حُبُّ فرنسا من الإيمان ... (1)
في البداية أحبُّ أن أطمئن القارئ الكريم ألا ينخدع بالعنوان و ليصبر حتى آخر المقالة و ألا يستعجل علي قبل ذلك فيظن بي الظنون السيئة، و كان يمكنني صياغة العنوان بإضافة حرف الاستفهام "هل" في أوله و علامتي التعجب و الانفعال في آخره "؟!" فيكون السؤال استنكاريا أو تعجبيا أو حتى استهزائيا فأتجنب سوء القالة، غير أنني فضلت إثباته بصيغته تلك لأشد انتباه القارئ و استدراجه فيسترسل في القراءة إلى آخر كلمة، فهل سأفلح ؟ أرجو ذلك !
لعل القارئ (2) قد لاحظ الموجة العارمة التي تتكور صعدا نحو ضفاف نهر السين في باريس رغم ما قد تجره من خزي وشين على أحفاد ابن باديس إن هم أعطوا الدنية في دينهم و سكتوا عن هذه البلية في بلادهم و رضوا بالهوان في كرامتهم، و من أمارات تلك الموجة العارمة توجه الخطاب الرسمي إلى الرطانة بالفرنسية في كل محفل بدل التأنق باللغة العربية الجميلة، اللغة الرسمية المنصوص عليها دستوريا، ومن تلك الأمارات كذلك التباطؤ في تعميم استعمال اللغة العربية رغم قانونيته، ومنها ارتفاع مؤشرات التفرنس في "بورصة" الثقافة بحيث صار من لا يلوي لسانه بلغة فولتير، وهو شاق عليه، متخلفا أو متحجرا حسب الموضة الجاحفة أو الموجة الجارفة، و من أمارات موجة التفرنس أيضا إعادة فتح المراكز الثقافية الفرنسية (3) في عواصم الأقاليم الكبيرة ومشاريع فتح مراكز جديدة في المدن المهمة و إن كانت صغيرة و غيرها من الأمارات الملفتة للانتباه و المعبرة صراحة عن السياسة العامة التي تسود البلاد وتريد تدجين العباد ! و بعد الإشارة الخفيفة إلى مظاهر موجة التفرنس تلك يمكننا التساؤل البريء عن الدوافع التي جعلت الجزائر الحرة المستقلة و السيدة تتراجع عن قيّمها العريقة و تتخلى عن مكونات هويتها الوطنية ؟
ثم هل صحيح قد تراجعت الجزائر عن قيمها ؟ و هل تخلت عن هويتها ؟ الجواب الفوري هو : لا ! و لا يمكن للجزائر أن تفعل هذا أو ذاك حتى لو أرادت، لأن الإسلام و العربية و الوحدة الوطنية فيها من التأصل بحيث لو حاولنا تجريدها من واحدة من تلك المقومات لما بقيت الجزائر جزائرَ و يمكن حينئذ تسميتها بأية تسمية شئنا إلا تسمية "الجزائر"، ثم هل يجوز الحكم على بلد ما بغير ما يسود فيه من عوامل الوحدة بسبب سيطرة شرذمة قليلة مستلبة حضاريا ومجهولة الأصل عرقيا قد واتتها ظروف ما فتمكنت من مقاليد التسلط على حساب أبناء الوطن الشرفاء و المخلصين الأوفياء لقيمهم و مبادئهم و وطنهم و دينهم ؟
و رغم عراقة تلك القيم الوطنية في الشعب و انتشارها فقد ينخدع السطحيون فيظنون أن مواكبة المستلبين حضاريا المسيطرين على وسائل توجيه الرأي العام و تقليدهم في موضة حبِّ فرنسا و التباهي بالتفرنس من لوازم العصرنة، ألا فليعلم هؤلاء أن حياة الموضة قد تدوم فصلا ثم تزول و إن التفرنس سيزول حتما لأنه يحمل عوامل فنائه في نفسه و إن غدا لناظره قريب !
و الآن نعود إلى العنوان فنقول: "هل حبُّ فرنسا من الإيمان ؟ !" نعم إن حبها من الإيمان، لكنه الإيمان بالجبت و الطاغوت و قد أمرنا أن نكفر بهما و الكفر من شرائط الإيمان كما أن الإيمان من شرائط الكفر و هذه جدلية ثابتة لا يدرك أبعادها إلا ذوو الألباب، أليس كذلك ؟ بلى !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
(1) نشرت هذه المقالة كما هي حرفيا في جريدة "البصائر" لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، العدد14، ليوم الاثنين 21 جمادى الأولى1421 هـ الموافق 21/08/2000، وقد حرصت على إعادتها كما نشرت أول مرة بدون مراجعة أو تصحيح إلا ما أضفته إليها من إحالات في الهامش.
(2) المقصود هنا القارئ الجزائري طبعا في ذلك التاريخ.
(3) توجد المراكز الثقافية في : الجزائر العاصمة، عنابة، قسنطينة، وهران، تلمسان.
تعليق