الوقت عصرا ، والمكان في بيت الحاج عبد الله ، فاليوم تتم خطبة سعدى إلى صالح ابن راعي العجال ، أصوات الغناء تسمع من بعيد ، ووفود النساء والصبايا تتقاطر إلى بيت الحاج عبد الله ، وقد نصبت منصة أمام البيت ، وجلست سعدى داخلها عروسا في أبهى حللها وبجانبها جميلة تحيطهما مجموعة من النساء يغنين لسعدى ، وحلقة الدبكة تدور ، وعلى الطريق تظهر مجموعة من النساء ، أغلبهن يحملن الهدايا ، فهذه تحمل على رأسها كيس أرز ، وهذه تحمل مغمقانا وتظهر منه الهدية ، وتلك تحمل هديتها تحت إبطها ، وعلى المنصة لا تنفك النساء تقبلن سعدى وتهنئنها بالخطبة ، والدعوة لها بالزواج الميمون ، وولادة الأبناء ، وتنطلق إحدى النساء بالغناء ، وقد وصلت لتوها وعلى رأسها المغمقان :
دار دعتنا للفرح
ويتغير الغناء :
واجب علينا نزورها
يالله عليك الستر
يا ربي يا رحمان
وخلف الرجال تسير النساء يغنين للعريس والعروس ، وعازفة الدربكة تكاد تخرق الدربكة لشدة ضربها ، تتقدمهن أم العريس ترقص وبيدها باقة ورد ، وامرأة أخرى ترش الأرز والملح على رؤوس الرجال ، ويصل الموكب إلى بيت العروس ، يتقدمه العريس لابسا بدلة تم شراؤها لهذه المناسبة ، وعن يمينه ويساره اشبيناه ، ويستقبله الحضور من الرجال ، وفي مقدمتهم والد سعدى ، وتتجه النساء إلى حيث المنصة ويعلو الغناء ، وتستمر الدبكة ، وبعد لحظات يتقدم العريس مع اشبينيه صوب المنصة ، ويصعد ويقف إلى جانب عروسه ، التي تطرق خجلا وحياء ، ثم يخرج الخاتم من جيبه ويضعه في اصبع سعدى ، ويعطيها الخاتم الثاني فتضعه في اصبعه ، ويحدقان في بعضهما طويلا ، وكاد العريس لشغفه وحبه لعروسه أن يضمها ويقبلها أمام الناس ؛ وبعد لحظات نزل العريس تاركا عروسه لترقص مع النساء ، وعاد إلى حيث الرجال ، وكان بعض الشباب يوزعون البقلاوة والحلوى على الحضور ، ونفس الأمر حيث النساء ، ولأن أهل القرية ما زال الأغلب منهم فقراء ، فقد وجد الأطفال بين النساء الفرصة مواتية لسرقة الملبس من الصحون التي تحملها بعض النساء وتدور بها على الحاضرات ، وتقافز الأطفال إلى الصحون وتساقط عدد من الصحون من أيدي النساء وانتثر الملبس على الأرض فهجم الأطفال كل يريد أن يحصل أكبر عدد من حبات الملبس .
انتهت الخطبة وعاد كل إلى بيته ، بينما بقي العريس في بيت عروسه حتى ساعة متأخرة من تلك الليلة .
سامي في بيته مع جميلة ، وابنهما ، يتفحص الأوراق التي جهزها لجميلة ، ويدقق في التواريخ التي تحملها الأوراق ، لتكون متناسبة مع مواعيد الزيارة للسجون ، ويتأكد أنه كلها طلبات تحمل اسم جميلة وختم الرفض عليها ، وحين ينتهي من التدقيق ، يخرج طلبا آخر للزيارة ، لكنه يحمل الموافقة من إدارة السجون ، ويعطي جميع الأوراق لجميلة ، ثم يصطحبها مع الطفل إلى السجن بعد أن يشرح لها أمر الأوراق وماذا عليها أن تخبر زوجها عدنان وقت الزيارة ، وفي الطريق تسرح جميلة بخيالها والحال الذي صارت إليه ، وتصفعها الحقيقة بشدة ، وأنها ليست أكثر من خائنة ، وأن الشرف غادرها منذ زمن بعيد ، وتلوم نفسها بشدة على اطاعة أمر سامي ، وكان الأفضل لها لو أنها بقيت مخلصة لزوجها ، وترى زوجها في تلك اللحظة مَلَكًا يتوسد السحب ولا تستطيع الصعود إليه ، وتصاب باكتئاب شديد وتكره نفسها لما هي عليه ، ولا تفيق من أحلامها إلا حين هزها سامي ، وأخبرها أنهم وصلوا إلى السجن ، وهناك يوصي أحد رجال الشرطة بتسهيل مهمة جميلة ، بعد أن يظهر له بطاقته ، وينفذ الشرطي أمر سامي ، ويدخل بصحبة جميلة وابنها ، بينما يظل سامي منتظرا في الخارج حتى لا يثير انتباه الزوار ، وتدخل جميلة وابنيها ، وترى عدنان ، وتفاجأ بأنه أصبح شاحبا وأن الهزال تمكن من جسده ، وآثار التعذيب ظاهرة عليه ، وللوهلة الأولى كادت أن لا تعرفه ، لولا أنه نادى عليها باسمها ، فانتفضت مذعورة لمنظره وكادت تصرخ :
ـ عدنان !! .
ـ جميلة !! .
ـ عدنان !! ( ويغلبها البكاء ثم تتمالك نفسها ) يا حبيب قلبي .. ما الذي فعل بك هذا ؟؟ .. يا إلهي .. ما هذه الحالة التي أنتَ عليها ؟؟ ..
ـ الله المعين يا جميلة .. ربنا على الظالمين .. لا أقول غير هذا .. تعالي .. اقتربي .. اخبريني .. أين خالد ؟؟ .. لماذا لم تحضريه معك ..
ـ لم أستطع حمله يا عدنان .. تركته لدى أمي .. لأني أحضرت لك أكلا أيضا .. والسفر صعب هذه الأيام .. أركب باصا وأنزل من باص .. حتى وصلت إلى هنا .. ولم أكن متأكدة أنهم سيوافقون على الزيارة .. لأنهم طول الوقت كانوا يرفضون الطلب .. خذ .. انظر هذه أوراق الطلبات كلها رفض .. إلا الطلب الأخير قبلوه .. الحمد لله .
ـ قربي الولد ودعيني أقبله .. تعال بنيَّ .. تعال يا حبيبي .
تقرب الطفل من الحاجز الحديدي الفاصل بينهما وتضع خد الرضيع على الحديد ويقبله عدنان بلهفة ، ثم تعيده إلى حضنها :
ـ الأكل يا عدنان أخذوه مني .. قالوا إنهم سيفتشونه حتى يتأكدوا أن ليس فيه شيء مشبوه .. وقالوا إنهم سيوصلونه هم إليك .
ـ غير مهم يا جميلة .. احكي لي كيف البلد ؟؟ .. وكيف أهلك ؟؟ .. وكيف الأحوال في البلد ؟؟ .. كم أشتاق للقرية .
ـ بلدنا ما زالت كما هي لم يتغير فيها شيء .. أضافوا عدة غرف إلى المدرسة لتستوعب الأفواج الجديدة .. وقد سجلت ابننا فيها وهو الآن في الصف البستان .. وكل يوم أرافقه حتى المدرسة .. وسعدى أختي .....
ـ مالها سعدى ؟؟ .. قولي مالها.
ـ سعدى أختي تمت خطبتها .
ـ خبر مفرح .. مبارك إن شاء الله .. وسعدى تستأهل كل خير .. لكن من العريس سعيد الحظ ؟؟ .
ـ صالح .. ابن راعي العجال .
ـ مبارك .. هذا الشاب شهم وخلوق .
ـ هناك أمر آخر يا عدنان .
ـ ما هو يا جميلة ؟؟ .
ـ الحالة صعبة يا عدنان .. والحياة كلها فقر .. والذهب الذي كان معي كله أنفقته حتى أستر حالي في غيبتك .. لكنه لم يكف .. ومنذ مدة بدأت العمل أنا وسعدى أختي .. حتى أستطيع القيام بالبيت ونفقته .. إلى أن يفرجها ربنا وتخرج من السجن .. والمكان الذي نعمل فيه .. بيت واحد خواجا .. يأخذنا أنا وسعدى صباحا ويعيدنا عصرا حتى البيت .. وكل هذا تم بعد موافقة أبي .. والخواجا يدفع لنا خمس ليرات كل يوم لكل واحدة .. والعمل يومان في الأسبوع فقط .. الثلاثاء والجمعة .. والحمد لله .. بدأ الوضع يتحسن قليلا .. لأني قبلها كنت أعيش على ما يرسله لي أهلي كل يوم .. بعد انقطاع ما كانت تدره بقرتنا .. والآن أفكر ببيعها .. بعد أن صرت أعمل بأجرة جيدة تكفينا وأوفر منها .
تحمر عينا عدنان ، وتذرفان الدموع حزنا وغيظا على الحال الذي آل إليه بيته وزوجته ، ثم يقول بحزن :
ـ أهي الحال صعبة إلى هالدرجة يا جميلة ؟؟ .. آآآآآآآآآآآآآخ يا زمن .. أين صرنا وأين وصلنا .. لا بأس يا جميلة .. الله المعين .. تحملي واصبري .. الله المعين .. الله على الظالمين .
يقطع الحديث شرطي بالجوار معلنا أن وقت الزيارة قارب على الانتهاء ، وأن عليهما انهاء الكلام سريعا ، فيجيبه عدنان بالايجاب ، ويتابع :
ـ الزيارة انتهت يا جميلة .. هيا عودي إلى البيت .. وانتبهي للاولاد .. ولا تهتمي بأمري .. وإذا رفضوا اعطاءك تصريحا بالزيارة فلا تتعبي نفسك.
ـ اشترطوا على أبي شرطا حتى يعطونا التصريح كل مرة في وقته .
ـ وما هو الشرط يا جميلة ؟؟ .
ـ طلبوا منه أن يشتغل مع الحكومة .. ويخبرهم عن البلد وكل شيء يحدث فيها .. هذه من دسائس المختار ومكائده .. ورفض أبي .. ولذا لم يأت معي .. لأن التصريح لي وحدي .
ـ ماذا ؟؟ .. يشتغل مع الحكومة !! لا .. لا .. لا .. إياكم يا جميلة .. إياكم .. لا أريد أن تزوروني بالمرة .. حتى لو مت في السجن .. لا أريد أن تزوروني بشرط .. لا تهتمي بأمري .. اهتمي بأمر الاولاد وكفى .. إياكم يا جميلة .. هذا خبر ما توقعت أن أسمعه .
ـ مالك يا عدنان ؟؟ .. وهل أبي مثل المختار بلا ذمة ولا ضمير .. لا تخف حبيب قلبي .. فقط أحببت أن أوضح لك الصورة حتى تعرف لماذا تأخرت عن زيارتك كل هذه المدة.. وحتى ترى الحكومة وكلابها الذي يعيشون بينا وماذا يفعلون بنا .. وحتى إذا لم أزرك لاحقا .. تكون على علم بالسبب .
ـ فهمت يا جميلة .. توكلي على الله .. وارجعي إلى البيت .. الله معك يا جميلة .. أحبك يا جميلة .
ـ وأنا أحبك يا عدنان .. وسأظل أنتظرك حتى تخرج .. بإذنك حبيبي .
تودع عدنان ويودعها وتستدير ، وتمضي خارجة ، وفي هذه الأثناء يعلو صوت أحد السجانين معلنا أن الزيارة قد انتهى وقتها ، ويستدير عدنان عائدا إلى سجنه وعزلته .
تخرج جميلة فتجد سامي بانتظارها ، تركب معه وينطلق عائدا إلى البيت ، وفي الطريق تروي له ما جرى ، وتصف له حالة عدنان وما آل إليه من الهزال ، ويستمران في الكلام ، فيما يبدو الامتعاض جليا على وجه سامي الذي لا يروق له حديث جميلة عن عدنان ، لكنه يحاول عدم اظهار امتعاضه لها ، ثم يتوقف في مكان عام وينْزلان متجهين إلى أحد المطاعم ، وهناك يتناولان الغداء ، ثم يتابعان حتى يصلان إلى البيت ، يوقف السيارة ويذهب ويحضر سعدى ، ويقدم لها الاعتذار على عدم تقديم الغداء في البيت ، والسبب أن جميلة شعرت بوعكة صحية فاضطر لاصطحابها إلى الطبيب ، ولهذا لم تتمكن من اعداد الغداء ، وتنظر سعدى إلى جميلة ، فتهز هذه رأسها بالموافقة على كلام سامي ، ثم ينطلق بالسيارة عائدا بهما إلى القرية ، تنْزل سعدى ويتابع سامي حتى يصل بيت جميلة ، يتحدث معها قليلا ، ثم يستدير عائدا إلى بيته .
آآآآآآآآويها يا ريتو مبارك
آآآآآآآويها كما تبارك محمد
آآآآآآآويها كما تبارك محمد
آآآآآآآويها سبع ثمان بركات
آآآآآآويها على جبل عرفات
آآآآآآويها على جبل عرفات
لولولولولولولولولولولوليييييييييييييييييييييش
ويستمر الغناء والمهاهاة والدبكة ، وبدأت تصل الأسماع أصوات موكب العريس عبر الطريق تشق عنان الفضاء :
دار دعتنا للفرح
ويتغير الغناء :
واجب علينا نزورها
يالله عليك الستر
يا ربي يا رحمان
وخلف الرجال تسير النساء يغنين للعريس والعروس ، وعازفة الدربكة تكاد تخرق الدربكة لشدة ضربها ، تتقدمهن أم العريس ترقص وبيدها باقة ورد ، وامرأة أخرى ترش الأرز والملح على رؤوس الرجال ، ويصل الموكب إلى بيت العروس ، يتقدمه العريس لابسا بدلة تم شراؤها لهذه المناسبة ، وعن يمينه ويساره اشبيناه ، ويستقبله الحضور من الرجال ، وفي مقدمتهم والد سعدى ، وتتجه النساء إلى حيث المنصة ويعلو الغناء ، وتستمر الدبكة ، وبعد لحظات يتقدم العريس مع اشبينيه صوب المنصة ، ويصعد ويقف إلى جانب عروسه ، التي تطرق خجلا وحياء ، ثم يخرج الخاتم من جيبه ويضعه في اصبع سعدى ، ويعطيها الخاتم الثاني فتضعه في اصبعه ، ويحدقان في بعضهما طويلا ، وكاد العريس لشغفه وحبه لعروسه أن يضمها ويقبلها أمام الناس ؛ وبعد لحظات نزل العريس تاركا عروسه لترقص مع النساء ، وعاد إلى حيث الرجال ، وكان بعض الشباب يوزعون البقلاوة والحلوى على الحضور ، ونفس الأمر حيث النساء ، ولأن أهل القرية ما زال الأغلب منهم فقراء ، فقد وجد الأطفال بين النساء الفرصة مواتية لسرقة الملبس من الصحون التي تحملها بعض النساء وتدور بها على الحاضرات ، وتقافز الأطفال إلى الصحون وتساقط عدد من الصحون من أيدي النساء وانتثر الملبس على الأرض فهجم الأطفال كل يريد أن يحصل أكبر عدد من حبات الملبس .
انتهت الخطبة وعاد كل إلى بيته ، بينما بقي العريس في بيت عروسه حتى ساعة متأخرة من تلك الليلة .
***************
ـ عدنان !! .
ـ جميلة !! .
ـ عدنان !! ( ويغلبها البكاء ثم تتمالك نفسها ) يا حبيب قلبي .. ما الذي فعل بك هذا ؟؟ .. يا إلهي .. ما هذه الحالة التي أنتَ عليها ؟؟ ..
ـ الله المعين يا جميلة .. ربنا على الظالمين .. لا أقول غير هذا .. تعالي .. اقتربي .. اخبريني .. أين خالد ؟؟ .. لماذا لم تحضريه معك ..
ـ لم أستطع حمله يا عدنان .. تركته لدى أمي .. لأني أحضرت لك أكلا أيضا .. والسفر صعب هذه الأيام .. أركب باصا وأنزل من باص .. حتى وصلت إلى هنا .. ولم أكن متأكدة أنهم سيوافقون على الزيارة .. لأنهم طول الوقت كانوا يرفضون الطلب .. خذ .. انظر هذه أوراق الطلبات كلها رفض .. إلا الطلب الأخير قبلوه .. الحمد لله .
ـ قربي الولد ودعيني أقبله .. تعال بنيَّ .. تعال يا حبيبي .
تقرب الطفل من الحاجز الحديدي الفاصل بينهما وتضع خد الرضيع على الحديد ويقبله عدنان بلهفة ، ثم تعيده إلى حضنها :
ـ الأكل يا عدنان أخذوه مني .. قالوا إنهم سيفتشونه حتى يتأكدوا أن ليس فيه شيء مشبوه .. وقالوا إنهم سيوصلونه هم إليك .
ـ غير مهم يا جميلة .. احكي لي كيف البلد ؟؟ .. وكيف أهلك ؟؟ .. وكيف الأحوال في البلد ؟؟ .. كم أشتاق للقرية .
ـ بلدنا ما زالت كما هي لم يتغير فيها شيء .. أضافوا عدة غرف إلى المدرسة لتستوعب الأفواج الجديدة .. وقد سجلت ابننا فيها وهو الآن في الصف البستان .. وكل يوم أرافقه حتى المدرسة .. وسعدى أختي .....
ـ مالها سعدى ؟؟ .. قولي مالها.
ـ سعدى أختي تمت خطبتها .
ـ خبر مفرح .. مبارك إن شاء الله .. وسعدى تستأهل كل خير .. لكن من العريس سعيد الحظ ؟؟ .
ـ صالح .. ابن راعي العجال .
ـ مبارك .. هذا الشاب شهم وخلوق .
ـ هناك أمر آخر يا عدنان .
ـ ما هو يا جميلة ؟؟ .
ـ الحالة صعبة يا عدنان .. والحياة كلها فقر .. والذهب الذي كان معي كله أنفقته حتى أستر حالي في غيبتك .. لكنه لم يكف .. ومنذ مدة بدأت العمل أنا وسعدى أختي .. حتى أستطيع القيام بالبيت ونفقته .. إلى أن يفرجها ربنا وتخرج من السجن .. والمكان الذي نعمل فيه .. بيت واحد خواجا .. يأخذنا أنا وسعدى صباحا ويعيدنا عصرا حتى البيت .. وكل هذا تم بعد موافقة أبي .. والخواجا يدفع لنا خمس ليرات كل يوم لكل واحدة .. والعمل يومان في الأسبوع فقط .. الثلاثاء والجمعة .. والحمد لله .. بدأ الوضع يتحسن قليلا .. لأني قبلها كنت أعيش على ما يرسله لي أهلي كل يوم .. بعد انقطاع ما كانت تدره بقرتنا .. والآن أفكر ببيعها .. بعد أن صرت أعمل بأجرة جيدة تكفينا وأوفر منها .
تحمر عينا عدنان ، وتذرفان الدموع حزنا وغيظا على الحال الذي آل إليه بيته وزوجته ، ثم يقول بحزن :
ـ أهي الحال صعبة إلى هالدرجة يا جميلة ؟؟ .. آآآآآآآآآآآآآخ يا زمن .. أين صرنا وأين وصلنا .. لا بأس يا جميلة .. الله المعين .. تحملي واصبري .. الله المعين .. الله على الظالمين .
يقطع الحديث شرطي بالجوار معلنا أن وقت الزيارة قارب على الانتهاء ، وأن عليهما انهاء الكلام سريعا ، فيجيبه عدنان بالايجاب ، ويتابع :
ـ الزيارة انتهت يا جميلة .. هيا عودي إلى البيت .. وانتبهي للاولاد .. ولا تهتمي بأمري .. وإذا رفضوا اعطاءك تصريحا بالزيارة فلا تتعبي نفسك.
ـ اشترطوا على أبي شرطا حتى يعطونا التصريح كل مرة في وقته .
ـ وما هو الشرط يا جميلة ؟؟ .
ـ طلبوا منه أن يشتغل مع الحكومة .. ويخبرهم عن البلد وكل شيء يحدث فيها .. هذه من دسائس المختار ومكائده .. ورفض أبي .. ولذا لم يأت معي .. لأن التصريح لي وحدي .
ـ ماذا ؟؟ .. يشتغل مع الحكومة !! لا .. لا .. لا .. إياكم يا جميلة .. إياكم .. لا أريد أن تزوروني بالمرة .. حتى لو مت في السجن .. لا أريد أن تزوروني بشرط .. لا تهتمي بأمري .. اهتمي بأمر الاولاد وكفى .. إياكم يا جميلة .. هذا خبر ما توقعت أن أسمعه .
ـ مالك يا عدنان ؟؟ .. وهل أبي مثل المختار بلا ذمة ولا ضمير .. لا تخف حبيب قلبي .. فقط أحببت أن أوضح لك الصورة حتى تعرف لماذا تأخرت عن زيارتك كل هذه المدة.. وحتى ترى الحكومة وكلابها الذي يعيشون بينا وماذا يفعلون بنا .. وحتى إذا لم أزرك لاحقا .. تكون على علم بالسبب .
ـ فهمت يا جميلة .. توكلي على الله .. وارجعي إلى البيت .. الله معك يا جميلة .. أحبك يا جميلة .
ـ وأنا أحبك يا عدنان .. وسأظل أنتظرك حتى تخرج .. بإذنك حبيبي .
تودع عدنان ويودعها وتستدير ، وتمضي خارجة ، وفي هذه الأثناء يعلو صوت أحد السجانين معلنا أن الزيارة قد انتهى وقتها ، ويستدير عدنان عائدا إلى سجنه وعزلته .
تخرج جميلة فتجد سامي بانتظارها ، تركب معه وينطلق عائدا إلى البيت ، وفي الطريق تروي له ما جرى ، وتصف له حالة عدنان وما آل إليه من الهزال ، ويستمران في الكلام ، فيما يبدو الامتعاض جليا على وجه سامي الذي لا يروق له حديث جميلة عن عدنان ، لكنه يحاول عدم اظهار امتعاضه لها ، ثم يتوقف في مكان عام وينْزلان متجهين إلى أحد المطاعم ، وهناك يتناولان الغداء ، ثم يتابعان حتى يصلان إلى البيت ، يوقف السيارة ويذهب ويحضر سعدى ، ويقدم لها الاعتذار على عدم تقديم الغداء في البيت ، والسبب أن جميلة شعرت بوعكة صحية فاضطر لاصطحابها إلى الطبيب ، ولهذا لم تتمكن من اعداد الغداء ، وتنظر سعدى إلى جميلة ، فتهز هذه رأسها بالموافقة على كلام سامي ، ثم ينطلق بالسيارة عائدا بهما إلى القرية ، تنْزل سعدى ويتابع سامي حتى يصل بيت جميلة ، يتحدث معها قليلا ، ثم يستدير عائدا إلى بيته .
**************
تعليق