عيون المها ..
يقولون إنّ اسمي مها ، سمعتهم ينادونني مها ، فقدتُ ذاكرتي، اعتصرتُ جبيني، من أنا؟؟؟
ولمَ أنا هنا، على أريكةٍ منسيّةٍ؟
قلّبت الهويّة بين أصابعي، البيانات بها كاذبة، ثمّة انتحال لشخصيتي، لوثة أصابتني بمسّ ٍ.
ذرعتُ المكان ألف مرّةٍ ، أبحث عنّي.
هاك صندوق الصور، بعثرتُه، لا شيء يشبهني بها، لم أجدني.
أمزّقها تباعاً، المزق تتناسل أمام خاطري ملامحاً تزداد اغتراباً، وابتعاداً، تعربد في داخلي بلا رحمةٍ.
من هذه التي تقف أمام عدسة التصوير؟؟تطلق ببلاهةٍ ضحكةً مزيّفةً، تواري خلفها الدموع ؟؟
قلبها مبرمج النبض، وغناؤها جنائزيّ اللحن، ورقصها فوق الجراح!!
العينان فيها تنظران لحدود ضوء اللقطة لا أبعد من ذلك؟ أين عيون المها؟؟أين البؤبؤ المحلّق الذي يركب ألف موجٍ؟؟
إنّه منطفئ، والشّعر خامد الأنفاس، في ليل بارد العتمة، وغصن البان يتعكّز على أعمدةٍ من دخان الوقت..
لم أرَ إلا أطياف ألوانٍ، في سيركٍ استعراضيّ، يصفّقون له بدهشةٍ، لروعة إتقانه.
كان اسمي مها، هذا ما أذكره، أملأ الدنيا صخباً ، وحيويّةً، كنت الأجمل ، أين أنا؟؟؟
رميت الصندوق جانباً، بعد أن حطّمتُ غطاءه بيدي.
مهلاً ..وجدتُ هنا صورةً تشبهني، صبيّة حلوة تتأبّط كرّاساتها بثقةٍ، رأسها مرفوع،عيناها الواسعتان تنغرسان في المدى بثباتٍ، تمشي فاتحة يديها للسماء، تحت المطر، على رأسها قبّعة صوفيّة زرقاء.
شددتها إلى صدري، بكتْ طويلاً : كنت أبحث عنكِ، لم ابتعدتِ ، لم تجبني.
من لطّخ ملامحك بألوانٍ خريفيّة؟؟ من جعل عينيك ترشحان سحائبَ مطرٍ أسودَ ...؟؟؟ ....طال صمتك.
حسناً سأستدعي خوافي ذاكرتي من رماد الأيام، لأعرف من كان سبباً في قتل بريقك، ها أنا أعود إلى الوراء، أطوي بساط العمر ...
أراك أمامي ترتجفين، تمدّين يدك بانكسارٍ لمعلّمتك، تلقّيت من مسطرتها ضرباتٍ موجعةً، لذنبٍ لم تقترفيه، لم يشفع لك صوتك المتقطّع بشهقة البكاء، بدفع التهمة عنك، بأنك لست أنت من كسر قلم صديقتك.
ورأيتك تنظرين إلى السماء بخوفٍ، فقد حكتْ لك عمّتك عن عذاب حريقها، وعن حيّات القبر التي تلفّ الجسد المتهالك، بعد أن شربتِ الماء خلسةً، في يومٍ قائظٍ من رمضان، وأنت برعماً فتيّاً شقّقه العطش.
ألمح الآن قصاصات أوراقٍ انتثرت أمام وجهك، من يد أبيك، لقصيدة حبّ عذريّ كنتِ قد كتبتها خلسةً، فاستحالتْ إلى بيّنةٍ، تستحقّين الرجم عليها والقصاص ، والحدّ.
نعم ..أشاهدك الآن وأنت تنكمشين في زاوية السرير، حائرة ترتعدين، لمّا احمرّتْ وردتك، و تقاطرتْ ندىً على الملاءة البيضاء، خبّأتِها مرتجفة الأضلاع، تسألين أمّكِ عنها بصوتٍ مخنوقٍ، فتخفيكِ خلفها وراء جدرانٍ من الثلج.
و بدأتِ تاريخاً جديداً، كأنّ دربك قد تحوّل إلى نفقٍ مرعبٍ، تخافين ألغامه كلّما تحرّكت.
ولمّا زفّتكِ إلى فارسكِ، طلبتْ إليكِ أن تبدّلي جلدكِ على عتبةِ داره، لتلبسي ظلّه، أما أهدتك إلى أمّه جاريةً، أما قالتها لها تقرّباً وعلى مسمعك ؟؟أما أعادتكِ إلى بيتك ذات ليلةٍ عاصفةٍ بالثلج والدّموع، وجسدك المتورّم يئنّ من سطوة يده، أما أرجعتك بذلّ قائلة: بيتك هو قبرك ، لن تغادريه إلا بعد الموت، وكيف نظر بشماتةٍ مفضوحةٍ إلى انهيار آخر خطّ لمناعتك!!!
أنت تصغين الآن لي باهتمامٍ، تتشبّثين بيدي،ولكنك تصمتين..
آهٍ ...يبدو بأني بدأت أتذكّر كلّ شيء:
هناك أطياف من النساء كانت تطوف في عالمكِ، لها ملامح مستنسخة، من قطيع يتشابه في طقوس النوم ، والحمل ، والولادة ، تقطع الزمن وفكرها مشغول بالموائد ، والشموع الخافتة، تثرثر مع ارتشاف القهوة ، عن فوارسها المتغطرسة، مستبكياتٍ من هجرتها ووحدتها،وعدم جدوى وصفات السحر، والتجميل في إمالتهم لها.
مهلاً ...لا تخافي صغيرتي ، أعرف أنه قد فتح باب غرفة النوم، أعرف نداء الضوء الأحمر الخافت لشهريار، لن أتركك الآن، سوف أتشاغل عنه، وأعدّ كوباً من الشّاي لي ولك، نحتسيه معاً على الشرفة، لقد اشتقتُ إليك، لن أغادرك، انتظريني..
يده الخشنة امتدّتْ إليّ تسحبني ، انتزعتُها مذعورةً من على كتفي، دعني لا أشتاق لنزفي الليلة.
نكزني، هذا حقّي يا مجنونة، ورشقني بأشواك لسانه، المزروع بالصبّار، أصابني في مقتل، صرختُ أدفعه عني كمسخٍ :
الحرائر لا تستباح في مخادعها، لن ألبس بعد اليوم ثوب الغانية، التي تتضرّج بألوانها حدّ الغثيان.
يده القاسية تزداد ضراوةً:
ـ ابتعد ...لن أستجيب إلا بما يليق بكرامتي، نعم أنا مجنونة، انظر .
ورحتُ أمزّق أثواب نومي التي بلّلتها دموعي، بكلتا يديّ ، وأنا أضحك بهيستيريا..
انتقلتْ إليه لوثة جنوني ، حطّم ما طالته يده من أشياء، لم أكترث، لم أعد أسمعه، تلاشت أصواته حدّ السكون المطلق.
وفتحت الباب، لبست جلدي من جديد.
طفلتي الحلوة ما زالت تنتظرني، تبتسم بوداعةٍ لي، عيناها تشعّان ببريقٍ عجيبٍ،
تضع القبّعة الزرقاء على رأسها، تفتح يديها على اتساعهما لحبّات المطر.
ـ يا حلوتي :اصرخي، لا تمدّي يدك لمسطرة المعلمة، شقّي الفضاء قائلةً ..لا ...أنا لم أفعل هذا ..لا أقبل الظلم.
قولي لعمّتك: أنا طيّبة ، لم أوذِ أحداً،و رحمة الله واسعة، وسأهتدي لخالقي بقلبي، من غير وصاية.
املئي أدراجك بقصائد الحبّ والوطن، وسأنشدها معك بثقةٍ، على المنابر في الأيام القادمة ، سيصفّقون لنا طويلاً ، كما فعلوا يوماً بباحة المدرسةِ.
سنجمع كلّ النساء المتشابهات ، المستبكيات، من ظلم أسيادهنّ، في قفص الحريم، ونبعدهنّ عن مجالستنا.
قولي لطيف أمّكِ، لن أبدّل جلدي، ودمي، لن ألتفت لقزمٍ في ثوب رجلٍ لا يحترم الأمانة التي أوصلتني داره بميثاقٍ غليظٍ.
هزّتْ رأسها تومئ بالموافقة، وتعانقنا ، وتسامحنا، وتصالحنا، مزّقنا معاً الستائر الكالحة التي حجبتْ عنا ضوء الحياة.
عدتُ إلى الصورة، أصيح... أصيح...
ــ هذي أنا ...هذي أنا ..
ــ إنّي ألمح فيها عيون المها ...
ـــ أنا اسمي مها ...أنا اسمي مها..
****************** *********************** *********************
يقولون إنّ اسمي مها ، سمعتهم ينادونني مها ، فقدتُ ذاكرتي، اعتصرتُ جبيني، من أنا؟؟؟
ولمَ أنا هنا، على أريكةٍ منسيّةٍ؟
قلّبت الهويّة بين أصابعي، البيانات بها كاذبة، ثمّة انتحال لشخصيتي، لوثة أصابتني بمسّ ٍ.
ذرعتُ المكان ألف مرّةٍ ، أبحث عنّي.
هاك صندوق الصور، بعثرتُه، لا شيء يشبهني بها، لم أجدني.
أمزّقها تباعاً، المزق تتناسل أمام خاطري ملامحاً تزداد اغتراباً، وابتعاداً، تعربد في داخلي بلا رحمةٍ.
من هذه التي تقف أمام عدسة التصوير؟؟تطلق ببلاهةٍ ضحكةً مزيّفةً، تواري خلفها الدموع ؟؟
قلبها مبرمج النبض، وغناؤها جنائزيّ اللحن، ورقصها فوق الجراح!!
العينان فيها تنظران لحدود ضوء اللقطة لا أبعد من ذلك؟ أين عيون المها؟؟أين البؤبؤ المحلّق الذي يركب ألف موجٍ؟؟
إنّه منطفئ، والشّعر خامد الأنفاس، في ليل بارد العتمة، وغصن البان يتعكّز على أعمدةٍ من دخان الوقت..
لم أرَ إلا أطياف ألوانٍ، في سيركٍ استعراضيّ، يصفّقون له بدهشةٍ، لروعة إتقانه.
كان اسمي مها، هذا ما أذكره، أملأ الدنيا صخباً ، وحيويّةً، كنت الأجمل ، أين أنا؟؟؟
رميت الصندوق جانباً، بعد أن حطّمتُ غطاءه بيدي.
مهلاً ..وجدتُ هنا صورةً تشبهني، صبيّة حلوة تتأبّط كرّاساتها بثقةٍ، رأسها مرفوع،عيناها الواسعتان تنغرسان في المدى بثباتٍ، تمشي فاتحة يديها للسماء، تحت المطر، على رأسها قبّعة صوفيّة زرقاء.
شددتها إلى صدري، بكتْ طويلاً : كنت أبحث عنكِ، لم ابتعدتِ ، لم تجبني.
من لطّخ ملامحك بألوانٍ خريفيّة؟؟ من جعل عينيك ترشحان سحائبَ مطرٍ أسودَ ...؟؟؟ ....طال صمتك.
حسناً سأستدعي خوافي ذاكرتي من رماد الأيام، لأعرف من كان سبباً في قتل بريقك، ها أنا أعود إلى الوراء، أطوي بساط العمر ...
أراك أمامي ترتجفين، تمدّين يدك بانكسارٍ لمعلّمتك، تلقّيت من مسطرتها ضرباتٍ موجعةً، لذنبٍ لم تقترفيه، لم يشفع لك صوتك المتقطّع بشهقة البكاء، بدفع التهمة عنك، بأنك لست أنت من كسر قلم صديقتك.
ورأيتك تنظرين إلى السماء بخوفٍ، فقد حكتْ لك عمّتك عن عذاب حريقها، وعن حيّات القبر التي تلفّ الجسد المتهالك، بعد أن شربتِ الماء خلسةً، في يومٍ قائظٍ من رمضان، وأنت برعماً فتيّاً شقّقه العطش.
ألمح الآن قصاصات أوراقٍ انتثرت أمام وجهك، من يد أبيك، لقصيدة حبّ عذريّ كنتِ قد كتبتها خلسةً، فاستحالتْ إلى بيّنةٍ، تستحقّين الرجم عليها والقصاص ، والحدّ.
نعم ..أشاهدك الآن وأنت تنكمشين في زاوية السرير، حائرة ترتعدين، لمّا احمرّتْ وردتك، و تقاطرتْ ندىً على الملاءة البيضاء، خبّأتِها مرتجفة الأضلاع، تسألين أمّكِ عنها بصوتٍ مخنوقٍ، فتخفيكِ خلفها وراء جدرانٍ من الثلج.
و بدأتِ تاريخاً جديداً، كأنّ دربك قد تحوّل إلى نفقٍ مرعبٍ، تخافين ألغامه كلّما تحرّكت.
ولمّا زفّتكِ إلى فارسكِ، طلبتْ إليكِ أن تبدّلي جلدكِ على عتبةِ داره، لتلبسي ظلّه، أما أهدتك إلى أمّه جاريةً، أما قالتها لها تقرّباً وعلى مسمعك ؟؟أما أعادتكِ إلى بيتك ذات ليلةٍ عاصفةٍ بالثلج والدّموع، وجسدك المتورّم يئنّ من سطوة يده، أما أرجعتك بذلّ قائلة: بيتك هو قبرك ، لن تغادريه إلا بعد الموت، وكيف نظر بشماتةٍ مفضوحةٍ إلى انهيار آخر خطّ لمناعتك!!!
أنت تصغين الآن لي باهتمامٍ، تتشبّثين بيدي،ولكنك تصمتين..
آهٍ ...يبدو بأني بدأت أتذكّر كلّ شيء:
هناك أطياف من النساء كانت تطوف في عالمكِ، لها ملامح مستنسخة، من قطيع يتشابه في طقوس النوم ، والحمل ، والولادة ، تقطع الزمن وفكرها مشغول بالموائد ، والشموع الخافتة، تثرثر مع ارتشاف القهوة ، عن فوارسها المتغطرسة، مستبكياتٍ من هجرتها ووحدتها،وعدم جدوى وصفات السحر، والتجميل في إمالتهم لها.
مهلاً ...لا تخافي صغيرتي ، أعرف أنه قد فتح باب غرفة النوم، أعرف نداء الضوء الأحمر الخافت لشهريار، لن أتركك الآن، سوف أتشاغل عنه، وأعدّ كوباً من الشّاي لي ولك، نحتسيه معاً على الشرفة، لقد اشتقتُ إليك، لن أغادرك، انتظريني..
يده الخشنة امتدّتْ إليّ تسحبني ، انتزعتُها مذعورةً من على كتفي، دعني لا أشتاق لنزفي الليلة.
نكزني، هذا حقّي يا مجنونة، ورشقني بأشواك لسانه، المزروع بالصبّار، أصابني في مقتل، صرختُ أدفعه عني كمسخٍ :
الحرائر لا تستباح في مخادعها، لن ألبس بعد اليوم ثوب الغانية، التي تتضرّج بألوانها حدّ الغثيان.
يده القاسية تزداد ضراوةً:
ـ ابتعد ...لن أستجيب إلا بما يليق بكرامتي، نعم أنا مجنونة، انظر .
ورحتُ أمزّق أثواب نومي التي بلّلتها دموعي، بكلتا يديّ ، وأنا أضحك بهيستيريا..
انتقلتْ إليه لوثة جنوني ، حطّم ما طالته يده من أشياء، لم أكترث، لم أعد أسمعه، تلاشت أصواته حدّ السكون المطلق.
وفتحت الباب، لبست جلدي من جديد.
طفلتي الحلوة ما زالت تنتظرني، تبتسم بوداعةٍ لي، عيناها تشعّان ببريقٍ عجيبٍ،
تضع القبّعة الزرقاء على رأسها، تفتح يديها على اتساعهما لحبّات المطر.
ـ يا حلوتي :اصرخي، لا تمدّي يدك لمسطرة المعلمة، شقّي الفضاء قائلةً ..لا ...أنا لم أفعل هذا ..لا أقبل الظلم.
قولي لعمّتك: أنا طيّبة ، لم أوذِ أحداً،و رحمة الله واسعة، وسأهتدي لخالقي بقلبي، من غير وصاية.
املئي أدراجك بقصائد الحبّ والوطن، وسأنشدها معك بثقةٍ، على المنابر في الأيام القادمة ، سيصفّقون لنا طويلاً ، كما فعلوا يوماً بباحة المدرسةِ.
سنجمع كلّ النساء المتشابهات ، المستبكيات، من ظلم أسيادهنّ، في قفص الحريم، ونبعدهنّ عن مجالستنا.
قولي لطيف أمّكِ، لن أبدّل جلدي، ودمي، لن ألتفت لقزمٍ في ثوب رجلٍ لا يحترم الأمانة التي أوصلتني داره بميثاقٍ غليظٍ.
هزّتْ رأسها تومئ بالموافقة، وتعانقنا ، وتسامحنا، وتصالحنا، مزّقنا معاً الستائر الكالحة التي حجبتْ عنا ضوء الحياة.
عدتُ إلى الصورة، أصيح... أصيح...
ــ هذي أنا ...هذي أنا ..
ــ إنّي ألمح فيها عيون المها ...
ـــ أنا اسمي مها ...أنا اسمي مها..
****************** *********************** *********************
تعليق