حَلقةٌ مُفْرَغةٌ
"حينما تَضغطُ الغَالقَ .. فإنَّ العالمَ ينفتحُ أمَامَك !"
- شارون واكس-
من خلفِ السّتارِ لاحتْ على زُجاجِ النافذةِ ، تلك الصُّورةُ التي تغبّرتْ ، لا من التُّرابِ العَالقِ على الشِّيش كالعادةِ ، ربّما بسببِ ذلك الإطارِ ، الذي حاولتُ على مرّ الأسابيع الماضية أن أستعيدَهُ ، أجترّه ، فيأبى إلا أن يتقزّمَ ليتوارى في زاويةٍ حادةٍ من ذاكِرتي . أخشى انطبَاقَ فكّيها فتقصِمني ، وتُلقي بي في زوبعَةٍ تشُدّني إلى قَاعِها ، بحلقةٍ مُفرغةٍ ..
حلقة ، تصنعُ الإطارَ .
...
مُفرغة كالعدسةِ التي أمسكتُ بها منذُ أسابيع ، في وسطها تقوقعَ ذلك الصّغيرُ ، كحلزُونٍ تحت سريرٍ قديمٍ . زائِغَ العينين ، حابِسَ الأنفَاس كما طلبتُ منه . والسريرُ كالجاثِمِ على ظهرهِ ، يزنُقُه في أسفلِ الحلقة . تَسيلُ على رأسِه قطراتٌ حمراءُ متقّدةٌ .. وكفاه كالكعكةِ الصغيرةِ يرتجفان ، يكادان يتفتّتان ، بينما يتشبثانِ بالأرض !
...
" واحد .. اثنان .. ثلاثة !
انتهينا ..
هاكَ الشطيرةَ .. كما اتفقنا !"
وضعَها بجانبِه .. خلتُه سيلتهمُها التهاماً ، نعم لم تكن طازجةً ، لكن ظني أنهُ لم يأكُلْ منذ أيّام .
أنّى له ذلك ، وأعلى السريرِ يرقدُ والداهُ جنباً إلى جنبٍ ، وقد قُطٍّعتْ أطرافُهُما ، واختلطتْ معاً في بركةِ دماء ، تجمّعَ حولها الذُّبابُ ؟!
الصّورةُ حارةٌ حرارة تلك الدماءِ المتقطّرةِ ،
طازجةٌ طزاجة إحساسِ الخوفِ .. الترقّبِ . وعينان انطفأ منهما النورُ ، لم يبقَ بهما سوى ظلامٍ آتٍ مجهولِ المدى !
تسمّرتُ أمامَه ، وأنا أشعرُ نحوه بالدَّينِ الكبيرِ . لم تكُنْ تلك الصورةُ التي أهداني حيويةَ نبضِها ، مجرد صورةٍ إشهاريةٍ في جريدةٍ من جرائدِ المُعارضةِ ، وإنما صُورةٌ ستعبرُ إطارَها ؛ لتجُوبَ كُبرى المعارضِ . ربّما طمعتُ أن تستفزّ مشاعرَ العالمِ ؛ كصُورةِ الفيتناميةِ *كيم فوك ، لتُنهي حرباً رعناءَ .
ربَّتُّ على كَتفه :" لا تقلقْ .. قريباً سينتهي كلُ هذا ! "
قطعتُ له لقمةً من الشّطيرةِ ، ووضعتُها في فمه . لم يُحركْ ساكناً .
هو لا ينطقُ . رأسُه منكّسٌ ، لا يلتفتُ حتى !
...
غطّيتُه ببطّانيةٍ . خرجَ أمامي من البيتِ . خُطواتُه مُبعثرةٌ ككرارِيسِه هُنا وهُناك ، تائِهةٌ كلوحاتِ بُيوتٍ ، لم تكتملْ بعد ، وأطفالٍ بلا ملامحَ ونبتاتٍ دُهسَتْ بالأقدامِ ، رسمَتْها يدٌ لا تُحسنُ خطَّ القلمِ .
وعندَ الصَّليبِ الأحمرِ ، في سجلٍّ كبيرٍ تمّ إدراجُ اسمِه . وزَميلي بجانبي ، يُقيّدُه في دفتَرِه رقَماً . واختفى بينَ رُؤوسٍ وأجسادٍ متشابهةٍ في الحجمِ واللونِ ؛ لتنقلهُم عرباتٌ رماديةٌ كبيرةٌ ..
هذا هُو سلاحي الوحيدُ إذن ،
هنا داخلَ تلك الآلةِ المُزعجةِ ، التي تقتحِمُ العامَ والخاصَ !
أحتضِنُها ، أخبئُها داخل سُترتي ، بعدَ أن حبسْتُ في بؤبؤيها لحظةً وإلى الأبد . كمْ أصيرُ صيداً ثميناً وأنا أحملُها ، وأعدو مع زُملائي في شوارِع ، ما يُمكنُ القولُ عنها ، أنها لا أكثرَ من حطامٍ لمدينةٍ . ساعتُها لا نعبأُ إن كان شريطُ ألوانٍ معتما ، في صُندوقٍ أسودَ صغيرٍ ، أكثرَ أهميّةً من ألوانِ طيفٍ ، تعجّ بها السّماءُ!
السّماءُ تسقطَ عنها شمسُها وقمرُها ، ترتفعُ عن الأرضِ ، تعلُو ، ترتجّ من أزيزِ طائراتٍ تتعقبّ اللاشيء ، والأرضُ جُنّ جنونُها ، تتقاذفُنا من على ظهرِها المُخرّقِ بالرّصاصِ الطّائشِ!
فقط هي بضعةُ أمتارٍ ..
بضعةُ أمتارٍ ونصلُ إلى مقرّنا ؛ لنُخرجَ تلك المُنمنماتِ التي في حوزتنا .
لم يكن سوى ذلك الحَاجز القاسِي كالصُّلبِ ، الذي ظهرَ فجأةً أمامَنا ، حائلٌ ضبابيٌّ حارقٌ ، اصطدمنا به كفَراشٍ هائجٍ ، وارتددنا ..
اصطدمنا ، وتساقطنا ،
وتوقّفَ كلُّ شيءٍ .
وتوقّفَ الزمنُ عدا عَجلة ذاكرتي المُفكّكة ،
تتحركُ ببُطءٍ شديدٍ وسطَ غماماتٍ ، تستجمعُ تروساً مُكدسّةً مشحُوذةَ الأسنانِ ، صُندوقاً أسودَ به شريط ملفوف ، سريراً يقطرُ ، حلزُوناً صغيراً!
بارْتجافٍ .. العجلةُ
تدورُ ،
وتعودُ تدورُ ..
وتدورُ حولي أرجاءُ غرفةٌ لا أعرفها .
أفيقُ على ..
" تلك هي صورةُ السّاعة ..
واحد .. اثنان .. ثلاثة !".
ووميضٍ ،
وأقمطةٍ ، تلفُّني من رأسِي حتى أُخمصِ قدمي كالمُومياءِ ، ومَشدّاتٌ تُصلبّني كدُميةٍ بلاستيكيةٍ . أردتُ أن أفتحَ فمي ، أسألُ عن ( كاميرَتي ) .
أنفاسي مُتوهجةٌ ، تخرجُ بضيقِ ثقبِ آلتي المفقودةِ .
الأصواتُ حولي تغمغمُ ، تتعَالى . وعيناي حبيسِتا المحجَرين . أصحابُ المعاطفِ البيضاءِ يهرعُون بسرعةٍ بين الأسِرّةِ .
هممتُ أن أزعقَ باسمي ، بصُورتي الضائعةِ !
انحشرَ صوتي بين حلقي وخُرطومٍ دقيقٍ خارجٍ منهُ .
..
بينما الطّبيبُ يقيّدُني ، في سجلِ المفقُودين رقماً !
----------
*كيم فوك :صاحبة الصورة التي هزت العالم عام 1972 ، في حرب فيتنام ، وفي الصورة الشهيرة كانت الطفلة – كيم فوك - تركض عارية فزعة تحت قنابل النابالم الحارقة المحرّمة دولياً.
تعليق