختلف مراحل التعليم هناك غيبة للحوار الحقيقي بين المعلم والمتعلم نظرا لسيادة قيم الحفظ والتلقين‏,‏ والمحاكاة والتقليد‏,‏وقمع السؤال او التساؤل وعدم اتاحة الفرصة كاملة لنمو قدرات الابداع لدي الطلاب النابهين ولتفتح شخصيات الدارسين‏,‏ بما لايتيح الكشف عن المواهب والقدرات الكامنة وتمكين الدارسين من التعبير عن الرأي وتحقيق الذات‏,‏ ودعم قيم الابداع والتجديد والمراجعة‏,‏ وبناء العقل النقدي وتعزيز الممارسة الديمقراطية‏.‏ في الوقت الذي يتطلب ان يكون دور البيت مكملا لدور المدرسة‏,‏ بحيث تحرص الاسرة علي معاملة الاطفال معاملة لائقة‏,‏ مبتعدة عن اسلوب القمع والاملاء والتخويف‏,‏ مستعينة بالاقناع والمنطق والقدوة الحسنة‏.‏
        وينبغي ان يكون لوسائل الاعلام دور محوري في دعم ثقافة الحوار‏,‏ وهو امر يشترط ان تحظي هذه الوسائل بالمصداقية‏,‏ وأن تفسح المجال للتعبير عن الرأي والرأي الآخر بطريقة موضوعية‏,‏ في ظل مناخ ديمقراطي حقيقي‏,‏ وحماية التعددية وتوسيع دائرة الحوار بالاضافة الي الدور الذي ينبغي ان تقوم به الاحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني بحيث تصبح هذه الاحزاب والمؤسسات مدارس للتربية السياسية والنقابية الحقة‏.‏
        والمؤلف مدرك كل الادراك وهو يطرح قضية ارساء قواعد ثقافة الحوار ـ والتمكين لها في البيت والمدرسة وفي مواقع العمل وفي الحياة العامة والخاصة‏,‏ انها عملية طويلةومعقدة تحتاج الي اسهام المتخصصين في مختلف الفروع العلمية وهو عندما ينتقل الي موضوع اللغة العربية لايتردد في ان يقول‏:‏ فلننظر حولنا ولنتصفح جرائدنا وكتبنا‏,‏ ولنراقب وسائل اعلامنا‏,‏ سنجد الاخطاء اللغوية في كل مكان‏,‏ وسنلاحظ ايضا ان الاخطاء تتفاقم وتتفشي‏,‏ قلائل هم الذين يتحدثون الفصحي في بلادنا أو يهتمون بإجادة العربية والتعمق فيها‏,‏ وقد اتاح له العمل في منظمة اليونسسكو بباريس الوقوف علي اهمية اللغة العربية في المحافل الدولية الي جانب اللغات الانجليزية والفرنسية والاسبانية والصينية والروسية‏,‏ ولعل في هذا مايحفز شبابنا علي اجادة اللغة العربية دون اغفال اهمية اللغات الاجنبية بطبيعة الحال‏.‏
        هذا كتاب يجيء في اوانه‏,‏ تنشيطا للذاكرة المصرية‏,‏ وحثا لهمة الشباب المصري‏,‏ ودرسا في التربية الوطنية بكل عناصرها وابعادها في السياسة والثقافة والهوية والانتماء والديمقراطية‏,‏ وثقافة الحوار‏,‏ واعتصارا لخبرات عميقة واسعة اكتسبها مؤلفها‏,‏ وسكبها في أسلوب رائق‏,‏ بالغ العذوبة والشفافية‏,‏ عميق المعني والدلالة‏,‏ وليت شبابنا‏,‏ وطلابنا في المدارس والجامعات‏,‏ تتاح لهم فرصة قراءته والتأمل في فصوله وصفحاته‏,‏ بل ليت مكتبة الاسرة تسارع إلي اقتنائه واصداره في طبعة شعبية واسعة‏,‏ تتيح للالوف ان يفيدوا منه‏,‏ وينهلوا من الفيض الغزير الذي يحمله وعي كاتبه واستنارته وحسه العميق بالمسئولية الوطنية والقومية‏.‏
        .......................................
        *الأهرام ـ في 15/2/2009م.

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #19
          (16) قصيدة النثر وقصيدة الشعر الحر تسميتان خاطئتان

          بقلم‏:‏ فاروق شوشة
          ....................

          تواجه قصيدة النثر منذ ظهورها في عالمنا العربي ـ حتي الآن ـ إشكاليتين أساسيتين‏,‏ أولاهما‏:‏ أن الاسم الذي أطلق عليها يتضمن تناقضا فادحا بين كلمتي‏:‏ قصيدة ونثر‏,‏ اللتين التحمتا معا في صيغة لم تستسغها الذائفة العربية التي ظلت غير مهيأة لاستيعاب هذا التناقض الدلالي‏.‏
          وثانيتهما‏:‏ افتقاد قصيدة النثر للمرجعية التي في ضوئها يمكن الحكم علي القصيدة نغميا وتمييز جيدها من رديئها‏,‏ والتي بدونها لايمكن اعتبارها فنا له ضوابطه وقواعده‏.‏ وهو الأمر الذي فشل جميع المتحمسين لهذه القصيدة ـ باعتبارها فنا جديدا منسلخا من القواعد متأبيا علي المرجعيات لاينبغي تصنيفه ضمن منتج العقلية العربية في الشعر ـ فشلوا علي مستوي النقاد والمبدعين والمتلقين في الكشف عن جوهر الايقاع فيه‏,‏ وأقصي ما توصلوا إليه ان الايقاع في هذه القصيدة يقوم علي الاسباب والأوتاد‏,‏ بل وعلي الساكن والمتحرك الموجودين في كل كلمة بل وفي حروف الجر نفسها‏,‏ في مقابل التفعيلة التي تقوم عليها قصيدة الشعر الحر‏,‏ وبهذا المعني يصبح أي كلام قصيدة نثر‏.‏
          وهأنذا الآن بعد طول تأمل وتجريب‏,‏ أدعو إلي أن تسمي قصيدة النثر باسمها الحقيقي باعتبارها نوعا من الشعر الحر‏,‏ لانها ـ كما يري لها أصحابها‏,‏ تدعو إلي الحرية الكاملة وإلي التحرر من كل القيود المألوفة في الشعر العربي‏,‏ وفي مقدمتها قيدا الوزن والقافية‏,‏ فمبدع قصيدة النثر‏,‏ يري أن مغامرته التي تتضمن رفضا لكل ماهو معترف به في الشعر‏,‏ وإدهاشا للآخرين بالطاقة الايقاعية الكامنة في النص الذي يكتبه‏,‏ وخروجا علي المألوف والتقليدي‏,‏ هي في جوهرها سعي حثيث من أجل تحقيق حرية النص‏,‏ والوصول به إلي مرحلة الحرية الكاملة‏.‏
          في الوقت الذي أدعو فيه إلي ان تسمي القصيدة التي أطلق عليها خطأ قصيدة الشعر الحر ـ علي مدي أكثر من نصف قرن ـ بقصيدة التفعيلة‏,‏ فهذه التسمية هي الأليق بها والاكثر انطباقا عليها‏,‏ بعد تحررها من الالتزام بالبحر الشعري بصورته الكاملة وإيثارها التفعيلة ـ في تنوع عندها وتغيره ـ أساسا نغميا للنص الشعري‏,‏ ذلك لانها لاتزال مقيدة بالوحدة الاساسية للموسيقي في الشعر العربي‏,‏ وهي وحدة التفعيلة ولاتزال ابنة شرعية لعروض الخليل بن أحمد‏,‏ والأوزان المستخدمة في الشعر العربي علي مدار تاريخه الطويل‏.‏
          ولقد حاول كثير من المجتهدين أن يؤكدوا علي مدار العقود الأخيرة شرعية قصيدة النثر من خلال نسبتها إلي أصول قديمة وحديثة في موروثنا الأدبي فهي ـ في رأيهم ـ تشكل امتدادا عصريا لمواقف النفري ومخاطباته الصوفية الجوهر الشاعرية اللغة‏,‏ ووجوديات أبي حيان التوحيدي واغتراباته‏,‏ أو هي صدي لترجمات خليل مطران وإرهاصات خليل شيبوب ونجاوي جبران خليل جبران‏,‏ وانطلاقات حسين عفيف الذي اعترف بأن كتاباته ليست بشعر وليست بنثر‏.‏ لقد حاولوا استنبات نبات يراد استزراعه لينفوا عنه الهجنة أو التغريب‏.‏
          وليست لقصيدة النثر في صيغها وتنويعاتها المعروفة حتي الآن علاقة بهذا كله أو بغيره من إبداعات سابقة في الأدبيات العربية‏,‏ هي غير هذا كله‏,‏ لاتنتسب اليه‏,‏ وليست امتدادا لشيء منه‏,‏ فهي ـ في جوهرها ـ صدي كتابات غربية‏,‏ ولاقتحامات في الشعر الاوروبي ـ وبخاصة الفرنسي منه ـ صنعت عالما مغايرا وصورة مغايرة لعالم القصيدة وصورتها كما اعتادها القاريء الاوروبي‏.‏
          إني أدعو نقادنا الجادين ـ البعيدين عن التعالم وادعاء المعرفة الكلية الشاملة ـ ومبدعينا الذين رأوا في قصيدة النثر نموذجهم الابداعي المكتمل‏,‏ والصورة المأمولة للقصيدة في تغيرها وتجاوزها وتمردها‏,‏ لغة وايقاعا‏,‏ كما أدعو مبدعي قصيدة الشعر الحر والمتلقين لها‏,‏ إلي تسمية كل من الصيغتين باسمه الحقيقي‏,‏ الشعر الحر ليس حرا في حقيقته وجوهره‏,‏ بل هو منضبط بضوابط‏,‏ ولذا فهو قصيدة تفعيلة‏,‏ هذه تسميته التي ينبغي أن تكون له‏,‏ والتي تنطبق عليه‏,‏ وتضعه في مكانه من حركات التجديد الشعري عبر العصور ـ بعد أن ارتبط بتسمية خاطئة طيلة نصف قرن ـ وهي حركات لم تحاول قط الخروج علي أوزان الشعر وموسيقاه‏,‏ وكان تجديدها دائما ملتزما بهذا الأساس النغمي لا يرفضه ولايلغيه‏,‏ وإنما يوسع فيه ويضيف إليه ويغير من تشكيلاته وأطره وبالتالي من ايقاعاته وأنغامه‏.‏
          أما قصيدة النثر‏,‏ التي تنشد الحرية والمغامرة والانقطاع الكامل‏,‏ فهي لون من الشعر الحر‏,‏ كما يجب أن تسمي‏,‏ وهي تسمية تنجيها أولا من مأزق التناقض في تسميتها الراهنة التي انشغل بها كثيرون عن جوهر الاختلاف في الروح أو في التناول والحساسية أو في الموقف الوجودي والانساني‏,‏ كما تقرنها ثانيا ـ وهذا هو الاهم ـ بالصفة الأساسية فيها‏:‏ صفة الحرية‏,‏ وهي صفة تأبي التقيد بأية قيود وضوابط وتثور علي كل شيء‏,‏ محطمة كل شيء متجاوزة ذاتها باستمرار‏,‏ ومفجرة في متلقيها ثورة علي السكون والتكرار والرتابة‏,‏ فاتحة أبوابها ونوافذها لكل ماهو جديد ومباغت‏,‏ غير ملقية بالا إلي موقف تري فيه تزمتا وسلفية‏,‏ أو صيغة تري فيها ثبات نموذج‏,‏ ولانها حرة فهي لا ترتضي مرجعية لها‏,‏ ولا حكم عليها إلا من ذاتها وفي ذاتها‏,‏ لذا فهي ومضة من الشعر الحر‏,‏ وهو رأي أدعو إلي تأمله ومناقشته من خلال موقف شجاع وعقل منفتح وروح سمحة‏,‏ تنفذ إلي الجوهر وتستوعب العصر‏,‏ وتنأي عن عصبية اللجاج‏.‏
          .........................................
          *الأهرام ـ في 8/2/2009م.

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #20
            (17) عز الدين إسماعيل في كتاب تذكاري

            بقلم: فاروق شوشة
            ....................

            تحت عنوان الدكتور عز الدين إسماعيل‏:‏ ذكري وتكريم صدر هذا الكتاب التذكاري بأقلام نخبة من زملائه وأصدقائه عن الأمانة العامة لمؤسسة البابطين‏,‏ ضمن مطبوعاتها لدورتها في عام‏(2008),‏ وقد كان عزالدين إسماعيل عضوا في هيئات التحكيم لعدد من جوائز المؤسسة‏,‏ وعضوا في الهيئة الاستشارية لمعجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين‏,‏ وعضوا في مجلس أمناء المؤسسة منذ عام‏1998‏ حتي رحيله عام‏2007.‏
            يبدأ الكتاب بالإشارة إلي السمة الأولي التي اتصف بها عز الدين إسماعيل‏,‏ وهي جمعه بين حصافة الناقد وإبداع الشاعر وتجديد المترجم ودقة رجال الثقافة وصانعيها وموسوعيتهم‏,‏ بالإضافة إلي مناقبه الشخصية التي ميزته طوال مسيرة حياته العملية والعلمية‏.‏
            وعبر صفحات الكتاب يفوح عطر المودة والتقدير من الأساتذة والمبدعين الذين يصفونه بالحداثي المتوازن والأستاذ المستنير والعقلية الفذة التي واكبت كل العصور والنظريات النقدية ورائد الحداثة النقدية وصاحب المواقف والمباديء وقائد دولة النقد والنابغ مسرحيا ونقديا‏,‏ كما يصفون رحيله بأنه غياب مؤسسة ثقافية كاملة وفراغ يصعب ملؤه‏.‏ ثم تتصاعد‏,‏ لغة التناول وتعمق في الوقت نفسه حين يتصل الكلام عن الحضور الثقافي والفكري المتميز لعز الدين إسماعيل في موقعين بارزين من مواقع العمل التنويري في مصر بعد انتقاله من عمادة كلية الآداب بجامعة عين شمس ــ أمينا للمجلس الأعلي للفنون والآداب ــ وهما رئاسته للهيئة المصرية العامة للكتاب ورئاسته لأكاديمية الفنون‏.‏
            وحين يتصل الكلام بمشروعه التأسيسي في مجال النقد الأدبي من خلال مجلة تجمع بين الرصانة الأكاديمية والعمق العلمي‏,‏ والأصالة الثقافية وحرفية الإصدار ــ إدارة وتحريرا وإخراجا ــ من ناحية أخري‏,‏ هي مجلة فصول‏,‏ كما يقول الدكتور نبيل حداد الذي يؤكد أن نجاح المجلة منذ عددها الأول مرتبط باسم رئيس تحرير كان لديه أعلي قدر متصور من المصداقية والنزاهة والموضوعية والمثابرة والدقة والحرفية والثقل العلمي‏.‏
            أما الإنجاز الثاني فيتمثل في إنشائه جمعية النقد الأدبي‏,‏ التي كان ينفق عليها من دخل الجوائز التي كان يحصل عليها‏,‏ بعد أن خذلته جامعته ــ جامعة عين شمس ــ في مد يد العون والاسهام في هذا المشروع الثقافي والنقدي الرائد‏.‏ خصوصا عندما تنامي جهد الجمعية وتصاعد من أجل إنجاز مؤتمراتها الدولية الأربعة للنقد الأدبي‏,‏ جامعة بين النقاد المصريين والعرب والعالميين‏,‏ وتمثلت حصيلتها في إثني عشر مجلدا هي في طليعة مراجع النقد الأدبي المعاصر باتجاهاته العالمية كافة‏.‏
            مساحة كبيرة من صفحات هذا الكتاب التذكاري عن عز الدين إسماعيل امتلأت بعدد من الدراسات الجادة الكاشفة عن جوانب ثرية في إنجازه النقدي والثقافي والإبداعي مثل الشعر والإيديولوجيا والخطاب النقدي‏,‏ وبناء المفارقة في إبيجرامات الشاعر‏,‏ والإنساني والجمالي في قراءته للمسرح‏,‏ والترجمة في تراثه‏:‏ نظرية التلقي نموذجا‏,‏ والنظريات الجمالية لديه‏,‏ وعزالدين إسماعيل وترجمة النقد‏,‏ وكتابه‏:‏ كل الطرق تؤدي لشعر‏,‏ وفكرة الاختلاف لديه‏,‏ والمشروع الثقافي لعزالدين إسماعيل‏,‏ والشعرية في إبداعه وفن الابيجراما عنده وشخصيته في أبحاثه في الموروث الشعبي‏,‏ وإنجازه المؤسسي‏.‏
            لقد نجح القائمون بإعداد هذا الكتاب التذكاري في أن يجعلوا منه مرجعا أساسيا يضم مداخل عدة للولوج إلي عالم عزالدين إسماعيل الرحب وفضاءاته المترامية الأطراف‏.‏ وهو عالم يستحق أن يعكف عليه من تلامذته في الدراسات العليا للماجستير والدكتوراه من يملكون قدرة الكشف عن تجلياته‏,‏ واستكناه مراميه‏,‏ بالإضافة إلي عدد من رفاقه وزملائه الذين عايشوه واقتربوا منه واشتبكوا معه في حوارات حميمة وجادة‏.‏
            هذا كتاب يجيء في أوانه‏,‏ ونحن في الذكري الثانية لرحيل عز الدين إسماعيل‏(‏ الأول من فبراير‏2007)‏ نذكره ونتأمل كلماته المودعة‏:‏
            هأنذا أكشف صدري للمدي
            للريح‏,‏ للأنواء‏,‏ للغياهب
            ميمما صوب مدائن الغرائب
            وتاركا خلفي اليباب والخرائب
            أحمل من تراب أمس قبضتي تذكار
            علي أعود ــ إذ أعود ــ بالنضار
            فأبهر الوري
            وأخطف القلوب‏,‏ وأخطف الأبصار
            تري يعود السندباد؟
            تري يعود للقلوب الإخضرار؟
            ........................................
            *الأهرام ـ في 1/2/2009م.

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #21
              (18) أبو سنة ونزهة في الربيع

              بقلم : فاروق شوشة
              .....................

              عن الهيئة العامة لقصورالثقافة ـ في عهدها الجديد الموفور النشاط والحيوية ـ صدر ديوان تعالي إلي نزهة في الربيع للشاعر الكبير محمد إبراهيم أبو سنة‏,‏ وهو الديوان الذي يضم أحدث قصائده‏:‏ تعالي إلي نزهة في الربيع‏,‏ مرثية حلم مرثية غزالة‏,‏ وبحار تجري نحو بحار‏,‏ من الذي اغترب‏,‏ علم القلب الثبات‏,‏ صدي الغبار‏,‏ وهل الأرض جنت‏.‏ بالإضافة إلي حديث عن تجربته الشعرية تحت عنوان لمحات من تجربتي مع الشعر استغرق وحده سبعا وعشرين صفحة‏,‏ الأمر الذي جعله وثيقة كاشفة عن الكثير من معالم الرحلة الشعرية لشاعرنا الكبير‏,‏ومكونات هذه الشعرية ـ من وجهة نظر صاحبها ـ بدءا من البدايات الأولي وصولا إلي اللحظة الشعرية الراهنة‏,‏ من أهم ما تحمله هذه المقدمة الوثيقة بعض تساؤلات الشاعر التي طرحها علي وجدانه الداخلي‏:‏ هل أستسلم للحظة الشعرية أو أترك الشعر يطاردني ؟ من أين يأتي الشعر ؟ ثم يجيب بقوله‏:‏ هناك أحداث تزلزلنا ولكن الاستجابة لها شعريا قد لا تحدث علي الإطلاق‏,‏ وهناك ومضات غامضة تظل تؤرقنا ثم تفاجئنا بقصائد لم نكن ندري عنها شيئا‏.‏
              الشعر مفاجأة ولكنه لا ينبعث من العدم‏.‏ إنه يقبل من يقظة الحواس والتعاطف مع الوجود والولع بالجمال والجهد المضني‏,‏ إنه أشبه بالمطارحات الغرامية‏.‏ لابد أن يشعر الشعر بحبك له وقدرتك علي التضحية من أجله تماما مثل الوقوع في غرام امرأة‏.‏ كم من الحرائق التهمت الأيام والليالي من أجل قصيدة‏,‏ وكم من فراديس فتحتها القصائد أمام الشعراء‏.‏ إن الشاعر يعمل بطاقة الخيال‏,‏ ولكنه يستمر بدافع الوهم
              ثم يقول أبو سنة‏:‏ لقد كانت تجربتي مع الشعر صراعا مع الوجود الحر للكلمات ومحاولة لاصطياد هذه الفراشات الذهبية التي ـ رغم هشاشتها وجمالها ـ قادرة علي مواجهة العواصف والأعاصير‏.‏
              القصائد السبع التي تضمها هذه المجموعة الشعرية هي هذه الفراشات الذهبية التي نجح الشاعر في اصطيادها من بين حدائق الأيام والليالي‏.‏ فجاءت ألوانها الزاهية في مثل الضوء المنعكس من اللآلئ الشديدة النقاء والصفاء‏.‏ بدءا من فضاء اللغة الذي يتسع لعالم من الكائنات الشعرية الساكنة في قلب الكلمات والمتوهج في صميم الصور الشعرية‏,‏ صعودا علي سلم الإيقاع الذي يتصاعد فيه مقام الشجو والتدفق الموسيقي إلي أفق تنطلق فيه الفراشات فوق مرايا الجداول محلقة في الجنون البديع‏,‏ وصولا إلي لحن ترقرق في وردة من دمعه وعطر لديه يضوع‏.‏ إنه شعر يمنح صفاءه إلي المتلقي في يسر وسلاسة‏,‏ يحنو عليه‏,‏ ويزوده بكل أجواء السكينة والأمان‏,‏ بعد زمن الصقيع والحصار المنيع ونار الدموع وبكاء الفقراء وراء الضلوع‏,‏ والقافية المتناثرة في تلقائية وعفوية‏,‏ من بين أصابع خبيرة ومقتدرة‏,‏ تشارك في إعطاء اللوحة الشعرية ـ في القصيدة التي سمي المجموعة باسمها‏,‏ وفي بقية القصائد ـ عنفوانها وجرسها الجميل النبرة‏,‏ الساطع الرنين‏:‏
              تعالي إلي نزهة في الربيع‏/‏ لنقطف بعض الأغاني التي أوشكت أن تضيع‏/‏ ونطلق في الأفق ضوء الفراشات فوق مرايا الجداول عبر الفضاء الوسيع‏/‏ نحلق مثل الطيور التي ألهمتها الحدائق هذا الجنون البديع‏/‏ دعيني أسافر في مقلتيك إلي حيث تسطع شمس تولي لتتركني في الصقيع‏/‏ دعيني أحول هذا الحنين إلي دفء صدرك نكشف ما قد تواري من الحب خلف الحصار المنيع‏.‏ نروح إلي غابة في الجبال ونمضي إلي شأننا وحدنا لنحاول ما نستطيع‏/‏ خذيني إلي بعض أسرارنا في الرياح التي فرقتنا طويلا لنشتاق يوم الرجوع‏/‏ تعالي لنشعل نجما ثوي في الغروب ونطفئ نار الدموع‏/‏ تعالي فلم يبق إلا المدي حولنا خاويا ولم يبق إلا الجدار وهذي الصدوع‏.‏
              في قصيدة‏:‏ من الذي اغترب ؟ يقول في إهدائها إلي قريته‏:‏ الودي‏:‏ ونحن لا نلتقي ولا نفترق يعزف الشاعر في هذه المجموعة الشعرية علي أوتار الاغتراب‏,‏ وهو موقف أثير لديه‏,‏ لأنه يحمله منذ حمل طفولته معه تاركا قريته إلي المدينة الهائلة التي لا ترحم‏:‏ القاهرة‏.‏ لكنه ليس مجرد اغتراب بمعني الاستلاب الذي يجعل الإنسان غريبا عن نفسه وعن ذاته وليس غريبا فقط عن وطنه وعن الآخرين‏:‏ هذا الاغتراب هو أقسي أنواع الشعور بالغربة وأشدها فتكا بصاحبه‏,‏ وبخاصة حين يكون شاعرا موفور الإحساس عاري الأعصاب متوحدا محتميا بذاته في معظم الأحيان‏:‏
              من الذي اغترب‏/‏ وأغلق الفضاء خلفه وأمطرت في عينه السحب‏/‏ أنا أم الصبية العجوز في رواقها القديم تنتحب‏/‏ تقلب الأوراق والوجوه والأقدار ثم تدفن الحقب‏/‏ من الذي اغترب ؟
              في ختام قصيدته يقول‏:‏ من الذي اغترب ؟‏/‏ يا قريتي التي أحملها ما بين أضلعي تفاحة من الذهب‏/‏ أنا وأنت قصة تبددت يلفها الذهول وسط عالم من الكذب‏/‏ وجهان ذابلان ذاهلان في مواكب العجب‏/‏ وجهان غارقان في الضباب والأسي كلاهما اغترب‏/‏ كلاهما اغترب‏.‏
              هذا لون من الإبداع الشعري قد ينخدع قارئه بسلاسته ومعجمه الشعري الرائق‏,‏ لكنه يحمل من الأعماق المشعة والخبرة المكتنزة ما يحتاج إلي أكثر من قراءة‏.‏ إنه شعر مقطر‏,‏ تحمل لآلئه النقية خلاصة لعملية التقطير التي مارسها الشاعر طويلا‏..‏
              ونزهة الربيع التي يدعو إليها شاعرنا الكبير محمد إبراهيم أبو سنة هي في جوهرها دعوة للحياة‏,‏ دعوة للدفء بالإنسان والنجاة من برودة الصقيع‏,‏ دعوة لتجديد الخلايا وإنقاذ الروح‏,‏ واتساع فضاء الشعر‏,‏ حتي تنهمر علينا قصائده البديعة‏,‏ في دواوينه القادمة‏,‏ بمثل ما حملت إلينا هذه المجموعة الجديدة من لآلئ إبداعه‏.‏
              .............................................
              *الأهرام ـ في 22/3/2009م.

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #22
                (18) لغة العشق عنده لا تنحو منحى عادياً:
                الشاعر فاروق شوشة يحب حتى البكاء

                القاهرة - مكتب «الرياض» - شريف الشافعي:
                ............................................. ..

                تتجاوز مفردات الحب والعشق لدى الشاعر فاروق شوشة (70 عاماً) مستوياتها الدلالية المباشرة؛ من حيث الاكتفاء بالإعلان عن حالة الوجد واليتم والوحدة والشجن التي تكتنفه، عبر رحلة التصريح بهذا العشق الذي يملك عليه كل أمره، إلى دلالات أعمق وأبعد في النفس البشرية، حيث تغدو الحالة قيثارة حب تعزف للبشر، وتهتم بهموم البشر كلهم، فيعبر الشاعر بسلاسة من حدود الحالة الفردية الضيقة إلى رحاب الإنسانية الواسعة الباحثة عما يروي ظمأها من نهر الحب الصافي، والساعية سعياً حثيثاً إلى أن تترسم آفاق حياتها، في عالم يسوده الوئام والوفاق، لا النفاق والارتزاق، آملة أن يتحول الحب من رهان غير محتمل الحدوث إلى حالة قابلة للوجود.
                وفي مضمار رحلته الشعرية التي يبحث فيها عن الحب، صدر للشاعر فاروق شوشة ديوان جديد بعنوان «أحبك حتى البكاء» عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة، يتضمن عشر قصائد هلك لغة، أحبك حتى الكباء، يتم، ثلاثة وجوه لثلاث نساء، وحيد كحبة رمال، شجون عام جديد، رهان، شبيه الزمان، خدم، كلهم يعرف نفسه. يقع الديوان في مائة واثنتي عشرة صفحة من القطع المتوسط، وقد استخدم الشاعر في قصائده - كعادته - لغة العشق التي لا تنحو منحى عادياً، تصفو فيه عين العاشق حين تخلو مآقيه من الدمور في الزمان الماضي، ويصبح أكثر قدرة واستطاعة على رؤية حاضره ومستقبله بإدراك أكثر وعياً وشفافية وعمقاً، فيترسم خطاه نحو عشقه ومكمن عواطفه في يقين وثقة. يقول فاروق شوشة في قصيدة «أحبك حتى البكاء»:
                «أحبك حتى البكاء
                وأعلم أن الذي بيننا
                ليس نزواً
                ولا هو محض اشتهاء
                ولكن معناه فيك، ومنك
                وفي لحظة جمعت تائهين
                على رفرف من خيوط السديم
                فكان انجذاب، وكان ارتواء»
                ويشار إلى أن الشاعر فاروق شوشة من مواليد قرية الشعراء بمحافظة دمياط في عام 1936م، وقد حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة؛ وأتم دراسته في دمياط؛ ثم التحق بكلية دار العلوم وتخرج فيها في عام 1956؛ وتخرج في كلية التربية بجامعة عين شمس في عام 1957، وعمل شوشة مدرساً بعد تخرجه، ولكنه ترك التدريس والتحق بالإذاعة في عام 1957م، وتدرج في عمله الوظيفي حتى أصبح رئيساً للإذاعة في عام 1994م، ومن دواوينه: إلى مسافرة، العيون المحترقة، لؤلؤة في القلب، في انتظار ما لا يجي، الدائرة المحكمة، لغة من دم العاشقين، يقول الدم العربي، هئت لك، سيدة الماء، وقت لاقتناص الوقت، وجه أبنوسي.
                ومن مؤلفاته الأخرى النثرية: لغتنا الجميلة، أحلى 20 قصيدة حب في الشعر العربي، أحلى 20 قصيدة في الحب الإلهي، العلاج بالشعر، عذابات العمر الجميل (سيرة شعرية). وقد حصل فاروق شوشة على جائزة الدولة في الشعر، وجائزة محمد حسن فقي، وجائزة الدولة التقديرية في الآداب.
                .................................
                *الرياض ـ في 24/4/2006م.

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #23
                  (19) فاروق شوشة لـ «المجلة الثقافية »:
                  الشعر العربي لا يعيش مأزقاً والخطر عليه يأتي من الداخل

                  * القاهرة عتمان أنور:
                  ........................

                  ظل الشاعر فاروق شوشة لأكثر من 20 عاما منذ بداية مشواره الابداعي لم يخلص لكتابة الشعر وأعلن ذلك أكثر من مرة وكان يبرر هذه المقولة بأن العمل الاعلامي يشغله عن الكتابة ومن ثم الاخلاص لها وإعطائها حق قدرها والآن بعد مرور أكثر من 20 عاما أخرى هل مازال فاروق شوشة غير مخلص لكتابة الشعر... أجاب شوشة في بداية حوارنا معه بأن هذه المقولة (أطلقتها عام 85 عندما نشرت المجلد الأول من أعمالي الشعرية وكان يضم خمس مجموعات وكنت أتأمل حصاد تلك المرحلة منذ أول ديوان أصدرته عام 1966 وحتى ذلك التاريخ فقلت: إن هناك عشرين عاما انقضت في أمور كثيرة وربما شغلني العمل الإعلامي في بداية الأمر ولكن سرعان ما اكتشفت أن هذا العمل نفسه هو جزء من التجربة الشعرية الحية التي أعيشها وأن له روافده وتأثيراته المباشرة وغير المباشرة في تشكيل مساحة الوعي وتعميق علاقتي بالمجتمع ورؤيتي لكثير من السلبيات التي لم يكن ليراها إلا من يعيش داخل هذا المطبخ الإعلامي لكن سرعان ما تغيرت الصورة وأحسست أن هناك تحديا يواجهني وبالفعل كانت سنوات المسؤولية الإعلامية عندما رأست الإذاعة هي السنوات التي شهدت غزارة وتلاحقا في إبداعي الشعري وكنت أبرهن لنفسي عن أن الشواغل مهما كانت لن تبعدني أبدا عن المهمة الأساسية التي كرست لها نفسي.
                  * وما مدى استفادتك كشاعر من الإعلام؟
                  استفادتي كشاعر من الإعلام كانت كبيرة فالدائرة الإعلامية جعلتني شاهدا حقيقيا أرى وأطلع على الكثير وأعتقد أنني حين أكتب ذلك سأفصح عما لا يعرفه الناس حتى الآن إضافة إلى أن هذه الدائرة لا تزال في القرار البعيد من وجداني وأنا أكتب خاصة في قصائدي الأخيرة وعندما تجاوزت الدائرة الوظيفية أحسست أنني بدأت التحليق بحرية تامة بعيدا عن أية هتافات داخلية تصدني.
                  * وهل ترى أن الشعر في مأزق الآن ولم يخلص له أحد؟
                  أولا أحب التأكيد على أن الفن أكبر من كلمة مأزق فلا توجد قصيدة حقيقية إلا وتصل إلى جمهورها المستهدف ومهما قيل عن كتابات وعن ضيق أفق في ظل بعض الأوضاع في بلدان عربية تصادر وتحجب وتمنح فهذا كله على امتداد تاريخ الشعر لم يمنعه من الوصول والتدفق وربما يتمثل المأزق الحقيقي في الأمية وفي مستوى اللغة العربية على ألسنة الناس وأقلامهم وفي داخل العملية التعليمية في المدارس والجامعات.
                  * ماذا عن مكوناتك الأدبية الأولى وكيف جاء اكتشافك للغة؟
                  ولدت في قرية تدعى الشعراء وكان السؤال الذي يلح على وأريد معرفة إجابته هو لماذا تسميه القرية بالشعراء وقد عرفت التسمية فيما بعد لأن فيها شعراء ربابة يتحدثون عن الأبطال الشعبيين وفي كتّاب القرية تعرفت على اللغة وجمالها وكان الكتاب هو أكاديميتي الأولى التي تعملت فيها وقد حدت إبان هذه الفترة أن اجتاحت الكوليرا مصر عام 1947 وقد نالت بأذاها الكثيرين ومنهم جدي لأمي وقد استفدت من بقائي في البيت طوال هذه الفترة خوفا من عدوى المرض فقرأت كل ما في مكتبة أبي وبالذات مجلة الرواية التي كانت توأما لرسالة الزيات وإن لم تحصل على حظها من الشهرة قرأت فيها الكثير من الابداعات العالمية المترجمة وجذبني الأوديسا والإلياذة بترجمة الراحل دريني خشبة ثم كانت مكتبة البلدية في دمياط فرصة للتعرف على الشعراء محمود طه ابراهيم ناجي وعلى الجارم ومحمود حسن اسماعيل وقرأت فيها سيرة عنترة بن شداد كما كتبها الأصمعي في عشرة أجزاء. ولم يكن الكتاب بالنسبة لي مجرد أنه لحفظ القرآن بقدر كونه خبرة لغوية تأسيسية ثم اكتشفت الشعر بعد الكتاب بسنوات طويلة فأتيح لي من خلال اللغة القرآنية واللغة الشعرية ما أحلق به وما أتعامل به من اللغة لأحس أنها أصبحت جزءا من نسيج حياتي تحدد مساري في رحلة الحياة العلمية والإبداعية من خلال هذا الوعاء الذي غصت فيه أكثر اكتشفت جمالياته وعندما بدأت اكتب الشعر كنت أحاول أن أفيد من خبرتي بهذه الجماليات ومن قدرتي على التشكيل باللغة وقد حاولت عبر 39 عاما قدمت فيها برنامجي لغتنا الجميلة أن أقرب هذه اللغة إلى القارئ وأبعد عن أذهان الناس فكرة أنها لغة صعبة الولوج إليها عبر تقديم نماذج من الشعر العربي وكثيرا ما كانت تصلني رسائل اكتشفت من قراءتها أنها لأنصاف متعلمين بل لأشخاص لم يغادرو حاجز الأمية بعد.
                  * وماذا عن محاولاتك الإبداعية الأولى؟
                  المحاولة الأولى في الإبداع الشعري كانت مسرحية (هكذا مرة واحدة) وقد كلفت المدرسة عرضها 17 جنيها وهو مبلغ مرتفع في ذاك الوقت وكنت أول من يوقف الإمام علي بن أبي طالب والخليفة عثمان على خشبة مسرح وتجسيدهما كما كانت قصائد الغزل خطوة تالية لفتاة القرية التي كانت لها الفضل في إشعال الجمرة الأولى وحتى الآن أرى أن الشاعر بلا عاطفة وبلا امرأة يعيش خارج رحم الكون فالمرأة هي الزوجة والأم والبنت والحفيدة هي تكمل الدائرة وتنعش الذاكرة ثم كانت المرحلة التالية في الجامعة واتجهت إلى القصائد الوطنية والاجتماعية ومحاولات أن تكون لي قصيدتي وبصمتي الخاصة.
                  * وما رأيك في قضية الحداثة وعدم ملاحقة النقد لها؟
                  تظل مشكلة حداثة المجتمع أو تحديث المجتمعات العربية التي تتزاحم وتتجاوز وتختلط وتصطرع عصوراً وقروناً بكل ميراثها، مشكلة ضاغطة وحاكمة، فالأصوات الصادرة عن المجتمع في أبعادها الثقافية والحضارية والمعرفية والجمالية تعزف نشازاً، وتتقلص وتنكمش، وتتأزم صورة حادة سلفياً وحداثياً، وفي قلب هذا التأزم تهب زوابع عاتية تتمثل في الإلحاح على تناول القضايا اليومية، والمصيرية والمطالبة لمن يبدعون بالكتابة المستمرة حتى يضمنوا شرط الحياة والبقاء والاستمرار. ومشكلة الناقد هنا تبرز في اغترابه الثقافي والمعرفي بعد أن امتلأ بمعطيات فكر فلسفي ونقدي وصلته ثماره دون أن يتأمل مكوناته، وأنساق تعبيره عن إبداعاته في بيئاته، وهو في الأغلب الأعم يكتب لغيره من النقاد ليطلعهم على سبقه في المعرفة والاكتشاف. إن الخطر على الشعر الآن لا يجيء من خارجه، أي من الفضاءات المحيطة به، ومن علائقه الاجتماعية، أو وضعه في مقارنة مع أجناس أدبية أخرى، إنما هو خطير يجيء من داخله.
                  * بصفتكم أمنا عاما لمجمع اللغة العربية كيف ترون حال اللغة العربية؟
                  تتعرض اللغة العربية لمخاطر تتهدد وجود الإنسان العربي والمصير العربي وذلك من جراء إهمالها وغزو اللغات الأجنبية لنا وعلى ذلك لابد من قيام مؤسسات المجتمع المدني بوضع الدفاع عن اللغة العربية ضمن أولوياتها عبر تنظيم العديد من المؤتمرات الجادة والملتقيات الحاشدة والتي وجدت بالفعل صداها في إقدام جهات عديدة على جعل هذا العام عاما للغة العربية وفي مقدمتها الإذاعة المصرية التي خصصت برامج ومساحات زمنية على خريطة بثها للغة العربية. وأكرر دعوتي إلى ما أسميه بالمراجعة والنقد الذاتي والوقفة الصادقة مع النفس بغية التطوير والتماس المزيد من الإنجازات حتى يكون للمثقفين العرب موطئ قدم في خريطة هذا العصر أمام رياح العولمة العاتية، ومحاولات قوى عظمى أتيح لها أن تنفرد بالزعامة والتأثير وفرض منطقها وثقافتها وتأويلها غير عابئة بحقوق الشعوب ومصائرها. فمن المهم تضافر جهود المؤسسات التعليمية والتربوية ووسائل الإعلام العربية في تحقيق الذيوع والانتشار في عصر الاتصال الشفهي.
                  ...............................
                  *المجلة الثقافية ـ في 11/9/2006م.

                  تعليق

                  • د. حسين علي محمد
                    عضو أساسي
                    • 14-10-2007
                    • 867

                    #24
                    (20) شفيع السيد ونظرية الأدب

                    بقلم :فاروق شوشة
                    ...........................

                    عن مكتبة الآداب جاء صدور هذين الكتابين الجديدين للدكتور شفيع السيد أستاذ النقد الأدبي والبلاغة والادب المقارن في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة وهما‏:‏ الاتجاه الأسلوبي في النقد الأدبي و نظرية الأدب‏(‏ دراسة في المدارس النقدية الحديثة‏)‏ تتويجا لإنجاز كبير من المؤلفات والمترجمات في مقدمتها‏:‏
                    التعبير البياني‏:‏ رؤية بلاغية نقدية‏,‏ وميخائيل نعيمة‏:‏ منهجه في النقد واتجاهه في الأدب‏,‏ واتجاهات الرواية العربية في مصر‏,‏ والبحث البلاغي عند العرب‏:‏ تأصيل وتقييم‏,‏ والنظم وبناء الأسلوب في البلاغة العربية‏,‏ وقراءة الشعر وبناء الدلالة‏,‏ وقراءة في الأدب العربي الحديث‏:‏ نماذج من الأدب القصصي والمسرحي‏,‏ وفن القول بين البلاغة العربية وأرسطو‏,‏ وأساليب البديع في البلاغة العربية‏:‏ رؤية معاصرة‏,‏ وفصول من الأدب المقارن‏,‏ وأساليب التعبير الأدبي‏(‏ بالاشتراك‏),‏ ومن المترجمات‏:‏ القصة الحديثة في ضوء المنهج الشكلي‏,‏ والشعر العربي الحديث تطور أشكاله وموضوعاته بتأثير الأدب الغربي‏(‏ بالاشتراك‏).‏
                    في الفصول التي يضمها كتاب نظرية الأدب للدكتور شفيع السيد ما يوضح منهجه في تناول المدارس النقدية الحديثة بدءا من الكلاسيكية الجديدة ومحاكاة النماذج‏,‏ فالنظرية التعبيرية عند الرومانتيكيين والنقد الأدبي عند الرومانتيكية‏,‏ وصولا إلي حركة التجديد في النقد العربي الحديث بدءا بجماعة الديوان‏:‏ شكري والعقاد والمازني‏,‏ فالرابطة القلمية‏:‏ جبران وميخائيل نعيمة‏,‏ والتقاء نعيمة والعقاد من وراء البحار‏,‏ انتقالا إلي الشكلية الروسية ثم نظرية إليوت في الشعر والمعادل الموضوعي الذي ظهر لديه أول ماظهر في مقالته عن مسرحية هاملت لشكسبير عام‏1919‏ بعنوان هاملت ومشكلاته التي انتقد فيها المسرحية ووصفها بأنها فاشلة‏,‏
                    ويترجم الدكتور شفيع السيد نص العبارة التي جاء فيها ذكر المعادل الموضوعي وهي ان السبيل الوحيد للتعبير عن شعور ما في شكل فني هو ايجاد معادل موضوعي أو بعبارة أخري ايجاد مجموعة من الأشياء‏(‏ الموضوعات‏)‏ أو موقف‏,‏ أو سلسلة من الأحداث‏,‏ يتشكل فيها ذلك الشعور المعين‏,‏ وعندما تقدم هذه الحقائق الخارجية التي لابد ان تئول إلي تجربة حسية‏,‏ يستثار ذلك الشعور في نفوسنا علي الفور‏.‏ وفي الفصل السادس ومن الكتاب يتناول المؤلف ريتشاردز والتحليل النفسي للشعر‏,‏ متعرضا لقضية المعني و القيمة في الفن‏,‏ وفي الفصل السابع تناول للنقد الجديد‏,‏ وللنص الادبي باعتباره كيانا مستقلا‏,‏ وما بين النقد الجديد والشكلية الروسية‏,‏
                    وفي الفصل الثامن والاخير من الكتاب تناول لتأثير إليوت والنقاد الجدد في النقد العربي المعاصر‏,‏ وفي هذا الفصل حديث عن النقاد الثلاثة‏:‏ محمد النويهي ومصطفي ناصف ومحمود الربيعي‏,‏ عن معارضة النويهي لمصطفي ناصف‏,‏ ومحمود الربيعي علي درب النقد الجديد‏,‏ مشيرا إلي أن النويهي في رده علي مصطفي ناصف حذر من خطر تطبيق مقاييس النقد الغربي علي أدبنا العربي الموروث‏,‏ فهذه المقاييس تفيد الناقد نفسه فائدة جليلة‏,‏ في توسيع نظرته وإرهاف حسه النقدي اذا أحسن فهمها‏,‏ لكنها مستخرجة من آداب‏,‏ مهما تتفق مع أدبنا العربي في بعض الأحوال الانسانية الضاربة في صميم النفس البشرية‏,‏ فهي تختلف عنها في أمور كثيرة‏,‏ بعضها جذري أيضا‏,‏
                    فتطبيقها المتعسف علي أدبنا لن ينتج خيرا‏,‏ بل ينتج عنه ضرر محقق‏,‏ وفي رأي شفيع السيد أن النويهي كان يهاجم الاعتقاد بأن الفن له وجوده المستقل المعزول عن كل شيء خارجه فينبغي ألا يحكم عليه بأي مقاييس خارجية‏,‏ بل مقاييس فنية صرف‏,‏ وهو ما يسمي نظرية الفن للفن وحده‏,‏ وكان واضحا ان مصطفي ناصف في قوله بأن القصيدة نشاط لغوي أو نظام من الرمز قد جاء متأثرا بآراء إليوت والنقاد الجدد الذين خرجوا من عباءته‏,‏ وكانت كتابات هؤلاء النقاد أو عدد منهم ـ فيما يري شفيع السيد ـ أسانيد لافكاره في مواطن متعددة‏.‏
                    والمؤلف يري أن محمود الربيعي ومصطفي ناصف قد التقيا علي درب واحد ـ هو درب النقد الجديد ـ لكنه التقاء الغابة الواحدة بإجمال‏,‏ ويبقي لمحمود الربيعي بعد ذلك لمسته الخاصة في تقديم هذا المنهج‏,‏ والتعامل معه‏,‏ وهي لمسة تتسم بالأناة واتساق الأفكار‏,‏ بحيث يمكن ـ مع اختلاف مواقعها تبعا لاختلاف السياق ـ من إعادة عرضها عرضا له منطقه إن نقطة البداية عنده تتمثل في تصوره لعملية إبداع النص الأدبي فهذا التصور يمكن النظر إليه باعتباره المرجعية أو القاعدة التي تنطلق منها آليات فحص النص‏,‏ وقراءته قراءة ناقدة‏,‏ وينقل عن الربيعي نصا من كتابه قراءة الشعر يقول فيه‏:‏ الأدب نشاط إبداعي يتشكل في شكل لغوي‏,‏
                    ويعني هذا أنه تجربة انسانية للأدب المبدع‏,‏ تأخذ طريقها إلي الآخرين‏,‏ عن طريق الشكل اللغوي الذي تتشكل فيه‏,‏ فالأديب يلاحظ الواقع‏,‏ ويتلقي منه مئات الانطباعات‏,‏ بل يختزنها وهذا الاختزان أبعد ما يكون عن التجميد‏,‏ انه الاحتفاظ بهذه الانطباعات حية متفاعلة مع العدد الهائل من انطباعات التجارب الماضية‏,‏ وانطباعات التجارب المتخيلة‏,‏ ومع تجدد الواقع‏,‏ واختلاف المواقف‏,‏ وتباين التجارب‏,‏ تمتزج التجربة الأدبية الفعالة‏,‏ وتتآلف وتسعي سعيا دائبا إلي أخذ شكلها اللغوي المناسب الذي يجعل منها كيانا محسوسا جماليا‏.‏
                    كتاب‏:‏ نظرية الأدب ‏(‏ دراسة في المدارس النقدية الحديثة‏)‏ للدكتور شفيع السيد‏,‏ يقوم علي منهج شديد الاتساق والاستقرار والوضوح‏,‏ فكرة وعرضا وتناولا وإحاطة مدعم بالنصوص والاقتباسات‏,‏ في لغة رصينة واضحة لا لبس فيها ولا التواء وهو ـ بالتأكيد ـ اضافة ثرية إلي رصيد كبير أنجزه الناقد والأستاذ الكبير الدكتور شفيع السيد في استكشاف الواقع النقدي وتياراته الحديثة‏,‏ متوقفا عند النقد الجديد‏,‏ لكن ما بعده من تيارات ومدارس‏,‏ يتطلب كتابا ثانيا‏,‏ نحن في انتظاره‏.‏
                    .................................................. ...........
                    *الأهرام ـ في 10/5/2009م.

                    تعليق

                    • د. حسين علي محمد
                      عضو أساسي
                      • 14-10-2007
                      • 867

                      #25
                      (21) يحيي حقي متحدثا عن الشعر

                      بقلم: فاروق شوشة
                      ....................

                      في كتابه البديع هذا الشعر الصادر ضمن الطبعة الجديدة من أعماله الكاملة‏,‏ التي أنجزتها نهضة مصر للطباعة‏,‏ تتكشف لنا بعض تجليات القدرة الفذة عند أديبنا الكبير يحيي حقي علي النفاذ إلي سر أسرار العربية وقدس أقداسها‏:‏ الشعر‏..‏ فهذا المبدع العظيم أتيح له من رهافة الحس والتغلغل في صميم الكلمة العربية‏:‏ جرسا وموسيقي وظلا وإيحاء وأصواتا‏,‏ ما جعله يستشرف هذا الفضاء الشعري الرحب في الشعر العربي وغير العربي‏,‏ وهو يقدم لقارئه ومتذوقي لغته‏,‏ دروسا في التذوق الراقي ومعراجا إلي سماء الفن الشعري لدي باقة من أعلامه المبدعين‏.‏
                      والمثير للدهشة ـ هنا ـ أن يقوم بهذه الرحلة الحافلة بالأسرار والكنوز والمكتشفات‏,‏ قاص يثبت لنا أن الشعر ـ بمعناه الحقيقي ـ يسكنه‏.‏ الشعر بوصفه ماء وكيمياء كما كان العرب يقولون حين يتحدثون عن مائيته وكيميائه‏,‏ والشعر بوصفه جمالا روحيا حالما‏,‏ ونبضا إنسانيا حارا‏,‏ ولغة إبداعية متوهجة‏,‏ وموسيقي نابضة متدفقة‏,‏ وحالة شعورية كاملة‏.‏
                      هذا الوعي بالشعر والمشاعر أساسه عند يحيي حقي أنه سيد لغته‏,‏ والشعر لا يمنح سره إلا لمن امتلك لغته والشعر فن اللغة الأول‏,‏ فن الإبداع باللغة‏,‏ من هنا كانت وقفة يحيي حقي مع شوقي‏,‏ وفهمه العميق لدور الشاعر في قومه ورسالته إلي أمته وموقعه من قلب الحياة والتاريخ‏.‏
                      ويري في ظاهرة شوقي ـ أمير الشعراء ـ الظاهرة التي لم تتكرر‏,‏ في ضوء رؤيته لحركة الانبعاث والتجديد بمعناها الشامل‏.‏
                      يقول يحيي حقي‏:‏ تفشي التحديد في كافة الميادين‏,‏ انفسح المجال لعبده الحامولي لكي يقلقل الموسيقي من جمودها‏,‏ وتمثل إعزاز مصر له في تسميتها له‏(‏ سي عبده‏),‏ ولسلامة حجازي أن يجر الأقدام للمسرح ببحته الشجية‏,‏ اسمه أيضا عندها‏(‏ الشيخ‏),‏ وللشيخ محمد عبده أن يغرز بإبرة مؤلمة لقاح دعوته للتحديد في جسد الأزهر‏,‏ ثم يتركه يستفحل مع الزمن‏.‏ وللنثر أن يتحرر من الزخارف بفضل أقلام كثيرة لا أعددها‏.‏ لكن هذه الجهود كلها كانت ستظل بكماء‏,‏ لا تحرك وجدان الشعب‏,‏ لو لم يقيض الله لها شاعرا يلمها ويرمز لها ويعبر عنها ويحثها فتنطق من فمه‏,‏ كانت كالقبيلة تتلهف علي مولد شاعرها‏.‏ فالزمن زمنه‏.‏ لقاؤه موعد محتم مضروب وجاءها شوقي فلم تكد تمتحن بواكير نظمه حتي أقرت له بموهبته‏,‏ وعرفت أنه شاعرها الذي تنتظر إن الحفلة الرسمية التي أقيمت في أواخر عهد شوقي لمبايعته بإمارة الشعر قد سبقتها بزمن طويل مبايعة ضمنية بهذه الإمارة‏.‏
                      ومن شوقي أمير شعراء الفصحي ينتقل يحيي حقي إلي صلاح جاهين أمير شعراء العامية‏,‏ وهو يتحدث عنه في رباعياته‏,‏ معلنا منذ البداية أن قالب الرباعيات هو أحب قوالب الشعر عنده‏,‏ لأنها تعين علي نفي الفضول وعلي التحرر من أسر القافية‏.‏ فتجيء كل رباعية بمثابة الومضة المتألقة‏,‏ أو بمثابة الحجر الكريم‏,‏ قيمته في اختصاره وصقله لا في كبر حجمه‏.‏ ولقد أتيح ليحيي حقي النفاذ إلي جوهر هذه الرباعيات فنا وإحكاما وتشكيلا وبناء وفكرا وتأملا‏,‏ وهو يعلن بأنه وجد فيها كنزا نادرا ولغة جديدة فريدة‏,‏ لا هي بالفصحي ولا هي بالعامية‏,‏ وإنما هي لغة ثالثة بديعة‏,‏ نابعة من الفصحي ومنقوعة في صميم الحياة اليومية‏,‏ بفن واقتدار وأصالة‏.‏ ذلك أن عصارتها ـ كما يقول ـ هي الدم الذي يجري في عروقه منذ مولده في المهد الذي نشأ فيه حافظ الشيرازي وجلال الدين الرومي ورابعة العدوية ومحيي الدين بن عربي وابن الفارض فضلا عن تعبيرها الصادق الظريف الخفيف الدم عن مزاج ابن البلد في مصر فصلاح ابن بلد مصفي‏,‏ لم يفسده التعليم أو التثقيف‏,‏ بل زاده رقة علي رقة‏,‏ حتي جسمه يشبه بشدق نافخ في مزمار بلدي‏.‏
                      يقول يحيي حقي‏:‏ ويخيل إليك أن صلاح أخذ الدن المترب من عمر الخيام‏,‏ وصبه في قلة قناوي ووضعها وفي حلقها فلة أو وردة‏,‏ علي رصيف قهوته التي يشرب فيها التعميرة ساعة العصاري‏,‏ ليكرع منها ـ ولا حاجة للكوب ـ كل عطشان عابر سبيل وهذا ثواب مبجل ومضمون عندنا‏,‏ ولكنك اذا دققت النظر في تخاريم شباك هذه القلة‏,‏ لوجدتها آية في الصنعة الباهرة والزخرفة الجميلة‏,‏ شباك أين منه دنتلا البندقية‏.‏ وقد زهقنا كل الزهق ممن يكتبون لنا بأساليب لا تمت إلي مزاجنا بأدني سبب كأنهم‏,‏ وهم يؤلفون يترجمون عن لغة أقوام آخرين‏,‏ ولا يفرقون بين الأسلوب الفني وأسلوب موضوع الإنشاء الذي لابد أن يبدأ بجملة‏:‏ خلق الله الإنسان وإذا لم يصل أدبنا إلي التعبير عن مزاج أهله‏,‏ فإنه سيظل والحمد لله كالماء الصافي‏:‏ لا طعم ولا لون ولا رائحة‏,‏ ويحيي حقي يعترف بأنه لم يكن يحس وهو يقرأ الرباعيات انها مكتوبة بالعامية‏,‏ ذلك ان صلاح قبل ان يكون ابن بلد مصفي هو الفنان المصفي الأصيل المتعدد المواهب‏,‏ هو الفنان بشخصه وفي ذاته ولو لم يخط حرفا واحدا فكل ما يصدر عنه هو فيض‏,‏فيض الكريم‏.‏
                      الشعر إذن في رأي يحيي حقي‏,‏ وليد طرب الروح ونشوة الجسد معا‏,‏ في النغمة والرقص الكفاية‏,‏ فإذا ساندهما المعني والفكرة‏,‏ بلغ الشعر الذروة وحلق إلي الأعالي‏.‏
                      هذا هو درس يحيي حقي في كتابه البديع هذا الشعر‏:‏ لابد لمن يتصدي للكتابة عن الشعر أن يمتلك هذا الإحساس العارم بالحياة وهذه الروح المفعمة بالجمال‏,‏ واللغة القادرة علي كشف الكنوز وتجليات الإبداع‏.‏
                      ..........................................
                      *الأهرام ـ في 3/5/2009م.

                      تعليق

                      • د. حسين علي محمد
                        عضو أساسي
                        • 14-10-2007
                        • 867

                        #26
                        (22) يتــــــــم

                        شعر: فاروق شوشة
                        ......................

                        ألاحق ما يتبقي من العمر
                        أكره أن يتلكأ بي‏,‏
                        أو يمارس صولة نزو قديم
                        وأسأله أن يخصص
                        ــ من بين أوراقه المرجآت ــ
                        لوجهك
                        ــ هذا المسجي أمامي ــ
                        بعض صحائفه المشرعات
                        لعلي ألامس منك الذي طار عني
                        وخلفني‏,‏
                        أجرع الخوف والغربة الموحشة
                        لعلي إذا ما اقتربت
                        تنفست ذاك النسيم
                        ووقع يد أشربتني ــ علي ظمأ ــ
                        وهي تربت
                        فيض العطاء الحميم
                        برغم الزمان الشحيح العقيم
                        فهل أستعيدك
                        ــ ياوجه هذا الصفاء
                        الذي يتباعد عني‏,‏
                        ويسلمني بعده لفضاءات هم مقيم
                        وعبء جسيم؟
                        وهل أستعيدك
                        من قبضة لا فكاك
                        ولا من مخالبها نجوة
                        لا يقين تبقي لدي
                        ولا أمل في خيال يريم
                        فيا طيفها لا تباعد
                        ويا طير أعشاشها لا تغادر
                        ويا أغنيات الصبايا اللواتي
                        تحلقن من حولها
                        أمدا‏..‏
                        لا تغيبي
                        فمازال لي موطيء في الربوع
                        وخطو يفاجئني‏,‏
                        وهو يأخذني من مكاني
                        ويقذف بي في الدموع
                        فترتج مني الضلوع
                        لصدرك‏..‏
                        هذا الحنين الذي ليس يهدأ
                        ما دمت طفلا‏,‏ إليك
                        وما دمت أحيا
                        لعينيك‏..‏
                        هذا اللهاث الذي لم يزل يحتويني
                        ويعصف بي‏,‏
                        حين أغمض عيني
                        وأطوي المشاهد والعمر طيا
                        لوجهك‏..‏
                        ــ هذا المجلل بالطهر
                        والصبر‏,‏
                        والحزن ــ
                        كل الذي يتفجر في
                        وكل الذي يتناثر حولي
                        وأغرق نفسي فيه
                        ومازلت أنشد عمرا بهيا
                        ولو جاء ممتلئا بالرضا بالقليل
                        ومكتملا ببهاء القبول
                        سأمحو من العمر ذاكرة لست فيها
                        وخارطة لا تقود إليك
                        لعلي يتاح لوجهي الدنو
                        الجثو
                        وتقبيل هذا التراب الذي كان يوما
                        يلامس وقع خطاك
                        وأنت تخطين عبر ملامحه المجهدة
                        رسوم صباي البعيد
                        وفرحة عمر سيأتي
                        وترنيمة لمصير بعيد
                        وحين تواريت فيه
                        تبارك وجه الثري
                        تقدست الأرض أما
                        وبؤت بيتمي

                        تعليق

                        • د. حسين علي محمد
                          عضو أساسي
                          • 14-10-2007
                          • 867

                          #27
                          (23) فهمي عمر ونصف قرن مع الميكروفون

                          بقلم : فاروق شوشة
                          .....................

                          اخيرا‏,‏ أتيح للإذاعة المصرية ـ في مناسبة عيدها الماسي ـ من بين أبنائها الكبار عشاق الميكروفون من ينصفها‏,‏ ويشيد بدورها التنويري في حياة هذا الوطن علي امتداد خمسة وسبعين عاما‏,‏ في هذا الكتاب الصادر عن دار المعارف بقلم الرائد الإذاعي فهمي عمر‏,‏ أحد الذين تسلموا الراية من ايدي جيل الرواد الأول‏:‏ محمد فتحي وعلي خليل وعبد الحميد الحديدي ومدحت عاصم ومحمد محمود شعبان‏(‏ بابا شارو‏)‏ وعبد الوهاب يوسف وحافظ عبد الوهاب وغيرهم‏.‏
                          وكان للجيل التالي الذي يمثله فهمي عمر اصدق تمثيل‏,‏ فضل التحدي والمغامرة‏,‏ والإنجاز الضخم في كل مجال‏,‏ والغيرة علي الاذاعة اسما ومعني‏,‏ شكلا ومضمونا‏,‏ والتغني باسمها في كل مناسبة‏,‏ والإيمان بأنه لا بديل لها ولانظير‏,‏ مهما كان المتصدي لمنافستها‏,‏ دورا وآداء‏..‏ إنه الجيل الذين يمكن أن يطلق عليه الجيل العاشق للميكروفون‏.‏
                          والكتاب الذي بين ايدينا ليس تاريخا للإذاعة‏,‏ بالمعني الذي قدمه كروان الاذاعة محمد فتحي حين ألف قي عقد الثمانينيات‏,‏ وفي مناسبة عيد الإذاعة الذهبي أو الخمسيني و بطلب من فهمي عمر رئيس الإذاعة وقتها‏,‏ كتابه عن الإذاعة المصرية نشأة وتطورا راعي فيه تتابع الأحداث وتعاقب الشخصيات وتطور الرسالة في إطار رؤية تاريخية‏.‏ أما كتاب فهمي عمر‏,‏ فهو اقرب الي طبيعة المذكرات أو الذكريات المتدفقة الزاخرة‏,‏ تفيض بها نفس متوهجة وراء سطورها وكلماتها‏,‏ الأمر الذي يجعل منها وثيقة بالغة الأهمية‏,‏ تقرؤها وكأنك تعيش وتتحرك وتتنفس بين فصولها‏,‏ تري وتلمس وتحس وتشم كل مايتصل بالحياة الاذاعية علي مدار نصف قرن‏..‏ وهو كتاب يقول لنا ان صاحبه ـ بالإضافة الي خبراته وإنجازاته الإذاعية الكبيرة ـ قدم الكثير في مجال العمل النيابي الذي شارك فيه عضوا منتخبا في مجلس الشعب‏,‏ وبرلمانيا بارزا علي مستوي الدائرة الوطن‏,‏ وحجم الخدمات لمواطنيه افرادا وجماعات‏,‏ في خيط وثيق يمتد من القرية الي القاهرة‏,‏ من غير ان يكون هذا الجهد علي حساب اهتماماته الأساسية في مجالي الاذاعة والرياضة‏.‏
                          ثم هو كتاب علي درجة عالية من الجرأة وصدق التناول‏,‏ لسيرة حياة عامرة بالمواجهات الصعبة‏,‏ لم يكن صاحبها بالمتردد أو بالذي يغمض عينيه علي فساد‏,‏ أو أية محاولة للتدخل ممن لا يملك حق التدخل‏,‏ حتي لو تذرع بالعناوين واللافتات التي كانت تجعل كثيرين يرتعشون وهم في موقع الإدارة والمسئولية‏,‏ عند التلويح لهم بلافتة الأمن العام أو المخابرات أو الأمن القومي‏,‏ فيواجه هؤلاء الملوحين بقوة وعنف‏,‏ مستندا الي هيبته ونقاء اسمه من ناحية‏,‏ وثقة المسئولين الكبار فيه ومعرفتهم به وبتاريخه من ناحية أخري‏.‏
                          والذي لاشك فيه ان الخريطة الإذاعية التي تم تحديثها علي يديه في النصف الأول من الثمانينيات ـ عندما رأس الإذاعة ـ لاتزال هي الأساس الراسخ الذي تقوم عليه الخريطة الاذاعية الآن وتنطلق منه‏.‏ ولاتزال البرامج التي أبدعها فكره وفكر زملائه وأبنائه تحتل مكانها وموقعها في دائرة التألق والنجاح‏,‏ ولاتزال دائرة البرامج والاذاعات الرياضية ـ بكاملها ـ مدينة له بتنوعها وغزارتها وعناصر النجاح التي تقوم عليها‏,‏ بالإضافة الي برامج الثقافة والمنوعات‏,‏ التي كان يحرص علي إكسابها طابع التشويق والاحترام‏,‏ بعيدة عن الجهامة‏,‏ وفي الوقت نفسه بعيدة عن الضحالة والإسفاف‏.‏
                          وفهمي عمر ـ عاشق الميكروفون ـ والرياضي الكبير ـ عاشق الساحرة المستديرة الكرة‏,‏ ـ والنيابي المتألق ـ عاشق خدمة مواطنيه والسهر علي قضاء مصالحهم ـ يدخلنا من خلال هذا الكتاب البديع الي جوانب عالمه الثري‏,‏ الذي يفوح من بين سطور صفحاته عطر الأحباب‏,‏ وهو يتحدث عن أساتذته وعن علاقته بالأجيال الشابة الواعدة‏,‏ عازفا سيمفونية من الحب الجميل للناس والوطن والإذاعة المصرية‏,‏ ولعشرات من الوجوه التي انعكست صورها في مرآته الصافية النقية‏.‏
                          لقد امتد العمر الجميل بالإذاعة المصرية ـ علي عكس ماكان يتوقع الذين راهنوا علي التليفزيون وتأثيره الطاغي ومزاحمته العنيفة للإذاعة‏.‏ لكن الطريف ان مرحلة الانبهار بالتليفزيون وبالفضائيات قد بدأت تمحي وتزول‏,‏ بعد أن افتقد التليفزيون ـ الذي ولد عملاقا كما اشاعوا ـ كثيرا من الهيبة والقيمة والمعني التي كانت للإذاعة ولاتزال‏,‏ وبعد أن شهدت الاذاعة في سنواتها الأخيرة طفرة في الاداء والأساليب والتوجهات والمضامين‏,‏ أفسحت لها من قلوب الناس وعقولهم‏,‏ وجعلت الكثيرين يعودون اليها اكثر ثقة بها واحتراما وإصغاء لسحرها الذي لايزال‏.‏
                          تهنئتي للإذاعة المصرية‏,‏ ان أتيح لها أخيرا‏,‏ وفي عيدها الخامس والسبعين ـ من بين كبار أبنائها ومبدعيها‏,‏ هذا العاشق العتيد للميكروفون فهمي عمر رئيس الإذاعة الأسبق الذي عكف عليها وعلي تاريخها وحجم إنجازها وتأثيرها بمثل هذه المحبة وهذا الانتماء‏.‏ وهذه النبرة المليئة بالثقة والتفاؤل في الغد القادم هي أقصي ما يتمناه العاشقون لمعشوقاتهم‏.‏
                          ..............................................
                          *الأهرام ـ في 12/7/2009م.

                          تعليق

                          • د. حسين علي محمد
                            عضو أساسي
                            • 14-10-2007
                            • 867

                            #28
                            (24) فاروق شوشة يخرج عن تحفظه:

                            كل الأزمنة للشعر.. و"زمن الرواية" سببه التجرؤ علي المحظورات!!
                            المسرح الهابط يسيطر علي الساحة.. ويشارك في تغييب الوعي

                            حاوره: حزين عمر
                            .....................

                            ليس في حياتنا الثقافية شاردة ولا واردة لم تمر علي فاروق شوشة. أو يمر عليها. خلال العقود الثلاثة الأخيرة.. فإذا ذكرت اللغة وقضاياها وأزماتها وعلاقة أبنائها بها. فسيذكر برنامج "لغتنا الجميلة" أشهر برامج الثقافة في الإذاعة المصرية. قبل أن يخفت صوتها!! ثم يذكر موقعه الحالي كأمين عام لمجمع اللغة العربية.
                            وإذا ذكر الشعر ونقده وتأريخه وتذوقه. ففاروق شوشة أحد أركانه الحصينة. بما أنجز من أعمال شعرية علي مدي أكثر من نصف قرن. ومازال ينجز. وبما يكتبه من مقالات تعرض فن العربية الأول. وتحلله. وتقدمه طبقاً سائغاً إلي الذائقة الراهنة التي تستسهل تلقي المعلومات من الإنترنت والتليفزيون.
                            وفي مجال العمل العام فهذا الشاعر الكبير قبل موقعه الراهن بمجمع الخالدين كان رئيساً لاتحاد كتاب مصر. وظل عضواً بمجلس إدارة جمعية المؤلفين والملحنين ورئيساً لها عشر سنوات. وهو كذلك عضو بلجنة الشعر بالمجلس الأعلي للثقافة.. هذه اللجنة التي أصبحت مؤخراً مدعاة للخلاف حولها. وحول دورها. وأعضائها.. ووصلت ذروة الخلافات والتهجمات عليها مؤخراً. حينما حصل رئيسها الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي لنفسه علي جائزتها. أي أن اللجنة تمنح نفسها جائزة الشعر التي تقررها هي وتحكِّم فيها. لكن هذه القضية بالذات جعلت فاروق شوشة في حوارنا معه يتجاوز تحفظه في التعبير عن مواقفه وآرائه. ويؤكد بحسم أن حجازي لا علاقة له بالحصول علي الجائزة. وأن لجنة التحكيم وهو واحد منها هي التي منحته إياها. بصفته أكبر شاعر في مصر حاليا. بدون أية تحفظات!!
                            في تعرضنا لشتي قضايا العمل الثقافي العام. وواقع الحياة الأدبية. سألت فاروق شوشة:
                            ** موقعك القيادي بالمجمع يعد استمراراً لدورك في صيانة لغتنا القومية.. لكن إبداعك الشعري قد يتأثر.. ألا تشغلك هذه المسألة؟!
                            * قال: ليس صحيحاً إن إبداعي قد تأثر.. بل العكس قد حدث.. فخلال خمس سنوات أصدرت ثلاث مجموعات شعرية. ولي ديوان كامل ينشر الآن بالأهرام كل أحد بعنوان "وجوه الذاكرة" وسأجمعه في كتاب بعد نشره.. وأنا متنبه لهذه المسألة حتي قبل مجيئي للمجمع. وحينما كنت أشغل رئاسة الإذاعة من عام 1994. .1997 كما أن عملي بالمجمع ليس إدارياً. بل هو عمل علمي. فأنا أشارك بانتظام في اجتماعات اللجان ونقاشاتها. وفي جلسة المجمع الرسمية. وهذا الجو العلمي مثير للذهن. مجدد للقريحة. دافع للقراءة في شتي المجالات.. والشعر شديد الارتباط بكل مجال معرفي.. فلا أكتب شعراً وأنا في إجازة عقلية.
                            ** زحام شعري تشهده الساحة في السنوات الأخيرة.. لكن الصوت الأعلي الآن للكتابات النثرية... أهو تراجع للشعر. وخاصة القصيدة التفعيلية أم أن الأمر يتعلق بالذوق العام وتغير مفاهيم التلقي؟
                            * إنه مخاض جديد تعيشه الحركة الشعرية. كما حدث من قبل في حالات كثيرة. وهذا المخاض حتي وإن طال سيؤدي في النهاية إلي صيغ شعرية جديدة. تفيد من كل ما هو موجود في الساحة: العمودي والتفعيلي. وما يسمي بقصيدة النثر. وأنا أحس أن بين هذه الأشكال جميعاً جدلاً قائماً ومستمراً. إذ من المؤكد أن الذين يكتبون العمودي قد أفادوا من مرحلة التفعيلة. وأن شعراء التفعيلة قد أفادوا من الكتابات النثرية. واكتشفوا أن الاقتراب من لغة الحياة اليومية. ومن المحظور في اللغة ومنظومة القيم قد يصبح إضافة جديدة إلي العالم الذي يتحركون فيه. وبالتالي أنا متفائل فيما يتصل بقصيدة جديدة مغايرة. لا أستطيع التنبؤ بشكلها المحدد الآن.
                            ** مقولة "زمن الرواية" أطلقها بعض النقاد. ولاكتها الألسنة المقلدة.. أتري الدافع إليها فنياً بحتاً. أي بازدهار فن الرواية وانحسار الشعر كديوان للعرب. أم أن هناك أسباباً نفعية وغير موضوعية وراءها؟!!
                            * أراه أولاً اندهاشاً لدي بعض النقاد مما يمكن تسميته بانفجار روائي في عدد من البلدان العربية. لم تكن قد تأصلت فيها الكتابة الروائية بشكل واضح. وشغلت هذه الكتابات النقاد. لأنها كانت مرتبطة بتحولات المجتمعات العربية في بعديها: الذكوري والنسوي.. لأنها شملت روائيين وروائيات متجرئين ومتجرئات علي المحظور. واعتبرت هذه الكتابات تمرداً علي القيود والأسوار والتقاليد البالية.
                            هذه الجرأة في الطرح. مع تلهف حركة الترجمة علي نقلها إلي الأفق الأجنبي. والحماس الشديد الذي استقبلت به هذه الترجمات. جعل النقاد يتحدثون عما يسمي بزمن الرواية.. وبالنسبة لي. الأمر في جوهره مرحلي. ولا يعني هذا في المقابل تراجعاً أو انحساراً في الحركة الشعرية التي شهدت وتشهد في عقودها الأخيرة قامات من طراز محمود درويش وسميح القاسم وسعدي يوسف وجوزيف حرب وأحمد عبدالمعطي حجازي وأمل دنقل ومحمد عفيفي مطر ومحمد إبراهيم أبوسنة وعلي جعفر العلاق وحسب الشيخ جعفر وغيرهم. وفي مقابل كون الشعر زمناً دائماً ومستمراً. لا بأس من أن تشغل الرواية بعض اهتمام هذا الزمن. إن الشعر هو الزمن نفسه.. كما أن انهيار تعلم اللغة العربية. ووجود قراء لا يحسنون فن التذوق الأدبي بسبب ضعف مستواهم اللغوي. وراء الإقبال علي قراءة الرواية: الفن الأيسر والأوضح بالمقارنة بالقصيدة الشعرية. فلابد من تمكن القاريء من اللغة ليقرأ الشعر. فالشعر فن لغوي رمزي وإيحائي. ويحتاج إلي ذائقة مدربة لتلقينه. وأي طالب بالثانوية يستطيع قراءة أعمال نجيب محفوظ. لكن ليس كل القراء يستطيعون قراءة دواوين صلاح عبدالصبور أو أمل دنقل.
                            ** في حديثك عن ازدهار حركة الشعر في العقود الأخيرة. أدرجت اسم أحمد عبدالمعطي حجازي ضمن ظاهرة الازدهار هذه. علي الرغم من توقفه عن الإبداع الشعري الحقيقي منذ سنين طويلة. ولا يذكر له إلا أعماله الأولي. وتحول إلي كاتب مقالة حالياً!!
                            * ما نشره حجازي في العقد الأخير. وهو أكثر من 12 قصيدة. يؤكد أنه مازال متوهجاً بكيمياء الشعر الحقيقي.. ولا أجاوز الحقيقة حين أقول إن نضج حجازي المعرفي وخوضه في قضايا فكرية وفلسفية وروحية. بصفته كاتباً. قد أصبح بمثابة الحاضنة التي تغذي عالمه الشعري الراهن. وقد أثبت في القصائد التي سوف تنشر ويضمها ديوانه الجديد "طلل الوقت" أنه مازال الشاعر الأول في مصر.
                            ** لأجل هذا منح لنفسه جائزة الشعر التي تقدمها لجنة الشعر بالمجلس الأعلي للثقافة. وهو رئيس اللجنة؟!!
                            * لم يعط الجائزة لنفسه.. هذا غير صحيح.. وأنا كنت عضواً في لجنة التحكيم.. وكان لدينا حيثيات لمنحه إياها. بصفته مصرياً. وهو الشاعر الأول في مصر. ومازال الأقدر علي أن يكتب قصيدة جديدة متطورة.. والعادة أن نمنح الجائزة مرة لشاعر عربي وأخري لمصري. وكانت المرة الماضية لعربي. ولابد أن يحصل عليها مصري هذا العام.. فمن يكون غيره؟!
                            ** للشعر فنون شتي: القصيدة والملحمة والمسرحية والسيرة الشعرية والشعر الدرامي.. وقد كتبت القصيدة والأغنية.. أين نصيب هذه الفنون الأخري من إبداعك؟
                            * هذا ليس عصر الملاحم. لقد ارتبطت بوقائع تاريخية انتهي زمانها. وعصرنا بطبيعته لا يحتمل الملاحم.. وفيما يتصل بالأغنية. لم أكتب أغاني خصيصاً للغناء. إنما هي قصائد اختارها بعض الملحنين. ولم أنجرف في هذا الطريق. لأني أعلم أنه بمكاسبه المادية وغير المادية كفيل بأن يقضي عليَّ. كما صنع بكثيرين قبلي. أبرزهم أحمد رامي. حين ضحي بجوهر شاعريته لكتابة مئات الأغاني. حتي وإن كانت متفردة إلا أن ديوانه ضئيل الحجم. وفيما يتصل بالمسرح. الطريف أن أول ما نشرته كان مسرحية شعرية عن الفتنة الكبري بين علي ومعاوية وعثمان. وكنت طالباً بالمدرسة الثانوية. وقدمها فريق التمثيل بها. ثم نشرتها المدرسة. وكان اسم المسرحية "علي مسرح التاريخ". لكني اكتشفت بعد ذلك أن المسرح لا يكتبه البادئون أو من هم في منتصف الطريق.. فقد أنجز شوقي مسرحه في السنوات الخمس الأخيرة. بعد مبايعته أميراً للشعراء. وإحساس أن زمننا الراهن لم يعد صالحاً لاستقبال مسرح جاد. بدليل أن ما يعرض ويقدم اليوم في المسارح والتليفزيون هو المسرح الهابط الذي لا رسالة له. والذي يهدف إلي تغييب الوعي. وصرف الناس عن مشاكلهم الحقيقية.. وإلا فأين الآن مسرح نعمان عاشور ويوسف إدريس وسعد الدين وهبة. علي سبيل المثال. من بين ما يعرض الآن في المسارح والتليفزيون؟!
                            ** ذكرت حذرك من كتابة الأغنية والانشغال بها.. لكنك ارتبطت بها بقوة من خلال جمعية المؤلفين والملحنين التي كنت رئيساً لها.
                            * نلت عضوية هذه الجمعية. لأني كنت أحد من لهم أغنيات. سجلت وأذيعت. ثم أصبحت عضواً بمجلس إدارتها ورئيساً لها لمدة 10 أعوام.. ولم يكن لي من خلال الجمعية علاقة بالأغنية. ولكن بتتبع العائد المستحق للأعضاء من المؤلفين والملحنين. ثم اكتشفت بعد هذه التجربة. وبعد توليَْ رئاسة اتحاد الكتاب لمدة دورة. أن هذه الصيغ الرئاسية الإدارية تلتهم الوقت. الذي ينبغي أن أخصصه لنفسي: إما أن أكتب وأقرأ أو أتفرغ تماماً لما يحيط بهذين الموقعين من مشكلات ومتطلبات.
                            ** مؤخراً أصبح لمجمع اللغة العربية حق الضبطية القضائية وحق فرض قراراته علي الجهات التنفيذية المخربة للغة القومية.. ماذا فعل بهذا الحق؟!
                            * ليس لنا حق الضبطية القضائية. فهذا يعني ملاحقة المتكلمين والكاتبين!! كانت قراراتنا من قبل مجرد توصيات ترسل إلي الوزارات والجهات المعنية تعمل بها أو لا تعمل. لأن قانون المجمع لم يكن ملزماً.. وما حدث بعد تعديله هو أن أصبح لقانونه صيغة تنفيذية.. وفي هذه الحالة يملك المجمع أن يتدخل في الواقع اللغوي. ليعد تقريره السنوي ويقدمه إلي مجلس الشعب عن الجهات التي استجابت والتي لم تستجب. ولهذا الأمر التنفيذي أنشأنا لجاناً مهمتها متابعة تنفيذ هذا القانون. والرد علي الشكاوي التي ترد للمجمع. وهي لجان اللغة العربية والتعليم. والإعلام. ومؤسسات المجتمع المدني المعنية باللغة العربية. وهي جمعيات تعريب العلوم. ولسان العرب. وحماة اللغة العربية. وعمر لجان المجمع هذه عام تقريباً.. بالإضافة إلي اللجان المتخصصة القائمة منذ زمن طويل.
                            ** أخيراً لا ننسي وجودك القيادي الإعلامي كرئيس سابق للإذاعة المصرية.. أتظن صوت مصر الرسمي مازال يسمع الآن حتي داخل الحدود لا خارجها؟!!
                            * مازال يسمع.. صحيح هناك شوشرة إعلامية وضجة وجلبة من الفضائيات.. لكن المصداقية للإذاعة المصرية مازالت قائمة. مقارنة بالفضائيات. وهذا ما لمسته من حفل تكريم لقيادات الإذاعة. وكنت أحد المكرمين فيه. أقامته محافظة الفيوم مؤخراً. وشهد جمهوراً حاشداً لم يكن له حديث سوى برامج الإذاعة!
                            ..........................
                            *المساء ـ في 4/1/2010م.

                            تعليق

                            • سحر الخطيب
                              أديب وكاتب
                              • 09-03-2010
                              • 3645

                              #29
                              اشكرك دكتور حسين
                              احببت هذا الاديب منذ صغري بصوته العذب الشجي الدافىء عبر المذياع فكان صوته وكلماته اول حبي للاشعار
                              تحياتي دكتور حسين
                              الجرح عميق لا يستكين
                              والماضى شرود لا يعود
                              والعمر يسرى للثرى والقبور

                              تعليق

                              • د. حسين علي محمد
                                عضو أساسي
                                • 14-10-2007
                                • 867

                                #30
                                شُكراً للأديبة المبدعة سحر الخطيب
                                على المُشاركة،
                                مع تحياتي وتقديري.

                                تعليق

                                يعمل...
                                X