المسافر
.
.
.
.
باولو كويليو
****
أخبروك بهذا في غير مناسبة ، فلم تبال ، وكنت ترى نفسك متقافزاً كقرد نشط فوق شجرة موز ، كيف جاءك هذا الشعور؟ ، لا أعلم ، ربما تخبرني أنت !
ها أنت تتعامل مع ذات مفرداتك اليومية ، فرشاة الأسنان البالية ، التي تجرح لثتك كل مرة ، وماكينة الحلاقة المهترئة التي استخدمتها مرات لكنك نسيت ، تصنع بها دوائر تشوه بها ذقنك فحسب ..
تفكر أن تغتسل، ثم تحجم عن ذلك ، تداعب شعرك ، لتصنع به مساراً ما ، يغنيك عن استخدام كريم الشعر ، أو تمشيطه ، تنظر في المرآة نظرة عابرة ، فترى فيها كل شيء غيرك ، ثم تجلس مرهقاً ، على الأريكة التي تستوعبك وحدك .
أمامك التلفاز ، وشاشة حاسوبك المفتوحة دائماً ، صحيفة الأمس ، وفنجان شاي أعددته بنفسك ، ووسادة تعودت أن تضعها خلف ظهرك ، عندما تحدث أحداً عبر الحاسوب ، أو الهاتف ، أو تشاهد أحداثاً لا تصدقها ، عبر شاشة فضية غامضة مثل قلبك .
أنت تعيش غربتك الآن ، وتمارس طقوساً لا تعني أحداً غيرك ، لكن أسئلتك وأسئلتي ستبقى عالقةً بيننا ، تصنع معجزة أنت حين تجيبها ، وأعرف الراحة أنا حين أسمع الجواب منك . وفي كل الأحوال أنت تحتاجني ، تعرف هذا ، ويعرف الجميع .
اليوم تقرر أن تكون مختلفاً ، تغلق تلفازك ، وللمرة الأولى شاشة حاسوبك ، تتمطى وأنت تنظر إلى عقرب الساعة ، كأنك تنتظر حدثاً ما ، تجري اتصالاً واحداً ، تسمع الصوت –الذي أعرفه جيداً - بالطرف المقابل : آلو ، من أنت ؟
يتكرر السؤال ، وتبقى صامتاً ، أرى دمعة صامتة في عينك ، تنزلق إلى جهاز الهاتف الفضي ، تتجمع حولها أخواتها ، ثم رنين الهاتف المزعج حين تبقى سماعته مفتوحة ، يتكرر في إلحاحٍ مزعج ، فلا يوقفه أحد .
****
الصورة غامضة ، مهتزة ، والمشهد متداخل المعالم ، طبيب ملتح يتحدث بلغة أجنبية ، وممرضة تتساءل عن أهل هذا المريض الذين لا يسألون عنه، وعن ذريته الجاحدة ، ينظر فيمن حوله مستغرباً ، يتحسس جرحاً في صدره ..
وبالخارج ، رجل مسن ، يلبس جلابية متواضعة نظيفة ، يحاول أن يدخل ، ترفع الممرضة نظرها إليه ، تسمح له بالدخول ، فيدخل ليقبل يد ياسين ويضع أمامه علبتي عصير طازج ، وبكيس ورقي كان يحمله ، رائحة فطير ساخن ، فتهرع الممرضة مبتسمة : هذا ليس مقبولاً الآن يا سيدي
يحاول ذو الجلابية أن يصر ، فتزجره الممرضة ، والطبيب ، فيستكين ، تاركاً إياها تخرج هي والفطير الساخن ، يقول ياسين :
- هل هو بخير
فيرد ذو الجلابية :
- بخير حال يا سيدي ، أصبح كالحصان
فيبتسم ياسين ، ينظر له ، في عينيه التماعة وفيما خلفهما شوقٌ ليس له حدود ، ليس هذا وجهه وليست هذه قسماته التي رآها قبل أسبوع .. الحياة أصبحت متصالحة معه ، والسعادة زارته أخيراً
- لقد أنقذتنا
يقولها في امتنان ، فيبتسم ياسين ، يتحسس جرحه مرة واحدة أخيرة ، ثم يسأل الطبيب :
- فمتى أعود إلى منزلي ؟
يسمح له الطبيب بالخروج مساءً ، فقط لو وجد من يرافقه ..
يخرج ياسين ، مع صاحبه ذي الجلابية ، يتكئ عليه ، حتى وصل إلى دكان صغير بجوار منزله المستأجر ، اشترى ماكينة حلاقة جديدة ، وفرشاة أسنان ، وبعض الخبز الطازج ، ثم نسيهما في سيارة الأجرة ، ودخل بيته كما خرج ، لا يحمل إلا جرحاً جديداً في صدره وقلبه .
جرب أن ينام ، وأن ينهض مختلفاً ، لكن حاسوبه المفتوح حمل رسالة واحدة يحمل مثلها كل يوم
- كم أنت وغدٌ عديم الإحساسْ .
نظر لها وابتسم وقبل أن يتقلب كثيراً ، كان يغط في نوم عميق .
****
هناك ، كنت تجلس على كرسي خشبي ، تستمع باهتمام ، لرجل يلبس معطفاً أبيض ، ورغماً عنك ، ترتسم أمام عينيك أحداث الأمس ، تتذكرني ، وأنت تجلس بلا مبالاة ، أمام التلفاز ، وقد حطمت زهوري وبعثرت أوراقي ، تستمع إلى صوتي وقد علا كثيراً ، فلم تبال ، أخبرتك وقتها كم أنت وغد عديم الإحساس ، وصرختُ في أحد أبنائي أن يعود إلى غرفته ، وأنت تبدو نظرة شيطانية على وجهك النحيل ..
أنا التي تركت أهلي وبلادي وجئت إليك ، رفضت كل رغد الحياة وقبلت بقسوتها معك ، فكيف تسهر حتى الفجر دوني ، تتجاهلني أصابعك ، تتحاشاني نظراتك ، كنت يوماً لي ، وكنت مقسماً إلى أجزاء ولكل جزء باب أنا من يمتلك مفتاحه ، اليوم أنت مغلق ، لا أملك حق الدخول ، وأنا التي ما عاشت يوماً إلا لأجلك أنت ، كنت اليوم وقحاً جداً حين صارحتني بأنك لم تعد تحبني ، أتحب أخرى .. كذا صرخت حتى أسمعت جيراني
فلم ترد ، فقط نظرة خاوية جامدة ، قبضتي تتكسر على صدرك وأنت لا تحرك ساكناً ، تتأملني وكأنني لا شيء ، تعودت الأنثى الساكنة في أعماقي أن تمثل لك كل شيء ، وحين لم تعد تهتم صارت الأنثى تتزين أكثر ، لتثير اهتمام غيرك ، لاحظ ذلك جيراني ، ولاحظ ذلك مديري بالعمل ، وحاول الجميع أن يتقرب منها إلا أنتْ
صرختْ تحاول أن تكسر صمتكْ ، أعلَنَتْ عن نفسها صارخةً حتى أثارتْ استغراب الجميع ، حتى أبناؤك نظروا لها – أنوثتي – ثم مطوا شفاههم ومضوا ، كأنهم يقولون : يا للنساء ..
اليوم تخرج من حياتي ، ومن حياة أبنائك ، لم أكن أظن أني قاسية هكذا ، ولم يكن قلبي يطاوعني وأنا أرمي أغراضك خارج المنزل الذي ورثته أنا ، لكن صمتك كان يعذبني ، لم تعترض ، ولم تقل لماذا ؟ وكأنك كنت تنتظر ذلك ، تخرج لاحقاً بأغراضك ، وتمضي ..
ثم تتنبه لنفسك ، والرجل ذو المعطف يواصل شرحه لك ، والألم يبدو واضحاً في محياك ، وبالخارج رجلٌ بسيط يلبس جلابية ، يبكي ابناً يكاد أن يفقده ، يبحث عن كلية تصلح ، وهو الذي لا يملك ثمن حذاء .
****
يجلس خلف مكتبه ، يتأمل نتائج فحوصات وأوراق ورسومات وصور لا يفقه معظمها ، وكأنه يرى ذاك المرض الغامض يتغلغل في أعماقه ، يكسر كريات دمه ، ويحطم حياته ، في يده سيجارة تحترق دون أن يقربها من فمه ، يغلق عينيه ، يشعر بالإغماءة التي راودته بالأمس ، حين ارتفع عالياً ، حتى سقف الغرفة ، خلف النفق الأبيض الذي يقرأ عنه دائماً ، وهناك رأى جسده في أرضية القاعة ، يتوسد غرفة مكتبه ، كتبه على الرفوف تتهاوى ، وأطفاله وزوجته يحلقون حوله ، يبكون ، يصرخون ، يشعر بانهيارات في جدران القاعة ، ورفوف المكتبة ، وأرضية المكان ، ثم يعود سريعاً ، ليغوص في جسده من جديد .
ينهض ، يشعل قداحته العتيقة في الأوراق أمامه ، يضعها واحدة بعد الأخرى في مطفأته ، حتى لا يتبقى منها إلا بعض رماد ، يتأمل مرآته ، يجرب أن يصنع وجهاً آخر ، يقلب وجوها عدة سمع عنها أو رآها ، لم يعد يهتم بالأسماء ، هو لم يعد ياسين منذ اليوم ، يخرج من غرفته وقد تقمص أحدها ، وحاول أن يبدو تماما مثل الصورة في مخيلته ، حتى وجدها أمامه ، ذاتها بسحرها وعبقها وابتسامتها ، ذاتها حكايته ، كما يحب وتحب أن ترويها .
****
أحمد عيسى
نوفمبر2011
نوفمبر2011
تعليق