ما بعد الرداءة
[align=justify]"ما بعد الرداءة" عنوان خطر على بالي منذ قليل فصغته تماشيا مع ما يسمى "ما بعد الحداثة" والتي لا أفهم فيها شيئا لأنني، وببساطة شديدة، لم أفهم معنى "الحداثة" نفسها فكيف أفهم ما بعدها؟ ولن أحرص على فهمهما، لكن عدم فهمي لهما لا يمنعني من الاقتباس منهما و"التناص" معهما كما يقال في الأدب؛ فما معنى "ما بعد الرداءة" المراد الحديث عنها هنا؟ هذا ما سأحاول شرحه بهذه المقالة التي أريدها طريفة ظريفة خفيفة قدر جهدي وحسب وكدي.ثم أما بعد، لا أحد منا نحن العربَ ينكر أن المجتمعات العربية كلها وبدون استثناء يُعتبر أنها تعيش حالة من الرداءة العامة بل العارمة في مختلف الميادين ومتنوع المجالات ومتغير المستويات وقولي هذا وهنا لا يعني أنني أنكر بعض الحسنات في بعض المجالات كما أنه لا يعني ألبتة أنه من باب جلد الذات أو تعذيبها بإنكار المنجزات في بعض القطاعات، وتبقى هذا الإنجازات استثناء ضئيلا ضمن تلك الرداءة العامة، أو العارمة، فليكن هذا واضحا بينا لمن يقرأ هذه الكلمات.
قد يستنكر علي بعض القراء بقوله:"التعميم خطأ علمي وغلط منهجي، فهناك من المجتمعات العربية من يعيش الرخاء بل الازدهار خلافا لبعضها الآخر الذي يعيش الشقاء والبلاء والأدواء وهلم جرا من الويلات والمنكرات"، وأقول ردا على هذا الاعتراض أنني قدمت الإجابة أعلاه توقعا لهذا الاعتراض نفسه وأضيف أن ما يشاع عن الرخاء المزعوم في تلك المجتمعات إنما هو رخاء وهمي مثله مثل السراب الذي يحسبه الضمآن ماءً فإذا جاءه لم يجده شيئا ووجد العذاب عنده وليس من رأى كمن سمع.
الرداءة المتحدث عنها هنا إنما هي الرداءة في التفكير، تفكير الأنظمة الحاكمة وتفكير النخب القائدة، في سياسة المجتمعات وصنع الرأي العام وقيادته وتوجيهه، والإنسان مساوٍ لتفكيره فإن حسن تفكيره حسن تدبيره والعكس صحيح تماما، وليست الرداءة في الإنجازات المادية المتفاخر بها هنا وهناك ولا في المشاريع الحالمة الضخمة الملِّكفة والتي لو رُدَّت تكاليفها المالية على الشعوب لطفرت طفرة اجتماعية مبهرة ولعاشت الرخاء والازدهار هي والأجيال التي تيلها.
الرداءة تكمن في محاولة إبعاد الشعوب عن دينها الحنيف وعن قيمها الجميلة وعن لغتها المجيدة وعن تراثها الصحيح واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير في الثقافة وفي الاجتماع وفي السياسة وفي الاقتصاد، وأكبر دليل على ما أزعمه من مظاهر الرداءة العامة، أو العارمة، ذلك الغلاء الفاحش في كل مناحي الحياة حتى صار المواطن الشريف يصرخ من صعوبة العيش مع أن الله تعالى حباه بأرض هي أغنى الأراضي على الإطلاق، وغلاء المعيشة مظهر من مظاهر سوء التسيير وقبله سوء التقدير وهذا ناجم حتما عن سوء التفكير المشار إليه آنفا.
أكتفي بهذا القدر من الحديث الآن على أمل استئنافه في المستقبل إن شاء الله تعالى وإلى ذلك الحين أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.[/align]
قراءة ممتعة وتفاعل مثمر ودمتم على التواصل البناء الذي يغني ولا يلغي.
تعليق