ريحانه ....

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سالم وريوش الحميد
    مستشار أدبي
    • 01-07-2011
    • 1173

    ريحانه ....

    ريحانه ...
    (ريحانة جبار ي ملاياري ) *1
    ((إن المحكمة لم تأخذ في الاعتبار كل الأدلة، وأن اعترافات جباري انتزعت منها قسرا، وقام المحقق الإيراني باستخدام التعذيب للحصول على اعترافات من جباري، التي احتجزت في زنزانة انفرادية لمدة شهرين، قبل أن يسمح لمحاميها مقابلتها ))
    أحمد شهيد مقرر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان
    جلست السجانة في ذات المكان الموحش قبل أن تغادره ريحانه،كل شيء على طبيعته،الجدران ا لتي احتوت جسدها،قضبان السجن .
    عيون السجانات مازالت ترنو للمكان، ثمة رسالة بين طيات ملابس ريحانة .. قرأتها بصوت صداه يتعالى ، وكأنها تريد إسماع ما فيها من كلام .لحمامة تحتضر في تلك الزنزانة ..

    الدهاليز المظلمة تجاور أسن الحياة،
    تقفر الطرق إذا ما أزف النهار،لازالت أمي ترفع يديها بالدعاء (ألا يقدر الله أمرا لا ترجوه)

    أحاور الدياجير المعتمة والأقبية الحالكة فتأتيني أضغاث أحلام بهيئة رجال يسألونني إن كنت قد قتلت الرذيلة وأهرقت دماء من أراد استباحة وردة عفتي،وطهارة جسدي .
    ،موسيقى هاينرش شوتز الجنائزية
    تغتال بعضا من إقدامي وبأسي ،تلك الوجوه الممسوخة تعزف على وتر نشاز تثير فيّ رغبة الخلاص من سياط طالما لذعت جسدي.
    (( بريئة رغبات من أراد العوم على تضاريس جسدي الغض ))،
    أدفن وجهي بين راحتي المخضبة بحناء من دمي .. أجتر بعضا من راحة البال،لأوقظ شجاعة مخبأة تحت رماد النفس ..
    حمامتي قريبة مني تؤنسني،أناجيها،كلما نظرت إليها أشعر بالأمان،
    (عمري كعمرك قصير،وجمالي كجمالك مدفون في تلك الطوامير ) حمامتي أتأسين لحالي أم أنا من يأسى لحالك،
    ترنو إلي ..ترجو أن يزيد بعضا من شحيح طعامي ... ألتمس عذرا لحالي ..
    ((مبارك للموتى الذين يموتون من أجل عذرية الحياة )) ا

    ينهار العالم في لحظة، ستة وعشرون ربيعا،ومضة سريعة الانطفاء،
    مازالت أحلام الطفولة عالقة في مخيلتي،مازلت أغتال في مشيتي ألف دنس و ألف رذيلة،
    ألم تعلموني أن السير في الطرقات يفضح ما مخبوء في خلق الفتاة،
    تمنيت أن أهشم زيف ممن أدعوا أن الله ألبسهم سرابيل العدالة والإيمان والطهر،
    أحتضن كتبي كل يوم عند الصباح حيث الشوارع المكتظة بالسيارات تحاصرني أفواه المتحرشين ترميني بوابل من الكلمات الفظة،أتفحص محفظتي قبل أن أغادر البيت خمسة ألاف تومان مصرفي اليومي،تودعني أمي بقبلة ترسمها على جبيني بحنان ..ثمة ابتسامة تفجر ألف أمنية وأمنية،في قلبها المكدود .. حين تسكب الماء خلفي ( تتمنى لي الأمان والعود من جديد )
    أراجيح البراءة تستفز ضحكاتي حين أسير مع صديقاتي أداريها بيدي خوفا من رقيب،أسير أبحث عن براعم ا لكلام لأزرعها في أصص الحقيقة أينما حلت قدمي لأقول لأمي كل شيء عن رحلتي اليومية،فتبتسم و هي تحتضنني وتقول :_
    _ ،ماماني خوب ..انجام مي شود . *2
    ،الوجوه الغاضبة تحيط بي . ترغمني أن أزرع كلمات مقلوبة المعاني،مجذومة الجسد ليحصدوا ما يريدون،
    الأذان تنتظر سماع قول من تلفعت أفكاره بالسواد،أسراب الحمامات يطرن حول المحكمة
    ((أنامقبلة ))
    كوكوش *3 تصدح بصوتها الملائكي،ترن الكلمات في أذني ..
    _ من آمده *4

    أنا مقبلة ..
    أنا مقبلة على انتفاضة حب
    لإنعاش الدلال من جديد
    أتمنى يا حبيبي أن تعمر مئة سنة
    لتكون جاري وتظلل عليّ ..
    لا أريد هذه المائة سنة،أريد نصفها أو فوقها بضع سنين
    المحكمة تغص بالقادمين ،تتراقص الكلمات على شفتي القاضي الذي راح يرمقني بنظرات فيها أكثر من معنى،كجذوة نار، تتمايل،العيون مترقبة .. والأذان منصته ..
    أمنت أ لا سبيل للنجاة ..
    كان عمري حينها تسعة عشر عاما،أفيض حيوية وشبابا .. يملأني الأمل،
    في يوم كان فاصلا غير كل حياتي .. كان قادرا على أن يحجم فضاء ليس له حدود بجدران أربعة تحيط بي ...
    استدعاني سرباتي لكي أرى تصاميم بيته،
    احتوتني مخالبه لا استطيع الخلاص منها أحاطتني كأذرع إخطبوط ،جثم على صدري كما يجثم السبع على فريسته،لم يك سبعا كان ضبعا تفوح منه رائحة زنخة ..انقلبت مسارات الحياة كلها ،الأمل بالنجاح صار أملا بالخلاص ،ذئاب غريزته تعوي في أذني ،ابحث عمن ينقذني،بكائي صار حشرجة مخنوقة ..
    دافعت عن عفتي،امتدت يدي دون دراية مني إلى سكين،طعنته في ظهره
    .. .. لملم القاضي أوراقه
    لم تقتنع المحكمة بادعائي ولا بالأدلة المقدمة إليهم ..
    نطق الحكم ......
    ،فيما ظلت الدهشة مخنوقة ،تأبى تجاوز لحظة النطق بها،
    ثمة ابتسامة،تؤبن عمر موءود،بدلا من أن أزف بالورود زفوني بالدموع،
    كل صباح يقربني خطوة نحو رمس موعود، العروس ستزف للتراب ،طوق الياسمين سيكون عقدا من الحبال سيطوق عنقي،وزغاريد العرس تتحول إلى تراتيل بكائية حزينة .

    _ دعوني أرى أمي
    _ لا أحب أن يأكل جسدي التراب تبرعوا لمن يحتاج أي عضو من أعضائي .قلبي كبدي عيني أي شيء تريدون ..
    نزفت تراتيلي كلها،يكاد قلبي يفرمن بين أضلعي هلعا .. ارتبكت قدماي وأنا أدخل زنزانتي ..
    المقصلة فاغرة فاها،يشحذ المراؤون حرفها الكبير،السيد المسيح يبكي من عليائه،
    (( من منكم كان بلا خطيئة فليرجمها ))
    هدلت الحمامة،هديلا أشبه بالنواح،حاولت أن أسقيها ماء أبت أن تشرب،نظرت إلي بعين حزينة،
    النور باهت،لكنه يعينني على كتابة آخر رسالة لأمي
    ((عزيزتي شعلة ........ أشعر بالخزي حين تبكين،افرحي إن وئدوا جمالي،وأن قصوا أظافري وعقدوا لي قلادة من حبال،إن مزقوا ثياب العفة وألبسوني ثوب قاتل مع سبق الإصرار ..
    أماه أنت تعرفين إني لا أقوى على قتل حشرة حتى،....أيمكن أن يكون الظبي قاتلا للضباع .. ))
    سرت معهم كما الموت يسير،تلاحقني نظرات أمي والحمامة التي تطير فوق رأسي،
    لا مفر من قضاء الله ... سمعت وقع أصوات الأقدام المتجهة نحوي، قرقعة الأقفال تجعلني التصق بالجدار . أردته أن يحتويني . أن يضمني بحنان .. أن أكون جزء منه ..
    رفرفة أجنحة الحمامة تثير جلبة في دهاليز السجن ، وهي تتخبط مذعورة بين جدران الزنزانة،
    أصوات السجينات تطلب لي الرحمة .. وقع الأقدام يثير في داخلي رهبة المقبل على الموت
    كتفوا يديّ .. ألبسوني الكيس الأسود .. كل شيء معد .. رأيت وجوها متأسية على شبابي
    أسمعوني قرار الحكم .. اطلبي الرحمة والغفران .
    تلوتها في داخلي دون شعور تكررت كلمات وضاعت أخرى .. وتلعثمت، بأي لغة أنا كنت أتكلم لا أعلم ...
    سمعت أحدا يصرخ أوقفوا الحكم .. أوقفواالحكم ... تجمدالجميع .. كأنهم في طابور للجيش يدعوهم للثبات ..
    يا ألله تنفست الصعداء .. أغمضت عيني رغم ما يحيط بي من ظلام ...
    (( ريحانه لا تخدعك الأوهام، أنها أحلام يقظة ،كلام محموم هوس مجنون ،وأماني احتضار فقد خاط لي القدر أكفان ما كنت لابسة إياها لولا يد قاتلي الذي مات قبلي ))
    _ ريحاااااااااااااااااانه .... صوت كأنه يأتيني من البعيد
    تكرر ت تلك الأصوات كأني اسمعها إنه صوت أمي دعوني اقبل يدها قبل أن،قبل أن تتدلى قدمي في الفضاء .. وتغتصب الحياة مني .....
    مسحت السجانة دموعا،انهمرت دون إرادة منها وهي تشم عطر ذكراها المسفوح ،
    حملت الحمامة التي تجمدت عيونها في محاجرها .. وتوقفت حركة أنفاسها ...أوصدت باب الزنزانة وعيناها ترنو نحو المكان علها وأن تعود ...



    · 1 ريحانة إجباري مهندسة ديكور أعدمت عن عمر ناهز 26 سنة التهمة قتلها طبيب إيراني حاول اغتصابها قيل أنه رجل مخابرات

    *2ماماني خوب انجام مي شود جملة إيرانية معناها ( أحسنت حبيبتي )
    *3 مطربة إيرانية معروفه في السبعينات ... من القرن الماضي
    4* من آمده أغنية مشهورة للمطربة الإيرانية كوكوش معناها ( أنا مقبلة )
    التعديل الأخير تم بواسطة سالم وريوش الحميد; الساعة 24-02-2021, 20:39.
    على الإنسانية أن تضع حدا للحرب وإلا فسوف تضع الحرب حدا للإنسانية.
    جون كنيدي

    الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية

  • عبير هلال
    أميرة الرومانسية
    • 23-06-2007
    • 6758

    #2
    قصة واقعية مؤلمة للغاية

    حيكت بأسلوب مبهر

    شدتني من البداية للنهاية..

    " ياما بالسجن مظاليم" ولكن لا بد ليد الرحمة

    من أن تمتد لتمسح عرق الحزانى

    أزاهير من التقدير

    لك الأديب القدير


    سالم
    sigpic

    تعليق

    • بسباس عبدالرزاق
      أديب وكاتب
      • 01-09-2012
      • 2008

      #3
      قبل قليل فقط و أنا أقرأ عن هذا الخبر الموجع
      عن ريحانة جباري
      و التي كانت تهمتها الدفاع عن الشرف
      فجوبهت بالإعدام

      قصة موجعة و بلغة مؤثرة جدا
      واضح جدا أستاذي تأثرك بالحدث لدرجة كبيرة
      و قد كنت هنا تنتصر للأنثى الضعيفة في مجتمع يدعي القداسة و لكن داخله بؤر خبث
      نص من العيار الثقيل


      تقديري و احترامي أستاذي سالم وريوش الحميد
      السؤال مصباح عنيد
      لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

      تعليق

      • سالم وريوش الحميد
        مستشار أدبي
        • 01-07-2011
        • 1173

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة عبير هلال مشاهدة المشاركة
        قصة واقعية مؤلمة للغاية

        حيكت بأسلوب مبهر

        شدتني من البداية للنهاية..

        " ياما بالسجن مظاليم" ولكن لا بد ليد الرحمة

        من أن تمتد لتمسح عرق الحزانى

        أزاهير من التقدير

        لك الأديب القدير


        سالم
        استاذة عبير
        دوما لك يد السبق في أن تكوني أول من يصافح نصوصي ..
        ويسبر أعماقها ، فيفرحني الرد لأني ،بحاجة إليه لتقييم ما جادت به قريحتي ،
        و لأنه يترك بين ثنايا المتصقح عبق هذا المرور ،
        شكرا لك .. تحياتي وتقديري
        على الإنسانية أن تضع حدا للحرب وإلا فسوف تضع الحرب حدا للإنسانية.
        جون كنيدي

        الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية

        تعليق

        • حسين الأقرع
          http://www.poetsgate.com/
          • 10-07-2013
          • 278

          #5
          قصة مؤلمة لفتاة دافعت عن شرفها ... هي شهيدة بإذن الله
          والويل كل الويل للسجّان والقاضي وكل من كانت له يد في زهق الروح الطاهرة ..
          أبدعت أيها الكريم رغم الألم .
          التعديل الأخير تم بواسطة حسين الأقرع; الساعة 02-11-2014, 19:30.
          http://www.poetsgate.com/poet_3844.html

          تعليق

          • رامز النويصري
            أديب وكاتب
            • 30-10-2013
            • 643

            #6
            استمتعت بما قرأت



            مودتي
            ثمة المزيد لم نكتبه بعد
            *
            خربشات

            تعليق

            • ربيع عقب الباب
              مستشار أدبي
              طائر النورس
              • 29-07-2008
              • 25792

              #7
              صباح الفل أخي الطيب
              لا أدري .. قرأت منذ أيام رسالة للشهيدة .. التهمت حروفها ، و عايشتها الحدث الجلل
              و الآن أعيش بين نفس الرسالة فلم أستطع التفريق بين ما أضيف أو انقص في رسالة تلك الأمة الأبية
              هل ما قرأت في رسالة ( الشهيدة ) من تأليفكم ؟
              كان على لسانها و بخط حزنها
              و الآن .. و في ضفاف هذا الطرح وجدت نفس الشيء .. فهل من تفسير ؟

              شكرا لك أستاذي على ماأوليت من رعاية للشرف و الكرامة الإنسانية
              sigpic

              تعليق

              • سالم وريوش الحميد
                مستشار أدبي
                • 01-07-2011
                • 1173

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                صباح الفل أخي الطيب
                لا أدري .. قرأت منذ أيام رسالة للشهيدة .. التهمت حروفها ، و عايشتها الحدث الجلل
                و الآن أعيش بين نفس الرسالة فلم أستطع التفريق بين ما أضيف أو انقص في رسالة تلك الأمة الأبية
                هل ما قرأت في رسالة ( الشهيدة ) من تأليفكم ؟
                كان على لسانها و بخط حزنها
                و الآن .. و في ضفاف هذا الطرح وجدت نفس الشيء .. فهل من تفسير ؟

                شكرا لك أستاذي على ماأوليت من رعاية للشرف و الكرامة الإنسانية
                أستاذي الفاضل أستاذ ربيع عقب الباب المحترم
                أنشر هنا نص الرسالة .. التي أرسلتها ريحانة إلى أمها
                ‘ن كان ثمة تشابه في الطرح أو الأسلوب فأنا مستعد أن ارفعها وأعتذر
                استوحيت الأحداث من النص .. كتبتها باسلوبي الخاص .. ووفق رؤيتي وتعاملت مع القصة كحالة إنسانية مستوحاة من قصة ريحانه وهذه الرسالة أمامكم
                إن كان ثمة تشابه عدا المضمون فلامكان لي بينكم ... .

                انشر نص الرسالة التي نشرتها على موقع ساسة بوست ...


                شر موقع “ساسة بوست”، الإخباري نص رسالة الإيرانية ريحانة جباري إلى أمها “شعلة” بعد علمها بالحُكم عليها بالإعدام، وسجَّلت “ريحانة” الرسالة بصوتها في 1 أبريل 2014؛ ونشر نشطاء إيرانيون النص مُفرغّاً بعد تنفيذ حكم الإعدام.
                وأُعدمت “ريحانة” يوم السبت 25 أكتوبر 2014، بعد إدانتها بقتل موظف سابق في الاستخبارات الإيرانية؛ وتقول “ريحانة” إنه قد حاول اغتصابها فطعنته بسكينٍ دفاعاً عن النفس في عام 2007.

                وفيما يلي نص الرسالة:
                عزيزتي شعلة،
                علمت اليوم أنه قد جاء دوري لمواجهة القصاص. أشعر بالأسى لأنكِ لم تخبريني بنفسكِ أني قد وصلت إلى نهاية رحلتي في الحياة. ألا تعتقدين أنه من حقي أن أعرف؟ أتعلمين؟ أشعر بالخزي لأنكِ حزينة. لماذا لم تعطيني الفرصة لأُقبِّل يدكِ ويد أبي؟
                لقد عشتُ 19 سنةً في هذا العالم. في تلك الليلة المشؤومة كان يجب أن أكون أنا القتيلة. كان جسدي ليُلقى في إحدى زوايا المدينة؛ وبعد أيام كانت الشرطة ستأخذكِ إلى مكتب الطبيب الشرعي لتتعرَّفي على الجثة؛ وكنتِ ستعرفين حينها أني قد اغتُصبت. لم يكُن أحدٌ ليتوصَّل إلى هوية القاتل؛ لأننا لا نملك أموالهم ولا نفوذهم. عندئذٍ كنتِ ستُكملين بقية حياتكِ في معاناة وعار؛ وكنت ستموتين كمداً بعد بضع سنين؛ وكانت القصة ستنتهي.
                لكن قصتي تغيَّرت بضربة ملعونة. لم يُلقَ جسدي جانباً، بل أُودع في قبر سجن «أوين» بعنابره الانفرادية، والآن في سجن «شهر ري» الذي يشبه القبر. استسلمي للقدر ولا تشتكي. أنتِ تعلمين أكثر مني أن الموت ليس نهاية الحياة.
                تعلَّمت منكِ أن المرء يولد في هذا العالم ليكتسب خبرات، ويتعلَّم دروساً؛ وأن كل امرئ بما كسب رهينة منذ لحظة مولده. تعلَّمت أنه يجب على المرء أحياناً أن يقاتل. أذكرُ حين أخبرتِني أن سائق العربة قد احتج على الرجل الذي كان يجلدني، لكن الجلَّاد ضرب رأسه ووجهه بالسوط؛ ليموت في النهاية بأثر ضرباته. لقد أخبرتِني أن المرء يجب أن يثابر حتى يُعلي قيمة، حتى لو كان جزاؤه الموت.
                تعلَّمت منكِ وأنا أخطو إلى المدرسة أن أتحلَّى بالأخلاق الرفيعة في مواجهة الشجار والشكوى. هل تذكرين إلى أي حدٍ كنتِ تشددين على الطريقة التي يجب أن نتصرف بها؟ لقد كانت تجربتكِ خاطئة. حين وقعت الواقعة، لم تساعدني مبادئي. حين قُدمت إلى المحاكمة بدوت امرأةً تقتل بدمٍ باردٍ، مجرمةً لا تملك ذرة من رحمة. لم تسقط مني ولو دمعة واحدة. لم أتوسل إلى أحد. لم يغمرني البكاء لأني وثقت في القانون.
                لكني اتُهمت باللامبالاة أمام الجريمة. أترين؟ لم أكُن أقتل حتى الحشرات؛ وكنت أرمي الصراصير بعيداً ممسكةً بقرون استشعارها. أصبحت بين ليلة وضحاها قاتلة مع سبق الإصرار. لقد فسَّروا معاملتي للحيوانات على أنه نزوعٌ لأن أصبح ذكراً؛ ولم يتكبَّد القاضي عناء النظر إلى حقيقة أني كنت أملك حينها أظافر طويلة مصقولة.
                كم كان متفائلاً من انتظر العدالة من القضاة! لم يلتفت القاضي إلى نعومة يدي بشكلٍ لا يليق بامرأة رياضية، أو مُلاكِمة بالتحديد. البلد التي زرعتِ فيَّ حبها لم تكن تبادلني الحب؛ ولم يساعدني أحدٌ وأنا تحت ضربات المُحقق وأسمع أحط ألفاظ السباب. وحين تخلَّصت من آخر علامات الجمال الباقية في جسدي بحلاقة شعري أعطوني مكافأة: أحد عشر يوماً في الحبس الانفرادي.
                عزيزتي شعلة،
                لا تبكي مما تسمعين. في أول يوم لي في مركز الشرطة آذاني ضابط كبير السن وغير متزوجٍ بسبب أظافري. عرفت حينها أن الجمال ليس من سمات هذا العصر: جمال المظهر، وجمال الأفكار والأمنيات، وجمال الخط، وجمال العيون والنظر، وحتى جمال الصوت العذب.
                أمي العزيزة،
                تغيَّرت فلسفتي وأنتِ لستِ مسؤولة عن هذا. لن تنتهي كلماتي فقد أعطيتها إلى شخصٍ تعهَّد بتسليمها إليكِ بعد أن أُعدم دون حضوركِ، ودون علمكِ. لقد تركت لكِ الكثير من الكتابات ميراثاً.
                لكن، وقبل أن أموت، أريد أن أطلب منكِ أمراً يجب عليكِ تلبيته بكل ما تستطيعين من قوة، وبأي طريقة في مقدورك. هذا، في الحقيقة، الأمر الوحيد الذي أريده من هذا العالم، ومن هذا البلد، ومنكِ. أعلم أنكِ تريدين وقتاً لإعداده؛ لذا أخبركِ جزءاً من وصيتي قبل الموت. لا تبكي واسمعيني جيداً. أريدك أن تذهبي إلى قاعة المحكمة وتعلني رغبتي. لا يمكنني كتابة هذه الرغبة من داخل السجن لأن مدير السجن لن يسمح بمروره؛ لذا سيتوجَّب عليكِ أن تعاني من أجلي مرة أخرى. إنه الأمر الوحيد الذي لن أغضب إذا اضطررتِ إلى أن تتوسلي من أجله، رغم أني طلبت منكِ عدة مراتٍ ألَّا تتوسلي إلى أحد لينقذني من الإعدام.
                أمي الطيبة، العزيزة شعلة، الأعز عليَّ من حياتي،
                لا أريد أن أتعفَّن تحت الثرى. لا أريد لعينيَّ أو لقلبي الشاب أن يتحوَّل إلى تراب. توسَّلي لهم ليعطوا قلبي، وكليتي، وعيني، وعظمي، وكل ما يمكن زرعه في جسدٍ آخر، هديةً إلى شخصٍ يحتاج إليهم بمجرد إعدامي. لا أريدُ لهذا الشخص أن يعرف اسمي، أو يشتري لي باقة من الزهور، ولا حتى أن يدعو لي. أقول لكِ من أعماق قلبي أني لا أريد أن أوضع في قبر تزورينه، وتبكين عنده، وتعانين. لا أريدكِ أن تلبسي ثوب الحداد الأسود. ابذلي ما في وسعكِ لتنسي أيامي الصعبة. اتركيني لتبعثرني الريح.
                لم يحبنا العالم؛ ولم يتركني لقدري. أنا أستسلم الآن وأقابل الموت بصدرٍ رحب؛ أمام محكمة الله سأوجه الاتهام إلى المفتشين؛ سأوجه الاتهام إلى المفتش «شاملو»؛ سأوجه الاتهام إلى القاضي، وإلى قضاة المحكمة العليا الذين ضربوني وأنا مستيقظة، ولم يتورَّعوا عن التحرش بي. أمام الخالق سأوجه الاتهام إلى الطبيب «فروندي»؛ سأوجه الاتهام إلى «قاسم شعباني» وكُل من ظلمني أو انتهك حقوقي، سواءً عن جهلٍ أو كذب، ولم يفطنوا إلى أن الحقيقة ليست دائماً كما تبدو.

                عزيزتي شعلة ذات القلب الطيب،
                في الآخرة سنوجِّه نحن الاتهام؛ وسيكونون هم مُتهمين. دعينا ننتظر إرادة الله. أردتُ أن أضمكِ حتى أموت. أحبكِ.
                على الإنسانية أن تضع حدا للحرب وإلا فسوف تضع الحرب حدا للإنسانية.
                جون كنيدي

                الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية

                تعليق

                • ربيع عقب الباب
                  مستشار أدبي
                  طائر النورس
                  • 29-07-2008
                  • 25792

                  #9
                  هلا أخي الحبيب سالم
                  أتدري .. حين أتبنى قضية ما إنسانية ، ارتبطت بالتاريخ ، لا يكون أمامي مصدر واحد
                  بل مجموعة من المصادر التأريخية ، حتى لا يكون ما أكتبه محض اجترار ، و تبني وجهة نظر واحدة
                  لأن المؤرخ مهما كان محايدا ، تظل زاوية الرؤية تنبي عن عدم حيادته ، و أن ادعاءه لم يكن نزيها
                  فما بالك و أنت أخذت الرسالة القوية و الحية ، و اشتغلت عليها دون البحث عن مصادر أخرى
                  حتى تأمن من انقلاب الذاكرة ، و الوقوع في النقل دون أن تدري
                  أنا أرى أن رسالة الشهيدة كانت قوية و نزيهة و اعترافا بمدى ما وقع عليها من ظلم و قهر
                  و أنها أدانت نصك حين التزم بما جاءت به الرسالة

                  لا أحب العنترية في مثل هذه القضايا
                  ومسألة تكون معنا أو خارجنا مسألة لا علاقة لها بالابداع
                  و نحن نجرب و نخطئ و نجرب وننجح و نتفوق
                  حتى في حياتنا و ديموميتها قد نفلح حيث يراد لنا الخطأ
                  و قد يكون العكس تماما
                  و على كل حال .. هي مجرد وجهة نظر ، قد تخطئ و قد لا

                  خالص محبتي
                  sigpic

                  تعليق

                  • وفاء الدوسري
                    عضو الملتقى
                    • 04-09-2008
                    • 6136

                    #10
                    الرساله مؤثرة جدا ..
                    قد لا نوفق أحيانا في صياغة الألم إن كان أكبر من أن يكون على سطور
                    أو قد ترفض الأحداث أن تنقل أو تكتب .. من هنا نقول الحدث مؤثر ومؤلم وقاسي ..

                    قرأت جزء من مضمون الرسالة في صفحة الروائي القدير ربيع عقب الباب طبعا ليس بقلمه بقلم مشاركه " رقم /
                    #13750

                    "
                    http://65.99.238.12/~almol3/vb/showt...D1%C9/page1375


                    أمي الطيبة، العزيزة شعلة، الأعز عليَّ من حياتي،

                    لا أريد أن أتعفَّن تحت الثرى. لا أريد لعينيَّ أو لقلبي الشاب أن يتحوَّل إلى تراب. توسَّلي لهم ليعطوا قلبي، وكليتي، وعيني، وعظمي، وكل ما يمكن زرعه في جسدٍ آخر، هديةً إلى شخصٍ يحتاج إليهم بمجرد إعدامي. لا أريدُ لهذا الشخص أن يعرف اسمي، أو يشتري لي باقة من الزهور، ولا حتى أن يدعو لي. أقول لكِ من أعماق قلبي أني لا أريد أن أوضع في قبر تزورينه، وتبكين عنده، وتعانين. لا أريدكِ أن تلبسي ثوب الحداد الأسود. ابذلي ما في وسعكِ لتنسي أيامي الصعبة. اتركيني لتبعثرني الريح."

                    تحية وتقدير

                    التعديل الأخير تم بواسطة وفاء الدوسري; الساعة 03-11-2014, 12:32.

                    تعليق

                    • رشا الشمري
                      أديب وكاتب
                      • 15-09-2014
                      • 268

                      #11
                      الاستاذ المحترم
                      سالم وريوش الحميد



                      قد تاهت الحروف وتبعثرت بأرجاء تلك الواقعة التي تؤكد أنَ الظالم يُرفع بحياةٌ لاتُقدس المظلوم
                      ريحانةٌ خُلِدَة روحاً شُجاعة أفضل من أن تُنسى كجسداً ضعيف ...
                      قد شحنت قصتك بمفردات راقية جذبت بها قراءك ليعيشوا اجواء القصة حتى النهاية

                      بوركت أناملك أستاذنا القدير

                      تقبل مرروي المتواضع

                      رشا الشمري



                      في النهاية سأدرك , باني ماخلقت الا لاكون معك .



                      تعليق

                      • سالم وريوش الحميد
                        مستشار أدبي
                        • 01-07-2011
                        • 1173

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة بسباس عبدالرزاق مشاهدة المشاركة
                        قبل قليل فقط و أنا أقرأ عن هذا الخبر الموجع
                        عن ريحانة جباري
                        و التي كانت تهمتها الدفاع عن الشرف
                        فجوبهت بالإعدام

                        قصة موجعة و بلغة مؤثرة جدا
                        واضح جدا أستاذي تأثرك بالحدث لدرجة كبيرة
                        و قد كنت هنا تنتصر للأنثى الضعيفة في مجتمع يدعي القداسة و لكن داخله بؤر خبث
                        نص من العيار الثقيل


                        تقديري و احترامي أستاذي سالم وريوش الحميد
                        أستاذي القدير بسباس عبدالرزاق
                        جرعة قاسية من الألم تجرعتها .. تأثرت بها وكأني اعيشها حقيقة ، حتى أن الحدث أثر بي لأيام وأنا مكتئب .. حاولت أن أكتب عنها
                        مرات ومرات ، خفت أن يكون نقلي حرفيا .. خفت أن تكون الرسالة مطبوعة في ذاكرتي ..
                        فما أكتبه هو ردة فعل لما انطبع في ذاكرتي من حدث جلل .. لذا أنا قبل أن انزلها إلى الملتقى
                        طلبت من العديد من اصدقائي رؤيتها ومقارنتها بالرسالة .. والحكم عليها ..فكانت الردود متشابهة وكلها باركت جهدي
                        انا تعاملت مع النص كحالة إنسانية ليس طعنا بعدالة ، ولا إنتقاصا منها ..
                        أنا قرأت عن حدث وحاولت أن اجسده باسلوبي
                        ما فائدة أديب لا يتأثر بما يحيط به من واقع ... ولايتفاعل معه انا ترجمت
                        الحادث ادبيا .
                        وقفزت على الحدث بمتقاربات فنية ،
                        وإلا أنا اعرف أن الرسالة مقروءة
                        من قبل الملايين ..
                        شكرا لك أستاذي العزيز مرورك أسعدني ..وكنت دائما متميزا في رودك الرائعة .....
                        على الإنسانية أن تضع حدا للحرب وإلا فسوف تضع الحرب حدا للإنسانية.
                        جون كنيدي

                        الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية

                        تعليق

                        • سالم وريوش الحميد
                          مستشار أدبي
                          • 01-07-2011
                          • 1173

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة حسين الأقرع مشاهدة المشاركة
                          قصة مؤلمة لفتاة دافعت عن شرفها ... هي شهيدة بإذن الله
                          والويل كل الويل للسجّان والقاضي وكل من كانت له يد في زهق الروح الطاهرة ..
                          أبدعت أيها الكريم رغم الألم .
                          استاذي الجميل
                          تحية طيبة
                          أشرف بهذا المرور الكريم .. اسعدني أن العمل نال رضاك ، وأسعدت اكثر
                          كونك من الجزائر الحبيبة ...شكرا لك على كل حرف أثنيت فيه على عملي هذا
                          تقديري واحترامي لك .ودام التواصل ......
                          على الإنسانية أن تضع حدا للحرب وإلا فسوف تضع الحرب حدا للإنسانية.
                          جون كنيدي

                          الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية

                          تعليق

                          • سفير الخالدي
                            هاوي كتابة
                            • 15-09-2014
                            • 407

                            #14
                            الاستاذ الأديب سالم وريوش الحميد المحترم


                            بارك الله تعالى لكَ هذا الجهد المنظور
                            القصة التي خطها لنا قلمك والمستوحاة من رسالة المغدورة ريحانة رحمها الله تعالى كانت رائعة ومميزة ..
                            أرجو قبول مروري مع التحية ...


                            تعليق

                            • عبير هلال
                              أميرة الرومانسية
                              • 23-06-2007
                              • 6758

                              #15
                              صراحة النص بديع للغاية وصيغ بحرفية ..تفاجأت لأنه لم يثبت حتى هذه اللحظة.. رحمها الله ورحمَ كل انسانة قتلت أو انتحرت لدفاعها عن شرفها... بورك قلمك الفاخر .. ود وتقدير
                              sigpic

                              تعليق

                              يعمل...
                              X