" نــــذالـــة "
يبدو أن جيش البرد قد راقه أن يدفع بفيالقه ؛ لتلفحنى بين الفينة والفينة بسياطها الثلجية المؤلمة ، فقررت كإجراء مضاد أن أّذرع الرصيف ذهابا وإيابا ، وراقنى اكتشاف تلك العوالم المجهولة ــ على الأقل بالنسبة لى ــ فطرف الرصيف الآخر لم تطأه قدماى قط ، إذ لم أكن من محترفى أو حتى من هواة ركوب الدرجات الفاخرة .
أذعنت و أطعت قدمىّ ، حيث الطرف الآخر بأرضه النظيفة اللامعة ، ومصابيح النيون البيضاء الزاهية ، وذلك المقهى الراقى بمقاعده اللينة الوثيرة ، التى تدعوك إلى الجلوس وملحقاته ، و لم أرغب فى الجلوس لا زهدا فيه بالطبع ولكن خوفا من ملحقاته .
حاولت أن أقترب من باب المقهى ؛ لعلى أصيب من موجات الهواء الدفيئة المتتالية والمندفعة من جهاز التكييف الداخلى ، وأثناء اتخاذى لوضع يرضينى ولا يلحظ أمام الباب ، لمحت عيناى داخله سيدة تسكن تحت قبو من الفرو الثمين ، تتدلى من يدها اليسرى سلسلة بيضاء فضيةلامعة ، يتدلى طرفها الآخر من طوق جلدى يغوص فى عنق غزير الشعر لكلب بحجم الحمار ، وقد أقعى تحت قدمى سيدته وتهيأت أمامه مائدة عامرة بشرائح اللحم والبولوبيف والشاورمة ؛ حيث تتصاعد خيوط البخارالساخنة تتراقص فى انسيابية مثيرة لى ولأمثالى من بنى البشر ، بينما انشغلت يدها اليمنى بكوب من الحليب الساخن ، وهى ترشف منه فى لا مبالاة ، وأخال أن لا رغبة لها فيه ، ولكنها تصرع به الوقت وهو يمروئيدا وئيدا .
وفى غمرة إنشغالى بمراقبة الكلب الذى يأكل بتأن وبطء يثيرأعصابى ؛ كأن شهيته عافت تلك الألوان المعتادة من الأطعمة ؛ فهو يزدرد القطعة من اللحم بلا أهتمام أو مبالاة ، فتارة يتسكع فى محيط سيدته وتارة يتمسد بها ويحييها بذيله ، وتارة يركز النظر فى غير اتجاه معين إذ ظهرت على باب المقهى طفلة صغيرة ، تبدو فى نهاية عقدها الأول ، بوجه أصفر كالح يضرب للزرقة ، وعينين منكسرتين لامعتين لمعانا حزينا ، غائرتين وسط وجه ممصوص شاحب سقيم ، يناسب جسدا نحيلا يغوص فى جلباب من القطن الردىء ، وقد بهتت أطرافه وتهرأت ، فضلا عن ثقوب توزعت عليه فى غير انتظام ، تسير بقدمين عاريتين تغمرها ارتجافات تنخلع لها القلوب رحمة وشفقة .
صوبت الفتاة نظرات الاستجداء إلى مائدة الكلب العامرة ، وبدت مقطوعة الحواس عن العالم الخارجى ، بألوانه وأصواته ، لاحظتها صاحبة الكلب راشقة إياها بنظرات اشمئزاز وشمم ، ولوت شفتيها ليا ينم عن شعور بالقرف ، أخذت الفتاة تتقدم بخطوات لاإرادية وإن كانت حذرة نحو مائدة الكلب المحظوظ ، كأن هناك قوة خفية تجذبها ؛ فهى مسيرة لا مخيرة .
أخذت السيدة تجذب السلسلة ردا على تقدم الفتاة ، بينما الكلب منصاع و تبدو عليه ِأمارات البله ... حتى إذا ما اتسع المجال للفتاة وقد اقتربت من شرائح اللحم إلا خطوتين أو ثلاث ، كان الكلب لصيق سيدته وأضحى ذلك بمثابة الضوء الأخضر للفتاة لتمارس متعتها بازدراد ما يمكنها ازدراده ، فانسابت ركبتاها رغما عنها ، وانكبت على الأرض فى وضع القرفصاء ، و ما أن مدت يدها واقتربت أناملها من اللحم أو كادت حتى أرخت السيدة لكلبها العنان فجأة ! وأومأت له إيماءة على إثرها انقض جاثما فوق الفتاة كالأسد الهصور ؛ فارتاعت الفتاة وانسلت من بين مخالبه وأنيابه بأعجوبة ، وانطلقت مثخنة بجراحها تبكى نذالة البشر، وجنة لفظتها قبل أن تدخلها ، بينما صاحبة الكلب تقهقه قهقهات رنانة وتضحك ملء شدقيها السمينين ، وكلبها قد صعد بقدميه الأماميتين يلعق سحنتها بلسانه ، ويحيّ فيها تلك الخسة والنذالة ، بينما تحتضنه وتدسه تحت فروها الغليظ . رغما عنى كتمت غيظى ، وتبعت الفتاة أعدو ، بينما تنفرط العبرات على خدىّ بطعمها الملحى اللاذع ، حتى ألفيتها انزوت فى أحد الأركان المظلمة ، فوجدتنى فى رضاء تام ، و رغبة عارمة اتخلى عن معطفى ، و أطرحه فوق الجسد المرتجف ، وجلت بأناملى فى جيبىّ ، أخرجت كل ما فيهما من قروش زهيدة ، دسستها فى يدها ، وتناهى إلىّ صوت القطار يأذن بالرحيل فتركتها وشهقاتها الحزينة لا تفارق مسمعى ، حتى أدركت القطار فصعدته واستويت ، ورغم تخلىّ عن معطفى ومدخراتى ومن ثمّ حلمى اللذيذين ، إلا أننى شعرت لحظتئذ بدفء وشبع لم أشعر بهما قط من قبل .
تعليق