رواية " السر الدفين "

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • هادي زاهر
    أديب وكاتب
    • 30-08-2008
    • 824

    #31
    الوقت عصرا ، والمكان في بيت الحاج عبد الله ، فاليوم تتم خطبة سعدى إلى صالح ابن راعي العجال ، أصوات الغناء تسمع من بعيد ، ووفود النساء والصبايا تتقاطر إلى بيت الحاج عبد الله ، وقد نصبت منصة أمام البيت ، وجلست سعدى داخلها عروسا في أبهى حللها وبجانبها جميلة تحيطهما مجموعة من النساء يغنين لسعدى ، وحلقة الدبكة تدور ، وعلى الطريق تظهر مجموعة من النساء ، أغلبهن يحملن الهدايا ، فهذه تحمل على رأسها كيس أرز ، وهذه تحمل مغمقانا وتظهر منه الهدية ، وتلك تحمل هديتها تحت إبطها ، وعلى المنصة لا تنفك النساء تقبلن سعدى وتهنئنها بالخطبة ، والدعوة لها بالزواج الميمون ، وولادة الأبناء ، وتنطلق إحدى النساء بالغناء ، وقد وصلت لتوها وعلى رأسها المغمقان :



    آآآآآآآآويها يا ريتو مبارك
    آآآآآآآويها كما تبارك محمد


    آآآآآآآويها سبع ثمان بركات
    آآآآآآويها على جبل عرفات




    لولولولولولولولولولولوليييييييييييييييييييييش
    ويستمر الغناء والمهاهاة والدبكة ، وبدأت تصل الأسماع أصوات موكب العريس عبر الطريق تشق عنان الفضاء :



    دار دعتنا للفرح
    ويتغير الغناء :
    واجب علينا نزورها





    يالله عليك الستر



    يا ربي يا رحمان





    وخلف الرجال تسير النساء يغنين للعريس والعروس ، وعازفة الدربكة تكاد تخرق الدربكة لشدة ضربها ، تتقدمهن أم العريس ترقص وبيدها باقة ورد ، وامرأة أخرى ترش الأرز والملح على رؤوس الرجال ، ويصل الموكب إلى بيت العروس ، يتقدمه العريس لابسا بدلة تم شراؤها لهذه المناسبة ، وعن يمينه ويساره اشبيناه ، ويستقبله الحضور من الرجال ، وفي مقدمتهم والد سعدى ، وتتجه النساء إلى حيث المنصة ويعلو الغناء ، وتستمر الدبكة ، وبعد لحظات يتقدم العريس مع اشبينيه صوب المنصة ، ويصعد ويقف إلى جانب عروسه ، التي تطرق خجلا وحياء ، ثم يخرج الخاتم من جيبه ويضعه في اصبع سعدى ، ويعطيها الخاتم الثاني فتضعه في اصبعه ، ويحدقان في بعضهما طويلا ، وكاد العريس لشغفه وحبه لعروسه أن يضمها ويقبلها أمام الناس ؛ وبعد لحظات نزل العريس تاركا عروسه لترقص مع النساء ، وعاد إلى حيث الرجال ، وكان بعض الشباب يوزعون البقلاوة والحلوى على الحضور ، ونفس الأمر حيث النساء ، ولأن أهل القرية ما زال الأغلب منهم فقراء ، فقد وجد الأطفال بين النساء الفرصة مواتية لسرقة الملبس من الصحون التي تحملها بعض النساء وتدور بها على الحاضرات ، وتقافز الأطفال إلى الصحون وتساقط عدد من الصحون من أيدي النساء وانتثر الملبس على الأرض فهجم الأطفال كل يريد أن يحصل أكبر عدد من حبات الملبس .
    انتهت الخطبة وعاد كل إلى بيته ، بينما بقي العريس في بيت عروسه حتى ساعة متأخرة من تلك الليلة .
    ***************
    سامي في بيته مع جميلة ، وابنهما ، يتفحص الأوراق التي جهزها لجميلة ، ويدقق في التواريخ التي تحملها الأوراق ، لتكون متناسبة مع مواعيد الزيارة للسجون ، ويتأكد أنه كلها طلبات تحمل اسم جميلة وختم الرفض عليها ، وحين ينتهي من التدقيق ، يخرج طلبا آخر للزيارة ، لكنه يحمل الموافقة من إدارة السجون ، ويعطي جميع الأوراق لجميلة ، ثم يصطحبها مع الطفل إلى السجن بعد أن يشرح لها أمر الأوراق وماذا عليها أن تخبر زوجها عدنان وقت الزيارة ، وفي الطريق تسرح جميلة بخيالها والحال الذي صارت إليه ، وتصفعها الحقيقة بشدة ، وأنها ليست أكثر من خائنة ، وأن الشرف غادرها منذ زمن بعيد ، وتلوم نفسها بشدة على اطاعة أمر سامي ، وكان الأفضل لها لو أنها بقيت مخلصة لزوجها ، وترى زوجها في تلك اللحظة مَلَكًا يتوسد السحب ولا تستطيع الصعود إليه ، وتصاب باكتئاب شديد وتكره نفسها لما هي عليه ، ولا تفيق من أحلامها إلا حين هزها سامي ، وأخبرها أنهم وصلوا إلى السجن ، وهناك يوصي أحد رجال الشرطة بتسهيل مهمة جميلة ، بعد أن يظهر له بطاقته ، وينفذ الشرطي أمر سامي ، ويدخل بصحبة جميلة وابنها ، بينما يظل سامي منتظرا في الخارج حتى لا يثير انتباه الزوار ، وتدخل جميلة وابنيها ، وترى عدنان ، وتفاجأ بأنه أصبح شاحبا وأن الهزال تمكن من جسده ، وآثار التعذيب ظاهرة عليه ، وللوهلة الأولى كادت أن لا تعرفه ، لولا أنه نادى عليها باسمها ، فانتفضت مذعورة لمنظره وكادت تصرخ :
    ـ عدنان !! .
    ـ جميلة !! .
    ـ عدنان !! ( ويغلبها البكاء ثم تتمالك نفسها ) يا حبيب قلبي .. ما الذي فعل بك هذا ؟؟ .. يا إلهي .. ما هذه الحالة التي أنتَ عليها ؟؟ ..
    ـ الله المعين يا جميلة .. ربنا على الظالمين .. لا أقول غير هذا .. تعالي .. اقتربي .. اخبريني .. أين خالد ؟؟ .. لماذا لم تحضريه معك ..
    ـ لم أستطع حمله يا عدنان .. تركته لدى أمي .. لأني أحضرت لك أكلا أيضا .. والسفر صعب هذه الأيام .. أركب باصا وأنزل من باص .. حتى وصلت إلى هنا .. ولم أكن متأكدة أنهم سيوافقون على الزيارة .. لأنهم طول الوقت كانوا يرفضون الطلب .. خذ .. انظر هذه أوراق الطلبات كلها رفض .. إلا الطلب الأخير قبلوه .. الحمد لله .
    ـ قربي الولد ودعيني أقبله .. تعال بنيَّ .. تعال يا حبيبي .
    تقرب الطفل من الحاجز الحديدي الفاصل بينهما وتضع خد الرضيع على الحديد ويقبله عدنان بلهفة ، ثم تعيده إلى حضنها :
    ـ الأكل يا عدنان أخذوه مني .. قالوا إنهم سيفتشونه حتى يتأكدوا أن ليس فيه شيء مشبوه .. وقالوا إنهم سيوصلونه هم إليك .
    ـ غير مهم يا جميلة .. احكي لي كيف البلد ؟؟ .. وكيف أهلك ؟؟ .. وكيف الأحوال في البلد ؟؟ .. كم أشتاق للقرية .
    ـ بلدنا ما زالت كما هي لم يتغير فيها شيء .. أضافوا عدة غرف إلى المدرسة لتستوعب الأفواج الجديدة .. وقد سجلت ابننا فيها وهو الآن في الصف البستان .. وكل يوم أرافقه حتى المدرسة .. وسعدى أختي .....
    ـ مالها سعدى ؟؟ .. قولي مالها.
    ـ سعدى أختي تمت خطبتها .
    ـ خبر مفرح .. مبارك إن شاء الله .. وسعدى تستأهل كل خير .. لكن من العريس سعيد الحظ ؟؟ .
    ـ صالح .. ابن راعي العجال .
    ـ مبارك .. هذا الشاب شهم وخلوق .
    ـ هناك أمر آخر يا عدنان .
    ـ ما هو يا جميلة ؟؟ .
    ـ الحالة صعبة يا عدنان .. والحياة كلها فقر .. والذهب الذي كان معي كله أنفقته حتى أستر حالي في غيبتك .. لكنه لم يكف .. ومنذ مدة بدأت العمل أنا وسعدى أختي .. حتى أستطيع القيام بالبيت ونفقته .. إلى أن يفرجها ربنا وتخرج من السجن .. والمكان الذي نعمل فيه .. بيت واحد خواجا .. يأخذنا أنا وسعدى صباحا ويعيدنا عصرا حتى البيت .. وكل هذا تم بعد موافقة أبي .. والخواجا يدفع لنا خمس ليرات كل يوم لكل واحدة .. والعمل يومان في الأسبوع فقط .. الثلاثاء والجمعة .. والحمد لله .. بدأ الوضع يتحسن قليلا .. لأني قبلها كنت أعيش على ما يرسله لي أهلي كل يوم .. بعد انقطاع ما كانت تدره بقرتنا .. والآن أفكر ببيعها .. بعد أن صرت أعمل بأجرة جيدة تكفينا وأوفر منها .
    تحمر عينا عدنان ، وتذرفان الدموع حزنا وغيظا على الحال الذي آل إليه بيته وزوجته ، ثم يقول بحزن :
    ـ أهي الحال صعبة إلى هالدرجة يا جميلة ؟؟ .. آآآآآآآآآآآآآخ يا زمن .. أين صرنا وأين وصلنا .. لا بأس يا جميلة .. الله المعين .. تحملي واصبري .. الله المعين .. الله على الظالمين .
    يقطع الحديث شرطي بالجوار معلنا أن وقت الزيارة قارب على الانتهاء ، وأن عليهما انهاء الكلام سريعا ، فيجيبه عدنان بالايجاب ، ويتابع :
    ـ الزيارة انتهت يا جميلة .. هيا عودي إلى البيت .. وانتبهي للاولاد .. ولا تهتمي بأمري .. وإذا رفضوا اعطاءك تصريحا بالزيارة فلا تتعبي نفسك.
    ـ اشترطوا على أبي شرطا حتى يعطونا التصريح كل مرة في وقته .
    ـ وما هو الشرط يا جميلة ؟؟ .
    ـ طلبوا منه أن يشتغل مع الحكومة .. ويخبرهم عن البلد وكل شيء يحدث فيها .. هذه من دسائس المختار ومكائده .. ورفض أبي .. ولذا لم يأت معي .. لأن التصريح لي وحدي .
    ـ ماذا ؟؟ .. يشتغل مع الحكومة !! لا .. لا .. لا .. إياكم يا جميلة .. إياكم .. لا أريد أن تزوروني بالمرة .. حتى لو مت في السجن .. لا أريد أن تزوروني بشرط .. لا تهتمي بأمري .. اهتمي بأمر الاولاد وكفى .. إياكم يا جميلة .. هذا خبر ما توقعت أن أسمعه .
    ـ مالك يا عدنان ؟؟ .. وهل أبي مثل المختار بلا ذمة ولا ضمير .. لا تخف حبيب قلبي .. فقط أحببت أن أوضح لك الصورة حتى تعرف لماذا تأخرت عن زيارتك كل هذه المدة.. وحتى ترى الحكومة وكلابها الذي يعيشون بينا وماذا يفعلون بنا .. وحتى إذا لم أزرك لاحقا .. تكون على علم بالسبب .
    ـ فهمت يا جميلة .. توكلي على الله .. وارجعي إلى البيت .. الله معك يا جميلة .. أحبك يا جميلة .
    ـ وأنا أحبك يا عدنان .. وسأظل أنتظرك حتى تخرج .. بإذنك حبيبي .
    تودع عدنان ويودعها وتستدير ، وتمضي خارجة ، وفي هذه الأثناء يعلو صوت أحد السجانين معلنا أن الزيارة قد انتهى وقتها ، ويستدير عدنان عائدا إلى سجنه وعزلته .
    تخرج جميلة فتجد سامي بانتظارها ، تركب معه وينطلق عائدا إلى البيت ، وفي الطريق تروي له ما جرى ، وتصف له حالة عدنان وما آل إليه من الهزال ، ويستمران في الكلام ، فيما يبدو الامتعاض جليا على وجه سامي الذي لا يروق له حديث جميلة عن عدنان ، لكنه يحاول عدم اظهار امتعاضه لها ، ثم يتوقف في مكان عام وينْزلان متجهين إلى أحد المطاعم ، وهناك يتناولان الغداء ، ثم يتابعان حتى يصلان إلى البيت ، يوقف السيارة ويذهب ويحضر سعدى ، ويقدم لها الاعتذار على عدم تقديم الغداء في البيت ، والسبب أن جميلة شعرت بوعكة صحية فاضطر لاصطحابها إلى الطبيب ، ولهذا لم تتمكن من اعداد الغداء ، وتنظر سعدى إلى جميلة ، فتهز هذه رأسها بالموافقة على كلام سامي ، ثم ينطلق بالسيارة عائدا بهما إلى القرية ، تنْزل سعدى ويتابع سامي حتى يصل بيت جميلة ، يتحدث معها قليلا ، ثم يستدير عائدا إلى بيته .
    **************
    " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

    تعليق

    • هادي زاهر
      أديب وكاتب
      • 30-08-2008
      • 824

      #32
      مرت الأعوام ، وتم ربط القرية بشبكة الكهرباء ، وشبكة المياه ، وولى عهد المختار ، وصار في القرية مجلس محلي ، وتبدلت الأحوال المعيشية للسكان ، فالأغلب قد ترك الزراعة واتجه للعمل في البناء والمجالات الأخرى في المدن الكبيرة ، وكان هذا الحال عاملا مهما في تحول حياة القرية كلها عما كانت عليه قبل سنوات ، وأصبحت هناك مدرسة كبيرة في القرية ، وكثر عدد الطلاب ، وقسم منهم صار يتعلم في المدينة المجاورة في المراحل الثانوية ، وتمت خطبة وزواج سعدى من صالح ابن راعي العجال ، وولدت منه بنتا وولدا ، واضطرت إلى ترك العمل والسفر ، ومرض الحاج عبد الله وانتقل إلى رحمة الله ، فاضطرت زوجته إلى الانتقال للعيش في بيت جميلة ، التي صار ابناها فتيين يافعين ، خالد عمره خمسة عشر عاما ، وقد شارف على الرجولة ، وعمر أخيه سامي عشر سنوات ، وكلاهما يعرفان سامي بأنه عمو سامي ، ولا يعرفان أكثر من هذا ، فحتى جدتهما طول الوقت تحكي لهما عن أخلاق سامي وكرمه معها ومع أمهما ، وقد كانا مرتاحين لوجود سامي في حياة العائلة ، فطالما أفهمتهما أمهما بالحاجة للعمل ، بعد أن باعت ما كانت تملكه من البقر ، لعجزها عن شراء العلف ، ولم يبق أمامها إلا الخروج للعمل ، بعد سجن والدهما ، وفقدانها المعيل لها ولهما ، وأن سامي صديق جدهما المرحوم الحاج عبد الله ، الذي دبر لها ولخالتهما سعدى العمل عند سامي ، ومنذ تزوجت خالتهما سعدى وأنجبت اضطرت لترك العمل ، بينما بقيت هي تعمل ، لتعيل البيت وتقوم بمصاريف تعليمهما ، ولطول المدة صار أهل البلد كلهم يعرفون سامي ، بل أكثر ، صاروا يعتبرونه فردا منهم ، وكثيرا ما شاركهم الأفراح والأتراح وأكل من بيوتهم وجاملهم في جميع مناسباتهم ، لذا كان خروج جميلة مع سامي إلى العمل عاديا جدا ، وهذا سهل على سامي كثيرا ، فصار يدخل إلى القرية ويخرج دون حرج ، ويصطحب جميلة مع أولادها وكثيرا ما اصطحبها لوحدها ، ولم يتوقف عن الانفاق عليها وعلى ابنه وشقيق ابنه ، وكل من يسأل فالجواب إن جميلة تعمل ويساعدها ابنها البكر أحيانا ، ومنذ فترة لم يعد أحد في البلد يسأل أسئلة مريبة حول الموضوع ، وإن كان مستوى حياة جميلة أفضل من أغلب أهل القرية ، ومنذ سنتين أتمت بناء بيت جديد مكان البيت القديم ، على الطراز العصري في ذلك الوقت ، وقسمته غرفا لها ولابنيها ولأمها ، وربطته بالماء والكهرباء ، ولم تؤثر التكاليف على مستوى معيشتها ، لأن سامي هو من تكفل بالأمر دون أن يشعر أحدا بذلك ، حيث كانت جميلة تبلغه بحاجتها من المال كل مرة ، وهو يعطيها دون تردد ولا سؤال ، فهي زوجته التي أقنع نفسه وأقنعها لذا فالانفاق عليها وعلى بيتها أمر طبيعي جدا وإن كان سرا .
      أنهى خالد تعليمه الابتدائي في القرية ، بتفوق ومعدل يؤهله لمتابعة التعليم الثانوي ، لكنه ولاشفاقه على أمه ، ورؤيتها تعمل ، قرر الخروج إلى العمل ليخفف عنها ولمساعدتها ، وقامت أمه باخبار سامي بالأمر فدبر له عملا في المدينة ، وصار يعمل ولا يعود إلى البيت إلا مرة في الأسبوع ، بينما أخوه سامي فما زال في الصفوف الابتدائية ، وهو متميز بذكائه ونشاطه وميله للتعليم ، حتى إن جميع الطلاب في صفه يحسدونه على نجاحه المتواصل ، وجلهم يسعى للتقرب إليه ، للحصول على معلومة معينة أو إجابة عن سؤال في حصة ما ، وهو لا يبخل بالمساعدة في حدود استطاعته ، رغم أنه تعرض مرات عديدة للأذى من بعض الطلاب ، وحدث ذات مرة أن قام بإبلاغ خالد فحضر هذا إلى ساحة المدرسة وعند خروج صف أخيه قام الاثنان بالانقضاض على من تسبب بأذية سامي ، وكانت ساعة مشهودة ، فقد تعرض خالد للسقوط وكسرت رجله وبقي مدة رهين الجبس حتى شفي ، لكن منذ ذاك اليوم لم يتعرض أي طالب لسامي بسوء ، وظل سامي بعدها متصفا بالخلق الحميد وهذا ما دعا الجميع أو الأغلب للتقرب إليه .
      **************





      اليوم نهاية العام الدراسي، وسامي يحمل شهادته في طريق عودته إلى البيت والفرح يكاد يطفر من عينيه سرورا لما حصل من معدل مرتفع في دروسه كافة ، وبينما هو في الطريق التقى بسامي الوالد في سيارته ، فأسرع إليه دون أن يسأله عن وجهته ، فقد تعود على وجود سامي والركوب معه مرات كثيرة ، وها هو أمامه وجها لوجه ، وهذه مناسبة جيدة ليري " عمو سامي" ، كما اعتاد أن يناديه ، شهادته ليفتخر أمامه بأنه طالب مجتهد ناجح :
      ـ عمو سامي .. عمو سامي .
      ـ نعم يا بني .. ماذا هناك يا سامي ..
      ـ عمو انظر شهادتي وعلاماتي .. نجحت في كل الدروس .. لم أفشل في أي درس .. علاماتي كلها عالية 100 % .. سوى درس العبري 80 % .
      ـ مبروك يا سامي مبروك .. لا بأس حبيبي .. تعال اركب .. أنت اليوم بطل .. تعال جنبي .. خذ .. هذه عشر ليرات هدية لأنك ناجح .. تعال أوصلك البيت .. لتفرح أمك .. والعام القادم ستنجح في كل الدروس .
      يسرع سامي بالصعود والجلوس بجانب سامي الوالد ، والفرحة تغمره ، ويأخذ النقود من والده الذي لا يعرف أنه والده ، فقط يعرف أنه عمو سامي :
      ـ شكرا عمو سامي .. أتدري عمو .. ولا أي طالب حصل على علامات مثل علاماتي .. أنا أذكى ولد في الصف كله .. وهذه شهادة تقدير أعطاني إياها المدير .. لأني مجتهد وناجح .. هكذا قال لي عندما أعطاني إياها .
      ـ رائع سامي .. ممتاز حبيبي .. هكذا يجب أن تكون دوما .. ناجحا .. متميزا .. وأي شيء ينقصك .. أنا أشتريه لك .. لا تخف حبيبي .. فقط اجتهد حتى تصبح غدا طبيبا كبير جدا .
      ـ حاضر عمو .. يجب أن أصير طبيبا .. هكذا تريد أمي أيضا .. وأنا أيضا أحب أن أصير طبيبا لأداوي الناس .. ولأن بلدنا ليس فيها ولا حتى طبيب واحد .. أنتَ عمو كم طبيب في بلدكم ؟؟ .
      ـ طبعا عمو يوجد أكثر من طبيب .. ويوجد عدة مستشفيات أيضا .
      ـ وصلنا الدار عمو .. وصلنا .
      يوقف سامي السيارة ، ويسرع سامي الصغير بالنُّزول ويمضي ركضا إلى أمه وهو ينادي عليها ، وتقبل أمه مسرعة وتحمله بين ذراعيها وتقبله ، وترى سامي فتدعوه للدخول فيلبي ، وفي هذه الأثناء يحدثها ابنها عن شهادته ونجاحه وما أعطاه عمو سامي من النقود ، فتضمه بقوة إلى صدرها وتدور به من فرحتها ولا تتوقف عن تقبيله ، وينْزل سامي من السيارة ، وتدخل جميلة إلى البيت قبله ويتبعها سامي إلى الداخل ، وتعد له القهوة ، ثم يدور حديث بينهما ويطول جلوسه حتى قبيل المساء ، ثم يستأذن ويمضي .
      كانت جميلة بعد موت أبيها ، قد أعادت الطلب من سامي لزيارة زوجها عدنان ، لأن ابنيها يكثران السؤال عنه ، وافق سامي على أن تصحبهما مرة كل شهرين لزيارة عدنان ، وهكذا كان ، فصار كل شهرين يحضر لها التصريح ، وتصحب ابنيها لزيارة عدنان ، وكانت تتعمد السفر بالباص ، حتى لا تثير الشبهات ، أما عدنان فقد ساءت حالته كثيرا في السجن ، ويشاء القدر أن يصاب عدنان داخل السجن بمرض عضال، وينقل ذات مرة إلى المستشفى في حالة ميؤوس منها ، وهناك يقرر الأطباء وفاته نتيجة نوبة عصبية لم يحتملها ونتيجة المرض ، وينقل الجثمان إلى القرية ، ويفاجأ جميع أهل البلد بجثمان عدنان ، وحضرت الشرطة مع الجثمان وقام أحد أفرادها بإبلاغ رئيس المجلس بضرورة دفن عدنان بسرعة ، وعدم السماح بإقامة مراسيم الجنازة ، وقام الامام بالصلاة عليه في الجامع ، والذي لم يتسع لكثرة المصلين لحظتها ، وامتدت الصفوف حتى خارج المسجد ، عدا عمن حضر ليشارك في التشييع وظل خارج المسجد لأنه لا يصلي ، فقد كان عدنان ورغم مرور وقت طويل على سجنه يعرفه جميع البالغين في القرية ويعرفون ثوريته وسبب سجنه ، أما الجيل الصغير فلا يكاد يعرف شيئا عنه سوى ما كان يتردد بين الحين والحين من أحاديث يسردها كبار السن عن عدنان ، انتهت صلاة الجنازة على جثمان الشهيد عدنان بعد صلاة الظهر ، وخرج الموكب متجها صوب المقبرة ، وما هي إلا لحظات حتى تحولت الجنازة إلى مظاهرة شارك فيها جميع سكان القرية ، يتقدمهم ابنا عدنان ، وانتهت قبيل المساء وتمت مواراة الجثمان في مقبرة القرية ، وفي اليوم التالي كانت مجموعة من الشباب تتجه صوب المدرسة وتدخل الصفوف وتفرض بالقوة على المعلمين ، تخصيص يوم دراسي عن سيرة البطل الشهيد عدنان ، ويحتدم الجدل بينهم وبين ادارة المدرسة ، التي لا تستطيع الخروج عن المنهج المقرر ، ومع مرور الساعات يحتشد الشاب ويزداد العدد ، ويضطر مدير المدرسة إلى استدعاء الشرطة ، فتحضر وتشتبك مع الحشد المتجمهر في ساحة المدرسة ، وتعتقل قسما من الشباب ، وينفض الاشتباك ، وفي بيت جميلة كانت وفود المعزين تتوالى دون انقطاع ، ويقوم ابناها على خدمة المعزين والترحيب والتوديع ، وجميلة وسعدى وأمهما يقمن بالواجب تجاه النساء المعزيات ، واستمر العزاء ثلاثة أيام ، وكان سامي الابن ، الذي رافق أمه لزيارة عدنان قد أحب عدنان ، وحاول التعلم منه ، وكثيرا ما جلس منصتا لحديثه ، لذا فقد تشرب شيئا من صفات عدنان لا شعوريا ، وهذا زاد قلق سامي الأب ، لكن لم يظهر لولده ذلك ، رغم كثرة تفاخر سامي الابن بعدنان أمام سامي الأب ، على اعتبار أن عدنان والد سامي الابن كما أفهمته أمه طول الوقت ، وعدم استطاعة سامي الكبير كشف الحقيقة لابنه .
      ***********



      " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

      تعليق

      • هادي زاهر
        أديب وكاتب
        • 30-08-2008
        • 824

        #33
        الوقت مساء ، وجميلة تجلس في البيت تتابع مسلسلا تلفزيونيا وبجانبها ابنها سامي ، ومن أحداث المسلسل يحس سامي بشبه كبير بين المسلسل وقصة والده عدنان ، كما يعتقد في نفسه ، ومما تحدثه أمه طول الوقت ، فقد كانت دائمة التذكير له ولأخيه أنه أباهما عدنان الشهيد فيسأل أمه :
        ـ أمي .. احكي لي عن أبي .. أريد أعرف كيف كان .. ولماذا دخل السجن ؟؟.. وكيف كانت حياته ؟؟ .
        تفاجأ جميلة لسؤال ابنها ، لكونه سألها أكثر من مرة نفس السؤال ، ودوما كانت تشرح له بالتفصيل ، وتبدأ بسرد قصة زوجها عدنان على مسامع ابنها مجددا ، ويطول كلامها عن عدنان ، وحين تنهي الكلام تنظر في عيني ابنها فتراه يبكي على أبيه ، فتمسح دموعه وتضمه إلى صدرها بعطف وحنان ، وبعد برهة يقول سامي :
        ـ أمي .. كان أبي بطلا .. وحارب اليهود .. لذلك سجنوه ؟؟ .
        ـ صحيح يا بني .. أبوك كان بطلا .. لكن خسارة لقد مات .. وعزاؤنا أنه مات شهيدا.. أبوك كان قويا .. وكان شهما .. وليس أزعر مثل كثير من الشباب الزعران .. لذلك أريدك أن تصبح طبيبا يفتخر بك الناس .. وترفع رأسي بينهم .. أريد أن يقول الجميع سامي ابن عدنان طبيب كبير .. والآن هيا إلى النوم يا بني .. لقد تأخر الوقت .
        ـ حاضر يا أمي .. تصبحين على خير .
        ينهض ويتجه إلى فراشه ، وينام ، وتظل جميلة جالسة أمام التلفاز تتابع البرامج ، ويغلبها النعاس فتنام ، ولا تستيقظ إلا على صوت خطوات أمها التي قامت لصلاة الفجر ، وهي تبحث عن حذائها لتدخل الحمام للوضوء والاستعداد للصلاة ، وها هو أذان الفجر ينطلق في أرجاء القرية ، فقد صار يصل جميع أنحاء القرية بفعل مكبرات الصوت التي تم شراؤها وتثبيتها فوق مئذنة الجامع ، وصوت المؤذن في هذه الساعات يشد قلوب الناس ، فالمؤذن شاب ندي الصوت ناعمه ، ويترنم بصوته ، ويجود الأذان ؛ أفاقت جميلة وتوجهت إلى أمها تسألها عما تبحث عنه ، فأخبرتها أمها ، فغابت وعادت بالحذاء ، وأعطته لأمها ، ثم جلست في الشرفة تراقب الفجر وانبثاق الحياة في القرية .

        *******************









        الوقت ظهرا ، والأذان ينطلق في القرية ، ثم يعلن المؤذن وفاة المختار ، ويكرر الاعلان ثلاث مرات ، وتم تثبيت اعلان الوفاة مكتوبا على باب المجلس المحلي ، وفي المدرسة ، وأذيع الخبر عبر الإذاعة ، وتوافد أهل القرية من كبار السن والشباب على بيت المختار ، والكل يقدم العزاء ، وحضر التشييع والعزاء وفد عن المؤسسة الحاكمة ، مكون من عدة شخصيات ممن عرفوا المختار عن كثب ، وفي أحد بيوت القرية وفي ساعات المساء يدور حوار ساخن حول شخصية المختار وتاريخه :
        ـ الحمد لله .. لقد أخذه الله وارتحنا منه .
        قال أحد الشباب في البيت ، فردت عليه أخته :
        ـ لا تجوز على الميت غير الرحمة ، اتركونا من الكلام الفاضي ، الرجل مات وانتهى ، وربنا أخبر بحاله ، وهو يجازيه على كل شيء عمله .
        يتدخل الأب :
        ـ جعل الله جهنم قراره .. هذا الذي أجبرني على بيع الأرض .. وظل يتجسس علي للسلطة حتى أغلقت في وجهي أبواب الرزق .. ما تركوني أشتغل شغلة أترزق منها .. وظلوا حتى أجبروني على بيع الأرض .. لقد مات .. لا رده الله.. هذا مجرم .. أين سيهرب من عذاب ربنا ؟؟.. أين ؟؟ إن الله يمهل ولا يهمل .. كم من أهل البلد تسبب في أذيتهم ؟؟ .
        ويشارك شاب آخر من الحضور ، وهو طالب يتعلم في الجامعة :
        ـ أنا عندي معلومات مؤكدة .. تقول إن المختار كان السبب الأول في طرد ابن أبي مخلوف من الجامعة .. والسبب لأن ابن أبي مخلوف رفض العمل جاسوسا للسلطة و " الشين بيت " على الطلاب العرب في الجامعة معنا .. وابن أبي مخلوف حكى لي بنفسه أنهم استدعوه أكثر من مرة إلى مركز المخابرات وعرضوا عليه أن يشتغل معهم .. وكان المختار حاضرا معهم ساعتها ولأكثر من مرة حاول المختار نفسه أن يقنع ابن أبي مخلوف بقبول التجسس على الطلاب العرب في الجامعة .. لكنه رفض .. ولذا طرد .
        تتدخل الأم وتشارك في الحوار :
        ـ يا أبنائي يا أحبائي .. ما لزوم هذا الكلام .. الرجل مات .. وهو مقبل على حسابه عند ربنا .. ثم ماذا يفيد الكلام عنه اليوم .. الرجل حسابه على ربه وهو يحاسبه .. فضوا السيرة .. وتحدثوا بما يهمنا من الأمور .
        ينفض المجلس وينتهي الحوار ، ويخيم الصمت على القرية كلها ، وقد دخلت في عباءة الظلمة ، وفي اليوم التالي يسير موكب جنازة المختار يتقدمه شخص بلباس رسمي يحمل إكليلا من الزهور ، ويصل الموكب إلى الجامع ويوضع النعش للصلاة عليه ، وتعلو أصوات من داخل الجامع ، فالامام يرفض الصلاة على المختار لمعرفته بحقيقة المختار ، ولذا فهو يعتبره خائنا وكافرا ، وعنده أن من كانت هذه حاله فلا تجوز الصلاة عليه شرعا ، ويتدخل بعض الوجهاء لتفادي الفتنة ، ويقول بجواز الصلاة عليه ، حتى لا تعم الفوضى والفتنة ، وينتهي الجدل بأن يصلي عليه شخص غير الامام ، ومن ثم يحمل النعش ويوارى الجثمان في المقبرة ، ولكن الجدل لم يتوقف ، لأن غالبية الجيل الشاب لا تعرف حقيقة المختار وما قام به من أعمال في حياته ، واستمر الجدل لأيام متتالية بعد موت المختار ، ولم يخل مجلس من النقاش والكلام عن المختار بين مترحم عليه ولاعن له ، بينما وفود المعزين تتوالى على بيت المختار من القرية ومن القرى المجاورة ، وحتى من قبل المؤسسة الحاكمة حضر وفد آخر لتقديم واجب العزاء ، فقد كان المختار بمثابة جندي الخفاء الذي خدم الدولة حتى يوم وفاته ، ولم يقصر في أداء أية مهمة أوكل إليه تنفيذها ، وبعد انقضاء أيام العزاء حضر شخص يلبس الزي الرسمي إلى بيت المختار ، وجلس هناك مع ابنه الكبير ، وبعد مدة غادر كما جاء ، وفي اليوم التالي كان ابن المختار في مكتب جهاز المخابرات يتلقى التعليمات ، ليقوم بمتابعة دور والده ؛ لكن العصر تغير ولم يعد الناس كما كانوا أيام والده ، فقد شبوا عن الطوق وغادروا سراديب الخوف واكتسبوا وعيا كبيرا ، وليس من السهل أن تنطلي عليهم أساليب المختار وابنه من بعده .
        ****************






        كبرت القرية واتسع العمران فيها ، وصار فيها سوق خضار ، وتحولت إلى النمط العصري ، وكثرت وسائل النقل حتى كاد كل بيت فيها يمتلك وسيلة نقل خاصة به ، وما جرى للقرية ، جرى لجميلة وابنيها ، فابنها خالد تعلم السياقة منذ فترة واشترى سيارة ، وابنها سامي التحق بالجامعة ، وبدأ يدرس الطب ، وكانت أقساط الجامعة قد تكفل بها أخوه ، فحالته المادية تحسنت جدا ، وكثيرا ما أوصل أخاه سامي إلى الجامعة بسيارته ، أو حضر إلى الجامعة وعادا معا إلى البيت ، وفي إحدى المرات وهما عائدان في السيارة من الجامعة إلى القرية يبادر الأخ الكبير بالحديث :
        ـ ها يا سامي .. كيف الجامعة ؟؟ .. هل أنت متفوق ؟؟ .. كما كنت في الابتدائية والثانوية ؟؟ .. أم أن الجامعة تختلف ؟؟ .. أم الطالبات يغرين هنا ؟؟ .. هنا البنات مختلفات عن القرية .. الملبس والهيئة وكل شيء مختلف عما في القرية .
        ـ .. ماذا يا خالد .. أنا أخوك سامي .. وتعلم مدى تعلقي بالعلم .. ما لي وللبنات .. ولو أردت بنتا ففي القرية آلاف البنات .. ولا يختلفن عمن هنا .
        ـ يا سامي هذه بداية الكلام فقط .. لأني أردت التحدث معك في أمر آخر .. وأحببت سماع رأيك فيه .. وهنا في السيارة نحن وحدنا .. فليس أنسب منه للحديث
        ـ ما هو ؟؟ .. قل ما هو .
        ـ أريد أن أتزوج .
        ـ ماذا قلت ؟؟ .. تتزوج ؟؟ .. والله هذا أسعد خبر سمعته .. ستطير أمنا فرحا لهذا الخبر .. مبارك أخي خالد مبارك .. لقد عييت أمي وهي تحاول اقناعك بالزواج .. وممن تريد .. لكنك كنت ترفض دوما .
        ـ دعنا مما مضى .. فنحن أبناء اليوم .. وقد تعرفت على فتاة من القرية المجاورة .. وأراها مناسبة لي .. وعمرها عشرون عاما .. أي تصغرني بثلاثة أعوام .. وذات جمال يصعب وصفه .
        ـ ومتى تعرفت عليها .. أنت جن .. كيف لم تخبرني إلا الآن .
        ـ .. لقد صبرت حتى تأكدت منها ومن موافقتها على الارتباط بي .. وها أنا أخبرك .. وسأخبر أمي حال وصولنا .
        ـ سأخبرها قبلك .. ففرحتي الآن بك لا توصف .. وسعادتي لأجلك عظيمة .. لقد تعبتَ يا خالد كثيرا لأجلنا .. وآن لك أن تستقر .
        يصلان البيت ، ويسرع سامي بفتح باب السيارة ويتناول حقيبته عن الكرسي الخلفي ، وينْزل ويقفل باب السيارة ثم ينطلق مسرعا إلى أمه ليبلغها الخبر ، بينما خالد ظل في السيارة حتى أوقفها في مكانها ثم أقفلها ودخل البيت ، وما إن رأته أمه حتى هجمت عليه واحتضنته ، وراحت تقبله ، وفي المساء كانوا يجلسون جميعا يتشاورت في أمر العروس ، وتطلب جميلة من خالد أن يصحبها إلى بيت والد العروس لترى عروسة ابنها أولا ، وبعد ذلك اتمام الواجب إن أعجبتها العروس ، ويوافق خالد على طلب أمه ، ويجلسون ، وتنهض جميلة تعد الطعام لها ولأولادها ، وبينما هي منهمكة في اعداد الطعام ، تنهض أمها من غفوتها التي اعتادت عليها بعد الظهر من كل يوم ، وتنضم إلى العائلة بعدما أدت صلاة العصر ، ويتناول الجميع الطعام ، وبعده القهوة ، وينشغل كل بما عليه من أمور واجبة التنفيذ ؛ دخل سامي إلى غرفته وبدأ بمراجعة محاضرات الجامعة ، بينما خرج خالد واستقل سيارته إلى القرية المجاورة ، حيث حبيبته التي اختارها لتكون زوجة له ، وانشغلت جميلة بجلي الأواني ، بينما والدتها جلست وانشغلت بالتسبيح والتهليل ، فمسبحتها التي صنعت من بذور الزيتون لا تفارقها ، وبعد يومين سافرت جميلة بصحبة ابنها خالد إلى القرية المجاورة لترى عروسة ابنها ، ووصلا إلى بيت العروس ، ودخل خالد بصحبة والد العروس إلى غرفة الاستقبال ، بينما دخلت جميلة مع أم العروس إلى غرفة أخرى ، وجلست معها ومع العروس التي كان وجهها كفلقة القمر ليلة التمام ، وطال الجلوس والكلام وانشرح صدر جميلة لعروسة ابنها وأعجبتها أخلاقها جدا ، وثقافتها ، فهي فتاة متعلمة ، وتم تحديد الموعد لحضور الجاهة رسميا ، وموعد الخطبة ، وبعد أيام كانت الجاهة قد حضرت وتم الأمر ، تلا ذلك بأسبوعين خطبة خالد على عروسه ، وسارت الأمور على خير وجه بلا تكدير ولا تعكير ، وذات يوم جلست جميلة مع ابنها ، وتركز الحديث على وجوب بناء بيت خالد واتمامه قبل العرس ، وعليه أن يتفق مع مهندس ليجهز الخرائط والرخص :
        ـ خالد .. أرى يا بني أن تعجل في الاتفاق مع مهندس لاعداد الخرائط والرخص .. لبيتك الجديد .. سنبني بيتك بجوار بيتنا هذا .. واحرص على أن يكون متصلا مع بيتنا حتى أستطيع الدخول إلى بيتك بحرية .
        ـ حاضر يا أمي .. يا أحلى أم في الدنيا .. مُريني بما تشائين وعلي التنفيذ .. وغدا إن شاء الله .. سأذهب إلى المهندس .. لأن لي صديقا مهندسا .. وله مكتب في المدينة .
        ـ ولا تنس أن تدعو خطيبتك للغداء معنا غدا .. فقد دعوتها قبل يومين .. لكن من باب التذكير .. فربما نسيت .. اذهب إلى بيتها وادعها مع والدتها .. فأهل خطيبتك طيبون ومن أهل الخير .. وبالمناسبة نرى رأي خطيبتك في أمر البناء .. فربما تحب شيئا مميزا في البيت .. نأخذ رأيها يا خالد .
        ـ حاضر يا أمي .. حاضر .. ما أغلاك يا أمي .. لا حرمنا الله منك أبدا .
        ـ هل ستذهب لتحضر أخاك اليوم من الجامعة ؟؟ أم لديك ما يشغلك ؟؟.
        ـ لا يا أمي .. فأخي أحب إلي من الدنيا .. بل سأذهب وأحضره .. هكذا اتفقنا منذ الأمس .. لكن سنمر في الطريق قبل عودتنا على السوق في المدينة .. لأن سامي يريد شراء ثياب جديدة .. وحاجات أخرى لا أدري ما هي .
        ـ حفظكما الله لي يا بني .. وسلمكما من كل سوء .. انتظر حتى أحضر لك بعض المال .. فربما ليس معك ما يكفي .. وبالمناسبة اشتر لك أيضا .. فأنت منذ مدة لم تشتر ثيابا .. وكل أجرتك تعطيني إياها .. انتظر .
        تنهض جميلة وتدخل غرفتها ، ثم تعود تحمل أوراقا نقدية ، وكان المبلغ جيدا ، ناولته إلى خالد ، وجلسا بعض الوقت ، ثم استأذنها خالد وانطلق بسيارته صوب المدينة ليحضر أخاه سامي من الجامعة ، وبقيت جميلة لوحدها في البيت ، وظلت جالسة بعض الوقت ، ثم تذكرت أن أمها لم تنهض بعد من نومها كعادتها كل يوم ، فقامت واتجهت إلى حيث تنام أمها ورأتها فظنت أول الأمر أنها ما زالت نائمة ، فقررت تركها وتفقد أحوال البيت ، ومضت عنها ، وبعد ساعة عادت إليها فوجدتها كما هي ، فداخلها الشك أن مكروها أصاب أمها ، وبدأت إيقاظها والأم لا تجيب :
        ـ أمي .. أمي .. انهضي لقد قارب الوقت على المساء .. ولم تصلي العصر.
        الأم لا تستيقظ ولا تجيب ، وجميلة بدأت تشعر بأن أمها ربما توفيت ، وترفع يدها ثم تتركها فتسقط اليد ، وهنا تيقنت جميلة أن أمها ماتت :
        ـ أمي .. ماما .. ردي علي .. انهضي يا أمي .
        ويغشاها البكاء ، وتبدأ بالعويل والصراخ ، ويسمع صوتها الجيران فيتوافدون مسرعين ، ويجدون الأم ميتة في فراشها وجميلة تبكي فوقها وتهزها كمن يحاول ايقاظ نائم ، ويتقدم بعض الرجال فيزيحون جميلة جانبا ويحملون أمها بين أيديهم بسرعة ، ويضعونها في سيارة وينطلقون بها إلى المستشفى في المدينة ، وهناك يقرر الأطباء وفاتها الطبيعية .
        ***********

        ،
        " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

        تعليق

        • هادي زاهر
          أديب وكاتب
          • 30-08-2008
          • 824

          #34
          أتم خالد بناء بيته وتزوج ، ورزق بطفل أسماه عدنان ، ليظل اسم أبيه الشهيد حيا خالدا ، وتخرج سامي من الجامعة بمعدل جيد جدا ، وكان يتمتع بحس وطني هو وأخوه لدرجة كبيرة ، ونتيجة مخالطته الطلاب في الجامعة مدة أربع سنوات ووقوفه على ما يحصل هناك ، وحرية التعبير المتاحة للطلاب داخل الحرم الجامعي ، زادت عنده الجرأة في طرح قناعاته الفكرية وما يؤمن به ، واستهوته النقاشات الفكرية ، والحضارية ، فحضارته راسخة الجذور ، بينما الحضارة الأخرى طارئة ، ولم تقم على ساق سوي ، وكان ميله دوما لحضارته التي أنارت الدنيا ذات يوم ، وكانت أغلب قارات العالم تغط في سبات يلفها ظلام التخلف والجهل ، وهذا سبب له متاعب كثيرة مع المؤسسة ، وكثيرا ما تم استدعاؤه من قبل المخابرات واعتقاله نتيجة عناده وتصلبه في موقفه ، وكان والده سامي يخرجه في كل مرة دون أن يريه أنه من قام باخراجه من المعتقل ، فقد كان أخوه يحضر له محاميا ، ويخرجه بكفالة ، وهكذا يظهر الأمر عاديا ، ولا يظهر لسامي وجود ، وكانت جميلة تعرف حقيقة الموقف ، وكثيرا ما طلبت من ابنها تحت إلحاح سامي الوالد ، أن لا يلتفت إلى شيء غير مستقبله ، فالنشاطات السياسية لن تجلب له سوى المتاعب ، ولكن سامي كان قد تشرب الانتماء إلى شعبه وليس من السهل اقناعه بما تقول أمه ، فقد شب على الطوق وتشكل وعيه بصورة تامة ولم يعد بالامكان تغيير القناعات أو تحويل اتجاه الريح .
          **************
          صبيحة أحد الأيام تستيقظ القرية على منظر قوة من الشرطة مدججة تصحبها مجموعة من البلدوزرات تشق طريقها عبر شوارع القرية ، لتصل إلى الجهة الغريبة ، وذلك لأن أحد سكان القرية ، والذي تم رفض اعطائه رخصة للبناء بحجة أن الأرض ملك للدولة ، قام ببناء بيت له ولعائلته ، وخرج على القانون ، وتم احضار أمر الهدم من المحكمة ، ويعلم سامي بالأمر ويتصل بمجموعة كبيرة من أصدقائه ومعه أخوه ، وما إن تصل الشرطة إلى مكان البناء ، حتى كان سامي وأخوه يتقدمان مظاهرة صاخبة ، واصوات الاستنكار تدوي في أرجاء القرية ، فتهب القرية عن بكرة أبيها ، ويقع الصدام مع الشرطة بقوة ، ويكثر الجرحى من الطرفين ، من السكان ومن الشرطة التي لم تدخر جهدا في قمع المظاهرة ، عن طريق التنكيل بالناس واطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي ، لذا كثرت الاصابات في صفوف المتظاهرين ، وكان يوما مشهودا في القرية ، ولكن في نهاية المطاف تم هدم البيت دون أن يسمح لأصحابه بإخراج الأثاث منه ، وجلست العائلة على أنقاض البيت المهدم تبكي وتندب ، وفي اليوم التالي تحضر الشرطة ليلا إلى القرية وتقوم باعتقال مجموعة كبيرة من الشباب ، ومن بينهم كان سامي وأخوه ، وفي المعتقل يلتقي سامي وخالد بسامي الكبير والد ، أو كما اعتادوا أن ينادوه ، عمو سامي ، وبعد أيام يتم إخلاء سبيلهما من المعتقل بكفالة مالية دفعتها أمهما ، ويخرجان من المعتقل ، لكن سامي الابن بدأ يشك بأبيه ـ عمو سامي ـ ويتساءل عن سبب وجوده في المعتقل ، فهو حتى الآن لم يعرف هذا الجانب من حياة ـ عمو سامي ـ ونتيجة لقائه به في المكان غير المتوقع ، بدأ الشك يعصف به وتغيرت نظرته إلى سامي الأب ، وصار دخول سامي الأب إلى بيتهم أو ذهاب أمه للعمل معه مثار الشك والريبة ، لكنه قرر عدم كشف الأمر ريثما يتأكد من شكوكه أو يظهر له ما يؤيد ما بدأ يغزوه من أفكار ، وتمر الأيام ويبدأ عملية التحري حول شخصية سامي الأب ليتعرف على هذا الجانب الذي كان يجهله طول الوقت ، ويصل بعد مدة إلى حقيقة سامي بأنه رجل مخابرات ، وهنا كان لا بد من وضع حد لأمور كثيرة ، فقد ساءت العلاقة بينه وبين سامي ـ والده الحقيقي ـ وتم طرده من القرية ، ومنع أمه جميلة من العمل والسفر مع سامي الأب ، ورغم هذا لم يصل سامي الابن إلى الحقيقة ، وينشغل سامي الابن بأمور كثيرة خلال الفترة التالية ، فيقوم بتشكيل لجنة من الشباب في القرية ممن يثق بهم ، ويقومون بجمع تبرعات من القرية لاعادة بناء البيت الذي تم هدمه قبل فترة ، وينجح في المهمة ، ويتطوع أغلب أهل القرية في العمل وتجمع التبرعات ، وخلال أسبوع واحد كان البيت الذي هدم قد أعيد بناؤه وبصورة اجمل ، وخلال فترة البناء ، لاحظ المتطوعون تجوال ابن المختار وكثرة مروره من المكان ، فأدرك قسم منهم أنه لم يحضر إلا لسوء نية ولهدف رخيص ويتم اعتراضه من قبل بعض الحضور في المكان :
          ـ نعم يا أخ .. تفضل يا محترم .. عمَّ تبحث هنا ؟؟ .. هل فقدت شيئا هنا وجئت تبحث عنه ؟؟ .
          ـ سلامتك يا أخي .. لا شيء .. مجرد عابر سبيل وصدفة مررت بالمكان
          ـ لكن ليس من عادتك أن تمر من هنا قبل اليوم .. يعني القصة ليست مجرد صدفة .
          ـ لا والله يا أخي .. مجرد عابر سبيل .. ولا شيء أكثر .. أنا منذ أيام أتي بسيارتي وأوقفها هناك فوق .. وأتمشى قليلا .. أريد تحريك جسمي .. فقد تعبت من الجلوس في البيت .. والمشي رياضة .. هذا كل ما هناك .
          ـ ما دام الوضع هكذا .. لماذا تحمل آلة التصوير معك ؟؟ .. ليس هنا مناظر تستحق التصوير .. إنها طبيعة جرداء . ألا ترى ذلك ؟؟ .. أم أن أسيادك أرسلوك لتنقل لهم الخبر والصورة ؟؟ .
          يتدخل أحد الحضور وهو يرفع المجرفة مهددا ابن المختار :
          ـ يا جماعة .. هذا الشخص جاسوس مثل أبيه اليي احترق .. ابعدوا حتى أفتح رأس الكلب .. جاء ليتجسس علينا ويبلغ أسياده .. إخص عليك يا حقير .. يا جبان .
          ويهوي بالمجرفة على ابن المختار الذي يسرع ويبتعد قليلا ، بينما يمسك شخص آخر المجرفة وهو يقول :
          ـ لا تلوث يدك في كلب يا رجل .. فمنذ اليوم الأول ونحن نراه ونعرف هدفه .. هذا ساقط وحقير .. لا تنجس يدك فيه .. إتفو عليك وعلى أصلك يا ساقط .. ما زلت تعيش في زمن المخترة .. وتظن الناس كما كانوا زمن أبوك الذي احترق .. لو أنك تستحي .. كنتَ أطلقتَ على رأسك رصاصة وانتحرت .. لأن موتك أنتَ وأمثالك راحة للعباد يا خسيس .. إخص عليك يا كلب .
          ـ لكن يا جماعة هذا عميل .. وآلة التصوير التي معه يمكن أنه صورنا ليوصل صورنا لأسياده .. ممنوع أن نتركه يفلت .. يجب أن نأخذ آلة التصوير ونحرق الفيلم الذي فيها .. لأنه الفيلم إذا ظل معه فكلنا غدا سنستدعى إلى مركز الشرطة .. هات الكاميرا يا كلب .
          ويهجم على ابن المختار ، ويساعده آخرون ويستخلصون منه آلة التصوير ويفتحونها ويخرجون الفيلم منه ويعرضونه للشمس ، ثم يرميه أحدهم في وجه ابن المختار ، بينما يقوم آخر برمي آلة التصوير أرضا ثم تحطيمها بحجر كبير ، ويغادر ابن المختار المكان مطأطئا رأسه ، ويعود الشباب للعمل ، لكن ابن المختار لم يذهب إلى بيته ، بل ركب سيارته واتجه مباشرة صوب مركز الشرطة ، وهناك يدور الحوار التالي بينه وبين رجل الشرطة :
          ـ مرحبا يا سيدي .
          ـ أهلا حبيبنا ابن حبيبنا .. حبيبي ابن مختارنا .. كيف حالك ؟؟ .
          ـ الحمد لله يا سيدي .
          ـ خيرا ؟؟ مالك وجهك مخطوف ؟؟.. ولونك مصفرّ ؟؟.. شو صاير ؟؟ .
          ـ خيرا يا سيدي .. لكن الأمر لا يمكن السكوت عنه .. ويجب أن تعتقل اليوم كل أولئك الكلاب .. لولا أني هربت لكانوا قتلوني .
          ـ ماذا ؟؟ .. من الذين يقتلونك ؟؟ .. أنتَ مسنود من الدولة والقانون هو الحاكم فيها .. من هؤلاء الذي تتحدث عنهم ؟؟ .
          ـ عندنا في البلد يا سيدي .. دعني أخبرك القصة كلها .
          ـ تفضل حبيبي تكلم .. أنا أسمعك .. لكن انتظر لحظة .
          يفتح درج الطاولة أمامه ويخرج دفترا ، ويسحب القلم من جيب قميصه الأزرق الرسمي ، ثم يقول :
          ـ نعم حبيبي .. تفضل قل كل شيء بالتفصيل .. ولا تنس أية حاجة مهما كانت صغيرة .. فأنتَ تعلم أن خبرا صغيرا عندك ولا تهتم له .. يمكن أن يكون عندنا كبيرا وله أهمية كبيرة .
          ـ حاضر يا سيدي .. البيت الذي هدمتموه قبل فترة .. لأنه بدون رخصة .. هل عرفته سيدي أم لا ؟؟ .
          ـ نعم .. نعم حبيبي .. عرفته .. تقصد البيت الذي أقيم غرب البلد .. حيث كانت المظاهرة .
          ـ صحيح سيدي .. القصة أن مجموعة من شباب البلد شكلوا لجنة وجمعوا تبرعات ودعوا أهل البلد .. وبنوا البيت من جديد .. وكل هذا العمل نفذوه خلال يوم واحد فقط .. وأنا يا سيدي منذ أول يوم بدأوا العمل .. صرت أذهب إلى هناك بحجة أني أمارس رياضة المشي .. وكل يوم أصورهم .. كبيرهم وصغيرهم .. واليوم كنت قد نويت تحميض الفيلم واحضار الصور حتى تتعرفوا عليهم كلهم .. لكن اعترضني قسم منهم ووقعت مشادة كلامية بيني وبينهم .. واتهموني أني عميل وأتجسس عليهم .
          يبتسم الشرطي في سره ، ثم يرفع رأسه كم صحا من غفوة ويقول :
          ـ نعم حبيبي تابع .. أنا أسمعك .. تكلم .
          ـ وخلال المشادة يا سيدي .. خطف أحدهم مني آلة التصوير .. وفتحها وأخرج الفيلم وفتحه في الشمس وحرقه .. ورمى آلة التصوير على الأرض وصار يضربها بحجر كبير حتى كسرها .. والآلة ثمنها كبير يا سيدي .. وكل الذين اعترضوني حفظت أسماءهم كلهم .. سجل عندك يا سيدي .. يجب أن نربيهم .. ونلقنهم درسا لا ينسى .. الكلاب .. أنا ابن المختار .. وطوال عمرنا مخلصين للدولة .. شرذمة في آخر الزمن يهددوني أنا !! .. سجل يا سيدي .
          ويبدأ بسرد الأسماء ، والشرطي يسجل في الدفتر ، حتى انتهى من تسجيل جميع الأسماء ، عندها قال الشرطي لابن المختار :
          ـ حسنا .. هل بقي شيء عندك .. تذكر جيدا .. لا تنس .
          ـ لا يا سيدي .. هذه الأسماء كلها .. والذي جرى رويته لك كله .
          ـ حسنا .. تستطيع العودة إلى البيت .. ونحن سنتصرف .. هيا مع السلامة .. وأعتذر منك فلدي عمل يجب أن أتمه قبل انتهاء الدوام .. مع السلامة .
          ينهض ابن المختار ، ويغادر ، ويظل الشرطي وحده في الغرفة ، ثم يتحدث بحديث كمن يحدث شخصا أمامه :
          ـ هل هذا معقول ؟؟ ..هل يوجد أناس ساقطون إلى هذا الحد ؟؟ .. أنا شرطي طوال عمري أخدم الدولة .. ولأني شرقي لم يعتبرني منهم أحد .. وما رقوني وما وصلت إلى المناصب العالية لأني طيب مع الناس .. لأني لا أظلم العالم .. وأطبق القانون بحذافيره .. والقانون ينص على مساواة الكل .. لكن الواقع مخالف للنص القانوني .. العربي في دولتنا يعتبر درجة ثالثة .. وحقوقه كلها نحن من ينتهكها .. العرب في الدولة ليسوا مجرمين .. بل نحن الذين نضيق عليهم حتى يرحلوا من الدولة .. وهم متمسكون بأرضهم .. هذه الحقيقة وإن حاولنا اقناعهم بعكسها .. وفوق هذا لا نتركهم يعيشون بيننا بأمان .. وصاحب البيت الذي هدمناه .. تقدَّم بطلب رسمي حتى يحصل على رخصة بناء البيت .. المخابرات هي التي قررت الرفض .. وصاحب البيت وصل حدا لا يطاق .. ويريد بناء بيت لعائلته.. وبناه وخالف القانون .. لا .. الصحيح أن القانون جائر وظالم .. وفوق هدم البيت تم تغريم صاحب البيت بأجرة الشرطة والبلدوزرات .. وهذا كله في كفة .. وما قام به ابن المختار في كفة .. بلد أهله تعاونوا وبنوا البيت للرجل حتى يسكن .. والله يا ليت عندنا نحن شيئا من هذا التعاون .. لكن هذا !!.. بدل أن يشارك مع أهل البلد ويساعد صاحب الدار .. ذهب يتجسس على الخلق ويصورهم ويحضر لنا أخبارهم .. هذا مستحيل أن يكون مخلصا لنا .. لأنه لو كان مخلصا .. فالأولى أن يكون مخلصا لأهله وشعبه قبل أن يكون مخلصا لشعب آخر.. حسنا .. والآن ماذا أفعل .. أنا شرطي .. وأنا شرقي أيضا .. وعندي أولاد مثل صاحب البيت .. لكن أنا لدي بيت .. والعربي هدمنا بيته وحرمناه من المسكن .. ويمكن أن عدد أولاده مثل عدد أولادي .. حرام .. والله حرام .. يجب أن أحرق الدفتر .. ضميري لا يطاوعني .. حرام .. دع الرجل يعش بكرامة .. لن أبلغ المسؤولين .. وليكن ما يكون .. لكن !! .. هذا الـ.... .. أخاف أن يسأله أحدنا .. ويخبره أنه قام بالابلاغ عن المخالفة .. وساعتها أنا من سأعاقب بتهمة عدم تنفيذ الأوامر .. ما الحل ؟؟ .. يا رب ارشدني .. لا أريد أن أضر إنسان .. طوال عمري لم أتسبب بضرر أحد .. اليوم .. وفي آخر العمر تأتيني هذه القصة .. هو عربي وأنا يهودي .. لكنه إنسان قبل كل شيء .. ويحق له العيش بكرامة وحرية مثلي .. ماذا أعمل يا ربي ؟؟ .. سلمت الأمر لله .. سأوصل التقرير للمسؤولين .. ما باليد حيلة .. لكن .. من يضر أهله حتى ينفع غيرهم .. هل فيه خير يرجى ؟؟ .
          ينهض عن كرسيه ويتناول الدفتر ، وهو يزفر حنقا على ابن المختار ، الذي أبلغه ما أبلغه ، ويقف مدة يتأمل فيما كتب ، ويتخيل العواقب التي يترتب عليها هذا التقرير ، وعدد الذين سيتم اعتقالهم في الغد أو بعده ، لكنه في النهاية يحمل الدفتر ويخرج من غرفته متجها إلى غرفة مديره ويسلمه التقرير ، بعد أن شرح له ما أبلغه به ابن المختار .
          الشباب في موقع البناء ، بحكم خبرتهم ومعرفتهم حقيقة ابن المختار ، أدركوا أن الأيام القادمة ستحمل إليهم أخبارا سيئة ، لذا استعدوا من البداية ، وتم الاتفاق على الحضور إلى الموقع كل يوم منذ الصباح ليشكلوا فرقة حراسة على البيت حتى لا يكون مصيره نفس مصير سابقه ، لذلك ، وفي صباح اليوم التالي كانت مجموعة كبيرة من شباب القرية تحيط بالبيت ، وكلهم مستعدون لأي حادث قد يقع ؛ الساعة تقارب العاشرة صباحا ، وقد بدأ صوت سيارات الشرطة يدوي في المكان مصحوبا بضجيج البلدوزرات ، وقد تمت مضاعفة القوة العسكرية ، نتيجة ما وقع في المرة السابقة ، ووقع ما وقع في المرة السابقة ، حيث اشتبك الشباب مع الشرطة بصورة شديدة ، وكثر الجرحى بين المتظاهرين ، بحكم أن الشرطة استعدت جيدا هذه المرة ، وتم استبدال الرصاص المطاطي بالرصاص الحي ، وهذا تسبب في إصابات صعبة جدا لبعض المتظاهرين ، وأثناء الاشتباك يحاول أحد المتظاهرين أن يهوي بفأس على شرطي سقط أرضا ، فما كان من الشرطي إلا أن صوب السلاح إلى صدر المتظاهر وضغط على الزناد ، وعلت صرخة مدوية في المكان ـ قتلني يا أمي قتلني ـ سقط المتظاهر على إثرها شهيدا ، ونفذت الشرطة عملية هدم البيت .
          كان سقوط الشهيد بمثابة الشرارة التي لمعت في ليل بهيم ، حيث تجمع كل سكان القرية والتحموا مع قوات الشرطة في معركة غير متكافئة ، دفعوا ثمنها عددا من الجرحى ، وتم تطويق القرية بقوة كبيرة من الجيش وفرض حظر التجول ليلا لمدة أسبوع على القرية ، وما إن يهبط الليل حتى تخلو الشوارع من السكان ، ولا ترى فيها سوى القطط والكلاب الضالة ، وبعد يوم من المعركة مع الشرطة والجيش ، تم دفن الشهيد في موكب مهيب شارك فيه أهالي القرى المجاورة ، وحتى من المناطق النائية شارك الناس في تشييع الشهيد إلى مثواه ، وبعد انتهاء مراسيم العزاء ومرور أسبوع على الحادث ، تم بناء نصب تذكاري له في المكان الذي استشهد فيه ، وقام صاحب البيت بزراعة الأزهار في محيط النصب ليظل شاهدا .
          مر أسبوعان على هدم البيت وتشييع الشهيد ، وطوال هذه المدة كانت تصل إلى شباب القرية تبليغات بوجوب الحضور إلى مركز الشرطة في المدينة للتحقيق ، وبدأ الشباب يتوافدون على مركز الشرطة ، ولا يعودون إلى بيوتهم في اليوم ذاته ، حيث تم اعتقال جميع من شارك في التصدي للشرطة يوم هدم البيت ، ومن جملة من اعتقل كان سامي الابن وأخوه خالد ، وتم اعتقالهما ، وسجن خالد لمحاولة اعتدائه على شرطي أثناء التحقيق ، حيث قام الشرطي بشتمه بصورة لا يقبلها عاقل ولا حتى مجنون ، فقد شتمه وشتم أمه وأباه بقسوة وفظاظة ، مما دفع خالد إلى توجيه لكمة إلى وجه الشرطي ، ولأنه يتمتع بقوة جسدية وعضلاته مفتوله ، فقد سقط الشرطي أرضا مغشيا عليه ، ولم يكتف بهذا ، بل تابع ضربه بنية القتل ، وهرعت مجموعة من رجال الشرطة ، ورشته بالغاز حتى تمكنت من القبض عليه ، وتم وضع الحديد في يديه ورجليه ، وزج به في المعتقل الانفرادي ريثما تتم محاكمته .
          سامي الأب ما زال يتردد على مركز التحقيق في المدينة ، وله فيه أصدقاء كثر ، وبحكم هذا الوضع ، بلغه نبأ اعتقال سامي ابنه ، وهنا قرر أن يقوم هو بالتحقيق مع ابنه ، رغم أن ابنه لا يعلم أنه أبوه ، والعلاقة بينهما ساءت وانقطعت منذ فترة ، وقام هو بطرد أبيه ـ عمو سامي ـ من القرية ، ومنذ ذلك الوقت لم يعد سامي الأب إلى القرية ، وكان يكتفي بالحديث مع جميلة في أوقات محددة ، ويسألها عن أخبار ابنه ، وكانت جميلة تبلغه الأخبار .
          ***********
          " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

          تعليق

          • هادي زاهر
            أديب وكاتب
            • 30-08-2008
            • 824

            #35
            الوقت قارب منتصف الليل ، وسامي الأب يتململ في سريره ، يحاول النوم ، لكن النوم فارقه تلك الليلة ، وهاجمه الكابوس القديم ، ورأى أن الموت ينتزع جزءا منه ، واشتد همه ، وضاقت عليه الأرض بما رحبت ، ونهض من السرير واتجه صوب المطبخ ؛ أعد القهوة وجلس يرتشفها ، وطال جلوسه وتفكره في الحال ، وكيف يفعل مع ابنه المعتقل ، واستقر رأيه في النهاية على أن يقدم طلبا رسميا إلى القيادة للسماح له بالتحقيق مع المعتقل سامي عدنان ، وأن يتولى هو بنفسه أمره ، وهكذا كان ، فقد توجه في الصباح إلى المركز ، وقام بتعبئة الطلب والتوقيع عليه ، وعاد إلى بيته ، وتم قبول طلبه ، لعلم القيادة أن سامي المحقق خبير بشؤون العرب ، وأهل بلد سامي عدنان تحديدا ، وتم تحديد صباح اليوم التالي موعدا لبدء التحقيق .
            سامي المحقق في بيته ، يرشف القهوة ، وينفث دخان سيجارته ، ويرسل نظراته بين الفينة والفينة إلى الصحيفة ، يتأمل صورة ابنه المعتقل مقيدا في الحديد ، ثم يعود للنظر إلى الخارج ، ويسرح بخياله ويتذكر الأيام التي قضاها بصحبة جميلة في البيت عنده أو في القرية ، ويستعيد صورة ابنه حين كان صغيرا ، وكيف كان يلاعبه ، وكيف كان يغازل جميلة ويمارس الجنس معها ، ويحس بانقباض في صدره ، ثم ما يلبث أن يداهمه الكابوس الذي رافقه منذ بداية المهمة ، فالموت يخطف جزءا منه ، فيتململ ويظهر الضيق على ملامحه ، دون أن يعرف تفسيرا لهذا الكابوس الذي رافقه طوال السنوات التي مضت ، ونهض من مكانه واتجه إلى غرفة نومه ، وقد تغيرت ملامح وجهه ، فقد علاه شحوب ، واعتراه انقباض ؛ ألقى جسمه على السرير وغاب في النوم ، وداهمه حلم مرعب أثناء نومه ، فقد رأى كأنه في أرض منقطعة تنتهي بهاوية سحيقة ، وابنه سامي يركض نحو الهاوية ، وهو ينادي عليه بأعلى صوته ليعود ، لكن الابن لا يسمع أباه ويتابع ركضه حتى يسقط في الهاوية ، ويصل هو إلى الحافة ، وينظر إلى أسفل الهاوية فيجد ابنه ميتا في القعر ، فيجلس يبكي وحيدا دون أن يستطيع فعل أي شيء ، وتقبل جميلة راكضة من البعيد ، وهي تصرخ وتنادي ابنها ، وحين تصل إلى سامي لا تعيره اهتماما ، بل تقف فوق الحافة تنظر صوب ابنها ، ثم تعود أدراجها دون أن تنطق بكلمة ، ويستيقظ سامي من نومه مذعورا ، ينظر في ساعته فيجدها الثانية ليلا ، فينهض ويتجه إلى المطبخ يشرب الماء ، ثم يعود إلى الفراش وينام حتى الصباح ، وفي الصباح تناول فطوره وشرب القهوة ، ثم ركب سيارته واتجه إلى مركز التحقيق ، وأثناء السفر راح يفكر في ابنه وكيف سيحقق معه ، وهل عليه أن يعترف له أنه أبوه أم لا ؟؟ .. وهل سيقابله على أنه محقق أم مجرد صديق للعائلة :
            ـ سأخبره من البداية أني أبوه .. وماذا في ذلك .. أنا أبوه حقيقة .. ولن يحدث شيء حين يعلم أني أبوه الحقيقي .. وليس عدنان .. سأعرض عليه المساعدة وأخلصه مما هو فيه .. لكن من قال إنه سيسر حين يعرف أني أبوه .. أليس من المحتمل أن يكرهني حينها بشدة .. لا .. لا .. لا شك أنه سيفرح لهذا جدا .. وحين أخلصه سآخذه ليسكن عندي .. وسأفتح له عيادة هنا في مدينتي .. وسأزوجه بالفتاة التي يريد .. إنه ابني الحقيقي .. لكن لا .. ربما جاءت ردة فعله عكسية تماما .. لن أخبره أني أبوه من البداية .. سأترك الأمر الآن .. وحسب سير التحقيق معه سأقرر ما يجب فعله .. آآآآآه يا بنيَّ .. هل كان يجب عليك أن تضعني في هذا الموقف ؟؟ .. هل كان يجب اختباري في هذا الأمر ؟؟ .. وهل أحتمل اختبارا كهذا ؟؟ .. يا إلهي .. إنه ابني فكيف أحتمل كيف ؟؟ .. قوني يا رب .
            وصل إلى مركز الشرطة ، ترجل من السيارة ودخل إلى المكتب ؛ نظر في ساعته فوجدها التاسعة صباحا ؛ جلس على كرسي المكتب ونادى على شرطي في الممر ، فجاءه الشرطي مسرعا :
            ـ نعم يا سيدي .. تحت أمرك .
            ـ احضر المعتقل سامي عدنان فورا .
            ـ حاضر سيدي .. حالا .
            خرج الشرطي ، وعاد بعد دقائق بصحبة سامي الذي يكاد لا يقوى على المشي بسبب التعذيب الذي تعرض له ، وتبدو على وجهه آثار اللكمات ، وأمر سامي الشرطي بتركهما لوحدهما ، ثم نهض مسرعا من مكانه وأحضر كرسيا كان في المكان وطلب من سامي ابنه الجلوس ، ثم فك القيد من يديه ورجليه ، وراح يمسح الدم عن وجهه ، وسامي الابن يبعد يد الأب عنه ، وينظر إليه باحتقار وازدراء ، وعاد سامي الأب إلى كرسيه ثم قال :
            ـ هل آذوك يا سامي ؟؟ .. هل ضربوك كثيرا ؟؟ .
            ـ وما شأنك أنت ؟؟ .. وما دخلك في الأمر ؟؟ .. ضربوني أو ما ضربوني أنتَ ماذا يعنيك أمري ؟؟ .
            ـ لا يا ولدي .. لا تقول هذا .. أمرك يعنيني جدا .. وفوق ما تتصور .
            ـ اسمع يا سامي .. دعني أعرف من البداية .. لماذا أنتَ هنا ؟؟ .. هل أنت المحقق الذي سيحقق معي ؟؟ .. إذا كنت أنتَ المحقق دعني أعرف .. حتى أعرف كيف أجيبك على أسئلتك .
            ـ تستطيع القول : إني المحقق .. لكن في نفس الوقت لست محققا معك أنتَ بالذات .. لأن أمرك بالنسبة لي أكبر من أني أجلس لأحقق معك .. أمرك يا سامي يعنيني جدا .. ومثلما قلت لك .. فوق ما تتصور .
            ـ اسمع يا محترم .. أنا لست مستعدا للكلام الذي في غير محله .. ولا تظن أمرك خافيا على أحد .. صحيح أنك خدعت أهل بلدنا زمنا طويلا .. وأكثر من هذا خدعتني أنا وأخي خالد وأمي مدة طويلة من الزمن .. لكن لا شيء يظل مخبأ .. وقصتك انكشفت والبلد كلها عرفتها .. يعني لا داعي لأن تمثل علي أكثر .. قل ما عندك وأرحني.. اسأل أسئلتك وحقق كيفما تحب .. أما سوى التحقيق فلا تكلمني أية كلمة .
            ـ يا سامي يا ولدي .. الذي عرفتموه في بلدكم جزء من الحقيقة .. وليس الحقيقة كلها .. ثم دعنا نتكلم كأصدقاء .. أنا لم أنس العشرة الطويلة معكم .. وصار بيننا عيش وملح .. وأنت وأخاك وأمك أكلتم من بيتي .. واشتغلتم عندي .. وأنا أكلت من بيتكم .. والعشرة لا تهون إلا على ابن الحرام كما بيقول المثل عندكم .
            ـ والله لست على استعداد لسماع مثل هذا الكلام .. قلت لك لا تكلمني في أي موضوع خارج التحقيق .. هذا إذا كنت أنت الذي ستحقق معي .
            ـ يا ولدي يا سامي .. لا تكن عنيدا .. اسمعني ودعني أساعدك .
            يظل سامي الابن صامتا ، ولا يرد ، بينما يتابع أبوه الكلام :
            ـ أنت يا سامي طبيب .. وهذا العمل الذي قمت به ليس لك .. وأنا بإمكاني اخراجك من الموضوع بدون أية مشكلة .. وبدون تسجيل ملف التحقيق .. وبإمكاني أن أساعدك في فتح عيادة في مدينتنا هنا .. وتربح أموالا طائلة منها.. فقط اترك العناد ..
            ـ لو تحضر لي مال قارون .. لا يمكن أن أقبلك حتى مجرد صديق .. ولو بنيت لي أكبر قصر في الكون .. فلن يكون أحلى من كوخ في بلدنا .. والكوخ في بلدنا أفضل مليون مرة من قصورك ..وفر كلامك يا سامي .
            ـ يا ولدي .. لا أفهم لماذا أنت عنيد هكذا .. كلنا مواطنون في الدولة .. وحقوقنا متساوية .. أنا يهودي وأنت عربي صحيح .. لكن هذا لا يمنع أنك تتطور وتتقدم وتعيش عيشة أحسن من عيشة أي شخص في الدولة .. طالما أنك مواطن صالح .. وبعيد عن المشاكل .
            ـ بعيد عن المشاكل ؟؟ !! .. المشاكل أنتم من يفتعلها .. ولسنا نحن الذين نقوم بها .. البيت الذي هدمتموه .. لماذ ؟؟.. والأرض التي بناه صاحبه عليها ملكه أبا عن جد .. لماذا صادرتموها منه ومنعتموه من بناء بيته .
            ـ الأرض ليست ملكه يا سامي .. الأرض من أملاك الغائبين .. وهذا يعني أنها ملك الدولة قانونا .. ولا يحق له أن يبني عليها .
            ـ الأرض ملكه .. وكل أهل البلد يعرفون هذا .
            ـ أنت يمكنك أن تقتنع بأية فكرة تعجبك .. لكن القانون غير الذي أنت مقتنع به .. على كل حال اترك هذا الموضوع جانب .. ودعنا نتكلم في غيره .. لأنك تهمني جدا .. وأنا لن أتخلى عنك .. لكن لنتفق من البداية .. ونتحدث حديثا عاديا .. صديقا لصديق .. مع أني في سن والدك يا سامي .
            ـ لا تذكر اسم والدي على لسانك .
            ـ حسنا يا سامي موافق .. دعنا نتحدث كأصدقاء .. وانس أني محقق وأنك معتقل .. كلمني عادي .. تعال نتناقش في كل المواضيع .
            ـ ولو أني غير مقتنع بكلامك .. لكن ساعة وتمضي .. والجلوس والحديث أهون من الضرب والقتل .. تفضل يا سامي تكلم وناقش !!.
            ـ أنت يا سامي طبيب .. صحيح ؟؟ .
            ـ صحيح .
            ـ والطبيب يا سامي .. يجب أن يكون همه في تكوين نفسه بعد التخرج .. يعني يفتح عيادة .. يعمل في مستشفى .. حتى يصبح أشهر من نار على علم .. لكن أنت اتجهت إلى المشاكل من البداية .. وبدأت بالسياسة منذ أيام الجامعة .. وعنادك جر عليك مشاكل كنت في غنى عنها .. صحيح أم لا ؟؟.
            ـ الصحيح يا سامي هو الذي أعمله .. وليس ما تتمنى أن أعمله .
            ـ غلط يا ولدي .. أنت مالك وما للسياسة .. فكر في مستقبلك .. الناس والقانون والشرطة أمور ابقَ بعيدا عنها .. لأنها لا تجلب لك غير وجع الرأس والمشاكل .. وأنا أساعدك في كل ما تطلب .. وهذا عرض أعرضه عليك حتى تفتح عينيك ولا تظل مغمض العينين .. شيء آخر يا سامي .. أغلب الذين تظنهم أصحابك ووطنيين .. أغلبهم ينقلون أخبارك وأخبار الشباب في البلد للشرطة .. وليس هذا فقط .. أية مظاهرة أو مسيرة يكونون في أول صف معكم .. يعني أخباركم تصلنا ممن معكم .. وإذا أحببت فأنا مستعد أن أعطيك أسماء كل الذين ينقلون لنا أخباركم .. وسترى هنا كيف يتجسسون عليك وعلى سواك .
            ـ لا تحاول معي .. مهما قلت .. فلن تفرح مني بمعلومة .. حتى لو مت داخل السجن .
            ـ يا سامي لا تفهمني خطأ .. لا أريد منك معلومات .. لأن المعلومات تأتي إلي .. ولا ينقصني من ينقلها .. أنا أقصد أن تصحو من الوهم الذي تعيشه ويسيطر عليك .. يعني مهما كانت قوتك .. فلن تكون أقوى من الدولة .. ولا تظن أني أحاول إقناعك حتى تشتغل مع المخابرات .. لا .. لا .. هذه شغلة ليست لك .. أنت طبيب ويجب أن تكون ناجح في مهنتك .. اصحَ يا ولدي وافهمني .. بالقانون يمكنك الوصول إلى ما تريد .. أما العناد والمكابرة .. والمظاهرات وغيره من الاجتماعات والكلام في السياسة .. فهذا كله يضرك ولا ينفعك .
            ـ وفر نصائحك لنفسك .. وما دمت أنا مواطن في الدولة .. فمن حقي أن أتظاهر وأستنكر وأصرخ بأعلى صوتي ضد الظلم والقهر .. ومن حقي أن أدافع عن الضعيف ضد بطشك .. حتى لو اضطرني الأمر أن أسجن .. ومن حقي أن أساند أهلي وشعبي .. وليس أن أساندك ضدهم .
            ـ يا ولدي يا سامي .. افهمني وافهم قصدي .. أنا لا أطلب منك أن تساندنا ضد أهلك .. لا .. ليس هذا قصدي .. كل ما هناك أني أريدك أن تعيش حياتك وتتمتع بها .. ولا تتعرض للمشاكل .. أنت مالك وما للمشاكل .. عش حياتك وتمتع وانبسط .. أفضل لك ألف مرة وأفضل لنا من كل هذا الذي أنتَ فيه .. ثم أنا لا يسرني أن تتعرض للتعذيب .. وبإمكاني اخراجك من كل هذا .. فقط وافقني على رأيي .. واترك المشاكل والسياسة .. ودع من يريد أن يظهر وطنيا يتحمل مسؤولية أعماله .. وليس أنتَ تتحمل عنهم .. يا سامي يا ولدي .. العصر تغير .. وحتى السياسة بإمكانك أن تمارسها .. لكن بالتعقل وفي حدود القانون .. وليس بالعنف والعناد مثل باقي الذين كنت معهم يوم هدم البيت .. فالاعتداء على الشرطة جريمة .. ما الذي دفعك لتتعرض للشرطة وتعتدي عليها أنت والذين كانوا هناك ؟؟ .. الوطنية والثورية ؟؟ .. جيد ورائع .. لكن هل بإمكانكم تحمل العواقب والتبعات القانونية لوطنيتكم ؟؟ .. هل أنتَ مستعد لأن تسجن على الأقل خمس سنوات ؟؟ .. هذا على أقل تقدير .. هل من المنطق أن تضيع زهرة شبابك في السجون والمشاكل مع السلطة والقانون ؟؟ .. مالك ولهذا كله .
            ـ قلت لك وفر كلامك عليك .. ولا تتعب نفسك .. سأظل هكذا .. وسأمارس السياسة كيفما أفهمها .. وليس كما تريد أنت .. وإذا لم يعجبك .. بلط البحر أنتَ ومن خلفك كلهم .
            ـ حسنا يا سامي .. اليوم انتهى التحقيق .. غدا نكمل .. وأرجو أن تفكر في ما قلته لك .. فكر جيدا يا سامي .. فالأمر حتى الآن بيدي .. وغدا إن خرج الأمر من يدي فليس بإمكاني أن أساعدك .. فكر بالأمر .
            ـ هههههه .. أفكر ؟؟.. وتعطي نصائح يا خواجا سامي ؟؟.. لا وقت لدي لنصائحك .. وافهمها مثلما تحب .
            يصمت سامي المحقق قليلا ثم ينادي على الشرطي ، فيدخل ويأمره بإعادة سامي ويوصيه أن يعامله معاملة حسنة ولا يقصر في تلبية طلباته ، كل هذا وسامي يسمعه وهو يأمر الشرطي الذي لا يجد بدا من الاذعان للأوامر ، ويضع القيد في يدي ورجلي سامي ، ثم يصطحبه ويخرج به ليعيده إلى غرفة المعتقل ، وهناك ينْزع القيد من يديه ورجليه ، ويخرج ويغلق الباب خلفه ، وجلس سامي في الزاوية ، وراح يفكر مليا في أمر سامي المحقق ، ويتساءل عن سر معاملته له بهذه الطيبة التي لا توحي أنه يحقق معه ، فقد عرف طعم التحقيق خلال الأيام السابقة ، ورأى كيف توجه له الأسئلة مصحوبة بالشتائم واللكمات ، وكيف جروه أكثر من مرة على وجهه في غرفة التحقيق ، وكيف تصرف معه المحققون بكل فظاظة ووحشية ، وهمجية توحي أنهم ينتمون إلى البرابرة والعصور السابقة ، وليس إلى العصر الحديث ، وطال تفكره ، وبعد أن عاد إلى واقعه المحصور بين جدران الغرفة ، تمطى ونام ولم يصح إلا في المساء على صوت فتح باب الغرفة من قبل الشرطي الذي أحضر له الطعام ، وحدق طويلا في الطعام الذي قدمه إليه الشرطي فوجده قد تغير واختلف عن طعام الأمس وقبل الأمس ، وزاد الأمر حيرته ، وعبثا حاول التوصل إلى إجابة تريحه ، لكنه لم يتوصل إلى شيء ، وحمد الله كثيرا أنه لوحده في الغرفة وليس معه أي معتقل ، وإلا لكان الآن موضع شك واتهام ، وأكل لقيمات قليلة ثم نام مجددا ، ليصحو صباحا على صوت الشرطي يقف فوق رأسه ويوقظه ، واستيقظ واعتدل في جلسته ، لكن الشرطي أمره بالوقوف فوقف ، فوضع القيد في يديه وخرج به إلى التحقيق مرة أخرى ، وهناك كان سامي المحقق بانتظاره ، جالسا ينفث دخان سيجارته ، فطلب منه الجلوس على الكرسي ، وقام بنَزع القيد من يديه ، وأمر الشرطي بأن يتركهما كما تركهما بالأمس حتى ينتهي من التحقيق معه ، وامتثل الشرطي للأمر وخرج وأغلق الباب خلفه ومضى تاركا سامي والمحقق لوحدهما .
            ـ نعم يا سامي .. عساك ما تعبت الليلة في النوم ؟؟.. والأكل كيف كان ؟؟ .. وهل واجهت أية مشكلة منذ الأمس ؟؟ .. هل نمت جيدا ؟؟ .. هل تعرض لك السجانون بأذى ؟؟ .
            يصمت سامي ولا يجيبه فيتابع :
            ـ يا سامي يا ولدي .. لا فائدة من الحال الذي أنت عليه .. ليتك تسمع كلامي وتستوعبه .. حتى ترتاح وتريحني من كل هذا .
            ـ ترتاح !! ؟؟ .. وما الذي يتعبك ؟؟ .. ولماذا تشغل نفسك في مشاكلي ؟؟ .. مشاكلي أنا مسؤول عنها ولست أنت .. فلا تتعب نفسك ..
            ـ يا ولدي يا سامي .. صعب أن أشرح لك .. لكن صدقني يهمني أن ترتاح وتريحني من كل هذا الوضع .. ضع يدك في يدي يا ولدي .. وتعال معي ستسعد في حياتك .
            ـ قد تجدون العملاء المأجورين ليخدموكم مقابل المال .. في ظل هذه العتمة العربية الدامسة .. وتخاذل الحكام المأجورين .. ومن يهن عليه بيع وطنه .. فأهون عليه أن يخون أهله .. ولكن عليكم أن تعلموا أن الليل قبل بزوغ الفجر أشد سوادا .. وبعد الليل حتما يطلع الفجر وتشرق الشمس .. ولا مكان للخفافيش في ضوء الشمس .. فالخفافيش مكانها في الظلام .. فقط في الظلام .. وفي الكهوف المعتمة .
            ـ عن أي فجر تتحدث .. دعك من الشعارات إن أمورنا تسير بسرعة في ظل العتمة التي تتحدث عنها ، سواء قبلت أم لا ، ثم إن هناك مسافة كبيرة بين ما تتمناه وبين ما تستطيعه .. إنها حقيقة واقعة ، فلماذا تهدر عمرك في الركض خلف الأوهام .. في حين يمكنك العيش بكرامة وحرية ونعيم .. توقف عن نشاطاتك .. ودعك من العناد البغيض .. وحاول أن تفهمني ولو مرة .. لتستفيد طول حياتك يا ولدي .
            لكن سامي عاد ليرد بحدة :
            ـ خسئت .. وألف خسئت .. أنت وكل الذين مثلك .. لست أنا من تبحث عنه .. الموت أشرف ألف مرة من أن أضع يدي في يد شخص مثلك .. أو أقبل عرض الخيانة لأهلي وشعبي .. أنتَ وملايينك لا تساوون في نظري شيئا .. فابحث عن ضالتك عند غيري .
            يحاول سامي المحقق تغيير اللهجة إلى القوة قليلا ، حتى لا يتمادى ابنه :
            ـ يا ولدي .. حتى الآن أعاملك بلطف .. وأرجو أن لا يطول لسانك وأن لا يخرج من فمك كثيرا ، لأنه عندها يسهل قطعه .. وقد أعذر من أنذر .. فانتبه للكلام الذي يخرج منك .. وانظر من تحدث .. واضح ؟؟ .
            ـ إني أتحداك .
            ـ لا تتحداني يا ولدي .. ولا تحاول أن تظهر بمظهر البطل أمامي .. فأنت في المعتقل والتحقيق .. ولست في حي من أحياء بلدكم .
            ـ بل إني أتحداك .. ولا تظن نفسك ذكيا .. فعينك تشهد على قلبك .. ومنذ الأمس وأنت تحاول التظاهر بأنك تحقق معي .. لكن حتى نظراتك إلي تفضحك .. فهل ستخبرني بالذي تحاول كتمانه ؟؟ .. ولا تحاول الظهور بمظهر المشفق الحاني .. لأني أكرهك جدا .. رغم ماضيك معنا في البيت والقرية .. إني أكرهك .. أكرهك .
            ـ لا تتحداني ولا تنفعل ، فلا منطق لمن تعتصره الانفعالات .. كن واقعيا ودعك من التطرف .. وانظر إلى الأمور بواقعية .. مَنِ الأقوى ومَنِ الأضعف ؟؟ .. مَن الفقير ومَن الغني ؟؟ .
            ـ عن أي واقعية تتحدث ؟؟.. هل من العدل والمنطق أن يقهر عشرة ملايين مليارين من البشر ؟.. عليكم الإنسحاب .. وأولا من القدس الشريف ، وإلا سوف تنشب بسببكم حرب عالمية ثالثة .. فاحتلال أراضي الغير بالقوة لا يدوم .. وما عمر ظالم على الأرض .. وكم من شعب عاش ومات جلاده .
            ـ كف عن تطرفك يا ولدي .. كف عن التطرف .
            ـ تطرفي أم تطرفكم ؟؟ إنكم تورثون البشرية الحروب والمآسي .. إنكم تجرمون بحق أجيالكم القادمة .
            ـ إن الأمور ليست كما تتصور .
            ـ إنها بالضبط كما أقول .. أفيقوا .. أفيقوا من أحلامكم .. بل أوهامكم .. أنتم تعيشون وهما .. ولا بد أن تفيقوا منه .
            ويحتد النقاش ، ولكن سامي يخشى على ابنه كثيرا ، فيستشيط غضبا :
            ـ إني آمرك بالتوقف حتى لو كلفني ذلك حياتي .. لن أسمح لك هل تفهم ؟؟.. وبيدي الآن أن أوقفك .
            ـ ههههه .. لا تكن عنيدا .. ولا تحاول التطبع بغير طبعك .. فالطبع يغلب التطبع .. هكذا قال المثل .. فلا تتدخل في شئوني .
            ـ إنك ستخسر مصدر رزقك .. ولن تجد مكانا تشتغل فيه .
            ـ شغلي ؟؟ .. هذا آخر ما أفكر به .. إن شعبي كله جائع .. فما العيب بانضمامي إليه في قافلة الجياع .. ألستم من يتسبب في مجاعتنا ؟؟.. إنكم وحوش كاسرة .. إنكم برابرة .. متوحشون .
            ـ قلت لك الزم حدك . إني آمرك بالتوقف عن كل نشاط سياسي .
            ـ قلت إنني لن أتوقف حتى لو كلفني ذلك حياتي .
            يصاب سامي المحقق بصدمة :
            ـ هذا ما أخشى منه .. بل هذا أشد ما أخشاه يا بني .. أرجوك توقف عن ذلك .. أرجوك يا ولدي .
            ـ لن أتوقف .
            تحمر عينا سامي ويرد بإصرار شديد :
            ـ بل ستتوقف .
            ـ لن أتوقف .
            بدأت تظهر على سامي المحقق علامات العطف الشديد :
            ـ لا تكن عنيدا فأنا أريد مصلحتك .
            سامي الابن ، ساخرا :
            ـ لقد صدقتَ في كل كلمة قلتَها .
            ـ إنها الحقيقة .. أنا لا أريد أن تشاك بشوكة صغيرة ، فأنت عزيز عليّ أكثر مما تتصور بكثير .
            ـ ما شاء الله .. يبدو أنكم كلكم رحمة !!!!
            ـ والله العظيم ، هذه هي حقيقة مشاعري .
            واغرورقت عينا سامي المحقق بالدموع .
            ـ انظر إليّ لترى الدموع ، لقد فشلت في إخفاء دموع الشوق .. العطف والمحبة والأبوة تجاهك .
            ينظر إليه بشيء من الاستغراب غير مصدق ، ويجيبه :
            ـ إنها دموع التماسيح .. إنها تمثيلية من تأليفك الآن .
            ـ لا .. والله لا .. صدقني إنك بالنسبة إلي أعز ما في الوجود .
            ـ سبحان الله .. ما هذا الهذيان ؟؟
            ـ أنا لا أهذي يا حبيبي .. إنني أخشى عليك ، فقد تطلق عليك النار ، أو شيء مشابه .. وعندها سأنهار كليا .. فأنت تعني لي الكثير .. أنت يا ولدي أعز ما في حياتي .
            ـ بل هذا ما تتمناه .. أن تصيبني رصاصة ترديني قتيلا .. عندها ترتاح .
            ـ لا .. لا تظلمني يا بني .. أنا أريدك حيا .. كيف لي أن أتمنى الشر لابني .. توقف .. لا تدعني أكشف لك السر المدفون في صدري .. لا .. لا .. لن اكشف شيئا .. سوف يوجعك الأمر .. أو ربما لا تتحمل الصدمة وتفقد أعصابك وتنهار .
            ـ أي سر هذا ؟؟ .. وهل تهددني بشيء ؟؟ .
            ـ لا .. لا أهددك .. فمثلي لا يمكنه أن يهدد مثلك مهما جرى .. ولكن دعك من ذلك الآن ـ الحكاية ـ سأكون على استعداد لكشف السر فقط في حالة واحدة .. إذا وعدتني بالتوقف عن المشاركة في المظاهرات .
            ـ لن أتوقف .
            ـ بل ستتوقف .
            ـ اسجني إذا أردت .. فأنت صاحب القرار .. هيا افعل ولا تنتظر .
            ـ لا .. لن أسجنك أريدك حرا طليقا معافى .
            ـ انني مع شعبي .. ولست معك .. ولا تحاول من هذه الغرفة أن تخرج على الناس بالقول إني أشتغل معكم .. لأني حينها سأرتكب جريمة كبرى .. وأنت الضحية فيها .
            ـ لا تخف يا بني .. لن أشوه سمعتك .. وليس هذا من صفاتي .. ثم لا مانع أبدا أن تكون مع أهلك وشعبك .. ولكن لا تكن في مقدمة الصفوف .
            ويجد سامي المحقق نفسه مضطرا لكشف السر :
            ـ هناك قرار بقتلك بواسطة رصاصة طائشة .
            يجفل سامي ، وباستغراب :
            ـ ماذا تقول ؟؟؟
            ـ اقول ما سمعت .
            ـ أوَتعترف ؟؟؟
            ـ لقد أرغمتني .
            ـ لستُ أخشى سوى الواحد الأحد .
            ـ لا تعذبني أكثر .
            ـ تتحدث عن العذاب .. هههههه .. إنكم تعذبون شعبا بأكمله .
            ـ بالله عليك .. كفى .. كفى .. قلت لك بوضوح .. إن هناك قرارا بقتلك بواسطة رصاصة طائشة .
            ـ ما معنى هذا ؟؟؟؟
            ـ افهمها كما تريد .
            ـ يعني عندما يقتل أحد المتظاهرين .. فإنه يُقتل مع سبق الاصرار .. وليس برصاصة طائشة .. وليس الأمر خطأ .. بل إنه قتل عمد .
            ـ لا طائش سواكم .
            ـ إنكم سفلة .. برابرة .
            ـ مقبولة منك يا حبيبي . ها أنا أكشف لك السر ، فهل ستتوقف ؟؟؟؟
            ـ يستحيل أن أتوقف .. يستحيل أن أترك شعبي وأتخلى عنه في محنته .
            ـ لا تدفعني لأكشف لك سرا أكبر ، فقد يحز في نفسك مدى الحياة .
            ـ يبدو أن أسرارك لا تنتهي .. عما تتحدث ؟؟ .. هيا اكشف .
            ـ دعني ، أنا لوحدي سأتحدث .
            ـ ماذا ستتحدث ؟؟؟؟
            ـ هل أنت مصر على مواصلة نشاطك ؟؟؟؟
            ـ طبعا .. وهل تظنني مجنونا لأتوقف عن نشاطي ونصرة شعبي .
            ـ ولكنك ابني .
            ـ ماذا ؟؟؟؟؟؟
            ـ هذه هي الحقيقة .. هذا هو السر الذي دفنته في أعماقي قرابة عقدين ونيف من الزمن .
            ـ اخرس .. مثلك لا يستحق هذا الشرف .. إن أبي عدنان الذي مات في السجن بسبب التعذيب الذي أذقتموه إياه .. إن أبي رمز وطني عاش حرا ومات شهيدا .. وسيرته فخر لكل حر .. هل تفهم ؟؟ .. أبي الشهيد عدنان .. الشهيد عدنان .
            ـ لا يا بني .. أنا أبوك وليس عدنان .. ومن أخبرك أن عدنان أبوك فقد كذب عليك .
            ـ اخرس .. إن من أخبرني هي أمي .. و أمي لا تكذب علي .. فاخرس .
            ـ لا يا بني .. الصحيح غير ما تقول .. يجب أن تعرف الحقيقة .. والحقيقة أني أبوك .. لقد كانت نزوة شباب .. كان ذلك أثناء قطف الزيتون .
            ـ قلت لك اخرس أيها الكلب .
            ـ ارجع واسال أمك مرة أخرى .. لقد كانت جميلة .. وقد خانتني إرادتي .. وكنت ضعيفا أمام جمالها .. وجرى ما جرى .. والنتيجة ولدتَ أنتَ .
            سامي الابن يكاد يصعق من هول الحديث ، ولا يتمالك أعصابه ، وبيد قوية يوجه له لكمة ويصرخ في وجهه :
            ـ اخرس يا كلب .
            لكن سامي يعود إلى الوراء وهو يتحسس مكان اللكمة ، ويقول :
            ـ لقد قالوا إن ضرب الحبيب زبيب .. لا بأس يا ولدي .. ولكن اعلم أنها الحقيقة ، ولولا ذلك لما غضضت النظر عن مشاغباتك .
            يصمت وهو يتحسس مكان اللكمة ويكمل :
            ـ هل تعتقد أني كنت عاجزا عن اعتقالك ؟؟
            ثم يقترب منه محاولا ضمه إلى صدره :
            ـ تعال يا ولدي .
            لكن سامي يتخلص منه ، وهنا يجهش سامي المحقق بالبكاء :
            ـ أنا أتشوق لضمك ، لتقبيلك ، لا تحرمني من ذلك يا حبيبي .. دعني أضمك ضمة قوية تشفي غليلي .
            يصرخ سامي في وجه سامي ، ويسأله متى سيعيده إلى الاعتقال ، فيخبره أنه لن يعيده ، بل سيخلي سبيله الآن ، فيتوجه سامي إلى الباب ويصطدم به ، ويخرج مسرعا ، فيلحق به سامي الأب والدموع تنهمر على خديه :
            ـ رافقتك السلامة يا ولدي .. رافقتك السلامة يا حبيبي .. رافقتك .. الـ .. سـ .. لا .. مة .
            *************









            " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

            تعليق

            • هادي زاهر
              أديب وكاتب
              • 30-08-2008
              • 824

              #36
              هل أنهيها هنا ؟
              " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

              تعليق

              • هادي زاهر
                أديب وكاتب
                • 30-08-2008
                • 824

                #37
                *************











                وصل سامي إلى البيت قريب المساء ، فتلقته أمه بالأحضان والقبل ، ثم دخل الحمام واستحم ، وبعد خروجه كانت أمه قد أعدت له الطعام ؛ ويأكل ، ثم تبدأ جميلة بمحادثته ، وسؤاله عن أحوال أخيه ، وهو يجيبها بما يرضيها ، ولم يطلعها على ما بلغه من سامي المحقق ، لكنه كان يسترق النظر إلى وجه أمه بين الحين والحين ، وبدأ يستعيد شريط الزمن الماضي ، وعلاقة البيت وأمه بسامي المحقق ، وكثرة قدوم سامي إلى البيت ، وعمل أمه في بيته ، وبدأت الصورة تتضح له رويدا رويدا ، وبدأ يتقبل فكرة أنه ابن سامي ، حيث بدت له فكرة معقولة وليست أمرا مستحيل الحدوث ، لكنه كتم الأمر في صدره ، ونام حتى الصباح دون حراك ، بسبب التعب الذي أنهكه ، وحين نهض صباحا ، وقبل تناول فطوره طلب من أمه مرافقته إلى الحقل ، وهناك يستجوبها حول علاقتها بسامي ، ومدى صدق كلام سامي بشأنه ، وهل هو أبوه ؟؟ أم أنه كاذب ، وتنكر جميلة في بداية الأمر ، لكنه يزيد في إصراره لمعرفة الحقيقة ، وبعد أخذ ورد استغرق وقتا طويلا تجد جميلة نفسها مضطرة للإعتراف بالحقيقة ، ولا مجال للانكار بعد انكشاف الأمر، فتقول وقد أخذها البكاء :
                ـ لقد كان ذلك رغما عني يا ولدي .. اقتلني فقد سئمت الحياة .. اذبحني يا ولدي .. أرجوك اذبحني في هذه البرية وادفني ، فأنا لا أستحق الحياة .. أنا حية ميتة .. لقد مت عشرات المرات ، كنت كل يوم أموت آلاف المرات .. اقتلني بالله عليك يا بني .. فأنا لا أريد العيش أكثر من ذلك .. لأرتاح من محنة وجودي . إن حياتي كلها نكسات . إنها مرآة لواقع الأمة .. لقد عشت وضميري منكس ، رأسي منكس ، معنويتي منكسة .. حاولت أن أطوي عذابي بكبريائي الكاذبة .. كنت أبكي بكاء صامتا ، وما أصعبه من بكاء .. لقد كانت دموعي دائما مختبئة تحت جفوني . لقد اقتلع الألم من حياتي نكهة الحياة ، كنت إذا أكلت أمضغ الأكل مضغا آليا دون أن أحس أن للطعام طعما وإذا شربت كان الأمر كذلك .. إقتلع الألم إحساسي بالجمال ، فالمناطق كانت واحدة ، ليست هناك منطقة جميلة ، وأخرى غير ذلك .. لم أسعد بسحر الهدوء ، كان صوت المطارق يدق في رأسي ويسيطر على وقتي كله .. كانت دمائي تغلي في عروقي ، حتى خيل إلي بأني سأموت بالسكتة القلبية في كل لحظة ، ولكني كنت كلما طلبت الموت يهرب مني .. إن قمة طموحي الاستراحة الأبدية ، فخلصني يا ولدي .. خلصني .. خلصني .. خلصني .. إنك بقتلي ترحمني .. فارحمني يا ولدي .
                ويحدقان طويلا في عيون بعضهما ثم يجهشان معا بالبكاء ، ويقول :
                ـ يعني .. أنا .. يعني .. يعني أنا .. يعني أنا ابن يهودي ؟؟.. ابن زنا ؟؟ .
                وتختنق الكلمات في صدر جميلة والدموع تغطي وجهها ، ثم ترد :
                ـ أنت إنسان يا ولدي .. أنت الحياة بكل تناقضاتها .. أنت الواقع بكل مأساويته .. أنت الحقيقة المتكاملة التي يجهلها البشر .. أنت الطهارة التي انبثقت من .. من .. من .......
                ولا تستطيع إكمال الجملة ، فيصرخ سامي :
                ـ آه .. لا تكملي يا أماه .. كان عليك أن تقتليني قبل أن أرى النور .
                ـ لقد حاولت يا ولدي .. لقد حاولت .. ولم أنجح .. أردت قتلك وأنت ما زلت جنينا .. لكني لم أنجح .
                ـ وكيف سأستمر بعد اليوم ؟؟؟؟ كيف سأعيش ؟؟ .. وأين أختبئ ؟؟ .
                ـ كما استمريت أنا .. كما عشت أنا .
                ـ والعار الذي يلبسني الآن ، كيف أعيش معه ؟؟؟
                ـ كما عشت أنا معه يا ولدي .
                ـ لا .. لا .. مستحيل أن أعيش حاملا العار .. سأنتحر .. نعم سأنتحر ليدفن العار معي .. ولا أحس بثقله علي .. سأنتحر .
                ـ لا .. لا يا ولدي .. لا تقتل نفسك .. دع عجلة الزمن تدور .
                ـ سأنتحر .. يعني سأنتحر .. فهذا الحل الوحيد الصحيح .
                ـ لا .. ان رحى الزمن كفيلة بطحن العار وذوبانه .. ونثره على الأيام .
                ـ الموت أرحم لي .. الموت أرحم .
                ـ أرحم لي أيضا ..
                يترك سامي أمه لوحدها ، وينطلق ركضا إلى كرم الزيتون ، ولا يرجع ، بينما تعود جميلة إلى البيت حزينة باكية ، ولم يخطر ببالها ما سيحمله الغد من أحداث ، وفي اليوم التالي تحدث ضجة وهرج ومرج ، ويمر أحد السكان من أمام بيت جميلة ، وينظر في الداخل ، فتلمحه جميلة ، وتفهم من خلال نظراته إليها أن مكروها أصاب ابنها ، حتى بدون أن ينطق بأي حرف ، فتصاب بالذعر ، وتخرج ركضا صوب الكرم ، وما إن تصل حتى تجد جمهورا كبيرا في الكرم ، وسيارة الشرطة والاسعاف في المكان ، تشق الصف ولا ترى شيئا ، وتتحول إلى سيارة الاسعاف وتلقي نظرة ، تظل بعدها فاغرة فاها ، بعد أن أطلقت صرخة مدوية رج المكان منها ، وفي تلك الأثناء كان سامي الأب يئن تحت ضغط الكابوس الذي لازمه ولم يجد له تفسيرا ، لكنه وجد تفسيره في الغد حين كان يتصفح الجريدة ووقع بصره على صورة ابنه سامي ضمن خبر يقول :
                انتحار شاب عربي في ظروف غامضة .
                وعاوده الكابوس مرة أخرى ، ولكنه أدرك الآن معنى الكابوس ، فلم يكن الجزء الذي ينتزعه الموت منه كل مرة سوى ابنه سامي الذي وضع حدا لحياته بعد أن عرف السر الدفين .
                " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

                تعليق

                • هادي زاهر
                  أديب وكاتب
                  • 30-08-2008
                  • 824

                  #38
                  تمت بإذن الله
                  " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

                  تعليق

                  • هادي زاهر
                    أديب وكاتب
                    • 30-08-2008
                    • 824

                    #39
                    عندما يُستنطق المستحيل



                    أنقل إلى هنا مداخلة الاستاذ علم الدين بدرية
                    ** عندما يُستنطق المُستَحِيل **

                    علم الدين بدريه

                    قراءة نقدية في رواية (السرِّ الدَّفين) للكاتب هادي زاهر .

                    إنَّهُ الواقع الفلسطيني،بمعاناتهِ وآلامهِ،بسقوطهِ وصمودهِ،بآماله وإحباطاته،فعبر بطلة رواية(السرّ الدفين)وهي "جميلة" المرأة القروية المُكافحة،والتي تنزلق في متاهات الرذيلة والعمالة،رغم كونها رمزاً للفضيلة والنضال،فهي تُغتصب رغم إرادتها على يد عميل للمخابرات يوقع بها من حيث لا تدري..إنها الكرامة المُداسة،والأرض المُغتصبة المُباحة المُقسَّمة!!عبر (جميلة) تتجلى المأساة بكلِّ أبعادها الوطنية والإنسانية.فهي القضيّة،وهي المُغتَصَبَة،وهي الخيانة،وهي الضعيفة المُستسلمة لنزواتها وقدرها،وهي المسكينة المجروحة في أعماقها!!وهي الأُنثى التي تبحث عن مُتعة مُحرَّمة،لتروي شهوتها وشبقها!!
                    ينتقي الكاتبُ حقبةً مُظلمةً من تاريخ شعبنا،وهي الخمسينات من القرن الماضي،إتَّسَمت بالهزيمة والمُلاحقة والإذلال،رواية(السرّ الدفين) هي مأساةُ شعبٍ بكاملهِ من الخليج إلى المُحيط،فجميلة شاهدة على العصر،تتقمص القضية بكلِّ أبعادها المحليّة والإقليميِّة.يغتصبها المُستعمر،وتعشق مُستعمرها،إنَّها استساغة الإهانة والذلّ والعار،مَجبولة بالفلسفة البرغماتية والحاجة الآنيّة.إنّها مرآة لواقع الأُمة..لقد عاشت جميلة حياتها وضميرها مُنكّس،رأسها مُنكّس،معنوياتها مُنكّسة...اقتلع الألم إحساسها بالجمال،إنّها حياة تعيسة تحياها جميلة بكلِّ أعبائِها..يجمحُ خيال الكاتبُ بين المُفارقات والتضادُديّة،فيضفي لوناً من الخيال على هذه الرواية رغم واقعيتها المؤلمة،فالشخصيات والعيّنات المُنتقاة،كالمختار وراعي العجَّال،والبيئة والعمالة والخيانة هي حقيقة وواقع اجتماعي زمني معروف.بينما نجد تسلسل الأحداث بالنّسبة لجميلة يلعب به الخيالُ كثيراً،فنجد الكاتب يصف جميلة عندما تقابل سامي في المغارة في المرَّة الثانية بالخائفة..تعتريها أحاسيس التقزّز والاشمئزاز،تنعته بهمسٍ مسموع ـ كلب ابن كلب ،واطي، حقير، سافل،حيوان..الخ،ولكنها تستسلم له بعد مُداعبتها قليلاً،وتُجاريه راغبة حتى تروي نهمها وجوعها الجنسي،وهي تشعر بنفسها تطلب الجنس وتريده بعدما استطاع إثارتها وإيقاظ شهوتها وشبقها..ومن جهة معاكسة فهي المرأة المُخلصة المُحبة لزوجها عدنان،الثائر المكافح الشريف الذي يحيا بكرامة واستقامة..وهما يعيشان حياة مليئة من الناحية العاطفيّة والجنسيّة.
                    هذا شيء غريب حقاً!!على كلِّ حال،القضيَّة مُتداخلة..لا تخلو من الصور الإبداعيَّة في الوصف،وتنقل القارئ إلى أجواء القصة ليعيش معها لحظة بلحظة،بتلهف وترقب.ونجد في بعض الفصول شرحٍ مُستفيض في أمورٍ صغيرة وتافهة،حبذا لو أُختصرت الإفاضة فيها.
                    في هذه الرواية نلاحظ قوة الكاتب السرديّة،فحبكته وتمكنه اللغوي،يعطيه الأرضيّة الواسعة لنقل صور من المعاناة الشديدة القاسية في حياة لا ترحم الضعفاء المحتاجين،فظروف المرحلة الصعبة والمأساوية يقدمها الكاتب من خلال منظوره الإنساني،المُتفهّم والمُتعاطف مع أبطال الرواية وشخصياتها ونجد المسحة الرومانسيّة حتى في أعقد الحالات وأغربها.السرّ الدفين هي لوحة حيَّة لحياةٍ وعاداتٍ اجتماعيّة لزمن معلوم.حرص الكاتب على توفير قدراً من الموضوعيّة،فبالرغم من وضوح وجهة نظره وموقفه،فقد بدا مُتعاطفاً مع المُغاير والمُعاكس أيضاً.نعم إنّها لوحة تعرض لنا عدّة جوانب تشمل حياة هؤلاءِ المواطنين الضعفاء المهزومين والمساكين أمام إرادة دولةٍ وآلياتها ومُخابراتها..إنّها مزيج من الرؤية الواقعيّة المدعوم بالأفكار الرومانسية،وقد نلاحظ من خلال تفاعل الأحداث إننا أمام كفاحٍ للإنسان الضعيف في بؤسه وشقائه،إنّه مضمونٌ إنساني يتسم بدقة الملاحظة لدقائق التفصيلات الخارجية والداخلية في الرواية.
                    الكاتب في هذه الرواية لا يكتفي بما تكشف عنه الأحداث،من إدانة للواقع،وتعاطف مع جميلة،بل يتفاعل مع عيّناته،طوراً متعاطفاً،وأخرى نابذاً محولاً مساره إلى جهة أخرى،إنّه يبرّر عطفه على شخصياته المختارة بدقة وعناية ويعتبرها، نماذج لضحايا الظلم الاجتماعي والسياسي العام!!وليس من شك أن هادي استطاع أن يُصوّر المجتمع وقضاياه في تلك الحقبة،بصورة واضحة،وأن يقدم نماذجه من قطاعات المجتمع المظلومة التي تعيش همومها ومتاعبها،وأيضاً أفراحها إذا وجدت.
                    المضمون الذي تطرحه القصة، هو مضمون اجتماعي يبحث المُشاركة في التعايش بين العرب واليهود،ومظاهرها الإيجابيّة والسلبيّة،ومن جهة أخرى القهر والمعاناة اليوميّة للمواطن العربي بعد قيام الدولة،ونراه يستخدم لذلك شخصيات عادية تظهر فيها حركة المجتمع وصبغته البيئية،إنّ وعي الكاتب وإدراكه لقضايا الواقع المعاش،والمحن التي مرّت بأمته وشعبه،إنصهر ليمتزج في هذه الصورة غير المألوفة من الإدراك والعاطفة في رواية(السرّ الدفين)فتناولت قضايا اجتماعية وصراعات حضارية بين الواقع والخيال فالهموم الخاصة تمتزج بالمشاكل العامة،والمفهوم الواقعي والطبقي يخضع للرومانسية،في مراحل الضعف والعطف.ونرى الكاتب يُشرك القدر في أغلب الأحداث،لتصبح للمأساة أبعادها القدريّة إلى جانب أبعادها الاجتماعيّة الأخلاقيّة،والسياسيّة..وبهذا ينطق الكاتب على لسان المحقق سامي معترفاً لابنه غير الشرعي (سامي)من نزوته وخطيئته وعلاقته المحرَّمة مع جميلة التي تناقض وتنافي كل الاحتمالات أنه ابن حرام ..فهل ستكشف له أمه جميلة السر الدفين؟!وهل سيقبل سامي الابن المناضل الذي يفخر ويعتز بوالده الشرعي الشهيد عدنان الذي عاش حراً ومات شهيداً ، أن يحيا بهذا الواقع المشوّه والتسليم به ...سواء على المستوى الاجتماعي أو الإنساني !! هذا ما يتركه الكاتب لك أيّها القارئ لتستنتج نهاية أو ربما بداية لواقعٍ أغرب من الخيال !!
                    تحيّة تقدير للكاتب هادي زاهر وهذه قفزة جديدة ونوعيّة أخرى،في هذا الصرح الأدبي الرفيع.ولا أكتمك سرّاً يا صديقي،أني قرأت روايتك هذه وتابعتها بترقب وشغف حتى النهاية..تقبّل ملاحظاتي وتوضيحاتي لما فيها من نقد بناء،وفقك الله والى الأمام.
                    " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

                    تعليق

                    • محمد الحلو
                      محظور
                      • 26-06-2015
                      • 89

                      #40
                      قرأت الاستهلال وهو طويل بعض الشيء/ لكن يقول أن الكاتب لديه ما يقول / تقديري

                      تعليق

                      يعمل...
                      X