في الحقيقة احترت أين سأضع هذا الموضوع
ولأني وجدت فيه الأقرب للقصة القصيرة كان خياري أن أضعه هنا
فأرجو أن يلقى لديكم قبولاً.
شكرًا لكم
تقديري ومحبتي
ركاد أبو الحسن
ولأني وجدت فيه الأقرب للقصة القصيرة كان خياري أن أضعه هنا
فأرجو أن يلقى لديكم قبولاً.
شكرًا لكم
تقديري ومحبتي
ركاد أبو الحسن
[frame="11 10"]عشق الأمكنة[/frame]
[frame="11 10"]
ركاد حسن خليل
[read][read]العلاقة بين الإنسان والأمكنة.. علاقة أزليّة حميميّة.. خصوصًا تلك التي نشأ وترعرع وعاش فيها.. ينقل معالمها ورسومها وشخوصها إلى تلافيف ذاكرته.. ويحمل جميع هذه الهياكل في زواياها.. لا يُرهقه وزنها حتّى ولو كانت أكبر العواصم وأعظم المدن في العالم.. يحملها معه أينما حلّ وحيثما رحل.. بعجرها وبجرها.. بكل ما فيها من جمال أو شوائب.. يستحضرها متى شاء وأينما كان.. فيرى بيوتها وشوارعها وأزقّتها وحتّى ناسها.. فتمثل أمامه كأنّها مادّة حيّة تتحدّث عن نفسها..[/read]
منذ أيّام.. قمت في جولةٍ إلى هولندا والدانيمارك والسويد.. لزيارة الكثير من الأقارب والأصدقاء الذين اضطرّتهم فلسطينيّتهم أن يعيشوا في الغرب بعد أن ضاقت عليهم بلاد العرب.. جراء اضطهادٍ وتنكيلٍ وسوءِ معاملة..
ولا أريد أن أفتح هنا بوابات الألم على مصراعيها.. ففي القلب الكثير الكثير مما يدمي ويثير في النفس مرارة حنظليّة.. فظلم ذوي القربى أشدُّ مرارةً كما يقول الشاعر.. وإن كان ما سوف أرويه هنا فتحٌ لواحدة من هذه البوابات التي تركتنا نكفر بعروبتنا وجور حكّامنا وذلِّ شعوبنا..
في السّويد.. كانت زيارتي مناسبة لدى جميع الأقارب والأصحاب الذين لم أجتمع بهم من عشرات السنين.. والتقينا جميعنا على مائدةٍ واحدة..
وكان معظمنا يعيش قبل هجرتنا الإجبارية في لبنان.. حيث ولدنا ونشأنا وترعرعنا في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين بالقرب من مدينة طرابلس في الشمال اللبناني..
وكان من الطبيعي في هذا اللقاء النادر أن يشحذ كلٌّ منّا ذاكرته ويستحضر من مخابئها المخيّم بتفاصيله الصغيرة.. البيوت.. الأزقة الضّيّقة.. والشارع العام.. والسّوق الذي كان يعجّ من ساعات الصّباح الأولى بالناس.. دكاكين البقالة.. والجزارين والحلاقين والخياطين.. والإسكافي.. وبوتيكات الملابس.. وكل ما يحتاجه أبناء المخيم لحياتهم اليومية..
تذكّرنا المقبرة ونصب الجندي المجهول.. ومدارس الأونروا صفوفها وساحاتها وملاجئها التي كنّا نفرُّ إليها صغارًا عند كل غارة إسرائيلية أو تحليقٍ للطائرات التي كانت ترهبنا بصوتها وبالوناتها الحرارية.. التي تطلقها تفاديًا لرصاصات المضادات الأرضية.. التي يُصوّبها نحوها الفدائيون الفلسطينيون المدافعون عن المخيم..
كان واحدنا عند روايته لقصصه وذكرياته يصف وصفًا تصويريًا هذه الأمكنة.. ولم ندع مكانًا إلاّ وقد تحدّثنا عنه حتى عن منازلنا وسطوحها وعرائشنا التي كنّا نبنيها فوق هذه السطوح.. تحدّثنا عن النهر وسكة القطار القديم شرقيّ المخيم.. تحدّثنا عن سهراتنا.. وعن ألعابنا التي كنّا نصنعها بأيدينا.. وعن الاشتباكات اليومية بالحجارة.. التي كانت تحصل بيننا كصبية في الحارات.. تذكّرنا النسوة والصّبايا اللواتي كنَّ يقفن انتظارًا لدورهنّ لتعبئة الماء من الحاووز..
يا إلهي.. كم أحببناه.. بل عشقناه.. بكل ما يحمل من هم وحزن وترح أو فرح وألفة ومنزل ووطن.. نعم إنه الوطن بكل ما تحمل الكلمة من معنى..
نعم نحن فلسطينيون.. لكننا جميعنا ولدنا في هذا المخيم.. وعشنا مراحل بنائه لبنة لبنة.. وفلسطيننا عاشت في وجداننا وقلوبنا وعقولنا.. دون أن يتمكّن معظمنا من أن يكحّل عينيه برؤيتها أو أن يحتضن تُرابَها حيًّا.. كما لم يحتضن ترابَها آباؤُنا بعد مماتهم..
جميعنا حلُم بالعودة من مهجره إلى المخيّم.. ليموت فيه.. تمامًا كما نحلم بترك المخيّم لنحيا في فلسطين.. والموت فيها..
قلت.. عجيبةٌ هذه الحياة.. وحكّامنا جعلوها أعجب..
ونظرت في وجوه كل الحاضرين.. وتأمّلت ما في قسماتها من روايات تملأ مجلّداتِ وكتب.. وسألت..
هل تعلمون يا إخواني أنّكم تتحدّثون عن مخيّمٍ لا مكان له إلاّ في ذاكرتكم
أنسيتم أنّ مخيمنا قد مُسح من الوجود بآلةٍ عسكريّةٍ عربية
وأنّ أهالينا قد نُكبوا نكبةً ثانية بعد نكبة فلسطين الأولى
.. وهم بعدُ مشرّدون مشتّتون منذ ثلاث سنوات؟
وَجَم الجميع وترقرقت في العين دمعة وأطرقنا رؤوسنا وتحشرجت في الحلقوم غصّة.
[/read][/frame]في السّويد.. كانت زيارتي مناسبة لدى جميع الأقارب والأصحاب الذين لم أجتمع بهم من عشرات السنين.. والتقينا جميعنا على مائدةٍ واحدة..
وكان معظمنا يعيش قبل هجرتنا الإجبارية في لبنان.. حيث ولدنا ونشأنا وترعرعنا في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين بالقرب من مدينة طرابلس في الشمال اللبناني..
وكان من الطبيعي في هذا اللقاء النادر أن يشحذ كلٌّ منّا ذاكرته ويستحضر من مخابئها المخيّم بتفاصيله الصغيرة.. البيوت.. الأزقة الضّيّقة.. والشارع العام.. والسّوق الذي كان يعجّ من ساعات الصّباح الأولى بالناس.. دكاكين البقالة.. والجزارين والحلاقين والخياطين.. والإسكافي.. وبوتيكات الملابس.. وكل ما يحتاجه أبناء المخيم لحياتهم اليومية..
تذكّرنا المقبرة ونصب الجندي المجهول.. ومدارس الأونروا صفوفها وساحاتها وملاجئها التي كنّا نفرُّ إليها صغارًا عند كل غارة إسرائيلية أو تحليقٍ للطائرات التي كانت ترهبنا بصوتها وبالوناتها الحرارية.. التي تطلقها تفاديًا لرصاصات المضادات الأرضية.. التي يُصوّبها نحوها الفدائيون الفلسطينيون المدافعون عن المخيم..
كان واحدنا عند روايته لقصصه وذكرياته يصف وصفًا تصويريًا هذه الأمكنة.. ولم ندع مكانًا إلاّ وقد تحدّثنا عنه حتى عن منازلنا وسطوحها وعرائشنا التي كنّا نبنيها فوق هذه السطوح.. تحدّثنا عن النهر وسكة القطار القديم شرقيّ المخيم.. تحدّثنا عن سهراتنا.. وعن ألعابنا التي كنّا نصنعها بأيدينا.. وعن الاشتباكات اليومية بالحجارة.. التي كانت تحصل بيننا كصبية في الحارات.. تذكّرنا النسوة والصّبايا اللواتي كنَّ يقفن انتظارًا لدورهنّ لتعبئة الماء من الحاووز..
يا إلهي.. كم أحببناه.. بل عشقناه.. بكل ما يحمل من هم وحزن وترح أو فرح وألفة ومنزل ووطن.. نعم إنه الوطن بكل ما تحمل الكلمة من معنى..
نعم نحن فلسطينيون.. لكننا جميعنا ولدنا في هذا المخيم.. وعشنا مراحل بنائه لبنة لبنة.. وفلسطيننا عاشت في وجداننا وقلوبنا وعقولنا.. دون أن يتمكّن معظمنا من أن يكحّل عينيه برؤيتها أو أن يحتضن تُرابَها حيًّا.. كما لم يحتضن ترابَها آباؤُنا بعد مماتهم..
جميعنا حلُم بالعودة من مهجره إلى المخيّم.. ليموت فيه.. تمامًا كما نحلم بترك المخيّم لنحيا في فلسطين.. والموت فيها..
قلت.. عجيبةٌ هذه الحياة.. وحكّامنا جعلوها أعجب..
ونظرت في وجوه كل الحاضرين.. وتأمّلت ما في قسماتها من روايات تملأ مجلّداتِ وكتب.. وسألت..
هل تعلمون يا إخواني أنّكم تتحدّثون عن مخيّمٍ لا مكان له إلاّ في ذاكرتكم
أنسيتم أنّ مخيمنا قد مُسح من الوجود بآلةٍ عسكريّةٍ عربية
وأنّ أهالينا قد نُكبوا نكبةً ثانية بعد نكبة فلسطين الأولى
.. وهم بعدُ مشرّدون مشتّتون منذ ثلاث سنوات؟
وَجَم الجميع وترقرقت في العين دمعة وأطرقنا رؤوسنا وتحشرجت في الحلقوم غصّة.
تعليق