وديع فلسطين: السهل الممتنع
بقلم: صافي ناز كاظم
بقلم: صافي ناز كاظم
اليوم أول أكتوبر 1997 يوافق ـ بحمد الله ـ عيد ميلاده الرابع والسبعين، ومع ذلك وعلى الرغم من مسيرته الطويلة في عالم الصحافة والأدب ـ 54 سنة تقريبا ـ ورغم كوني واحدة من الذين كانت حياتهم على مدار 42 سنة، في دائرة الصحافة، إلا إنني لم أعرفه ولم أقرأ له، بل ولم أسمع عنه، إلا منذ أربعة أعوام حين اشتـركت في جريدة "الحياة" اللندنية وبدأت أقرأه بانتظام، بل لعلي أكون أكثر دقة لو قلت إنني عندما كنت أتصفّح جريدة "الحياة" اللندنية وتلقف عيني زاويته "حديث مستطرد" أبتسم وأقول: "اليوم يستحق أن أنهض له". في البداية عندما كنـت أقرأ اسمه "وديع فلسطين"، وأجد في الهامش تعريفاً مستمرا له "كاتب مصري"، أتعجّب وأقول: من أين ظهر هذا الكاتب المصري؟ وعلى أي أرض يعيش؟
ولا أكتم أنني في البداية كنت أقفز فوق زاويته ولا أقرأها خوفاً من أن يكون من كتاب الأحجار والإسمنت، وأقول لنفسي: "حديث مستطرد؟ إحنا ناقصين؟!" حتى جذبني عنوان مقالة عن الشاعر البائس محمود أبو الوفا" المنشور بالجريدة (الجمعة 10 فبراير 1995)، عندها تنمّرت ، وعدتُ أقول لنفسي: ماذا يمكن أن يكون مكتوباً عن شاعر أُحِبُّه، صاحب أجمل الأشعار للأطفال؟.
بدأت أقرأ كعادتي بتوجس، متوقعة كتابة مملة بطيئة أو رثة مليئة بالشحوم والثرثرة، أو كتابة إسمنتية مليئة بالصياغات السابقة التجهيز التي تملأ الصفحات ولا تعرف من أين تقضمها من دون أن تكسر أسنانك، تشاؤمي هذا ـ الذي يُصاحبني قبل قراءة أي اسم غير مألوف لدي ـ سببه التجارب المريرة مع الكتابات التي صارت للأسف تغرق معظم أوراق الصحف والمجلات والأبحاث والكتب. ذلك التشاؤم والتثاؤب ينقشع حالا حين أجدني مسحوبة إلى داخل الأسطر من دون أي كدمات تذكر، فكيف يكون أمري حين أجدني أكتشف مراعي كتابة مذهلة الجمال والإحكام، ريانة كقلب الخَسّة، ومفيدة كغذاء ملكات النحل؟ أقول لكم إجابتي بحق: إنني أفرح فرحاً لا يساويه إلا فرحة تجسّدت أمامي مرة ـ حين كنت معتقلة سياسية بسجن القناطر ـ تجسدت في امرأة كان محكوما عليها بالإعدام، وجاءها خبر حكم محكمة الاستئناف بالبراءة. يا إلهي! كم هي حلوة الحياة!
قرأت قطعة الأستاذ وديع فلسطين عن "أبو الوفا"، وتذكرت أغنية عبد الوهاب: "وبكيت على الأيام اللي فاتت من عمري، وقلت م الفرحة ياريتني …"، وغيّرت بقية كلمات الأغنية إلى "قريت من بدري".
وقرأت له، وقرأت، ولم أنقطع، حتى أنني في لحظات الضيق أفتح ملفه الرابض على مكتبي وأُعيد قراءة بعض ما قرأت من قبل فأستعيد نشاطي وإقبالي على الأيام الرمادية.
* * *
في كتابته ذقت خفة الظل غير المُتكلّفة مع الوقار والجدية، وذقت حلاوة نادرة في صياغته المتينة وهو يرسم بقلمه في "حديث مستطرد" ملامح لشخصيات في الأدب والشعر والثقافة والصحافة والسياسة والفكر، شخصيات من كل الأقطار العربية ومن كل مهاجر الدنيا، عاصرها في شبابه منذ مطلع الأربعينيات وصاحب مسارها حتى توفاها الله. شخصيات قد لا يعرف المثقف العربي من جيلي إلا أسماءها ـ بالكاد ـ وإذا بوديع فلسطين يبعثها نابضة بالحياة والحيوية، مبرزاً أبعـادها في مرحلتها وأهميتها في تاريخنا وضرورتها لتعِيَها ذاكرةُ الأجيال وراء الأجيال.
* * *
يعقد وديع فلسطين بيننا وبين الشخصية التي يكتب عنها علاقة إنسانية حميمة تجعلنا حين نتحدث نحن عنها ـ بدورنا ـ نبدو وكأننا قد سكنّا وعشنا معها ردحاً كافياً من الزمن. ومهما كانت الشخصية محسوبة على نسق في التفكير أو موقـف في السياسة، نختلف معه أو نعاديه، نجد أننا نتقبّلها على الرغم من الخلاف أو العداء، فوديع فلسطين قادر في كل الأحوال أن يجذبنا إليه بحنين إنساني يُروِّض ـ بجلاله وأناقته ـ نفورنا الفكري أو السياسي فيكسر من حدّته.
إذا قلت إن وديع فلسطين هو "ملك" فن كتابة رسم الملامح الشخصية الأدبية والثقافية، لا أكون مُغاليةً أو مُبالِغةً (وإن كنت على فكرة لا أتحرّج مما يبدو مبالغة ومغالاة مني في التعبير عن حبي وإعجابي بفن الكتابة الفريد والفذ عند وديع فلسطين). يا سبحان الله! من يلوم الظمآن يفرح طروباً حين يعثر على عين مياه عذبة في صحراء، مياه لم تُلوِّثها نفايات المصانع والمحاجر والمبيدات؟).
نتبادل أنا والكاتبة الصديقة فوزية مهران مكالمات تليفونية عقب قراءة كل مقال له. أبدأ بقولي: "شوفتي؟"، فتقول: "كنت سأكلمك.." تعترف لي أنها تقصُّ زاويته "حديث مستطرد" وتجمعها وهذا إجراء لم تقم به مع كاتب آخر من قبل. هذا التقدير يأخذ صِيغاً مختلفة عند كل قارئ لهذا الكاتب "الجديد-القديم" فهو لم يكف أبداً عن الكتابة على طول مشوار حياته الأدبية والصحفية على الرغم من النوازل والمعوّقات والعقبات والسدود والحواجز والحصار الذي عانى منه منذ ديسمبر 1952، عندما أغلقت الدار الصحفية التي لمع على صفحات جريدتها المسائية اليومية "المقطم" ومجلتها الشهرية "المقتطف" ـ وهي الدار الثانية في أقدمية إنشـائها بعد دار جريدة "الأهرام". وهكذا كان على وديع فلسطين، وهو في أوج شهرته ونبوغه الصحفي ـ وعمره 29 سنة فقط ـ أن يواجه الاضطهادات والافتراءات ويحاول رغم كل الثلج وكور النار أن يسبح فوق الأمواج المُعادية والمُتلاطمة شراعه وقاربه ومجدافه ورايته: قلمه الأصيل الجميل، وإخلاصه الشديد للغة العربية.
أقف أمام بعض مفرداته وأندهش لأنني لا أذكر أني قرأتها إلا في بعض آيات القرآن الكريم، ينتقيها بتذوق ويضعها ـ كالصّائغ الماهر ـ في مكانها المناسب تماماً، وحين تُفاجئك كلمة مثل "ولا يؤوده" في توظيفها الجديد تبتسم للشجاعة والبراعة وللتألق، وتزداد الدهشة حين نسترجع أن هذا القادر على التملك الباهر الجذّاب لناصية اللغة العربية، يشكلها بسلاسة وأُلفة وبشاشة ـ كان راسباً دائماً في مادة اللغة العربية في كل شهاداته الدراسية!
* * *
مع إعجابي المتزايد بمقالات وديع فلسطين ـ (الذي ظنه الكثير لبنانيا أو فلسطينيا وهو المولود في أخميم، البلدة الصعيدية على الشط الآخر من سوهاج، من أب وأم قبطيين من مدينة قنا) ـ كان لابد أن أبحث عن وسيلة ما للاتصال به على الأقـل، لأقول له: "أشكرك على كل هذا الجمال الذي تشيعه في كتابتك". لذلك حيـن ذكر في معرض إحدى مقالاته اسم الكاتب الصديق الكبير محمد عودة وجدته الخيط المفيد الذي مكنني من معرفة أن وديع فلسطين من سكان مصر الجديدة. كان في دليل الهاتف أكثر من مشترك تحت اسم "وديع فلسطين"، لكنني حينما حصرت الاختيار في ساكني مصر الجديدة التقطت رقمه.
وصلني صوته عبر الهاتف طيبا، متعجبا لإطرائي، زاهداً فيه زهدا كاد يصل إلى حد الزجر! هذا الزهد وهذا التواضع عند وديع فلسطين فوق أنهما من سمات برجه الميزان ـ ربما يكون وراءهما حـزن نبيل لواحد من الذين يمكن أن ينطبق عليهم المثل القائل: "كل نبي مغبون في وطنه". لكنني أقول: هكذا هي سنتنا، مصر المحروسة دائماً في أحشائها الدر كامن، ولابد لنا أن نصبر صبر الصيادين، ونخترق الزبد لنصل إلى ما ينفع الناس، الماكث في الأرض. سبحان الله!
نجحت في أن أجلب لنفسي صداقة عظيمة معه، كان عليَّ أن أكدح كدحاً لنيلها عبر محادثات هاتفية ثقافية ثرية وشائقة عمقت هذه الصداقة على الرغم من أن لقاءاتنا لم تتعدّ عدد أصابع اليد الواحدة. غمرني بكرم عطاياه بكل ما طلبت من كتبـه ومن مقالاته ودراساته، أجمعها في حيز وحدها بمكتبي من أهمها كتابه: "قضايا الفكر في الأدب المعاصـر"، الطبعة الثانية التي أخرجتها دار الجديد ببيروت تحية له بمناسبة بلوغه السبعين عن الطبعة الأولى التي أصدرها بالقاهرة سنة 1959م المكتب الفني للنشر، وعلى ظهر الغلاف نقرأ حكمته: "فليختلف الأدباء على المذاهب الأدبية المتباينة ، وليتناحروا على المعايير، وليتضاربوا ـ إذا شاءوا ـ على إمارة الشعر أو إمامة الأدب، ولكن حذارِ أن يضحوا بهذه القِنْيَة الغالية قِنية الحرية الفكرية وهم يتلاحوْن ويتنابذون". ثم كتابه "مختارات من الشعر العربي المعاصر، وكلام في الشعر" الذي أصدره مركز الأهرام للترجمة والنشر عام 1995م، وقلت له: "أحببت مقدمتك وتلذذت بقراءتها وإن اختلفتُ مع آرائها، أما المختارات فالسلام عليكم ورحمة الله". ضحك، واحترمنا "قنية الحرية الفكرية ولم نتلاح أو نتنابذ".
كل ما يعجبني "عنايته" بفن "الكتابة"، تلك العناية ـ التي وإن كانت وسيلة لتوصيل قوله ـ فقد صارت بذاتها غاية فنية، ونزهة إمتاع للقارئ.
* * *
من جملة من تحدث عنهم في "حديث مستطرد": "علي الغاياتي: المصري السويسري"، و"إبراهيم المصري: القصاص الذي ابتلعته الصحافة"، و"أبو علي جورج خير الله"، و"الشاعر المهجري: جورج صيدح"، و"أشياء من سيرة بشر فارس رائد الرمزية المجهول في الشعـر العربي الحديث"، و"عبد الله يوركي حلاق الحلبي"، و"علي أحمد باكثير: اليمني المتمصر"، و"خليل مطران وصديقه يوسف نحّاس". غير أن لوحته الرائعة عن وداد سـكاكيني التي لم تتعد 14 صفحة من مجلة "بناة الأجيال" الدمشقيـة، وتم نشرها في يناير 1995 تحت عنوان "وداد سكاكيني في حياتها وآثارها"، تُعد من الدراسات التي تعطيك بصفحاتها المحدودة متعة وثـراء كتاب ضخم. يستهل وديع فلسطين دراسته بقوله: "في الثالث من كانـون الثاني (يناير) 1991م فاضت روح الأديبة العربية الكبيرة وداد سكاكيني بعدما أجزلت عطاءها للغة الضاد، وأكّدت منزلتها الفريدة في أدبنا المعـاصر، ولئن كتمت أحزاني المُمضة على هذه الأديبة الماجدة، التي ارتبطتُ بها وبزوجها الراحل الدكتور زكي المحاسني بمودات وُثقى منذ أواسط الأربعينات، فعزائي في فقدها هو أن أُحاول إنصافها في هذه الصفحات..".
وهكذا، فهو لا يكتب إلا عن شخصيات عرفها ولامَسَها سمعا وكلاما ومُصاحبة، فلا عجب أن تحس منه نبضها الحي فكأنك صرت ـ بدورك ـ صديقا لها؛ يكتب في مجلة "الأديب" البيروتية عدد يناير 1979م تحت عنوان "حديث مستطـرد عن إبراهيم ناجي ورابطة الأدباء" ما نراه غضبا من الذين يتصدون للكتابة عن المعاصرين "… لا حديث معرفة شخصية، بل حديث عنعنة، أي أنها اقتصرت على السمـاع وعلى النقل، أما الشاعر فلم تستقصها منه ـ وهو قريب العهد بنا ـ ولا من معاصريه ومُخالطيه، بل روتْها نقلا عن الذين وضعوا مؤلفات سابقة عن نـاجي … وأقول في غير تجن على أحد إن الكتب التي تناولت الشاعر ناجي إما أشارت إشارة سريعة إلى رابطة الأدباء التي كان له فيها دور ريـادي نحو ثماني سنين وإما أغفلت الإشارة إليها إغفالا تاما، ولما كنت من الضالعين في رابطة الأدباء منذ إنشائها وإلى أن هجرتُها ثم هجرها ناجي بُعيْدي فقد ارتأيتُ أن أُرسل الحديث عن هذه الرابطة وأن أتطرّق إلى ما أعرف من أخبار ناجي وأموره في هذا الحديث المستطرد …".
هو فنان شهادة أدبية على عصر أدبي وثقافي يأبى إلا أن ينقل إلينا أنفاسه التي لا تزال لديه ساخنة كأنه لم يبرحْه. في موضوع ناجي سمعت منه عن الطعنة التي قتلت الشاعر الطبيب العملاق الرهيف ذلك عندما وجد اسمه ضمن قائمة "تطهير" من "الفساد" و"المنحرفين" بعد 23/7/1952م، وكيف رأى ناجي يبكي ويمرض ويموت في مارس 1953م، ويكتب هذه الواقعة في حديثه عن ناجي:
"ولكن داهية أكبر كانت تنتظر ناجي، وقد تمثلت هذه الداهية في قرار ظالم اتُّخِذ بفصله من وظيفته كمدير للإدارة الطبية لوزارة الأوقاف متهما بعدم الإنتاج، وورد اسمه في صدر قائمة التطهير التي أُعلنت، وكان لهذا القرار وقع نفسي صاعق على الـدكتور ناجي الذي كان يُعالج الفقراء ويمنحهم من جيبه ثمن الدواء. والذي كان ـ كما أخبرني بذلك نقولا الحدَّاد العالم الشهير ـ متوافقا مع صيدلية الحداد أسفل عيادته في شبـرا بأن تقدم الدواء للفقراء من مرضى الدكتور ناجي وتقيِّـد ثمنه على حساب الدكتور المُعالج! فهذا الطبيب العالم الإنسان قد وجب تطهيره وفصله من وظيفته دون أن تُتاح له فرصة للدفاع عن نفسه، ودون أن يُجرى أي تحقيق في هذه القرية الظلوم التي زهّدت ناجي في الحياة، ولم تلبث أن صرعته صرعة الموت … ولما سمع ناجي أن الحكومة الأسبانية قلدتني وساما رفيعا، زارني في "المقطّم" ـ الجريدة ـ مهنئا، وكتب أبياتا في هذه المناسبـة، ثم انفجر باكيا لا على وظيفة ضاعت منه، بل على وصمه بأنه أهل للتطهير وإيراد اسمه في أول قائمـة المطّهَّرين، وظل يجهش بالبكاء وأنا أُواسيه إلى أن انصرف. وكنتُ بعد انصرافه أتوقع قراءة نعيه في الصحف كل يوم لأن حالته النفسية كانت في الحضيض، وقدرته على المقاومة قليلة بسبب هُـزاله المفرط، ولم يطل انتظاري، إذ قرأت نعيه في الخامس والعشرين من مارس 1953م، فبكيته وقلت للمعزِّين ونحن نتبادل العزاء: "لقد مات ناجي لا اليوم بل في التطهير".
* * *
في مقاله بجريدة "الحياة" 11/1/1995م كتب وديع فلسطين مقالا مهما تحت عنوان: "حديث حـول بدايات نجيب محفوظ عبد العزيز" اعتنى فيه بذكر حقيقة أنه كان الثاني ـ سابقاً على سيد قطب ـ في التنبيه والإشادة بعبقرية نجيب محفوظ، تلك الحقيـقة التي يُضايقه أن نجيب محفوظ لا يذكرها أبداً في أي معرض لحديثه عن الذين نبَّهوا إليه في بداية مشواره الروائي. يقول وديع فلسطين ـ في هذا ـ عند حديثه عن تأسيس "لجنة النشر للجامعيين": "وافتتحت السلسلة في شهر مايو 1943م (كان وديع فلسطين لم يبلغ بعد العشرين) برواية "أحمس" لعبد الحميد جودة السحار، وتلتها رواية "رادوبيس" لنجيب محفوظ عبد العزيز. ولعله اختار هـذا الاسم الثلاثي حتى لا يخلط الناس بينه وبين الطبيب المصري ذي الشهرة العالمية الدكتور نجيب محفوظ باشا، وتوالى نشر الكتب في مطلع كل شهر، مما شجع شبانا آخرين على مُؤازرة لجنة النشر للجامعيين، مثل: محمد عبد الحليم عبـد الله ـ وكان بدوره قد فاز بجائزة وزارة المعارف عن روايته "بعد الغـروب"، ومثل صلاح ذهني، وأمين يوسف غراب، والشيخ الأزهري كامل محمد عجلان، وكاتب هذه السطور. كما ارتفعت قامة اللجنة عندما قصدها أدباء كبـار لنشر آثارهم مثل إبراهيم عبد القادر المازني، ومحمود تيمور، وكامل كيلاني، وإبراهيم المصري، ومحمود محمود (شقيق الدكتور زكي نجيب محمـود)، والأديبة السورية وداد سكاكيني. ورحبت اللجنة بناقد الرسالة سيد قطب فنشرت له كتابه "طفل في القرية"، وبأشقائه فنشرت لمحمد قطب كتاب "سخريات صغيرة"، وللأخوة الأربعة سيد ومحمد وأمينة وحميدة قطب مجموعة أقاصيص "الأطياف الأربعة". استفادت اللجنة من انضمام هؤلاء الأدباء الكبار إليها، فكتب المـازني يُعرِّف ببعض آثارها، وعني سيد قطب بالكتابة عن عدد من مطبوعاتها في مجلة "الرسالة"، ثم جمع كتاباته بعد ذلك في مصنفه "كتب وشخصيات"، وذلك عندما كان سيـد متفرغا للأدب والنقد. وكنت بدوري من الذين سبقوا إلى التعريف بآثار معظم الكاتبين في هذه السلسلة، وأثبت الدكتور علي شلش في كتابه "نجيب محفوظ: الطريق والصدى" أنني كنت الثاني في التعريف بنجيب محفوظ فسبقت بذلك قائمة طويلة من النقاد جاءوا بعدي في الترتيب الزمني. بل إن علي شلش سجَّل ما يكاد يكون نبوءة لي بالمجد الذي ينتظر نجيب محفوظ، وذلك بقولي في ختام مقالي عن روايـة "رادوبيس" ما نصُّه: "وفي اعتقادي أن هذه الرواية تستطيع أن تُزاحم روايات الغرب إذا هي وجدت من يُعنى بتـرجمتها إلى لُغات الأعاجم …" ونشرت لي هذه اللجنة مسرحية "الأب" التي ترجمتها عن الأديب السويدي سترندبرج وظهرت في أغسطس 1945م. وعندما أعلن عن فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل سأله الصحفيون الذين غَزَوْا داره عما إذا كان مطلعاً على الأدب السويدي، فقال: طبعاً، فقد قرأت آثار سترندبرج، واكتـفى بهذه العبارة دون أن يشير إلى ناقل هذه الآثار الذي كان أول من قدَّم سترندبرج إلى اللغة العربية".
* * *
يعيش وديع فلسطين وديعا في بيته العريق ـ من الباقي من بيوت شارع العروبة الجميلة بضاحية مصر الجديدة مع زوجته السيدة كاترين نجيب، له برنامجه المنتظم المنظم، ينزل يوم الثلاثاء إلى جريدة الأهرام بعد مروره على "البوستة العمومية" (على حد لهجته في قوله الهاتفي لي) يُرسل ويتلقى مراسلاته التي لا تزال تجوب أقطار الكرة الأرضية يلتقي بها مع أصدقائه وتلاميذه الموزعين في كل مكـان، ومن بينهم ابنه باسل فلسطين المهاجر منذ تسع سنوات حيث يعمل في محطة التليفزيون الكندي ويمارس هوايته الموسيقية عزفاً وتأليفاً. وتسافر زوجته لابنه أحيانا ويبقى هو تؤنسه ابنته هناء المتزوجة والمتخصصة في علـم النفس وأحفاده الأربعة: ولد واحد، وثلاث بنات. يذكر أحيانا عفو الخاطر كلمة عن أشقائه؛ فقد أنجب والده عشرة أبناء: نصفهم ذكور، والآخر إناث، لا أعرف ترتيبه بينهم، لكنني أذكر أسفا خفيفا يلمّح به أحيانا يخص به شقيقه المثَّال لويس فلسطين، الذي عاش مغتربا في أسبانيا حتى وفاته عام 1992م، ولعلنا نقرأ عنه في "حديث مستطرد" يبث فيه شجونه كلها، ولعله يخص به مجلتنا العريقة "الهلال" ذات يوم.
...............................
*مجلة «الهلال»، عدد أكتوبر 1997، ص ص 48-57.
تعليق