السادة المشاركون في هذا المتصفح
تحية طيبه وكل عام وأنتم بخير
قبل أن اقدم مشاركتي، اسمحوا لي أن أستغرب بقاء مثل هذا الموضع خاملا لمدة شهر أو يزيد بين منسوبي منتدى الأدباء والمبدعين العرب!
كنت أتصفح الموقع بين فترة وأخرى (حتى قبل أن أنضم إلى المنتدى)، وثارت في نفسي الكثير من الأسئلة حول ما الذي سيجود به الأدباء والمبدعون العرب في مثل هذا الموضوع الحيوي. ثم رأيت أن أرفعه من جديد لعل هناك من سيتفاعل مع ما رصده رئيس ملتقى النقد الأدبي الاستاذ صادق حمزة منذر (خاصة أن هناك وعودا وعد بها البعض وما زالت لم تتحقق).
كنت أتصفح الموقع بين فترة وأخرى (حتى قبل أن أنضم إلى المنتدى)، وثارت في نفسي الكثير من الأسئلة حول ما الذي سيجود به الأدباء والمبدعون العرب في مثل هذا الموضوع الحيوي. ثم رأيت أن أرفعه من جديد لعل هناك من سيتفاعل مع ما رصده رئيس ملتقى النقد الأدبي الاستاذ صادق حمزة منذر (خاصة أن هناك وعودا وعد بها البعض وما زالت لم تتحقق).
مشاركتي تأتي دعما لمشاركة الاستاذ الكريم هيثم الريماوي الذي توصل إلى شيئ قريب جدا مما طرحه الناقد الأمريكي ماير هوارد أبرامز (استاذ النقد في جامعة كورنيل الأمريكية) عام 1958 في كتابه المشهور المرآة والمصباح: النظرية الرومانطيقية والمورث النقدي (اعلم انه ترجم إلى العربية، لكن عنوانه بالعربية لا يحضرني الآن)، وقد تتبع آبرامز فيه النظريات النقدية من بداية ظهور الأدلة المكتوبة (هو يبدأ من بيرمينايدس) حتى خمسينيات القرن الماضي، وكيف انقلبت الرؤية النقدية من وضعها الكلاسيكي (المحاكاة) التي تستقطب ما هو خارجي وسابق نحو النص وتعكسه في النص إلى المصباح (مع الرومانطيقيين) الذي يشع من داخله نورا يرسله إلى ما هو خارجه. وفي تحليله وتقصيه للنظريات المختلفة على تعاقب العصور، وضع أبرامز ما أسماه (إحاداثيات النقد) (Coordinates of Criticism) ومشاركة الأستاذ الريماوي قد توصلت إلى ثلاثة منها (وإن لم تكن بدقة آبرامز وتصنيفه). فالناقد الأمريكي يحدد هذه الاحداثيات في أربعة، هي:
الكون أو العالم (المحاكاة): وهذه النظرية تركز على الكيفيه التي تربط العمل الأدبي بالوقع الخارجي، والمصطلحات التي تلازم هذا الطرح هي المحاكاة أو التمثيل أو المرآة (إذ كما يقول هملت أو صامويل جونسون: إن العمل الأدبي مرآة تعكس الطبيعة، وهو يعني الطبيعة الاجتماعية البشرية والنفس الإنسانية في تركيز الأدب على ما هو مشترك بين الناس في مواقف وظروف معينة. وهنا يأتي الرسم وكذلك الواقعية الأدبية.
المؤلف (التعبيرية): هذا الطرح يركز على العلاقة بين المؤلف وعمله الأدبي، وهنا يركز النقد على تاريخ المؤلف وسيرته، وعبقرية الشاعر، وإن العمل إثبات لهذا التفرد والتميز الذي لا يشاركه فيه غيره، ومن ثم يدخل التحليل النفسي للأديب وعلاقاته، وتأثير البيئة عليه التي بالتالي تدعم تميزه بوصفه الإنسان الأكثر حساسية من غيره، والذي يعلم أكثر من غيره، وبالتالي هو ينقل مشاعره الحقيقية ورؤيته الثاقبة ليعبر أولا عن نفسه (هو البلبل الذي يغرد ليفرح نفسه في وحدته) ثم ليتعلم منه ومن رؤيته العامة (الذين لا يرقون إلى مستواه) إذا وصلتهم هذه الحساسية المفرطة وهذه الذاتية المتضخمة (هذا طبعا الشاعر الرومانطيقي).
المتلقي (التبادلية/النفعية): على عكس التعبيرية، تنطلق التبادلية/النفعية من التركيز على علاقة العمل الأدبي بالمتلقي، والتركيز على تأثير الادب تأثيرا ذا نفع للمتلقي، وهو لا شك طرح أخلاقي بالدرجة الأولى. وهنا نشتق الفوائد مما يقدمه الأدب من "محاكاة" للعالم والمواقف المختلفة. بل يدخل أيضا هنا البعد النفسي بوصف العمل الأدبي يفضي إلى التطهير كما يقول أرسطو، أو إلى التعليم كما يرى الرومانطيقيون، وكذلك يفعل أصحاب النظرة/النظرية الجمالية خاصة في مقولة "العواطف" أو "المشاعر" الجمالية (كانط)، أو القول بما للغة الشعرية من تأثير على العقل. وللمنظر الكلاسيكي الروماني (لونجاينس) مقولة مشهورة مفادها أن هدف اللغة أو الاسلوب السامي (Sublime) ليس الاقناع وإنما النشوة (وهذه ليست نشوة بارت)، فهو يرى أن الأديب الذي بلغ الأسلوب السامي هو الذي يصعق المتلقي لدرجة الانتشاء (فينقله من ذاته إلى حيث يريده). وضمن هذه النظرية ومقاربتها يندرج، إضافة إلى المنفعة الأخلاقية والنفسية، البعد الايديولوجي/السياسي، ولعل اهمها النقد المنصب على الدراسات التي تهتم بالعرقية والجنوسة وقضايا الطبقية الاجتماعية.
النص (الموضوعية): يركز هذا التوجه على احترام استقلالية النص وحقه الوجودي دون الإحالة إلى المؤلف أو المتلقي (الجمهور المستهدف/ أو العرضي) أو أي التزام بمشابهة إي وجود خارجي، والنقد الجديد الذي ساد في أمريكا بين عشرينيات القرن الماضي وستينياته خير نموذج إذ يركز على العمل الأدبي فقط، ولعل أشهر مقولة في هذا المجال بيت الشاعر الأمريكي آرتشيبالد مكليش (في قصيدته: فن الشعر— Ars Poetica) ليس على القصيدة أن تعني/ بل أن تكون!
يبقى أن نقول أن أبرامز يشير إلى أن هذه المحددات الأربعة لم تكن مانعة الحدود، بل أنها قد تتداخل في مراحل، لكن المؤكد أن أحدها يبقى هو الاتجاه السائد. فالتعبيرية قد تختلط في بعض تفاصيلها بالموضوعية، والموضوعيه قد تشير أو توحي في بعض تفاصيلها بالمحاكاة، وهكذا. لكن المسار العام سيحكمة أحد هذه المحددات الأربعة.
بعد هذا العرض السريع (وربما المخل) لعلنا نتساءل أين يقع النقد العربي، إذ أرى أنه لا يخرج عن أحدها، بل لعله لا زال (او ما زال) ضمن الإطار العام للتبادلية (المتلقي) مع شيء من الموضوعية (العمل الأدبي)، أو لعل الموضعية والتبادلية يتبادلان المواقع باستمرار (في الأقل ضمن ما هو مطروح على هذا المتصفح). أما الطرح المدرسي الذي يقول بجزالة الألفاظ، ومطابقتها للمعاني، وصدق العاطفة، إلى ما هنالك من قوالب جاهزة فإنه في أغلبه ينتهي إلى المآل نفسه، اخلاقيا كان أو أيديولوجيا.
يبقى أن نقول أن أبرامز يشير إلى أن هذه المحددات الأربعة لم تكن مانعة الحدود، بل أنها قد تتداخل في مراحل، لكن المؤكد أن أحدها يبقى هو الاتجاه السائد. فالتعبيرية قد تختلط في بعض تفاصيلها بالموضوعية، والموضوعيه قد تشير أو توحي في بعض تفاصيلها بالمحاكاة، وهكذا. لكن المسار العام سيحكمة أحد هذه المحددات الأربعة.
بعد هذا العرض السريع (وربما المخل) لعلنا نتساءل أين يقع النقد العربي، إذ أرى أنه لا يخرج عن أحدها، بل لعله لا زال (او ما زال) ضمن الإطار العام للتبادلية (المتلقي) مع شيء من الموضوعية (العمل الأدبي)، أو لعل الموضعية والتبادلية يتبادلان المواقع باستمرار (في الأقل ضمن ما هو مطروح على هذا المتصفح). أما الطرح المدرسي الذي يقول بجزالة الألفاظ، ومطابقتها للمعاني، وصدق العاطفة، إلى ما هنالك من قوالب جاهزة فإنه في أغلبه ينتهي إلى المآل نفسه، اخلاقيا كان أو أيديولوجيا.
هامش: أشارت الدكتورة زهور بن السيد (في اقتطاف) أن سؤال النقد هو سؤال اشكالي، وأنا أقول أيضا أن مفهوم "الأدب" أو "الإبداع" لا يقل إشكالية! فما هو "الأدب" أو ما هو "الابداع"؟
وتقبلوا تحياتي وتقديري
وتقبلوا تحياتي وتقديري
تعليق