حفلة عبث

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • بسباس عبدالرزاق
    أديب وكاتب
    • 01-09-2012
    • 2008

    حفلة عبث

    حفلة عبث

    -بلطف يا حبيبي.
    لم يأبه لكلماتها بل كان يهاجم جسدها بعنف، ينهش أنوثتها وهي كانت مترددة، وربما الخوف من أن أضبطها؛ هو ما يجعلها تقف عند عتبة النشوة؛ تتلفت نحوي ونحو البقية بخوف وهي تبتلع اللذة وتكتمها بداخلها هزات تعصف بكيانها.
    قالت وهي تستقبل قبلاته الحارة: خالد، لقد استيقظ، توقف أرجوك.
    أجاب وفمه يضبط دقات قلبها: إنه عالق في أحلامه، دعي جسدك يرقص على أنغام قلبي.
    لم يتوقف خالد عن التحدث، وهو يتعثر بلسانه في ألفاظ كثيرة، يكرر كل أحداث النهار، من شجارات ولعب وعبث.
    أبي أيضا كان يعبث بأمي، وأنا الآخر؛ كان الشيطان يعبث بي، لأول مرة أدرك طريقة صناعة الأطفال، ملعون عمار، كيف استطاع اللعب بأفكاري وهو يخبرني أن باستطاعة عضو صغير بحجم إصبع أن يحدث معجزة بحجم طفل برئ.
    المغامرات التي تخوضها في أماكن ضيقة؛ تكون دوما خطيرة، وتعلق في رأسك للأبد، لأنك تكون مجبرا على تتبع كل تفاصيلها بكل حواسك.
    -لذيذة وعذبة أنت.
    -وأنت شرس ووحش.
    -سألتهمك.
    ثم رمته بابتسامة أوقدت ما تبقى من خوف وصيرته شراسة.
    يعبث الشيطان بعقلي، وتتحول الليلة لكابوس، كيف أقنعني عمار أن أترصد والديّ، فعلها هو وضبط والديه في موقف ملتهب، يومها بات ليلته في الخارج، ولأن الزمن صيف، فقد فكر والده في التخلص منه ليسرق لحظات ينفرد فيها بأمه، نام خارجا عند النافذة، ولكنه يمتلك من الحيلة ما يساعده على اختلاس نظرات نحوهم عبر النافذة، التي كانت تعبث بها ريح خفيفة، وهو يعبث بنفسه، ساعده أخوه الأصغر منه في تلسق النافذة، وأحيانا يتخاصمان بصمت عمن يكون دوره، يمنح أخاه لحظات قصيرة ولا يلبث ويعود هو ليأخذ حصته التامة من متعة المشاهدة، يولد الإنسان فضوليا، والطفل تساعده روح الاستكشاف على النمو بسرعة، كان لحظتها يستكشف تفاصيله الجديدة التي ظهرت فجأة بجسده، أحس والدهما بحركة في الخارج، فأحضر بندقية الصيد خاصته، وخرج مسرعا، والخوف يمتلك كل قلبه، فقد كانت هناك أخبار عن مجموعة من لصوص البقر تجوب المنطقة، قامت منذ أسبوع فقط بسرقة ثلاثة أبقار من قطيع السي رابح.
    عاد عمار مع أخيه للفراش وهما يرتجفان، خائفان من أن يفتضحا من طرف والدهما، لحظتها كانت طائرة تجوب الفضاء، وهي تومض بأضوائها، تابعها عمار بعينيه لحظات، وشعور غريب ينتابه، تحت الرداء كانت هناك لعبة قذرة يمارسها، يلعب بها ويشير بها نحو الطائرة، طوال صغره كان يحلم بطائرة بلاستيكية يلعب بها، اليوم يلعب ويشير إليها، ولكن ليس رغبة بها، هناك لعبة أخرى يريدها، لا يعرف لماذا الآن بالذات هو يفكر بسارة، ربما لأنها صديقته التي يحب اللعب معها.
    فكر فيها طويلا، ووالده يجوب حضيرة أبقاره يتفقدها، بقرة بقرة، لكل بقرة منهن اسم، البقرة الهادئة يسميها نجاة على اسم حبيبته الأولى، والبقرة الجموح يسميها خولة حبيبته في المتوسطة ، تشبهها لحد كبير في تمردها ، تركض في المراعي وقليلا ما يراها هادئة، يربط دوما أبو عمار بين الحيوانات والبشر، فكلبه الكسول يلقبه بالدراجي الذي يحتاج ساعة ليخرج من بيته عندما يستدعيه للحوار، ويكون دائما هو آخر من يقوم بحراثة أرضه وكذلك الحصاد.
    عمار كانت سارة تعبث بتفكيره، يستغرب لما هو مغرم بنهدها والذي كلما اهتز اهتز داخله كله، استسلم للنوم بعد صراع مع صورة سارة، تشاكسه وهو يستمتع تحت الرداء بحركات حمقاء.
    أنا أيضا استسلمت للنوم بعدما كان أبي قد أنهى مسرحيته، التي كنت ملزما بمتابعة تفاصيلها القذرة حسب رأيي لحظتها، كدت أقوم من مكاني متصنعا الاستيقاظ، ولكن خانتني جرأتي التي لم تساعدني على إيقاف لقاء في ذروة حماسته.
    فكرة حمقاء تلك التي جعلتني أتربص والدي، وأنا لم أكن بعدها أعي أن باستطاعة أبي القيام مع أمي بمثل هذه الوقاحة، وقد كنت أرى أمي شريفة لا يلامسها أي سوء، كيف نصنع من آبائنا شرفاء في صغرنا، ثم في لحظة تنهار الصورة بشكل درامي، تجعلنا نفقد الثقة في العالم، يومها اهتزت كل القيم بداخلي، كنت بحاجة لمن يشرح لي سبب قيامهم بمثل هذا الفعل المشين.
    ليلة سوداء أكثر ظلمة من هذا الليل الذي يجثم على صدر القرية، شارعه الرئيسي والوحيد؛ يضج بنباح الكلاب، فتجعل من الليلة كئيبة للحد الذي تصورتني فيه أقل الناس حظا.
    لوهلة فكرت في إخبار جدي بما يحصل بين ابنه وأمي، كنت أرى أنه من اللزوم تدخله ليوقف هذه المهزلة التي يمارسها والدي، ولكنني خفت أن اتهم بالكذب، وربما صرت أحد حكاياتهم التي تسليهم بالليل، حتما هم سيسخرون مني لأنني طفل لا يعرف ما يحصل تحته ليلا، فكيف سيدرك تفاصيل ليلة في غرفة كبيرة مثل غرفتنا.
    استسلمت للنوم بعد صراع مع قلبي، ومع أشباح الغرفة التي كانت تسخر مني، كوابيس كثيرة شاهدتها، وأشد رعبا أن والدي ضبطني وأنا أترصده في وضعية قذرة، صرخ بوجهي : قم يا ابن...
    قبل أن يكملها استيقظت ممتلئا بالرعب، وجدته هناك عند فراشه يتقاسم مع أمي فطور الصباح وهو يبتسم ابتسامات لطيفة، وأمي تشيح بوجهها جهتي وخدها يرقص فرحة، حقا أجمل ما في الكون أم تضحك...
    -صباح الخير سفيان.
    أطلقت تثاؤبي متعثرا بتحية صباحية جافة، نظرت نحوي وابتسامتها ما تزال تغرد على شفتيها التان كانتا بدورهما تتحدثان عن ليلة عنيفة.
    اهتزت أمي قليلا، واستدارت نحوه وهي تهمس بكلمات لم أسمعها، ولكنها كانت تشبه رجاء وربما هي إغراءات لذيذة له.
    بسرعة حملت نفسي مسرعا للخروج حتى لا أكون ملزما بمشاهدة حركات حمقاء لست راغبا بمتابعتها.

    السؤال مصباح عنيد
    لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها
  • نورالدين لعوطار
    أديب وكاتب
    • 06-04-2016
    • 712

    #2
    الكاتب بسباس عبد الرزاق

    ما أجمل أن تكون في حضرة قلم يخطّ المشهد برزانة وهدوء.
    استمتعت بالحبكة أولا ثم باللغة ثانيا و بالموضوع ثالثا.
    سرّني اللقاء بكاتب رشيق

    احترامي

    تعليق

    • بسباس عبدالرزاق
      أديب وكاتب
      • 01-09-2012
      • 2008

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة نورالدين لعوطار مشاهدة المشاركة
      الكاتب بسباس عبد الرزاق

      ما أجمل أن تكون في حضرة قلم يخطّ المشهد برزانة وهدوء.
      استمتعت بالحبكة أولا ثم باللغة ثانيا و بالموضوع ثالثا.
      سرّني اللقاء بكاتب رشيق

      احترامي
      شكرا استاذي لجميل قولكم
      أتمنى حقا أن أكون كما وصفتني

      أستاذي نورالدين محبتي وتقديري
      السؤال مصباح عنيد
      لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

      تعليق

      • نورالدين لعوطار
        أديب وكاتب
        • 06-04-2016
        • 712

        #4
        لأن نصّك أعجبني سمحت لنفسي بملامسة بعضا من جماله

        أملي أن تزور هذا الرابط
        هل تأمّلت سنبلة ذرة؟ لبّها مغطّى بأثواب عديدة، وجب تقشيرها غشاء غشاء، هكذا بنى عبد الرزاق قصّته حفلة عبث. كشف المشهد شيئا فشيئا تقنية سينيمائية ناجحة، فلك أن ترى الكاميرا مسلطة على البطل يتحدث ثم بعد ذلك يظهر مخاطبه ثم بعدها تعرف أنهما في زنزانة وهكذا ينكشف المشهد شيئا فشيئا، أسلوب فنّي يبدأ بالجزء ليظهر الكلّ ويجعله قيد


        و شكرا على تفهّم فضولي

        تعليق

        • عبدالرحيم التدلاوي
          أديب وكاتب
          • 18-09-2010
          • 8473

          #5
          نص يعالج قضية حيوية. التربية الجنسية صارت ضرورة.
          لغة جميلة ورشيقة.
          مودتي

          تعليق

          • محمد فطومي
            رئيس ملتقى فرعي
            • 05-06-2010
            • 2433

            #6
            تمثيل قصصيّ استثنائيّ حقا للبناء النفسي الذي يكون عليه طفل على مشارف القفز إلى مساحة الحقيقة عارية فجّة كما هو دائما حال الحقيقة. أعتقد أنّ القنص الأدبي لهذه الفترة القصيرة في الواقع كان موفّقا إلى حدّ كبير، خصوصا بوح الطّفل بما يكون عليه تفسير الطّبيعة حين لا يكون مُتاحا تحصيله بأمانة.
            خالص التقدير و الودّ أخي عبد الرزاق
            مدوّنة

            فلكُ القصّة القصيرة

            تعليق

            • بسباس عبدالرزاق
              أديب وكاتب
              • 01-09-2012
              • 2008

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة نورالدين لعوطار مشاهدة المشاركة
              لأن نصّك أعجبني سمحت لنفسي بملامسة بعضا من جماله

              أملي أن تزور هذا الرابط
              هل تأمّلت سنبلة ذرة؟ لبّها مغطّى بأثواب عديدة، وجب تقشيرها غشاء غشاء، هكذا بنى عبد الرزاق قصّته حفلة عبث. كشف المشهد شيئا فشيئا تقنية سينيمائية ناجحة، فلك أن ترى الكاميرا مسلطة على البطل يتحدث ثم بعد ذلك يظهر مخاطبه ثم بعدها تعرف أنهما في زنزانة وهكذا ينكشف المشهد شيئا فشيئا، أسلوب فنّي يبدأ بالجزء ليظهر الكلّ ويجعله قيد


              و شكرا على تفهّم فضولي
              لتتطفل أكثر وأشبع فضولك

              فضول أحبه وأعشقه
              ليت لي ما تملك من بصيرة وعلم

              كنت هناك أتعلم منك فن الكتابة

              تقديري أستاذي نورالدين
              السؤال مصباح عنيد
              لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

              تعليق

              • بسباس عبدالرزاق
                أديب وكاتب
                • 01-09-2012
                • 2008

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة محمد فطومي مشاهدة المشاركة
                تمثيل قصصيّ استثنائيّ حقا للبناء النفسي الذي يكون عليه طفل على مشارف القفز إلى مساحة الحقيقة عارية فجّة كما هو دائما حال الحقيقة. أعتقد أنّ القنص الأدبي لهذه الفترة القصيرة في الواقع كان موفّقا إلى حدّ كبير، خصوصا بوح الطّفل بما يكون عليه تفسير الطّبيعة حين لا يكون مُتاحا تحصيله بأمانة.
                خالص التقدير و الودّ أخي عبد الرزاق
                كثيرا ما أحس باهمال لمشاعر الطفل في عالمنا العربي. في الواقع وفي النصوص
                كانت محاولة تقريب لمشاعر طفل.
                ربما كنت موفقا في جزئية وربما أيضا تظل مناطق أخرى تحتاج لنصوص أخرى

                سرني كثيرا أن النص نال إعجابك
                محبتي وكل التقدير
                السؤال مصباح عنيد
                لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

                تعليق

                • بسباس عبدالرزاق
                  أديب وكاتب
                  • 01-09-2012
                  • 2008

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحيم التدلاوي مشاهدة المشاركة
                  نص يعالج قضية حيوية. التربية الجنسية صارت ضرورة.
                  لغة جميلة ورشيقة.
                  مودتي
                  أعتذر استاذي عبدالرحيم
                  فقد تجاوزتك سهوا

                  نعم هو ذاك
                  تربية جنسية حتى لا يصدم الطفل وحتى لا ينحرف أيضا في المستقبل
                  سأحاول تلبية طلبك ودعوتك للمتعة

                  وثق أنك ممن أحب القراءة لهم
                  محبتي أيها البهي
                  السؤال مصباح عنيد
                  لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

                  تعليق

                  • عائده محمد نادر
                    عضو الملتقى
                    • 18-10-2008
                    • 12843

                    #10
                    ياالله
                    بسباس هنا
                    كأن عيني أصابها الغبش والغوش
                    أفعلا أنت هنا
                    أي هدية تلقيتها الآن بسباس منك إثر عودتك وفرحة رسمتها أحرف اسمك
                    كأن الهدايا عرفت طريقها وجاءت تدق الأبواب
                    أنا سعيدة بعودتك بعد كل هذا الغياب منا
                    فهلا وغلا بك بسباس الرائع وتدري أني أحب نصوصك ورؤاك أيضا
                    سأكتفي الآن بالترحيب ولأنشر نصي الجديد وأعود لنصك وكلي عيون
                    سعيدة بك جدا وسعيدة فعلا
                    محبتي وغابات الورد
                    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                    تعليق

                    • حسن لشهب
                      أديب وكاتب
                      • 10-08-2014
                      • 654

                      #11
                      أهلا بالعائد بعد طول غياب
                      سعدت برؤية اسمك وأنا أدخل الموقع فما أجملها من مفاجأة
                      وجدت هنا سردا جميلا مسترسلا وهادئا تتوالى متوالياته بسلاسة ولطف.
                      نص متماسك ورائع
                      شكرا لهذا الجمال.

                      تعليق

                      • فوزي سليم بيترو
                        مستشار أدبي
                        • 03-06-2009
                        • 10949

                        #12
                        مدرسة هذا النص
                        علّمني الأدب بهدوء
                        علّمني كيف أن للحقيقة أنياب
                        وأن للأطفال أسنان لبنية في طور التبديل .


                        للأستاذ بسباس عبد الرازق
                        أجمل تحيية
                        فوزي بيترو

                        تعليق

                        • عائده محمد نادر
                          عضو الملتقى
                          • 18-10-2008
                          • 12843

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة بسباس عبدالرزاق مشاهدة المشاركة
                          حفلة عبث

                          -بلطف يا حبيبي.
                          لم يأبه لكلماتها بل كان يهاجم جسدها بعنف، ينهش أنوثتها وهي كانت مترددة، وربما الخوف من أن أضبطها؛ هو ما يجعلها تقف عند عتبة النشوة؛ تتلفت نحوي ونحو البقية بخوف وهي تبتلع اللذة وتكتمها بداخلها هزات تعصف بكيانها.
                          قالت وهي تستقبل قبلاته الحارة: خالد، لقد استيقظ، توقف أرجوك.
                          أجاب وفمه يضبط دقات قلبها: إنه عالق في أحلامه، دعي جسدك يرقص على أنغام قلبي.
                          لم يتوقف خالد عن التحدث، وهو يتعثر بلسانه في ألفاظ كثيرة، يكرر كل أحداث النهار، من شجارات ولعب وعبث.
                          أبي أيضا كان يعبث بأمي، وأنا الآخر؛ كان الشيطان يعبث بي، لأول مرة أدرك طريقة صناعة الأطفال، ملعون عمار، كيف استطاع اللعب بأفكاري وهو يخبرني أن باستطاعة عضو صغير بحجم إصبع أن يحدث معجزة بحجم طفل برئ.
                          المغامرات التي تخوضها في أماكن ضيقة؛ تكون دوما خطيرة، وتعلق في رأسك للأبد، لأنك تكون مجبرا على تتبع كل تفاصيلها بكل حواسك.
                          -لذيذة وعذبة أنت.
                          -وأنت شرس ووحش.
                          -سألتهمك.
                          ثم رمته بابتسامة أوقدت ما تبقى من خوف وصيرته شراسة.
                          يعبث الشيطان بعقلي، وتتحول الليلة لكابوس، كيف أقنعني عمار أن أترصد والديّ، فعلها هو وضبط والديه في موقف ملتهب، يومها بات ليلته في الخارج، ولأن الزمن صيف، فقد فكر والده في التخلص منه ليسرق لحظات ينفرد فيها بأمه، نام خارجا عند النافذة، ولكنه يمتلك من الحيلة ما يساعده على اختلاس نظرات نحوهم عبر النافذة، التي كانت تعبث بها ريح خفيفة، وهو يعبث بنفسه، ساعده أخوه الأصغر منه في تلسق النافذة، وأحيانا يتخاصمان بصمت عمن يكون دوره، يمنح أخاه لحظات قصيرة ولا يلبث ويعود هو ليأخذ حصته التامة من متعة المشاهدة، يولد الإنسان فضوليا، والطفل تساعده روح الاستكشاف على النمو بسرعة، كان لحظتها يستكشف تفاصيله الجديدة التي ظهرت فجأة بجسده، أحس والدهما بحركة في الخارج، فأحضر بندقية الصيد خاصته، وخرج مسرعا، والخوف يمتلك كل قلبه، فقد كانت هناك أخبار عن مجموعة من لصوص البقر تجوب المنطقة، قامت منذ أسبوع فقط بسرقة ثلاثة أبقار من قطيع السي رابح.
                          عاد عمار مع أخيه للفراش وهما يرتجفان، خائفان من أن يفتضحا من طرف والدهما، لحظتها كانت طائرة تجوب الفضاء، وهي تومض بأضوائها، تابعها عمار بعينيه لحظات، وشعور غريب ينتابه، تحت الرداء كانت هناك لعبة قذرة يمارسها، يلعب بها ويشير بها نحو الطائرة، طوال صغره كان يحلم بطائرة بلاستيكية يلعب بها، اليوم يلعب ويشير إليها، ولكن ليس رغبة بها، هناك لعبة أخرى يريدها، لا يعرف لماذا الآن بالذات هو يفكر بسارة، ربما لأنها صديقته التي يحب اللعب معها.
                          فكر فيها طويلا، ووالده يجوب حضيرة أبقاره يتفقدها، بقرة بقرة، لكل بقرة منهن اسم، البقرة الهادئة يسميها نجاة على اسم حبيبته الأولى، والبقرة الجموح يسميها خولة حبيبته في المتوسطة ، تشبهها لحد كبير في تمردها ، تركض في المراعي وقليلا ما يراها هادئة، يربط دوما أبو عمار بين الحيوانات والبشر، فكلبه الكسول يلقبه بالدراجي الذي يحتاج ساعة ليخرج من بيته عندما يستدعيه للحوار، ويكون دائما هو آخر من يقوم بحراثة أرضه وكذلك الحصاد.
                          عمار كانت سارة تعبث بتفكيره، يستغرب لما هو مغرم بنهدها والذي كلما اهتز اهتز داخله كله، استسلم للنوم بعد صراع مع صورة سارة، تشاكسه وهو يستمتع تحت الرداء بحركات حمقاء.
                          أنا أيضا استسلمت للنوم بعدما كان أبي قد أنهى مسرحيته، التي كنت ملزما بمتابعة تفاصيلها القذرة حسب رأيي لحظتها، كدت أقوم من مكاني متصنعا الاستيقاظ، ولكن خانتني جرأتي التي لم تساعدني على إيقاف لقاء في ذروة حماسته.
                          فكرة حمقاء تلك التي جعلتني أتربص والدي، وأنا لم أكن بعدها أعي أن باستطاعة أبي القيام مع أمي بمثل هذه الوقاحة، وقد كنت أرى أمي شريفة لا يلامسها أي سوء، كيف نصنع من آبائنا شرفاء في صغرنا، ثم في لحظة تنهار الصورة بشكل درامي، تجعلنا نفقد الثقة في العالم، يومها اهتزت كل القيم بداخلي، كنت بحاجة لمن يشرح لي سبب قيامهم بمثل هذا الفعل المشين.
                          ليلة سوداء أكثر ظلمة من هذا الليل الذي يجثم على صدر القرية، شارعه الرئيسي والوحيد؛ يضج بنباح الكلاب، فتجعل من الليلة كئيبة للحد الذي تصورتني فيه أقل الناس حظا.
                          لوهلة فكرت في إخبار جدي بما يحصل بين ابنه وأمي، كنت أرى أنه من اللزوم تدخله ليوقف هذه المهزلة التي يمارسها والدي، ولكنني خفت أن اتهم بالكذب، وربما صرت أحد حكاياتهم التي تسليهم بالليل، حتما هم سيسخرون مني لأنني طفل لا يعرف ما يحصل تحته ليلا، فكيف سيدرك تفاصيل ليلة في غرفة كبيرة مثل غرفتنا.
                          استسلمت للنوم بعد صراع مع قلبي، ومع أشباح الغرفة التي كانت تسخر مني، كوابيس كثيرة شاهدتها، وأشد رعبا أن والدي ضبطني وأنا أترصده في وضعية قذرة، صرخ بوجهي : قم يا ابن...
                          قبل أن يكملها استيقظت ممتلئا بالرعب، وجدته هناك عند فراشه يتقاسم مع أمي فطور الصباح وهو يبتسم ابتسامات لطيفة، وأمي تشيح بوجهها جهتي وخدها يرقص فرحة، حقا أجمل ما في الكون أم تضحك...
                          -صباح الخير سفيان.
                          أطلقت تثاؤبي متعثرا بتحية صباحية جافة، نظرت نحوي وابتسامتها ما تزال تغرد على شفتيها التان كانتا بدورهما تتحدثان عن ليلة عنيفة.
                          اهتزت أمي قليلا، واستدارت نحوه وهي تهمس بكلمات لم أسمعها، ولكنها كانت تشبه رجاء وربما هي إغراءات لذيذة له.
                          بسرعة حملت نفسي مسرعا للخروج حتى لا أكون ملزما بمشاهدة حركات حمقاء لست راغبا بمتابعتها.

                          ياالله
                          كم ضحكت من العبارات التي كنت حقيقيا ورائعا فيها وأنت تسرد العبث مابين الحلم والطفولة والانتقال هاهاها
                          لم يخب ظني وأنا اقرأ النص وكما قلت لك أول مرة قرأت نصا لك أنك تكتب بكل وهج وقوة وكأن الفيزياء اعطتك كل (الفولتيه ) يوم ضربتك على أم رأسك وجعلتك تكتب الروائع هاهنا
                          تنقلت بروحك بين الفتى وبقرة الأب كي تقول أنك لاتكتب العبث حين تكتب عنه بل هي رسالة لأصحاب الشأن أن انتبهوا
                          وجملة وجدتها تحكي قصة أجيال تضيع في التفاصيل الصغيرة حين ( يسمعون ) كيف نولد ولايعرفون الحقيقة لتظل أشباح الخزعبلات تطيح بعقولهم الصغيرة التي لم تعرف يوما هذه ال ( كيف ولماذا ) نولد!
                          أضحكني موقف الفتى وهو يريد بكل البراءة أن ينقل للجد ماحدث بين ( الأب والأم ) وخوفه أن ينعتوه بالكذب ..هذه لوحدها حكاية بسباس
                          أنت رائع وتكتب عن علم ودراية وبقوة
                          أحب نصوصك لأنها ذكية
                          هلا بالعودة الرائعه
                          محبتي والورد والنجوم أيضا
                          الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                          تعليق

                          • بسباس عبدالرزاق
                            أديب وكاتب
                            • 01-09-2012
                            • 2008

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
                            ياالله
                            بسباس هنا
                            كأن عيني أصابها الغبش والغوش
                            أفعلا أنت هنا
                            أي هدية تلقيتها الآن بسباس منك إثر عودتك وفرحة رسمتها أحرف اسمك
                            كأن الهدايا عرفت طريقها وجاءت تدق الأبواب
                            أنا سعيدة بعودتك بعد كل هذا الغياب منا
                            فهلا وغلا بك بسباس الرائع وتدري أني أحب نصوصك ورؤاك أيضا
                            سأكتفي الآن بالترحيب ولأنشر نصي الجديد وأعود لنصك وكلي عيون
                            سعيدة بك جدا وسعيدة فعلا
                            محبتي وغابات الورد
                            سلام الله عليك أستاذتي

                            كيف لا والمكان استعاد زينته ووهجه
                            كنت مشغولا جدا

                            وصدفة دخلت ووجدت المكان مزهرا
                            وكأنه موعد لي مع الكتابة
                            منذ سنة لم أكتب
                            حتى هذا النص هو من سنة أو أكثر

                            فنشرته للرقص معكم

                            كل التقدير استاذتي عائدة
                            السؤال مصباح عنيد
                            لذلك أقرأ ليلا .. حتى أرى الأزقة بكلابها وقمامتها

                            تعليق

                            • بسمة الصيادي
                              مشرفة ملتقى القصة
                              • 09-02-2010
                              • 3185

                              #15
                              الأستاذ والقدير والأخ العزيز بسباس عبد الرزاق
                              قصّ شيّق وعميق ولغة سلسلة وجميلة
                              كما أنك أجدت تصوير الإطار النفسي للشخصيات ببراعة
                              نحتاج إلى توعية كبيرة في مجتمعنا
                              فالطفل العربي حقا مهمل
                              الأمر خطير وله تداعيات سلبية جدا على سلوك الطفل وشخصيته
                              قضية تستحق الدراسة بعناية كبيرة
                              لك كلّ التقدير والشكر
                              في انتظار ..هدية من السماء!!

                              تعليق

                              يعمل...
                              X