أسرعت الخطى تستكشف المكان....دخان كثيف...أصوات تتعالى من هنا و هناك...دكاكين
و متاجر مهدمة..بقايا سيارات محروقة...رائحة الرصاص تنبعث من كل مكان..تحثّ
السير...ترتعش ركبتاها...تصطك أسنانُها...ينقبض قلبها...أين تراه يكون؟ أين؟
خرج منذ يومين يتوعد و يزمجر...يشتعل غضبا...لم يكن بمقدورها أن تُثنيه عن
عزمه...كان بركانا يتأجج...اكتفت بأن دعت له و لكل الشباب أن يحرسَهم الله و يسدد
خطاهم, وأن ينيلهم ما يبتغون...
لم يعد في اليوم ذاتِه كما وعدها...و لم يكن من عادته النوم خارج المنزل...النوم؟ و هل تراه
نام؟
قال لها بائع الخبز وهي تؤم دكانه لتشتري حاجتها لفطور الصباح إن الجو جدُّ مشحون في
العاصمة و قد أطلقوا عليهم الرصاص الحي...دفعت للبائع ثمن خبز لم تشترِه و جرت
مذعورة تخبر زوجها الذي مازال يغط في نوم عميق...
- -يا رجل ابني لم يعد منذ الأمس و قالوا إنهم ضربوا بالرصاص الحي كل
المتظاهرين
- - و هل من المفروض أن أتابع خَطَوات ابنك المجنون؟
- - ألست أباه؟
تراجعت قليلا و هي تتذكر أن النائم هنا هو زوجها و لم يكن يوما أبا لراسم ابنِها رغم كلِّ
محاولاتِها التوفيقَ بينهما..
-أقصد ألست مثل أبيه؟
- أين القهوة؟ طار نومي...هات القهوة..(بتهكّم).ألست أباه؟...لا يا سيدتي...أنا لا أتشرف أن
أنجب ولدا مثل هذا....
- بل و الله أنت.....
توقفت ....لا فائدة من الكلام....كانت تريد أن تقول له: آه كم كنت غبية عندما صدقت أنه
يمكن أن تكون الأب الذي حرم منه راسم..أبوه الذي مات شهيدا يدافع على كرامة
شعبه...مات في أحداث ثورة الخبز...آه ما أغباني!...ما أكبر حزني!...كنت وحيدة لا أب لي
و لا أم...و كنتَ أنت صديقَ زوجي...تصورت إنك تحمل الكبر و الإباء نفسَه...و لكن
هيهات...فقد كان الملاك و كنت الشيطان الذي لا يهمه سوى جمع المال...
نظر إليها شزرا ...هو يفهم تماما ما يعتلج في فؤادها...
مدت له فنجان القهوة ...و انسحبت
و بحركة جنونية حملت معطفها و حقيبة يدها دون أن تنظر إن كان فيها نقود...و خرجت
تتسحب خشية أن يراها فيثنيها عن عزمها...
كانت محطة الحافلات قريبة ...استقلّت إحداها للعاصمة...
----
رائحة الموت في كل مكان...الشارع يغص بالدبابات و بقايا معارك....ارتعشت
أوصالُها...من تراها تسأل عن ابنها الذي غادر منذ يومين؟
اجتثها من تفكيرها نداء في مضخم الصوت يدعو الناس أن يلتزموا بيوتهم ...ماذا تفعل
الآن؟...لا ...هي عازمة أن تجد ابنها حتى و إن كان شهيدا....توفقت عند هذه الكلمة الأخيرة
و سرت رعشة الموت فيها..ماذا لو مات راسم حقا؟ لاااااااااااااا.....لا لن يموت...هو كل ما
تبقى لها في هذا العالم الفسيح...لا.....يا رب ساعدني...
كانت تتفرس في وجوه كلِّ من تراهم...أرادت أن تسألهم هل رأيتم راسما ابني و لكنها
أحجمت...فهم لا يعرفونه حتما...
كيف؟ لا يعرفون ابنها الثائر الذي واجه الطغاة غير مرة بصدر عار و عزيمة أقوى من
الفولاذ؟ كيف لا يعرفون راسم ابن الشهيد بسام ؟ و هي... يجب أن يعرفها كلُّ الناس فهي
زوجة الشهيد و أم الثائر؟...
تقدم إليها أحد الجنود راجيا إياها أن تبتعد من الشارع الذي بات خطرا على حياتها...نظرت
إليه..يا الله ..انه في عمر ابنها...و دون أن تفكر سألته أين يمكن أن يكون ابنها....
أطرق الجندي حائرا و هو يرى حزن هذه الأم و فزعها...أنقذه تطفلُ المارة و هم يستمعون
إلى قصة هذه المرأة التائهة...
قال أحدهم: سيدتي قد يكون ابنك جريحاً أو....( لم يشأ أن يقولَ لها قد يكون ابنك
شهيدا...رأف بحال هذه الأم الفزعة)
قال آخر: اذهبي إلى المستشفى العسكري...فهناك العديد من الجرحى....
و دون أن تنبس ببنت شفة استقلت سيارة أجرة و ذهبت إلى المستشفى المذكور....
أين ستبحث؟ في أي طابق؟ فالمستشفي شاسع جداً....يا رب ساعدني ..يا رب...
- يا ( أمي) ...يا ( أمي)...يا راااااااااااابعة
كان راسم..هكذا كان يناديها دائماً باسمها المجرد...التفتت صوب الصوت, نعم, هو
راسم و قد لُفَّت رأسُه و يدُهُ اليمنى في الضما ئد...لم تصدق أن حبيبها هو الذي
يناديها..ارتمت بين أحضانه..اشتمت رائحته...أحست بالأمان
.و غابت عن الوجود
منيرة الفهري
منيرة الفهري
تعليق