(13) صديقي منصور الرحباني(1)
بقلم : فاروق شوشة
.....................
رأيته لاول مرة في مناسبة احتفال لبنان بالذكري الخمسين لرحيل شاعره الكبير الياس أبو شبكة عام1997. كان الحفل في قرية الشاعر زوق مكايل بعيدا عن بيروت في مكان يطل علي بيته وبيت محبوبته ليلي التي خلدها في شعره. الحفل تحت رعاية رئيس الجمهورية حينذاك الياس الهراوي ويشارك فيه خمسة من الشعراء: سعيد عقل من لبنان, وسليمان العيسي من سوريا, وعبدالوهاب البياتي من العراق, ومحمد الفيتوري من ليبيا والسودان, وفاروق شوشة من مصر, وأدهشنا ان سعيد عقل أبي أن يحيي رئيس الدولة لخلاف بينهما في الرأي والموقف بالرغم من أنهما ينتميان إلي بلدة واحدة هي زحلة. بين الجمهور الحاشد كان وجه منصور الرحباني يطل علي المشهد كله ويتابع قصائد الشعراء من أعلي مكان في القاعة الشاسعة, وكأنه واحد من آلهة الاولمب ـ فيالأساطير اليونانية ـ يتأمل مخلوقات العالم الارضي, وملامح وجهه تضطرم فيها عواصف من الشجن والانفعال وحميا المشاركة. كان واضحا ان المشهد الشعري يهزه من الاعماق ويحرك شاعريته وهو يشارك بالتحديق والتحليق.
في اليوم التالي كنا بصحبته أنا والفيتوري والشاعر اللبناني هنري زغيب في زيارة للشاعر عبدالله الأخطل ـ ابن الاخطل الصغير بشارة الخوري ـ وزوج شقيقة منصور وعاصي الرحباني, وكانت ليلة من ليالي الشعر التي لاتنسي, أتاحت لي أن أقترب أكثر من منصور الرحباني الانسان والفنان المبدع المتألق الحضور.
وبعد عدة سنوات كنت أحمل ـ في احدي زياراتي إلي لبنان للمشاركة في مهرجان ربيع زحلة ـ دعوة من الدكتور ممدوح البلتاجي وزير الاعلام ـ وقتها ـ إلي منصور الرحباني لتكريمه في مهرجان القاهرة للأغنية في دورته الاولي, وحين سلمت الدعوة لمنصور بكي وقال في تأثر: كيف يتم تكريمي وعاصي غائب ليس معي؟ مشيرا إلي رحيل أخيه عاصي عام1986 ـ وكيف أجيء إلي القاهرة دون ان يكون معي عمل فني جديد يليق بها وبشعبها وبتاريخها في الفن؟ اشكر لي وزيركم المثقف واعتذر له نيابة عني. لكنه جاء إلي القاهرة بعد ذلك بسنوات ليعرض علي المسرح الكبير بالأوبرا مسرحيته الغنائية آخر أيام سقراط واستضفته في البرنامج التليفزيوني الأمسية الثقافية ومعه ابناه: أسامة وغدي, وكان اللقاء حارا وحافلا, وظل هو محتفظا بالسر الذي جمع بينه وبين أخيه عاصي: أيهما الشاعر وأيهما الملحن؟ والاجابة دائما كل منا شاعر وموسيقي, يبدأ أحدنا الكلمات أو اللحن وينهي الأخر ما بدأه أخوه, نذوب معا في العمل الفني المشترك ويصبح منسوبا للأخوين رحباني ثم أتيح لي أن أشهد مسرحيته الغنائية البديعة أبو الطيب المتنبي علي مسرح دمشق,
وليلتها همس لي بأن في داخله مشروعا جديدا سيعمل علي عرضه في القاهرة, مستعيدا ذكريات جميلة عن مسرحيته التي سبق عرضها فيها آخر أيام سقراط ومشيدا بما يتحلي به الجمهور القاهري من ذوق رفيع وحس فني مرهف, ونضج في التلقي, وقبل وفاته بأسابيع كان يخبرني هاتفيا بأن اتفاقه مع الأوبرا أوشك أن يتم, وأنه سيجيء ومعه مسرحيته الجديدة, وأرسل لي دواوينه الشعرية حتي نلتقي. لكن القدر كان أسبق وفي خضم مذبحة غزة صعدت روح منصور.
شكل عاصي ومنصور معا ـ علي مدي أكثر من خمسة وثلاثين عاما ـ عصر الاغنية اللبنانية وحمل صوت سفيرتهما فيروز ابداعات هذا العصر الرحباني إلي كل الدنيا, وأصبحت هذه الصيغة الثلاثية النادرة حالة من الكلمات والأنغام والاداء الراقي التي لايمكن تكرارها في أي زمان ومكان, ورددت الملايين في كل بقاع الوطن العربي, وخارج حدوده, كل ماتغنت به فيروز ـ من صنعهما ـ لزهرة المدائن ويافا وجسر العودة والشام ومصر وبغداد وشهر زاد وبيسان وسيد الهوي وزمان الحب ولقاء الامس والسمراء حلم المراعي, وعصفورة الشجن وغيرها مئات من القصائد, وجاءت فيروز إلي مصر ـ لاول مرة ـ مع الاخوين رحباني بدعوة من الاذاعة المصرية ـ في مستهل الستينيات ـ لتسجل عددا من الاغنيات والصور الغنائية في عهد مستشار الاذاعة العظيم الموسيقار محمد حسن الشجاعي, وكان من ثمار هذه الرحلة قصيدة سوف أحيا التي أبدعها شاعر الاغنية المصرية الفذ مرسي جميل عزيز وشددت فيها فيروز من تلحين الرحبانية, ثم جاءت مرة ثانية بعد نكسة1967 لتقدم حفلا موسيقيا أقيم في حديقة الأندلس, وكان زوجها عاصي يقود الفرقة الموسيقية,
وغنت فيروز قصيدة مصر التي كتبها ولحنها الرحبانيان تحية لمصر وشعبها العظيم. وهو الحفل الذي يذيع التليفزيون المصري ـ بين الحين والحين ـ مشاهد منه لبعض ما شدت به فيروز وفي أغنيتها عن مصر يقول الرحبانيان: مصر عادت شمسك الذهب/ تحمل الارض وتغترب/ كتب النيل علي شطه/ قصص بالحب تلتهب/ لك ماض مصر ان تذكري/ يحمل الحق وينتسب/ ولك الحاضر في عزه/ قبب تغوي بها قبب/ جئت يامصر وجاء معي/ تعب, ان الهوي تعب.
وفي ختامها يقول الرحبانيان:
مصر ياشعبا جديد غد/ صوب وجه الشمس يغترب
أنجز عاصي ومنصور بين عامي1957 و1984 أكثر من خمس وعشرين مسرحية غنائية, أشهرها جسر القمر, وبياع الخواتم, وهالة والملك, والشخص, وصح النوم, والمحطة وميس الريم, وبترا وغيرها. وبعد رحيل عاصي أنجز منصور اثنتي عشرة مسرحية أبرزها الوصية, وآخر ايام سقراط, وأبو الطيب المتبني, وملوك الطوائف, وحكم الرعيان, وجبران والنبي, وزنوبيا, وعودة الفينيق التي رحل صاحبها وهي لاتزال معروضة علي مسرح كازينو لبنان بعد أن أفتتح بها مهرجان جبيل في الصيف الماضي. رحل منصور عن ثلاثة وثمانين عاما بعد أن أصدر دواوينه الشعرية أسافر وحدي ملكا, والقصور المائية, وأنا الغريب الآخر وديوانه الوحيد بالمحكية اللبنانية بحار الشتي تاركا لنا ـ نحن أصدقاءه وقراءه من بعده ـ بصمته الشعرية المتميزة في ديوان الشعر اللبناني المعاصر, وريادته في عالم الأغنية المكتوبة بالفصحي والعامية, ودوره الكبير في المسرح الغنائي والحديث موصول.
..............................................
*الأهرام ـ في 22/2/2009م.
بقلم : فاروق شوشة
.....................
رأيته لاول مرة في مناسبة احتفال لبنان بالذكري الخمسين لرحيل شاعره الكبير الياس أبو شبكة عام1997. كان الحفل في قرية الشاعر زوق مكايل بعيدا عن بيروت في مكان يطل علي بيته وبيت محبوبته ليلي التي خلدها في شعره. الحفل تحت رعاية رئيس الجمهورية حينذاك الياس الهراوي ويشارك فيه خمسة من الشعراء: سعيد عقل من لبنان, وسليمان العيسي من سوريا, وعبدالوهاب البياتي من العراق, ومحمد الفيتوري من ليبيا والسودان, وفاروق شوشة من مصر, وأدهشنا ان سعيد عقل أبي أن يحيي رئيس الدولة لخلاف بينهما في الرأي والموقف بالرغم من أنهما ينتميان إلي بلدة واحدة هي زحلة. بين الجمهور الحاشد كان وجه منصور الرحباني يطل علي المشهد كله ويتابع قصائد الشعراء من أعلي مكان في القاعة الشاسعة, وكأنه واحد من آلهة الاولمب ـ فيالأساطير اليونانية ـ يتأمل مخلوقات العالم الارضي, وملامح وجهه تضطرم فيها عواصف من الشجن والانفعال وحميا المشاركة. كان واضحا ان المشهد الشعري يهزه من الاعماق ويحرك شاعريته وهو يشارك بالتحديق والتحليق.
في اليوم التالي كنا بصحبته أنا والفيتوري والشاعر اللبناني هنري زغيب في زيارة للشاعر عبدالله الأخطل ـ ابن الاخطل الصغير بشارة الخوري ـ وزوج شقيقة منصور وعاصي الرحباني, وكانت ليلة من ليالي الشعر التي لاتنسي, أتاحت لي أن أقترب أكثر من منصور الرحباني الانسان والفنان المبدع المتألق الحضور.
وبعد عدة سنوات كنت أحمل ـ في احدي زياراتي إلي لبنان للمشاركة في مهرجان ربيع زحلة ـ دعوة من الدكتور ممدوح البلتاجي وزير الاعلام ـ وقتها ـ إلي منصور الرحباني لتكريمه في مهرجان القاهرة للأغنية في دورته الاولي, وحين سلمت الدعوة لمنصور بكي وقال في تأثر: كيف يتم تكريمي وعاصي غائب ليس معي؟ مشيرا إلي رحيل أخيه عاصي عام1986 ـ وكيف أجيء إلي القاهرة دون ان يكون معي عمل فني جديد يليق بها وبشعبها وبتاريخها في الفن؟ اشكر لي وزيركم المثقف واعتذر له نيابة عني. لكنه جاء إلي القاهرة بعد ذلك بسنوات ليعرض علي المسرح الكبير بالأوبرا مسرحيته الغنائية آخر أيام سقراط واستضفته في البرنامج التليفزيوني الأمسية الثقافية ومعه ابناه: أسامة وغدي, وكان اللقاء حارا وحافلا, وظل هو محتفظا بالسر الذي جمع بينه وبين أخيه عاصي: أيهما الشاعر وأيهما الملحن؟ والاجابة دائما كل منا شاعر وموسيقي, يبدأ أحدنا الكلمات أو اللحن وينهي الأخر ما بدأه أخوه, نذوب معا في العمل الفني المشترك ويصبح منسوبا للأخوين رحباني ثم أتيح لي أن أشهد مسرحيته الغنائية البديعة أبو الطيب المتنبي علي مسرح دمشق,
وليلتها همس لي بأن في داخله مشروعا جديدا سيعمل علي عرضه في القاهرة, مستعيدا ذكريات جميلة عن مسرحيته التي سبق عرضها فيها آخر أيام سقراط ومشيدا بما يتحلي به الجمهور القاهري من ذوق رفيع وحس فني مرهف, ونضج في التلقي, وقبل وفاته بأسابيع كان يخبرني هاتفيا بأن اتفاقه مع الأوبرا أوشك أن يتم, وأنه سيجيء ومعه مسرحيته الجديدة, وأرسل لي دواوينه الشعرية حتي نلتقي. لكن القدر كان أسبق وفي خضم مذبحة غزة صعدت روح منصور.
شكل عاصي ومنصور معا ـ علي مدي أكثر من خمسة وثلاثين عاما ـ عصر الاغنية اللبنانية وحمل صوت سفيرتهما فيروز ابداعات هذا العصر الرحباني إلي كل الدنيا, وأصبحت هذه الصيغة الثلاثية النادرة حالة من الكلمات والأنغام والاداء الراقي التي لايمكن تكرارها في أي زمان ومكان, ورددت الملايين في كل بقاع الوطن العربي, وخارج حدوده, كل ماتغنت به فيروز ـ من صنعهما ـ لزهرة المدائن ويافا وجسر العودة والشام ومصر وبغداد وشهر زاد وبيسان وسيد الهوي وزمان الحب ولقاء الامس والسمراء حلم المراعي, وعصفورة الشجن وغيرها مئات من القصائد, وجاءت فيروز إلي مصر ـ لاول مرة ـ مع الاخوين رحباني بدعوة من الاذاعة المصرية ـ في مستهل الستينيات ـ لتسجل عددا من الاغنيات والصور الغنائية في عهد مستشار الاذاعة العظيم الموسيقار محمد حسن الشجاعي, وكان من ثمار هذه الرحلة قصيدة سوف أحيا التي أبدعها شاعر الاغنية المصرية الفذ مرسي جميل عزيز وشددت فيها فيروز من تلحين الرحبانية, ثم جاءت مرة ثانية بعد نكسة1967 لتقدم حفلا موسيقيا أقيم في حديقة الأندلس, وكان زوجها عاصي يقود الفرقة الموسيقية,
وغنت فيروز قصيدة مصر التي كتبها ولحنها الرحبانيان تحية لمصر وشعبها العظيم. وهو الحفل الذي يذيع التليفزيون المصري ـ بين الحين والحين ـ مشاهد منه لبعض ما شدت به فيروز وفي أغنيتها عن مصر يقول الرحبانيان: مصر عادت شمسك الذهب/ تحمل الارض وتغترب/ كتب النيل علي شطه/ قصص بالحب تلتهب/ لك ماض مصر ان تذكري/ يحمل الحق وينتسب/ ولك الحاضر في عزه/ قبب تغوي بها قبب/ جئت يامصر وجاء معي/ تعب, ان الهوي تعب.
وفي ختامها يقول الرحبانيان:
مصر ياشعبا جديد غد/ صوب وجه الشمس يغترب
أنجز عاصي ومنصور بين عامي1957 و1984 أكثر من خمس وعشرين مسرحية غنائية, أشهرها جسر القمر, وبياع الخواتم, وهالة والملك, والشخص, وصح النوم, والمحطة وميس الريم, وبترا وغيرها. وبعد رحيل عاصي أنجز منصور اثنتي عشرة مسرحية أبرزها الوصية, وآخر ايام سقراط, وأبو الطيب المتبني, وملوك الطوائف, وحكم الرعيان, وجبران والنبي, وزنوبيا, وعودة الفينيق التي رحل صاحبها وهي لاتزال معروضة علي مسرح كازينو لبنان بعد أن أفتتح بها مهرجان جبيل في الصيف الماضي. رحل منصور عن ثلاثة وثمانين عاما بعد أن أصدر دواوينه الشعرية أسافر وحدي ملكا, والقصور المائية, وأنا الغريب الآخر وديوانه الوحيد بالمحكية اللبنانية بحار الشتي تاركا لنا ـ نحن أصدقاءه وقراءه من بعده ـ بصمته الشعرية المتميزة في ديوان الشعر اللبناني المعاصر, وريادته في عالم الأغنية المكتوبة بالفصحي والعامية, ودوره الكبير في المسرح الغنائي والحديث موصول.
..............................................
*الأهرام ـ في 22/2/2009م.
تعليق