في أدب الرحلة: رحلتي إلى مدينة "عين وسارة" (في حلقات).

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسين ليشوري
    طويلب علم، مستشار أدبي.
    • 06-12-2008
    • 8016

    في أدب الرحلة: رحلتي إلى مدينة "عين وسارة" (في حلقات).



    رحلتي إلى مدينة "عين وسَّارة" (الحلقة الأولى).


    أحب السفر كثيرا، فأنا كـ "السندباد البري" في تجوالي عبر ربوع بلاد الجزائر الواسعة ولا أكاد أستقر بالبيت إلا قليلا لعذر عائلي أو وظيفي أو لعجز صحي أو مادي، أو لكسل أو لأي سبب من الأسباب التي تمنع السفر والابتعاد عن الأهل، هكذا... لقد زرت مدنا كثيرة وأنا أفضل السياحة في بلادي على السياحة في بلاد الناس وإن كنت لا أرفضها إن سنحت ولم ستنح منذ جوان/حزيران/يونيو عام 1984 حيث اعتمرت في أواخر شهر رمضان الكريم لعام 1404 (يسير الله زيارة أخرى هذا العام، اللهم آمين يا رب العالمين)، إلى اليوم بيد أنني تنقلت كثيرا في بلاد الجزائر شرقا وغربا وجنوبا وشمالا طبعا حيث تقع مدينة "الجزائر العاصمة" والتي لا تبعد كثيرا [خمسة وأربعين (45) كيلومتر تقريبا] عن مدينتي،"البُليْدة"، مدينة الورود كما يشاع عنها أو كما عُرفت به منذ مدة طويلة، و يقال إن الأديب الفرنسي "أندريه جيد" هو من سماها "مدينة الورود" أو "البُليدة الوُريدة"، تصغير وردة "la petite rose"،"André GIDE à BLIDA - Histoire de Blida" لما زارها في عهد الاستدمار الفرنسي الخبيث"Blidah ! petite rose (Un texte d'André Gide"(*)، فمدينة البُليدة، مدينة ولّادة قد أنجبت كتابا وأدباء كثرا قبل الاستدمار الفرنسي الخبيث وأثناءه، ومن الفرنسيين أنفسهم ومنهم الكاتب الشهير "فكتور مارجريت" "Victor Margueritte" صاحب الرواية المثيرة للجدل في وقته "La Garçonne" "المرأة المسترجلة" أو "الغُلامة"، مؤنث "غُلام"، إن صحت الترجمة، كما زارها كثير من مشاهير الأدب العالميين، وهي ولادة، أيضا، بعد الاستدمار الخبيث وأظنها ستبقى كذلك إلى الأبد إن شاء الله تعالى.

    للسفر متعة وإن كان في نفسه قطعة من العذاب، لكنه عذاب "ممتع" نسبيا لما فيه من التعب والإنفاق والغربة عن الأهل والولد والاشتياق إلى المعارف لكنه يجعلك تكتشف أشياء كثيرة منها التعرف على بلادك والتعرف على الناس وعاداتهم الاجتماعية وتقاليدهم الثقافية ولهجاتهم المحلية وغيرها مما يغير رتابة حياتك اليومية إن أنت بقيت راكدا في محلك لا تغادره إلا إلى العمل أو إلى الأقارب كأنك طوبة من طوب البيوت أو خرسانة من خرسانات المباني التي تسكنها أو تعمل بها أو قطعة من أثاث المنزل.

    منذ ثلاثة أيام، في يوم الأربعاء الماضي، 08 أفريل/نيسان، سافرت إلى مدينة "
    عين وسارة" بالهضاب العليا للمرة الثانية في ظرف أحد عشر يوما فقط، فقد كانت زيارتي الأولى لها يوم الأحد 29 من شهر مارس/آذار المنصرم، وكانت تلك الزيارة زيارة خاطفة لمدة أربع ساعات قصيرة، وقد دامت مدة السفر ذهابا وإيابا من البليدة إلى عين وسارة ست ساعات، لكن هذه المرة كانت الزيارة لثماني ساعات، ضعف المرة السابقة، مع إضافة الست ساعات التي تُقضى في الرحلة؛ فمدينة "
    عين وسارة‬‎" تبعد عن مدينتي، البُليدة، بمئة وخمسين كيلومتر تقريبا عبر طريق طويل وجميل من سهول متيجة الخصبة والتي أكلها الإسفلت والإسمنت، عبر جبال الأطلس التلي، أو الأطلس الشمالي، العالية إلى سهوب الهضاب العليا بأعالي الجزائر بمناظرها الخلابة ...

    وللحيدث بقية إن شاء الله تعالى، لأن الوقتَ وقتُ صلاة المغرب، فحي على الصلاة، حي على الفلاح.


    ـــــــــــــــــــــــ
    (*) كان اسم المدينة، لمن يهمه الأمر، يُكتب باللغة الأعجمية، الفرنسية، Blidah بإضافة حرف "h" وهو مقابل حرف الهاء، أو التاء، في الصيغة العربية ثم حذف فصار يكتب "Blida" و كتب هكذا "El Boulaïdah" أيضا في عهد الكرامة والعزة والنخوة الوطنية والرجولة العربية، عهد الرئيس الراحل محمد بوخروبة المدعو "هواري بومدين"، والله المستعان.
    sigpic
    (رسم نور الدين محساس)
    (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

    "القلم المعاند"
    (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
    "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
    و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

  • حسين ليشوري
    طويلب علم، مستشار أدبي.
    • 06-12-2008
    • 8016

    #2
    رحلتي إلى مدينة "عين وسارة" (الحلقة الثانية).


    رحلتي إلى مدينة "عين وسارة" (الحلقة الثانية).

    نستأنف على بركة الله تعالى حديثنا عن رحلتي إلى مدينة "عين وسّارة" وهو حديث يدخل ضمن "أدب الرحلة" كما سبقت الإشارة، و قبل مواصلة السرد، أحب الاعتذار إلى من قرأ الحلقة الأولى من حديثي هذا عن التأخر في الاستئناف بسبب رحلات أخرى قصيرة قمت بها في الأيام القليلة الماضية ثم بسبب التعب الناجم عنها مجتمعة أو منفردة.

    ثم أما بعد، للسفر إلى مدينة "عين وسارة" يجب المرور بثلاث ولايات، والولاية في التقسيم الإداري الجزائري كما في بلاد تونس، هي كالمحافظة في مصر و سوريا والعراق واليمن، والولاية تقسم إلى دوائر، والدائرة إلى بلديات، والولايات هي:ولاية البُليْدة، وولاية المَدِيّة، والجَلْفة حيث تقع مدينة "عين وسارة" كمدينة تتبعها بلديات، والمسافة بين المدينتين، البليدة وعين وسارة مئة وخمسون كيلومتر تقريبا قد تزيد أو قد تنقص قليلا، لست أدري، ويمر الطريق صاعدا إليها عبر سلسلة جبال الأطلس التَّلِّي ثم منها إلى مرتفعات
    "
    الهضاب العليا" بمناظرها الخلابة وإن المرء لا يمل من السفر وتعبه وهو يمتع نظره بتلك المناظر المتنوعة وما يكاد يفقد منظرا بسبب مروره خلال القرى أو ضواحي بعض المدن الكبيرة حتى يجد نفسه في الفيافي والمساحات الشاسعة التي تنسيه ما يعيش فيه من ضيق المدن الشمالة وضيق الأحياء الشعبية المتكظة وضيق الشقق ومشاق السفر نفسه.

    وصلت المدينة، مدينة عين وسّارة، على الساعة التاسعة صبيحة يوم الأربعاء الثامن (08) من أفريل الجاري بسيارة أجرة جماعية مع ستة أشخاص من الموقف المخصص لها في البُليدة في السادسة، وصادف ذلك اليوم يوم السوق الأسبوعية، سوق الأربعاء، فتوجهت إليها مباشرة بعد وصولي وليس لي عادةً رغبة في التسوق، أو المشي في الأسواق حتى في مدينتي، لكنني من باب الفضول أحببت رؤية ما يجري في تلك السوق وقد كنت عزمت على شراء عصا تقليدية من شجر الزيتون البري (الزَّبُّوج) أتوكأ عليها حين الحاجة أو احتياطا لما أخرج في الليل، بعد العِشاء والعَشاء، للسير في الحي، فكان لي ما أردت.

    تقع السوق خارج المدينة، في ضاحية قريبة، وقد يعود المرء إلى المدينة ماشيا أو بواسطة حافلة النقل الحضري ببعض الدنانير، وهكذا كان شأني، ركبت الحافلة لأختلط بالناس فأنظر كيف يتصرفون وعدت إلى المدينة و إلى وسطها وأنا أكتشف بعض الطرقات للمرة الأولى وقد كنت زرت المدينة قبل هذا اليوم بأحد عشر يوما، يوم الأحد 29 مارس المنصرم كما قلته آنفا في الحلقة الأولى، بيد أنني في تلك الزيارة السريعة، لم تدم السياحة في ذلك اليوم إلا أربع ساعات فقط لم أشاهد شيئا كثيرا لكنني اقتنيت كما هي عادتي كلما زرت مدينة نائية، أو حتى قريبة، كتابا قيما بعنوان "أخطاء النحويين واللغويين في العقيدة" من تأليف أبي محمد صلاح بن فتيني كنتوش العدني [اليمني]، طبعة دار الميراث النبوي للنشر والتوزيع لعام 2013/1434، والكتاب مهم في بابه، وهذه عادة جميلة فيَّ أشتري كتبا من كل مدينة أزورها وأكتب على صفحتها الأولى التاريخ والمكتبة التي أشتري منها كتبي للذكرى.

    لم أحظ خلال زيارتي الأولى بلقاء من كنت أتمنى لقاءهم فيها كأخينا الأديب الساخر
    مصطفى بونيف والذي غادرنا منذ مدة ولم يعد، كما كنت أتمنى لقاء أبيه الأديب الأستاذ الحاج بونيف، اسمه "الحاج" ثم صار "الحاج" اسما ولقبا، وكان عضوا معنا هنا، كما كنت أتمنى لقاء الأستاذ بلعباس باسين، وقد كان معنا هنا هو الآخر، لكنني لم أحظ في زيارتي الثانية، يوم الأربعاء، إلا بلقاء أستاذنا الأديب الحاج بونيف، أبي أخينا العزيز مصطفى، وفي بيت أستاذنا وبعد تناول كأس من الشاي الأخضر أخذنا صورا تذكراية؛ وللتنبيه فإن صورتي الرمزية الجديدة مقتبسة من إحدى الصورتين المرفقتين مع تحويل الوجهة حيث وليت وجهي قِبَلَ النص والمدقق يمكنه ملاحظة هذا؛ وخلال لقائنا الأخوي أهداني الأستاذ أحد كتبه وهو بعنوان "رحلتي إلى البقاع المقدسة" يقص فيه رحلتيه إلى الحج عام 1430(2009) و إلى العمرة في رمضان لعام 1433، وكتب لي مشكورا إهداء هذا نصه:"إلى الأستاذ الفضال السيد: الحسين ليشوري، أهدي هذا الكتاب، عين وسارة في 2015/4/8، الحاج بونيف" ثم التوقيع الكريم؛ الكتاب من الحجم الصغير (20x14 سنتمتر) كما يظهر في الصورة التذكارية، وهو في 208 صفحة خصص منها 150 لرحلة الحج و55 لرحلة العمرة وكأن هذا التقسيم جاء
    ، سبحان الله تعالى، موافقا لطول مناسك الحج ومشاقها وقصر مناسك العمرة وسهولتها.

    ولم يفوت أستاذنا الفرصة دون أن يسجل على صفحته في "الفيسبوك" هذه الزيارة غير متوقعة فعلق بعد نشره الصورتين قائلا:
    "مع الأخ الأديب حسين ليشوري الذي شرفني بزيارة أخوية، وقد كان قادما من البليدة" (https//www.facebook.comhaj.bounifposts10205856128863584pn ref=story).

    هذا وللحديث بقية إن شاء الله تعالى عن رحلتي إلى مدينة عين وسَّارة.

    الملفات المرفقة
    sigpic
    (رسم نور الدين محساس)
    (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

    "القلم المعاند"
    (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
    "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
    و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

    تعليق

    • محمد ابوحفص السماحي
      نائب رئيس ملتقى الترجمة
      • 27-12-2008
      • 1678

      #3
      الاستاذ الجليل حسين ليشوري
      تحياتي
      سفر سعيد و عودة مباركة.. وشكرا لهذه الرحلة التي رافقتك فيها من خلال كتابتك الشيقة.. وقد كانت لأدب الرحلة مكانة مرموقة في الكتابات العربية عندما كان أهلها في عصرهم الذهبي.. و من بينها رحلات الحج التي لم تكن تمر دون أن تدون أحداثها .. صغيرها و كبيرها .. حتى أن بعضها يعد اليوم مرجعا لمن يريد تتبع أحوال عصر ما أو بلد ما .. و من أجمل ما أعرف رحلة أبي سالم العياشي المسماة " ماء الموائد " في القرن الحادي عشر.. فقد أرخ لكل شيء مر به انطلاقا من الجنوب المغربي مرورا بالجنوب الجزائري وتونس إلى آخر الديار المقدسة ..ذهابا و إيابا..
      تقبل تحياتي و تقديري و محبتي
      [gdwl]من فيضكم هذا القصيد أنا
      قلم وانتم كاتب الشعــــــــر[/gdwl]

      تعليق

      • حسين ليشوري
        طويلب علم، مستشار أدبي.
        • 06-12-2008
        • 8016

        #4
        أخي الفاضل الشاعر محمد أبو حفص السماحي: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
        أشكر لك تعليقك الطيب على ما كتبته عن رحلتي إلى مدينة "عين وسّارة" وهي تجربة جديدة أخوضها في أدب الرحلة أضيفها إلى تجاربي الكتابية.
        لست راضيا عما كتبته حتى الآن في هذا الموضوع فقد خانتني العبارات كثيرا ولم أستطع تصوير المشاهد التي رأيتها أو عشتها كما أحب وأنا أكتب عفو الخاطر بدون تخطيط مسبق ولعلي أعود في نهاية السرد إلى ما كتبته وسأكتبه، إن شاء الله تعالى، حتى تكون الكتابة على وجه لائق بهذا النوع من الأدب، أدب الرحلة.
        إن تسجيل الانطباعات عن رحلة ما متعة ثانية تضاف إلى متعة السفر الأولى واكتشاف المجهول كما أن فيه إشراكا للقراء عساهم يعيشون بالقراءة ما لم يعيشوه بالسفر والكتابة الأدبية "شرك" (؟!!!) أدبي محمود ليته يسود.
        أشكر لك، أخي العزيز محمد، اهتمامك الكريم بكتاباتي المتواضعة حقيقة وليس ادعاء.
        تحيتي إليك ومودتي.

        sigpic
        (رسم نور الدين محساس)
        (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

        "القلم المعاند"
        (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
        "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
        و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

        تعليق

        • م.سليمان
          مستشار في الترجمة
          • 18-12-2010
          • 2080

          #5
          ***
          أحب الرحلة وأدب الرحلة، وأن يكون فيهما الترتيب، وأن تكون فيهما العبرة.
          وأحب أيضا أن يكون في خلالهما، شوق وجمال ومتعة ومنفعة.
          وقد ترك لنا الرحالة الفرنسيون -الجزائريون، آلاف الكتب النفيسة في هذا الميدان وعلى رأس هؤلاء، بحسبي، تأتي الكاتبة رحمة الله عليها، إيزابيل إيبرهارد. ثم جاء من بعدهم آخرون من أمثال الدكتور اسماعيل العربي ترجمة أو الأستاذ الطاهر بن عيشة تأليفا، وهذا على سبيل الذكر لا الحصر.
          وأذكر بهذا الصدد برنامجا إذاعيا خفيفا لذيذا كان يقدمه على الساعة السابعة والنص صباحا، الدكتور أمين الزاوي ومقولته الشهيرة : شعب يقرأ شعب لا يجوع ولا يستعبد...

          صحبتك السلامة في حلك وترحالك والتوفيق في ما تبقى من حلقات، أخي الأستاذ الجليل حسين ليشوري.
          ***
          sigpic

          تعليق

          • حسين ليشوري
            طويلب علم، مستشار أدبي.
            • 06-12-2008
            • 8016

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة سليمان ميهوبي مشاهدة المشاركة

            أحب الرحلة وأدب الرحلة، وأن يكون فيهما الترتيب، وأن تكون فيهما العبرة.
            وأحب أيضا أن يكون في خلالهما، شوق وجمال ومتعة ومنفعة.
            وقد ترك لنا الرحالة الفرنسيون -الجزائريون، آلاف الكتب النفيسة في هذا الميدان وعلى رأس هؤلاء، بحسبي، تأتي الكاتبة رحمة الله عليها، إيزابيل إيبرهارد. ثم جاء من بعدهم آخرون من أمثال الدكتور اسماعيل العربي ترجمة أو الأستاذ الطاهر بن عيشة تأليفا، وهذا على سبيل الذكر لا الحصر.
            وأذكر بهذا الصدد برنامجا إذاعيا خفيفا لذيذا كان يقدمه على الساعة السابعة والنص صباحا، الدكتور أمين الزاوي ومقولته الشهيرة : شعب يقرأ شعب لا يجوع ولا يستعبد...
            صحبتك السلامة في حلك وترحالك والتوفيق في ما تبقى من حلقات، أخي الأستاذ الجليل حسين ليشوري.
            أهلا بك أخي العزيز سليمان ميهوبي وسهلا ومرحبا.
            طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا.
            أشكر لك حضورك الزكي وتعليقك الذكي.
            ثم أما بعد، هي خواطر وانطباعات أولية أسجلها قبل أن ترحل بلا رجعة وأنا أعرف أن ما كتبته لا يرقى إلى مستوى "أدب الرحلة" ولذا سأعيد النظر، إن شاء الله تعالى، في ما أكتبه حتى يصير لائقا بهذا النوع الأدبي الممتاز، وكان لي قصد "خفي" أحببت المبادرة إلى تسجيله لغاية في نفس ... "Jacob" فالكتابة هنا والآن لها مآرب كمآرب موسى، عليه السلام، في عصاه، وعلى ذكر العصا فإن لي واحدةً من "زَبُّوج" صلب جلبتها معي من "عين وسارة" لجولاتي الليلية في الحي ... المظلم.
            سرني، أخي الحبيب سليمان مرورك الكريم وتعليقك العليم.
            تحيتي إليك ومحبتي.

            sigpic
            (رسم نور الدين محساس)
            (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

            "القلم المعاند"
            (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
            "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
            و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

            تعليق

            • عبدالرحمن السليمان
              مستشار أدبي
              • 23-05-2007
              • 5434

              #7
              ما شاء الله كان!

              أخي الحبيب الأستاذ حسين ليشوري،

              هذه نقطة أخرى مشتركة بيننا: حب السفر وكتابة الخواطر فيه!


              للسفر فوائد كثيرة ومضار كثيرة أيضا وأنا أعتقد أن فوائده أكثر من مضاره بكثير.
              ومن أروع ما قيل في فضائل السفر قول الإمام الشافعي رضي الله عنه:

              تغرب عن الأوطان في طلب العلا *** وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
              تفريج هم واكتساب معيشة *** وعلم وآداب وصحــــــــبة ماجد
              فإن قيل في الاسفار ذل وغربة *** وقطع فيافٍ وارتكاب الـــــشدائد
              فمـــوت الفتى خير له من حياته *** بدار هوان بين واش وحاســـــد


              ومما قيل في النهي عنه قول القاضي الطرطوشي:
              تخلف عن الأسفار ان كنت طالبا *** نجاة ففي الاسفار سبع عوائق
              تنكر إخوان وفقد أحبــــــــــة *** وتشتيت أموال وخيفة سارق
              وكثرة إيحاش ٍ وقلة مــؤنس *** وأعظمها يا صاح سكنى الفنادق!!
              فان قيل في الأسفار كسب معيشة *** وعلم وآداب وصحبة فائــــــــق
              فقل ذاك دهر تقادم عهــــــــده *** وأعقبه دهر كثير العوائـــــــق
              وهذا مقالي والسلام مؤبـــــد *** وجرب ففي التجريب علم الحقائق!


              وقول الإمام الشافعي أكثر حكمة من قول القاضي الطرطوشي الذي يبدو من قوله أن تجربته في السفر كانت غير موفقة والله أعلم!


              مزيدا من الإبداع أستاذنا الحبيب!
              وتحية عطرة.

              عبدالرحمن السليمان
              الجمعية الدولية لمترجمي العربية
              www.atinternational.org

              تعليق

              • محمد ابوحفص السماحي
                نائب رئيس ملتقى الترجمة
                • 27-12-2008
                • 1678

                #8
                الاستاذ المحترم حسين ليشوري
                تحياتي
                أثار انتباهي ذكرك لعصى الزبوج.. التي كان اتخاذها - منذ عقود طويلة - من جملة الضروريات..بل من جملة الزينة.. و رمز الرجولة..و الفتوة..
                أذكر ذلك و أنا من سكان المغرب الشرقي الذي كان يشترك مع الغرب الجزائري في الثقافة و اللهجة و الزي و النسب و الطرب ..حتى أنك لا يمكن أن تميز بين الصنفين..
                و قد كان لعصى الزبوج أو تدقيقا " المطرق" بالقاف مقمقمة .. شأن و أي شأن ..فله مقبض مزين بالجلد الأحمر.. وله أهذاب ينتهي بها المقبض.. وهو مدبب بعتبات..بخلاف العصى الملساء..
                و كان يضفي على صاحبه .. الهيبة و الحمية.. و كان أبطال "المطرق" معروفين بفنيتهم في المصارعة و المضاربة به..وقد يستطيع الواحد منهم الانتصار على مجموعة من أصحاب المطرق.. وكانت معاركهم قصصا تروى و حكاياتا تحكى في مجالس السمر..
                شكرا لك فكتاباتك تحفز على القراءة و الرد ..
                و تقبل خالص الود

                [gdwl]من فيضكم هذا القصيد أنا
                قلم وانتم كاتب الشعــــــــر[/gdwl]

                تعليق

                • م.سليمان
                  مستشار في الترجمة
                  • 18-12-2010
                  • 2080

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة محمد ابوحفص السماحي مشاهدة المشاركة
                  الاستاذ المحترم حسين ليشوري
                  تحياتي
                  أثار انتباهي ذكرك لعصى الزبوج.. التي كان اتخاذها - منذ عقود طويلة - من جملة الضروريات..بل من جملة الزينة.. و رمز الرجولة..و الفتوة..
                  أذكر ذلك و أنا من سكان المغرب الشرقي الذي كان يشترك مع الغرب الجزائري في الثقافة و اللهجة و الزي و النسب و الطرب ..حتى أنك لا يمكن أن تميز بين الصنفين..
                  و قد كان لعصى الزبوج أو تدقيقا " المطرق" بالقاف مقمقمة .. شأن و أي شأن ..فله مقبض مزين بالجلد الأحمر.. وله أهذاب ينتهي بها المقبض.. وهو مدبب بعتبات..بخلاف العصى الملساء..
                  و كان يضفي على صاحبه .. الهيبة و الحمية.. و كان أبطال "المطرق" معروفين بفنيتهم في المصارعة و المضاربة به..وقد يستطيع الواحد منهم الانتصار على مجموعة من أصحاب المطرق.. وكانت معاركهم قصصا تروى و حكاياتا تحكى في مجالس السمر..
                  شكرا لك فكتاباتك تحفز على القراءة و الرد ..
                  و تقبل خالص الود

                  ***
                  شكرا لك أخي الشاعر الأستاذ محمد.
                  قلت شبه ما كنت أود أن أقوله تعقيبا على رد أخينا الجليل الحبيب حسين.
                  مع الزيادة فقط أن جدي رحمة الله عليه كان يجتذب برأسها أو يقرب بها إليه بعض أشيائه التي تكون في غير متناول يده وهو مستلق، من غير أن يطلب مساعدة أحد. وهذه واحدة من مآرب العصا وما أدراك ما العصا.
                  سلامي لكما معا.
                  ***
                  sigpic

                  تعليق

                  • حسين ليشوري
                    طويلب علم، مستشار أدبي.
                    • 06-12-2008
                    • 8016

                    #10
                    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
                    أهلا بالمُكْبِر الحبيب الدكتور عبد الرحمن السليمان وسهلا ومرحبا.
                    لعلك لا تدري مدى سروري بمرورك الكريم وتعليقك الحكيم عن السفر وفوائده وقد كنت أنوي ذكر أبيات الإمام الشافعي في حلقة قادمة فسبقتني إليها سبْقَك إلى الخير دائما.

                    ثم أما بعد، لقد نبتت فيّ هواية السفر وأنا شاب جلَد عندما جُندتُّ للخدمة العسكرية وتغربت عن عائلتي عامين في بداية السبعينيات، في عهد الرئيس محمد بوخروبة المدعو "هواري بومدين"، ومن وقتها صرت كثير التنقل ولاسيما في الجزائر فجبتها غربا وشرقا وجنوبا نسبيا وشمالا وقد زودتني العسكرية بمناعة نفسية وجلد وقدرة على تحمل المشاق كما زودتني بقدرة إيجابية جدا وهي التمكن من الحديث إلى الناس بلهجاتهم المحلية، وقد خفتت هذه القدرة نسبيا، ما سهل لي التواصل وكسب صداقات ومعارف كثيرة في كل مدينة أزورها ولو لساعات قليلة، والحمد لله على نعمه التي لا نحصيها عدا.

                    السفر رغم متابعه الكثيرة وتكالفيه المادية مدرسة فعالة نتعلم فيها ومنها أشياء كثيرة منها الإيجابي ومنها السلبي والعاقل من استطاع الاستفادة من الأولى والحذر من الثانية والموفق من وفقه الله تعالى إلى الخير.

                    تحيتي إليك أخي الحبيب ومحبتي ودمت في رعاية الله تعالى وحفظه.



                    sigpic
                    (رسم نور الدين محساس)
                    (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                    "القلم المعاند"
                    (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                    "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                    و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                    تعليق

                    • حسين ليشوري
                      طويلب علم، مستشار أدبي.
                      • 06-12-2008
                      • 8016

                      #11
                      أهلا بأخي الحبيب الشاعر محمد أبي حفص السماحي مرة أخرى وفي كل مرة ألف ألف مرة.
                      ذكرني قولك عن "المطرق" والمبارزة به، و تسمى جهلا "المصالبة" حيث تتصالب، تتقاطع، العصي، باقتراح من أخي هاوٍ لها على تعلمها من أستاذ متمكن وذهبت معه إلى حصة تدريبية في الهواء الطلق في عشية يوم جمعة لكنني لم أسجل معهم لكبر سني و وهن جسدي وفوات الوقت على التعلم رياضة تحتاج إلى قوة وخفة و بعض القسوة أو الشدة، على أن "مطرق" المبارزة لا يشبه "مطرق" التوكؤ، فعصا المبارزة غير معقوفة الرأس (أو ليس لها يد) فهي مُسلَّسة مستقيمة تماما.
                      [youtube]evhHDPjRzGU[/youtube]

                      أما عن تشابه الناس غرب الجزائر وشرق المغرب فالأمر مفهوم جدا وقد زرت مدينة "مرسى بن مهيدي" (portsay) الحدودية عام 2010 لأول مرة وفيها تتشابه الأقوام وتتماثل الأفهام وتترائى ... الأعلام:

                      منظر من الطريق الحدودي بين الجزائر والمغرب بمدينة "مرسى بن مهيدي"

                      كما أن مدينة "وجدة" تراءت لي من سطوح بعض المنازل في مرتفعات مدينة تلمسان لما زرتها عام 2010 بمناسبة زفاف أحد تلاميذي من تلمسان (غرب الجزائر) مع إحدى تلميذاتي من عنابة (شرق الجزائر) ولله في خلقه شئون، وقد كنت زرت تلمسان قبل ذلك بمدة طويلة، عام 1976 لأول مرة.

                      أشكر لك أخي الحبيب هذه الدردشة الأخوية والتي أثارت فيَّ ذكريات جميلة.

                      تحيتي إليك ومودتي.



                      sigpic
                      (رسم نور الدين محساس)
                      (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                      "القلم المعاند"
                      (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                      "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                      و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                      تعليق

                      • حسين ليشوري
                        طويلب علم، مستشار أدبي.
                        • 06-12-2008
                        • 8016

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة سليمان ميهوبي مشاهدة المشاركة

                        (...) مع الزيادة فقط أن جدي رحمة الله عليه كان يجتذب برأسها أو يقرب بها إليه بعض أشيائه التي تكون في غير متناول يده وهو مستلق، من غير أن يطلب مساعدة أحد. وهذه واحدة من مآرب العصا وما أدراك ما العصا. سلامي لكما معا.
                        ولك سلامي الحار أخي الحبيب سليمان.
                        ومن مآرب العصا التقليدية أنها تتضمن تحذيرا صامتا حكيما لكل من يراها في يد حاملها ولاسيما إن كانت من الزَّبُّوج، أو شجر الزيتون "البرهوش"، اليابس، نسأل الله السلامة من العصا والمطرق، اللهم آمين؛ كما أن حمل العصا عند التجول في الليل ولاسيما في الأماكن الخالية يعطي جرعة إضافية من الجرأة و الرجلة.
                        تحيتي إليك أخي الحبيب.

                        sigpic
                        (رسم نور الدين محساس)
                        (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                        "القلم المعاند"
                        (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                        "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                        و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                        تعليق

                        • رشا الشمري
                          أديب وكاتب
                          • 15-09-2014
                          • 268

                          #13
                          الاستاذ والوالد العظيم
                          حسين ليشوري
                          تحية من بلاد الرافدين الى مدينة البُليدة
                          وبعد ..
                          سفرة سعيدة وعودة ميمونة ,,
                          كان لي من رحلتك نصيب بيد أني كنت اتجول في تلك الاماكن عبر حرفك ومحطاتك التي جعلتنا ننتقل بينها بكل جمال ومتعة .
                          من روائع السفر انه يدفئ الذاكرة بتلك اللحظات التي تتخلله
                          انا من عشاق السفر ولكن!!
                          اغلب أسفاري عبر الخيال والمطالعة ^_^
                          واليوم كان لي رحلة في مدينتكم الجميلة ...
                          انرت بطلتك البهية المباركة والدي المحترم أمنياتي لك بزيارة أخرى وعمرة جديدة

                          تحياتي وأحترامي

                          أبنتك
                          رشا الشمري




                          التعديل الأخير تم بواسطة رشا الشمري; الساعة 17-04-2015, 17:54.

                          في النهاية سأدرك , باني ماخلقت الا لاكون معك .



                          تعليق

                          • حسين ليشوري
                            طويلب علم، مستشار أدبي.
                            • 06-12-2008
                            • 8016

                            #14
                            أهلا بالابنة الكريمة رشا الشمري وبأهلنا وآل الشمري في العراق العريق الشاهد الشهيد.
                            أشكر لك مرورك وتعليقك الطيبيْن.
                            ثم أما بعد، هي خواطر أولية أحببت تسجيلها قبل أن تولي مدبرة بلا رجعة والذاكرة ضعيفة عند العُجُز أمثالي.
                            أما "السفر" عبر الكتب فهو متعة غير متعبة بخلاف السفر الحقيقي المرهق ولاسيما إن كان بعيدا وقد سهَّلت لنا الوسائل الحديثة، قنوات الإعلام المرئي والشبكة العنكبية الكونية، السفر إلى أماكن لم نكن نحلم بها أو نتخيلها أصلا.
                            تحيتي إليك وتقديري لك ابنتي الكريمة رشا.

                            sigpic
                            (رسم نور الدين محساس)
                            (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                            "القلم المعاند"
                            (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                            "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                            و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                            تعليق

                            • حسين ليشوري
                              طويلب علم، مستشار أدبي.
                              • 06-12-2008
                              • 8016

                              #15
                              رحلتي إلى مدينة "عين وسارة" (الحلقة الثالثة).

                              رحلتي إلى مدينة "عين وسارة" (الحلقة الثالثة).

                              تربطني بمدينة "عين وسارة" ذكرى سيئة و مؤلمة نفسيا قديمة جدا مع أنني لم أزرها "رسميا" إلا مؤخرا، المرة الأولى في شهر مارس والمرة الثانية في أفريل الجاري، وذلك أنني في جوان من عام 1972، كنت مجندا في الخدمة العسكرية الإجبارية لمدة عامين، وبعد التكوين القاعدي الأساسي، FCB =
                              Formation commune de base، لمدة خمسة وأربعين يوما في مركز تكوين صف الضباط الاحياطيين الجديد في ثكنة "السي الحواس" بـ "بوغار" الشهيرة، وهما في الحقيقة ثكنتان متجاورتان: ثكنة "الأمير [عبد القادر]"، وهي الأساسية، و ثكنة "[العقيد الشهيد] السي الحواس" الثانوية أو التابعة؛ وقرية "بوغار" حيث توجد الثكنة التي كنت مجندا فيها أولا تابعة لمدينة "قصر البخاري" العريقة و القريبة من مدينة "عين وسارة" وكانتا تابعتين لولاية "المدية" على ما أظن؛ كنت من بين الذين اختيروا لقضاء إجازية قصيرة (quartier libre) لبضع ساعات في المدينة القريبة، مدينة قصر البخاري؛ ولما تجهزنا للخروج، أنا ومن اختير معي من الجنود المحظوظين، وكنا قلة قليلة بالنسبة لمجموع الكتيبة أو الفصيلة، فوجئنا بأحد الجنود من مدينة "عين وسارة"، وكان معي في الفصيلة والعنبر، يصرخ:"سرقت مني 50.000! سرقت مني 50.000! (يقصد مبلغ 500 دينار وعبر عنها بالسنتيم فالدينار الجزائري 100 سنتيم" وهذا المبلغ بالنسبة لجندي "محجوز" في الثكنة يومها مبلغ كبير نسبيا).

                              لم ندر بماذا ابتلينا، وذهلنا و قلقنا على إمكانية الخروج، لأن الإجازة قد تلغى ونحن في أمس الحاجة إليها بعد تلك العزلة الاضطرارية والمفروضة و فترة التدريب المتعبة، فقد هددنا قائدة الفصيلة، وهو برتبة مساعد أو مساعد أول، لا أذكر، هددنا بإلغاء الإجازة المنتظرة بشوق وشغف إن لم نُرجِع، نحن المجازين، المبلغَ لأننا المتهمون الأساسيون في "السرقة" ومع أننا أقسمنا بأغلظ الأيمان و أثقلها أننا لا نعرف شيئا وكنا صادقين لأننا لم نقترب من خزانة زميلنا وأنا شخصيا لا أعرف أين مكانه أصلا.

                              أصرّ القائد، قائد الفصيلة، على رأيه بإلغاء الإجازة أو نعده بإعادة المبلغ إلى صاحبه في أقرب وقت، فما كان منا إلا أن وعدناه بإرجاع المبلغ مع أننا برآء من تلك السرقة المزعومة، فسمح لنا بالذهاب وقد لبسنا "الزي الميري" (؟!!!) الأنيق، بزة الخروج الرمادية، وانطلقنا بسرعة إلى المدينة، مدينة "قصر البخاري" القريبة بسبعة كليومترات تقريبا، ونحن "نغلي" في دواخلنا من التهمة الجائرة التي ألصقت بنا وبما ألزمنا أنفسنا به من تسديد المبلغ "الكبير" والذي كنا نشعر أنه سيسلب منا عنوة أو سيغتصب من جيوبنا بخبث، ولكن الفرحة بالحرية المؤقتة والنسبية والجولة في المدينة وقضاء بعض الأغراض و "التّصوّر"، أخذ بعض الصور التذكارية والتي ما زلت أحتفظ بها إلى اليوم من تلك الخرجة "الجميلة"، وفعلا وبعد العودة إلى الثكنة وبعد يوم أو يومين أرجعنا المبلغ "المسروق" بمساعدة المجندين الذين يشاركوننا العنبر، وكنا قرابة الأربيعن مجندا، إلا ذلك المجند "الوسَّاري" طبعا، فقد كان موقفا نبيلا من زملائنا الجنود إذ شاركونا في تسديد المبلغ ولم يدَعوننا نُرْزَؤُ به وحدنا؛ ولست أدري، إلى اليوم، إن كان ذلك الجندي المسروق/السارق قد فقد "رأس ماله" ذاك فعلا أم لا؟ لكن ظني يقول لي:"لقد استغل ذلك "الوسّاري" الخبيث فرحة خروجكم ليتّهمكم بتلك الفعلة الشنيعة وابتزاز ذلك المبلغ منكم" لأن تصرفاته في إعلان السرقة توحي أنه كاذب، فقد كان بعيدا عن العنبر وجاء يجري ليتفقد أمتعته أو خزانته ويصرخ "سرقت مني 50.000!".

                              ومن وقتها و إلى اليوم كلما أسمع اسم مدينة "عين وسارة" أو أتذكر أيام الجندية في "بوغار" إلا و صعدت تلك الذكرى المشئومة إلى السطح فآسف منها ولها، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وسبحان الله تعالى، كان منظر ذلك الجندي يشي بأنه كاذب خدّاع، والكتاب يقرأ من عنوانه و{
                              يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ}، و ما زلت إلى اليوم أتذكر ملامحه المنفرة فأتقزز.

                              لم أدخل مدينة "عين وسارة" بعد ذلك وقد مررت بها كثيرا ذهابا و إيابا في سفري إلى مدينة "الجلفة" أو مدينة "الأغواط" أو عائدا من مدينة "بوسعادة" وقد توقفت بمحطتها مرة، لكنني لم أتجرأ على دخولها أو زيارتها بسبب تلك الذكرى المؤلمة والتي حدثت لي في بداية السبعينيات، أيام الخدمة العسكرية الإجبارية، فيا لها من ذكرى سيئة لكن، الحمد لله، قد خَفَتَ وقعُها في نفسي بعدما عوَّضني الله تعالى، بعد أربعة عقود من تلك الحادثة المشئومة، بإخوة كرام في "عين وسارة" كأخينا الأستاذ المحترم الأديب الحاج بونيف وابنِه مصطفى، الأديبِ الساخرِ، والذي لم ألتق به حتى اليوم رغم محاولة اتصالي به هاتفيا مرارا، وأخينا الأديب بلعباس باسين، تحادثنا هاتفيا ولم نلتق بعد لقائنا بمدينة "
                              طولقة" بولاية "بسكرة"، بوابة الصحراء كما تسمى، في ديسمبر 2008 أيام "واتا عامر العظم"، وهذا حديث آخر قد نتطرق إليه في المستقبل إن شاء الله تعالى، وغيرِهم من الأصدقاء الشرفاء ولله الحمد والمنة.

                              هذا وللحديث بقية إن شاء الله تعالى أنْ عنَّ جديد، وقراءة ممتعة.
                              sigpic
                              (رسم نور الدين محساس)
                              (رسّام بجريدة المساء الجزائرية 1988)

                              "القلم المعاند"
                              (قلمي هذا أم هو ألمي ؟)
                              "رجوت قلمي أن يكتب فأبى، مُصِرًّا، إلاَّ عِنادا
                              و بالرَّفض قابل رجائي و في الصَّمت تمــادى"

                              تعليق

                              يعمل...
                              X