دبلوماسية السرير
إنه الآن زوجي شفيق عبد الغفور..
مع ابتسامته أصحو..
مع أنفاسه أستعد لافتتاح يومي بالعسل.. فهو سندي وطموحي ومنارتي..
ومع قبلتيه على وجنتي أغطس بالتفاؤل..
ويتعلق أملي بأطراف معطفه.. وأنا أغلق خلفه الباب حتى يعود إلي آخر المساء.
أعجبت به يوم وطأ بأناقته عتبات عيني في حفلة رأس السنة التي تلملم كافة المختبئين في جحورهم.. وتغريهم بقطع الجبن وبراكين الشمبانيا.. ودبكة الدلعونا لتسحبهم من تلك الأوكار.. استسلمت له وهو يمد يده لتحيتي والتعرف بي.. ونامت كفي في دفء أصابعه وأنا أستمع إلى ألحان صوته وهو يقدم نفسه ويشرّح أمامي جثة استمارته.. وكأنه ينوي التوظف في مؤسسة عشقي وغرامي...
رغبت في ابتلاعه..
كما البحر يبتلع السفن دون مضغ ويحتفظ بها في قاعه كتذكار لمقبرته..
رتبت أوراقي لمداسات حبره.. وبصمات شفتيه على تضاريس وجهي..
في اللقاء الثاني تمكنت دون حفل ولا شهود أن ادمغ خده بأحمر شفتي.. وأورطه في ملاحقتي حتى جاء يوم دس فيه خاتم الخطبه في أصبعي.. وقال بكيانه وجوارحه وعتمة عينيه:
- "أنت لي"..
كما تفتق نزار قباني ذات قصيدة.
من ذاك اليوم اعتقله قلبي..
أزاح موبيلياه ليرتاح شفيق فيه..سكب جسدي أنوثته في مرمى عينيه..وبرمج ليلي عتمته كي يغفو فيها بأمان ونعيم..
في الصباح يصحو تحت رش ابتسامتي بالزعتر والريحان..
يرتشف قهوة ريقي كوجبة مجانية قبل الفطور...
أهندس له ربطة عنقه وأرافقه نحو الباب وأناوله حقيبة القبلات ومصنفات الهمسات قائلة:
-" خلي بالك وأنت ماشي فقلبي معك حتى تعود"
هكذا أحببته
وهكذا سطوت عليه .. واستحوذت على سكر العنب في ثغره..
انه الآن زوجي شرعا أمام الله ..
وقيدا في دائرة النفوس.. ومجلدات الأحوال الشخصية..
وعرفا على مذهب تبادل استخدام الممتلكات الجسدية ماظهر منها ومابطن..
شفيق عبد الغفور..
مستقبلي في عب الأيام القادمة..وشريكي في طابور يوم القيامة حين تنادي علينا الملائكة ..وتتلو جدول الحساب.. لقد التحمنا سوية في الدنيا والآخرة.
ولكن..
بقيت لدينا غصّة!!
اننا لا ننجب..
محرومان من نداء اللهفة: بابا .. ماما..
من منا ؟
معا لاندري..
لا أحد منا يدري..من الذي يخفي هذا اللغم الصامت داخل تحصيناته؟..
كلانا يخشى أن يكون النقص في الآخر.. ماسيدعو إلى الشفقة والمسايرة وما قد يحرج العيش فيتبدل الحب العفوي إلى دبلوماسية السرير.. لاسيما والعطب رباني لا عن تقصير أو تمنع..
ولذا نبعد معا شبح التخمين والتقصي.. لأنه سيسكب نزيفا لامبرر له..ويكوم الغيوم في حلق بستان الزوجية..
بقي الجمر تحت الرماد...
والقنبله الموقوتة مافتئت تتكتك بثوانيها وسنينها .. وتعلك بين رحاها أيامنا وليالينا ولا نية لأحد في سحب الفتيل..بل يتعمد كلانا تجنب منطقة الحظر..ويتستر عليها..تصنعا وزلفى.
بقي الرعب يترصدنا..
الانفجار ينتظرنا.. ونحن معتقلان لديه في زنزانة الوقت.. ونجاهد في تمييع الموعد..
ذات مشوار أنسي في مساء لطيف ..
كنا نتنزه بين الفاترينات الملونة بالوهم.. والصاخبة بالاغراء.. في المجمع الاستهلاكي الضخم مجمع تذوق الأطعمة الاصطناعية وتعرية الجيوب ..
وكان الجمر الملتهب يختبئ تحت ابتسامات زوجي.. ويطل علي بين سطور الغزل المرتبك.. والعناق الأنيق.. وتكتكة القبلات..
رحنا نتناول المشاهد الطرية عن آخر مبتكرات الدعاية وترويج الوجبات السريعة والمشروبات البريئة .. ونبتلع ألوان الملابس بأحداقنا وتتسرب حمامات العطور تحت مخدات أنوفنا.. لتسحبنا إلى أول ورطة في قارورة ...
أتلقى دعوة من زوجي مثل كل مرة..
لدخول محل العطور والخدع التجميلية .. ويصر شفيق أن أزيد من أناقتي وأضوع خزامى قائلاً:
- لا أريد أن أفقد سحرك الذي يشلني ويهلوسني..
فأرد عليه بنفاق:
- وأنا لا أريد أن اغتيال جيوبك .. لذلك سأكتفي بقطعة واحدة ..
في هذه اللحظة تتقدم البائعة وتفخخ لنا ابتسامتها وتقول :
- لدينا مفاجأة ممتازة في عرض الموسم الحالي ..إننا نرسل للزبون هدية من المحل إلى منزله.. وستكون مفاجأة طريفة.. لأن الهدية تصلح للذكور والإناث .. وعليكما في البيت الاتفاق لمن تكون هديتنا.. أو كيفية التعامل معها.. انها فكرة الموسم.. رائعة أليس كذلك ؟
ورد زوجي بامتنان:
- شكرا هذا لطف منكم .. انها دعاية ممتازة وطريفة فعلا..
فتردد البائعة :
- هذا مانتمناه .. فالموسم شبه بارد هذه الايام . ولازم " نسخنه"....
ثم أخرجت استمارة وطلبت منا تدوين العنوان بدقة والاسم بالكامل ... والتوقيت المناسب لاستلام الهدية..
وقالت البائعة بسذاجة... كمحاولة منها لإظهار خفة دمها:
- يعني.. حتى يكون في البيت من يتسلم هديتنا ... فنحن ندق الباب لمرة واحدة فقط.." فالتقل صنعة " ها.. ها..
شكرناها وخرجنا...
وفي حقيبتي سكنت قارورة عطر .. بادلها زوجي بورقة نقدية دسمة من جيبه..وبسمة رضى من عينيه.. فدسست يدي في عب ذراعه .. وهمست له :
- أحبك ياشفيقي..
ثم انعطفنا يمينا نحو الوجبات السريعة .. وطلبنا عصير التوت مع قطع صغيرة من الحلوى بمربى التين. الذي يفضله زوجي على كافة المربيات .. واضطررت للتعود عليه ومضغ سماجته..على اعتبار "مربى الحبيب حبيب ".
والتصقنا ببعضنا بعضا لضيق المكان .. وتركنا مساحة لفسحة عيون الاخرين .. ورحنا ندك وجبتينا بشهية ومتعة. ونقايض البسمات المصطنعة بنظرات القبول ونسكب رغوة الاستحسان على ملامحنا لتزيد شهيتنا وغبطتنا..
وفجأة...
اقتحم علينا عزلتنا طفل جميل رشيق متأنق في الخامسة من عمره...
وتعلق بعنق زوجي وصاح:
- بابا بابا..
هذه الكلمات اللطيفة.. التي تستوطن القلوب على مدى الزمان.. زلزلت احشائي كقنابل صوتية أصمّت أحساسي ... وهزّت مفاصلي .. وجمدت قطعة الحلوى في ثغري.. فلا أنا أستطيع بلعها.. ولا أنا قادرة على رميها.. وتعلقت عيناي بهذا القصف المباغت..الذي يقول صراحة إن العقم مني..
تجمدت أعضائي أمام سخرية المشهد:
زوجي يبعد الطفل عنه.. وكأنه تهمة شائنة تنوي الالتصاق به...ونظراته تسعى بيني وبين الطفل.. كما بين الصفا والمروة... فهو يريد التخلص من هذا المتعلق في رقبته .. وينقي ساحته مما يقذف بها من نفايات الزور..
بينما الطفل يحاصر عنق زوجي بذراعيه كمرجوحة العيد ويصرخ فيه:
- بابا بابا.. بابا بابا...
ويفضح اصفرار وجهي تسونامي ارتيابي وإعصارغضبي.. وفجيعة ملامحي..
استمر الطفل في سحق جوارحي وهو ينادي زوجي:
- بابا بابا ... أنت وعدتني تأخذني إلى السينما...
يجاهد شفيق للخلاص من هذا المستنقع الذي سقط فيه..ويدفع بيديه وروحه الطفل " اللزقة" ويستنجد بأي معجزة تنهي غرقه في الرمال المتحركة.. ويلتفت إلى قائلا:
- من هذا ؟ ومن أين جاء؟
تهت أنا ..
اذ كيف يسألني عن طفل له يعلم الله ان كان لديه آخر أو آخرون غيره...
كنت اذوب كشمعة.. وأسيل كدمعة..وأتمزق كطلقة ...
كنت أتوارى عن هذا العالم..
زائغة العينين.. فاقدة السمع والارادة.. وأتلقى ضخ الضربات على رأسي الموشك على الانفلاق..
جاءت أم الطفل...وغطس زوجي نحو القاع في بركة الدوامة هذه حين قالت له:
- أنت هنا تأكل وتشرب وتتمشور .. وتتركنا بلا مصروف .. خذ ابنك معك وتكفل به .. بدل أن تتركه يجوع عندي.. وتتهرب منه..
انفجر زوجي ..وصاح مصعوقاً:
- ومن أنت أيضا ؟ كنت أعتقد أن الطفل مخطئ..وأنه صبي تائه أضاع أباه..واختلطت عليه الأمور.. ولايدرك ما يقول.. أما أن تأتي أنت وتطرحي بلاءك علي . فهذا شيء لا يطاق ابدا...
حملقت المرأة فيه بعناد وصرخت:
- أتريد أن تنكرني أنا ايضا ... وأنا أحتمل أنك متزوج من غيري .. لأنك أكدت لي مرات ومرات أنك ستطلقها قريبا .. وتأتي للعيش معنا أنا وطفلك...
- هذا ليس طفلي .. وأنا لا أعرفك..
لكن المرأة .. ضغطت على الصاعق .. وألهبت بالانفجار كل مشاعري.. ووثقت في نفسي كل ارتياب وشك حين صاحت:
- لا تعرفني بعد كل هذا العمر ياشفيق عبد الغفور.. وأنا أنتظرتك مرات ومرات أمام بنايتك في شارع شبلي.. لتنزل في منتصف الليل من الطابق الرابع وتقابلني عند المدخل.. هل تنكر هذا أيضا ياشفيق؟
واتضحت الصورة أخيرا بالمقاس الكامل.. وبالألوان الكئيبة..
فلا الطفل مخطئ ..
وزوجي هو أبوه..
ولا المرأة أيضا مخطئة فهي زوجته.. وتأتي ليلا لتقابله عند مدخل بنايتنا..
وأنا المغفلة...
أنا النائمة على "ودانها" طيلة هذه السنوات..
وشفيق يبتز عواطفي بمعسول العناق..
وبلاغة الغزل المدهون بسمن منتهية صلاحيته..
الخبث الجميل..والخيانة المغمسة بالمربيات والحلاوة..الخيانة المعلبة في قبو الكتمان..
صرخت بكل أحشائي التي تمزقت من هذا الانفجار:
" علي وعلى اعدائي"
وصحت فيه:
- انكشفت أخيرا ياشفيق.. وبان وجهك الحقيقي..ياحرباء الليل وصرصار العتمة.. أتخونني ياتيس وأنا اتحمل العيش معك .. وأراضيك .. وأضغط على مشاعري كي تقبلك.. تتغالظ علي دائما بعناقك البغيض وقبلاتك السمجة.. ورائحتك النتنة وبلادتك المقيتة..
ومددت يدي إلى حقيبتي.. وأخرجت آخر مشترياته لي.. ورميت قارورة العطر في وجهه.. وصرخت فيه:
- لن تشتريني بهذه الهدايا التافهة .. لأن عندي من يدللني ويغرقني بهداياه ..
كنت أغلي في بركان الغيرة ..وأفور في معمعة الغيظ.. لذلك قررت أن أدمره .. كما دمرني.. وأسحقه كأي حشرة في زاوية .. فقلت:
- أنا الليلة ذاهبة اليه..إلى حضنه الخصب.. فلقد مللت من لقائه في النهار فقط..
واستدرت لأمضي..
لكنه اختطف ذارعي وصاح:
- ياخائنة .. ياعاهرة ..ياعاقر.. أهذه أنت التي أتحمل عقمها .. وأحرم نفسي من الأولاد كي لا أحرج أنوثتها .. ألك عشيق ترتادين إليه في النهار أثناء عملي يابنت الزانية...
ورفع يده ليصفعني وقد" نطت" عيناه من محجريهما .. وعروق وجهه تصلبت من تدفق الدم إليها.. وبدا وكأنه مقبل على جريمة لا محالة..
لكن يداً أمسكت به ..وحالت دون ذلك.
والطفل اختبأ خلف المرأة ..
وصعق الجميع من هذه المعركة التي نشبت في ثوان وتكاد تحرق وتلتهم كل ماحولها...
وصاح الرجل الذي يمسك بزوجي :
- لحظة لحظة يا أستاذ .. طول بالك .. نحن نمزح معكما ... هذه الكاميرا الخفية..معك الكاميرا الخفية..انظر انها هناك..ها ها ها.....نحن متفقون مع محل العطور لنعرف اسمك وعنوانك.. روّق.. هدي حالك..
تناثر الرماد ولم يعد يتستر على جمرنا ..
وتوزع الشرر في كل مكان.. يكيد لنا ويسخر منا..
بينما كانت المرأة تعانقني وتقول لي:
- سلمي على الكاميرا يامدام هاهاهاه..
تعليق