وعود القرآن بالتمكين

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • السعيد ابراهيم الفقي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 24-03-2012
    • 8288

    #32
    الفصل السادس الوعد القرآني في سورة الحج

    هناك خلاف بين المفسرين في سورة الحج، هل هي مكية أو مدنية، ورغم أنه ذهب كثير منهم إلى أنها مكية، إلا أننا مع الذين يرون أنها مدنية، لأن عليها طابع السور المدنية.
    وقد قطعت آيات السورة وعوداً قاطعة بنصر المؤمنين، وهزيمة الكفار، واستمرار المواجهة بين أهل الحق وأهل الباطل.
    ولننظر في هذه (الوحدة) المتكاملة، ونقف على ما فيها من وعد صادق واقع، تحقق في الماضي، ولا بد أن يتحقق في المستقبل.
    الوعد القرآني بالنصر:
    قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ، أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) [الحج: 38 - 41].
    تخبر الآيات عن كون الله مع المؤمنين، بفضله وتوفيقه، لأنهم عباده وأولياؤه، وهو يدافع عنهم أمام أعدائهم، وقد أذن الله لعباده المؤمنين بالجهاد، ووعدهم بالنصر، وقد أخرجهم الكفار من ديارهم بغير حق أو ذنب أو جريمة، وكل ما فعلوه أنهم أعلنوا إيمانهم بالله وحده.
    وتخبر الآيات عن استمرار الحرب والخلاف والتدافع بين الناس، وهذه سنة الله، ولولا هذا التدافع لفسدت الأرض، وتحكّم الكافرون في الأرض، وهدموا بيوت الله، التي يُذْكَر فيه اسم الله كثيراً.
    وتعِد الآية بنصر الله، لكنه لا يكون إلا لمن نصر الله، والذين ينصرون الله هم عباده الصادقون المجاهدون، الذين يحافظون على النصر والتمكين، بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
    إن قوله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) هو أول آية فيها الإذن للمؤمنين بالجهاد، لأن المؤمنين في مكة كانوا مأمورين بكف أيديهم والإمساك عن القتال، ولم يأذن الله لهم بالجهاد إلا بعد الهجرة، وهذه حجة قوية لمن يرون أن سورة الحج مدنية.
    ويمكن أن نأخذ من هذه الوحدة الحقائق والوعود القرآنية التالية:
    1 - الله يدافع عن المؤمنين:
    وعد الله أن يدافع عن عباده المؤمنين الصالحين، لأنهم أولياؤه وجنده، وأعداؤهم الكافرون يحاربونهم حرباً شرسة بدون هوادة، والله القوي لا يتخلى عن أوليائه، ولا يسلمهم إلى أعدائهم، ليتغلبوا عليهم ويفتكوا بهم.
    ودفاع الله عن المؤمنين ليس مقيداً بصورة معينة، وإنما له صور عديدة، فقد يأخذ هذا الدفاع صورة النصر العسكري، أو الظهور الدعوي، أو انتصار دينهم بعد استشهادهم أو وفاتهم.
    وهذا الوعد القرآني الصادق، يشمل المؤمنين في كل زمان أو مكان، يواجهون فيه الكفار، وقد دافع الله عن المؤمنين السابقين، وهو يدافع عن المؤمنين المعاصرين، حتى لو قام الكافرون بسحن وتعذيب بعضهم، أو قتل آخرين، فدينهم الإسلامي ظاهر، ودعوتهم الإسلامية مستمرة، وهذا حفظ من الله لهم، ودفاع من الله عنهم!.
    2 - الإذن للمؤمنين المظلومين بالجهاد:
    ظلم الكافرون المؤمنين، واضطهدوهم وفتنوهم، وعذبوهم بسبب إيمانهم، وقاتلوهم من أجل دينهم، وأذن الله لهؤلاء المؤمنين المظلومين المقاتَلين بقتال أعدائهم الكافرين الظالمين، وذلك لرد عدوان المعتدين، ودفع الظلم عن المظلومين.
    ولا يجوز للكافرين المعتدين في أي زمان ومكان اتهام المؤمنين بالاعتداء أو الإرهاب، إذا ردّوا على عدوانهم، وعلوا على دفع ظلمهم، لأن الكفار هم الذين بدؤوا بالعدوان والحرب، ومعروف أن البادئ أظلم! ولا يتوقع المعتدون الكافرون أن يواصلوا عدوانهم على المسلمين، وأن يقابل المسلمون ذلك بالسكوت والاستخذاء والاستسلام!.
    3 - وعد الله للمظلومين بالنصر:
    وعد الله نصر عباده المظلومين، الذين أذن لهم بقتال أعدائهم المعتدين، وعليهم الأخذ بالأسباب، وتحقيق شروط النصر، والصدق في الاعتماد والتوكل على الله، والاستبسال في قتال أعداء الله، وعليهم الثقة الكبيرة بوعد الله، وانتظار نصره! وهو وعد صادق متحقق، لا يتخلف، لأن الله لا يخلف الميعاد!.
    4 - الكفار معتدون مجرمون:
    الكفار معتدون على المؤمنين، صادروا أموالهم، وأكلوا حقوقهم، وجردوهم من ممتلكاتهم، وأخرجوهم من ديارهم، ولا ذنب للمؤمنين إلا إيمانهم بالله، وهل الإيمان بالله وحده ذنب وجريمة؛ يعتبر المؤمن بسببه مجرماً، وتُصادر جميع ممتلكاته، ويطرد من بلاده؟! أي عدالة في هذه الممارسات الجاهلية الكافرة؟!: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ).
    وبمعنى هذه الآية قوله تعالى: (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ) [الممتحنة: 1]. وقوله تعالى: (وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) [البروج: 7 - 8].
    وهذا موقف الكفار من المؤمنين الموحدين على اختلاف الزمان والمكان، الكفار السابقون قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكفار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والكفار اللاحقون، والكفار المعاصرون، الذين يدّعون العدالة و (الديمقراطية) والإنسانية، والحرص على حرية الإنسان وحقوقه!.
    5 - سنة الله في التدافع بين الناس:
    من سنة الله التي لا تتخلف: التدافع بين الناس على الأرض، مند عهد آدم عليه السلام وحتى قيام الساعة، فالله خلق الناس مختلفين متنازعين متدافعين، تصطدم مصالحهم وشهواتهم ورغباتهم، فيتصارعون ويتنافسون ويتقاتلون ويتدافعون. ولا يبقى شخص مخلداً في المسؤولية، ولا تبقى فئة حاكمة أبداً، ولا تبقى أمة أو دولة هي الأقوى! فالحاكم يجد من يدفعه ليحل محله، والفئة تجد من تنافسها وتدفعها، والدولة القوية تفاجأ بدولة أخرى صاعدة، تحاربها وتدفعها وتهزمها.
    وبهذا التدافع بين الأشخاص والأحزاب والأمم والدول تصلح الأرض، ولولا ذلك لهدمت صوامع الرهبان الخاصة، وبِيَع النصارى وكنائسهم العامة، وصلوات اليهود في كنسهم، ومساجد المسلمين التي يذكرون فيها اسم الله كثيراً: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً).
    وبمعنى هذه الآية قوله تعالى: (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ) [البقرة: 251].
    وقوله تعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) [هود: 118 - 119].
    6 - سنة الله في نصر المؤمنين:
    السنة الربانية المطردة أن الله ينصر من ينصره: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ). والذين ينصرون الله هم المؤمنون الصالحون الصادقون، الذين يلتزمون بدين الله، وينفذون أحكامه، ويدعون إليه، ويواجهون أعداء الله، ويصبرون على قتالهم.
    وهذا وعد قاطع من الله، تحقق وانطبق على المؤمنين الذين التزموا بشرط النصر، فلما نصر المسلمون السابقون من الصحابة والتابعين الله، أكرمهم الله بنصره .. ولما أخل مسلمون معاصرون بشرط النصر، لم يأتهم نصر الله، وهم السبب في ذلك، أما وعد الله فإنه لا يتخلف.
    وبمعنى هذه الآية قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [محمد: 7].
    7 - شروط النصر والتمكين:
    المؤمنون الصادقون يحافظون على تمكين الله لهم في الأرض، وشرط المحافظة على التمكين الالتزام بالإسلام، وتطبيق أحكامه: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ).
    إن تمكين المؤمنين في الأرض لا يكون إلا من الله، فالله هو مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.
    والمؤمنون يشكرون الله على إنعامه عليهم بالتمكين، فيقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. وهذا الالتزام الصادق بأحكام الإسلام شرط لاستمرار التمكين. فإن لم يُنفِّذ المسلمون هذا الشرط لم يتحقق لهم التمكين.
    وهذا وعد آخر لعباده المؤمنين بالتمكين لهم في الأرض، وقد صدقهم الله وعده، وكانت بداية ذلك دولة الإسلام في المدينة، التي جعلها الله دار إسلام وإيمان، ولما حقق المسلمون السابقون شرط التمكين، فتح اللهم لهم البلاد، زمن الخلفاء الراشدين.
    8 - لله عاقبة الأمور:
    تقرر الآيات حقيقة إيمانية قاطعة، هي أن الله هو الذي يقدر الأمور، ويسيّرها بحكمته سبحانه، فينصر من يشاء، ويهزم من يشاء، وعاقبة الأمور والأحداث والأشياء إنما هي لله: (وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ).
    الله هو الذي يرتب الأحداث، ويجعل التدافع بين الأشخاص والأقوام والأمم والدول، فيقوّي شخصاً، ويضعف آخر، ويعزل حاكماً، وينصّب مكانه آخر، ويهزم جيشاً، وينصر آخر، ويزيل سلطان أمة، ويقيم مكانها أمة أخرى .. ولا شيء في هذا الكون يحدث مصادفة، إنما هو بقدر من الله.
    وبما أن عاقبة الأمور تكون لله، فإن الله الحكيم جعل العاقبة لعباده المؤمنين المتقين، فهم قد يُعذَّبون ويؤذون، وقد يصابون ويُقتلون، وقد يتسلط عليهم أعداؤهم فترة من الزمن، وقد يمرون بمرحلة الاستضعاف، لكن هذا إلى حين، ولا بد أن يعقُبَه النصر والتمكين.
    ومهما كانت دولة كافرة قوية، فإنها قوة موقوتة، ولا بد أن يعقبها زوال سلطان ونفوذ تلك الدولة، لأن عاقبة الأمور لله، والله جعل العاقبة والنهاية لعباده المتقين.
    الكافرون خاسرون، وقوتهم إلى زوال، وقد دمر الله الكافرين السابقين، وأبقى آثارهم عبرة، ودعا الكفار اللاحقين للاعتبار بها.
    تحقق وعود السورة:
    ونشير في ختام كلامنا عن هذه (الوحدة القرآنية) الواعدة في سورة الحج، إلى تحقق ما فيها من وعود ربانية قاطعة للمسلمين السابقين، حيث دافع الله عنهم، وأذِنَ لهم بقتال أعدائهم، الذين ظلموا وأكلوا حقوقهم، ومكّن لهم في الأرض، وجعل العاقبة لهم.
    وقد ذكر الإمام ابن كثير في تفسير الآيات كلام الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: "فينا نزل قوله تعالى: (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ) فأخرجنا من ديارنا بغير حق، إلا أن قلنا: ربنا الله، ثم كنا في الأرض، فأقمنا الصلاة، وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور، فهي لي ولأصحابي" [تفسير ابن كثير: 3/ 231].
    وهي تشمل كل مسلمين صادقين مجاهدين، يجعل الله العاقبة لهم، وينتظر المسلمون المعاصرون تحقّق الوعد الصادق، كما تحقق للمسلمين الصادقين السابقين.
    * ... * ... *

    تعليق

    • السعيد ابراهيم الفقي
      رئيس ملتقى فرعي
      • 24-03-2012
      • 8288

      #34
      الفصل السابع الوعد القرآني في سورة النور

      في سورة النور وعد صادق، وهو من أشهر الوعود القاطعة في القرآن.
      قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [النور: 55 - 57].
      كلام ابن كثير عن تحقق الوعد:
      وخير من تكلم على الوعد القرآني في هذه الآيات، وتحققه في واقع المسلمين، الإمام الحافظ ابن كثير. قال رحمه الله: "هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه، بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمة الناس والولاة عليهم، بهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمناً وحكماً فيهم.
      وقد فعله تعالى، وله الحمد والمنة، فإن لم يمت صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين، وسائر جزيرة العرب، وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هُجَر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، وصاحب مصر وإسكندرية المقوقس، وملوك عُمان، والنجاشي ملك الحبشة، الذي تملك بعد أصْحَمَة، رحمه الله وأكرمه.
      ثم لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبو بكر الصديق، فلمّ شعْثَ ما وهى بعد موته صلى الله عليه وسلم، وأخذ جزيرة العرب ومهدها .. وبعث جيوش الإسلام إلى بلاد فارس، صحبة خالد بن الوليد رضي الله عنه، ففتحوا طرفاً منها، وقتلوا خلقاً من أهلها .. وجيشاً آخر صحبة أبي عبيدة رضي الله عنه، ومن اتبعه من الأمراء إلى أرض الشام .. وثالثاً صحبة عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى مصر .. ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بُصرى ودمشق ومخاليفهما من بلاد حوران وما والاها، وتوفاه الله عز وجل، واختار له ما عنده من الكرامة.
      ومنّ على أهل الإسلام بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق، فقام بالأمر بعده قياماً تاماً، لم يَدُر الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيرته وكمال عدله. وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس، وكسر الله كسرى، وأهانه غاية الهوان، وقصّر قيصر، وانتزع يده عن بلاد الشام، وانحدر إلى القسطنطينية، وأنفق أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله، عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة.
      ثم لما كانت الدولة العثمانية؛ امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب، إلى أقصى ما هنالك، الأندلس وقبرص، وبلاد القيروان، وبلاد سَبْتَة، مما يلي البحر المحيط .. ومن ناحية الشرق إلى أقصى بلاد الصين، وفتل كسرى، وباد ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جداً، وخذل الله ملكهم الأعظم خاقان. وجُنيَ الخراجُ من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وذلك ببركة تلاوته ودراسته، وجمعه الأمة على حفظ القرآن.
      ولهذا ثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زُوي لي منها".
      وها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله .. ونسأل الله الإيمان به وبرسوله، والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا" [تفسير ابن كثير: 4/ 304 - 305].
      استمرار تحقق الوعد القرآني:
      لقد ووجه المسلمون بهجمات شرسة من قبل الأعداء، منذ عهد الصحابة حتى وفاة الحافظ ابن كثير في نهاية القرن الثامن [توفي سنة 774هـ]، من الفرس والروم، ثم من الصليبيين، وبعد ذلك من المغول .. وتغلبوا على الأعداء، واجتازوا تلك الأخطار بإذن الله، ولم يُحقق الأعداء أهدافهم منهم، وحقق الله لهم ما وعدهم سبحانه.
      ومضت ستة قرون، منذ قول ابن كثير كلامه السابق، وُوجهَ فيها المسلمون بهجمات شرسة، لكن الأعداء لم يُحققوا أهدافهم.
      ويواجه المسلمون في هذه الأيام عدواناً همجياً، يقوده اليهود والأمريكان، ويستهدفون دين المسلمين وأوطانهم، وثرواتهم وأموالهم، وأخلاقهم وأعراضهم .. وقد حقق الأعداء بعض المكاسب والنتائج، واحتلوا بعض الأقطار والبلدان، فاحتل اليهود فلسطين، واحتلت أمريكا أفغانستان والعراق، واحتل الروس الشيشان، واحتل الهنود كشمير.
      ولكن هؤلاء الأعداء لم ينجحوا في القضاء على الإسلام، رغم عنف حربهم له، كما أنهم لم ينجحوا في القضاء على دعاة الإسلام ورجاله وجنوده، رغم عنف مواجهتهم لهم.
      إننا نعيش في هذا الزمان صوراً ونماذج من تحقق الوعد القرآني، في هذه الآيات. وسيعيش المسلمون القادمون صوراً ونماذج أخرى، وسيبقى الوعد القرآني الصادق قائماً، حتى قيام الساعة، لأن الله لا يخلف الميعاد!.
      ولنلق نظرة على حقائق ومعاني هذه الآيات:
      الوعد لمن آمنوا وعملوا الصالحات:
      قوله: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ): الوعد صادر من عند الله للمؤمنين، وبما أنه وعد من الله، فهو حق وصدق، لأن الله منجز وعده، ولا بد أن ننظر إلى وعود الله بهذا المنظار الإيماني.
      ووعد الله موجّه للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهذا تخصيص للموعودين، فالموعودون ليسوا المسلمين على العموم، لأن هناك مسلمون لا يلتزمون بالإسلام التزاماً صادقاً، وبعضهم ليس لهم من الإسلام إلا اسمه، وهؤلاء ليسوا موعودين بهذا الوعد!.
      الموعودون هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات: فالإيمان تصديق وثقة، ويقين وطمأنينة، والعمل الصالح ثمرة ونتيجة للإيمان، لأن الإيمان إذا استقر في القلب، فإنه يسارع إلى إثبات نفسه في الخارج، في صورة عمل صالح، أي أن هذا الإيمان يؤثر في المؤمن، وينظم له حياته، ويوجه له تصرفاته وأعماله، ويطالبه أن يكون كل ما يصدر عنه من أقوال وأعمال، متوافقاً مع توجيهات الإيمان وحقائقه!.
      والعمل الصالح هو العمل الطيب، المتوافق مع شرع الله، والملتزم بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يتوجه به المؤمن إلى الله، مخلصاً له.
      و (الصَّالِحَاتِ) جمع مؤنث، وهذا الجمع يدل على كثرة أصناف وأنواع ومظاهر هذه الأعمال وتنوعها .. بحيث تشمل كل نشاط يصدر عن المسلم الصالح، وكل مجال صالح في حياة المسلمين!.
      الوعود باستخلاف المؤمنين في الأرض:
      قوله تعالى: (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ):
      وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثلاثة أشياء: أن يستخلفهم في الأرض، وأن يمكن لهم دينهم، وأن يبدلهم بعد الخوف أمناً.
      تخبر هذه الجملة من الآية عن الوعد الأول، فالله سيستخلف المؤمنين الصالحين في الأرض، كما استخلف المؤمنين الذين من قبلهم.
      وقد أكد فعل (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم) بمؤكدين: لام القسم، ونون التوكيد الثقيلة، وذلك لتأكيد هذه الحقيقة وتقريرها، ليزداد يقين المؤمنين بها.
      وقد شاء الله أن يستخلف الإنسان في الأرض، وأن يجعل الأجيال خلائف. قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) [الأنعام: 165].
      والاستخلاف في الأرض إنما هو لعباد الله الصالحين، لأن الاستخلاف قائم على تعمير الأرض وإصلاحها، ونشر الخير فيها، وإحسان استخراج كنوزها وبركاتها، وهذا لن يتحقق إلا بالإيمان والعمل الصالح، والسير في الأرض على أساس شرع الله ومنهاجه.
      وقد استخلف الله المؤمنين السابقين، أتباع الأنبياء والرسل، ولذلك بشّر موسى عليه السلام بني إسرائيل بالاستخلاف. قال تعالى: (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) [الأعراف: 129].
      ووعد الله المسلمين أن يستخلفهم في الأرض، كما استخلف المؤمنين الذين من قبلهم فيها. فأتباع النبي نوح عليه السلام كانوا خلفاء، وأتباع النبي هود عليه السلام كانوا خلفاء، ومؤمنو بني إسرائيل كانوا خلفاء، والمؤمنون أتباع عيسى عليه السلام كانوا خلفاء، وختمت الخلافة بهذه الأمة المهتدية، الشاهدة على الأمم، وستبقى الخلافة بهذه الأمة حتى قيام الساعة، لأن الله خصها بالمنهج الصحيح.
      والخلفاء متتابعون في هذه الأمة، على طول تاريخها، منذ الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم إلى أيامنا، وأصبحت أفضل بقاع الأرض بلاداً لهذه الأمة من الفلبين وأندونيسية في أقصى المشرق، إلى المحيط الأطلسي في أقصى المغرب، ومن أواسط روسية في الشمال إلى أواسط إفريقية في الجنوب .. وأصبحت هذه البلاد أرضاً إسلامية، استقر بها الإسلام، وأشرق منها نور الإيمان.
      وستبقى هذه البلاد أرضاً إسلامية حتى قيام الساعة، لأن الله الحكيم وعد بذلك، ووعده حق وصدق.
      الوعد بالتمكين للدين:
      قوله تعالى: (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ).
      هذا هو الوعد الثاني للمؤمنين الصالحين، وهو مبني على الوعد الأول باستخلافهم في الأرض. وقد أُكِّد هذا الوعد أيضاً بالمؤكدين السابقين: لام القسم، ونون التوكيد الثقيلة.
      الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لهذه الأمة. قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) [المائدة: 3].
      والتمكين للإسلام بإظهاره واستقراره، ونشر أنواره، وقد ثبّت الله الإسلام في الأرض، وعجز الكافرون عن القضاء عليه، رغم استمرار محاولاتهم، واختلاف وتنوع أسلحتهم، عجز العرب المشركون عن ذلك قبل الهجرة، وعجز اليهود والمنافقون عن ذلك بعد الهجرة، وعجز الفرس والروم عن ذلك في عهد الخلفاء الراشدين، وعجز الصليبيون والتتار والهندوس من بعدهم، وسيعجز التحالف الصليبي اليهودي المعاصر عن ذلك، وسيعجز الكفار القادمون في القرون القادمة عن ذلك، وسيبقى جميع الكفار عاجزين حتى قيام الساعة.
      مكّن الله الإسلام في الأرض، وصار كالشجرة الطيبة القوية الثابتة، أصلها ثابت وفرعها في السماء. قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) [إبراهيم: 24 - 25].
      الوعد بالأمن بعد الخوف:
      قوله تعالى: (وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً):
      هذا هو وعد الله الثالث لعباده المؤمنين، بأن يزيل عنهم حالة الخوف التي كانوا يعيشونها، وأن يحل محلها الأمن.
      وقد أكد الله هذا الوعد بالمؤكدين السابقين: لام القسم، ونون التوكيد الثقيلة، ليزداد يقين المؤمنين بتحقق هذا الوعد.
      لقد كان المسلمون مستضعفين في مكة، وكان المشركون يضطهدونهم ويعذبونهم، ومع أن المؤمنين ثبتوا على دينهم، وصبروا على الشدائد والمحن، إلا أنهم كانوا يخافون على أنفسهم وأهليهم، لأنهم كانوا يعيشون وسط الخطر، وهذا الخوف خوف فطري طبيعي، يحصل لكل إنسان، إذا أقدم على أمر عظيم، أو ووجه بالخطر، وهو ليس خوفاً نفسياً، يقوم على الجبن، ويقعد بصاحبه عن الواجب!.
      ولما هاجروا إلى المدينة، وأقاموا دولة الإسلام فيها، هاجمهم الأعداء جميعاً، من المشركين واليهود والمنافقين، وكانوا مستنفرين دائماً، يخافون هجوم الأعداء، ويتوقعون الخطر، وينامون ويستيقظون وأيديهم على السلاح.
      ففي غزوة الأحزاب مثلاً، فوجئوا بهجوم أحزاب الكفر عليهم، من المشركين واليهود، حيث جاؤوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، فخافوا وزلزلوا. وقال الله عن خوفهم: (إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً) [الأحزاب: 10 - 11].
      ولكن خوفهم كان لحظة قصيرة، سرعان ما زال وحلت محله الشجاعة، فثبتوا في مواجهة أحزاب الكفر.
      وقال الله عن ابتلائهم بالخوف: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 155].
      وقد أزال الله كل مظاهر الخوف وأحل محله الأمن، بعدما قوي أمر المسلمين، ونصرهم الله على أعدائهم الكافرين، وفُتحت مكة قلعة الكفر، في السنة الثامنة، وانتشر الإسلام في جزيرة العرب، ودخل الناس فيه أفواجاً.
      وبذلك حقق الله للمؤمنين هذا الوعد الصادق، وامتن عليهم بهذه المنة. قال تعالى: (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ) [الأنفال: 26].
      وإذا كان المسلمون في هذا الزمان يخافون، بسبب هجمة الأعداء عليهم، فإن هذا نتيجة لبعدهم عن الإسلام، وسوف يزيل الله عنهم هذا الخوف في المستقبل، ويحل محله الأمن، عندما يصدقون في العودة إلى الإسلام، وتطبيق شرع الله.
      شرط تحقق الوعود الثلاثة:
      قوله تعالى: (يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً).
      هذا شرط آخر لتحقيق وعود الله الثلاثة: الاستخلاف في الأرض، وتمكين الدين، وتبديلهم أمناً بعد الخوف. يضاف للشرط الأول: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ).
      ومعناه أن هؤلاء المؤمنين يعبدون الله وحده، في كل صور العبادة، وأنهم يوحدون الله، ولا يعبدون غيره، ولا يشركون به غيره، ومن أهم مظاهر عبادة الله الخضوع المطلق له، وتلقّي الأوامر والتشريعات منه، وعدم تلقيها من غيره، فالعبادة في روحها تعني إفراد الله بالشعائر التعبدية، وبالشرائع القانونية، وكافة الأحكام الشرعية.
      فإذ ... ا لم يكن خضوع المؤمنين مطلقاً لله، وإذا لم يوجّهوا كل عباداتهم لله، وإذا كانت بعض مظاهر ومجالات حياتهم غير خاضعة لله، لم ينالوا هذا الوعد، لأنهم هم الذين أخلوا بالشرط.
      ومسلمو هذا الزمان لم تتحقق في حياتهم هذه الوعود الثلاثة –الاستخلاف في الأرض، وتمكين الدين، وتبديلهم الأمن بعد الخوف –على الصورة المثلى التي تحققت عليها عند المسلمين السابقين .. وهم السبب في ذلك، لأنهم لم يحققوا الشرط في قوله: (يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً)، فهم خاضعون لله في جزء صغير من حياتهم، وهو الخاص بالصلوات، وخاضعون لغير الله، ويطبقون شرع غير الله في معظم جوانب حياتهم!.
      وسوف تأتي أجيال قادمة تحقق شرط الاستخلاف، وتصدق مع الله في إيمانها وعلمها وعبادتها وإخلاصها، وعند ذلك يحقق الله لها الوعد، فيستخلفها، ويمكّن لها دينها، ويبدلها من بعد خوفها أمناً.
      قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
      هذه أوامر ربانية من الله للمؤمنين، الموعودين بالاستخلاف والتمكين والأمان، يذكّرهم الله فيها بالأحكام الشرعية المطلوبة منهم: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
      وهذه الآية تأكيد آخر على أن وعد الله للمسلمين بالاستخلاف والتمكين ليس مطلقاً، وإنما هو مقيّد ومشروط، وأنه لن يتحقق إلا للمسلمين الصالحين، المنفّذين لأوامر الله، ودليل ذلك أنه تحقق للمسلمين السابقين الملتزمين بشرع الله، وسيأتي مسلمون قادمون صادقون ملتزمون، ينالون موعود الله.
      * ... * ... *

      تعليق

      • السعيد ابراهيم الفقي
        رئيس ملتقى فرعي
        • 24-03-2012
        • 8288

        #36
        الفصل الثامن الوعد القرآني في سورة محمد

        سورة محمد صلى الله عليه وسلم مدنية، ولها اسم آخر هو: (سورة القتال)، وسميت سورة محمد لذكر اسم محمد صلى الله عليه وسلم في الآية الثانية منها: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ).
        وسميت سورة القتال لذكر هذه الكلمة فيها: (فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ) [محمد: 20].
        وفي السورة آيات عديدة تتحدث عن حقائق إيمانية، في المواجهة بين المؤمنين والكافرين. من هذه الآيات:
        المراد بأوزار الحرب:
        أولاً: قوله تعالى: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) [محمد: 4].
        الأوزار: هي الأثقال والأحمال، وهي جمع (وزر)، وهو الحمل الثقيل. والمعنى: حتى تنتهي الحرب.
        وعُرضت هذه الحقيقة على أساس (التصوير القرآني)، الذي عَرَض به القرآن معظم موضوعاته، فلم تقل الآية: حتى تنتهي الحرب بين المسلمين والكافرين، وإنما صورت الحرب بصورة امرأة تحمل حملاً ثقيلاً، وهي مرهقة متعبة من ثقل الحِمْل. ونحن نراها بخيالنا تترنّح من ثقل الحمل .. ثم وصلت المحطة الأخيرة من سيرها، فوضعت عنها حملها، واستراحت.
        والمراد بأوزار الحرب أسلحتها الكثيرة المختلفة، التي تستخدم فيها، والحشود والاستعدادات لها، وتكاليفها المالية والبشرية، والمادية والمعنوية، وما يرافقها من استنفار، وما ينتج عنها من نتائج ومصائب وإشكالات ومشكلات.
        كل هذه أوزار وأحمال وأثقال، يدفعها المتحاربون من أنفسهم وأبنائهم، وأموالهم وطاقاتهم، وأوطانهم وبلدانهم، وحاضرهم ومستقبلهم .. وهذه الأوزار والتكاليف لا تتوقف إلا بوقف إطلاق النار، وانتهاء المعارك.
        وهذه الجملة من الآية ضمن توجيه المؤمنين إلى كيفية التعامل مع الكافرين عند قتالهم. قال تعالى: (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ) [محمد: 4 - 6].
        قتال الكفار وأخذهم أسرى:
        عندما تنشب الحرب بين المسلمين والكفار، فيجب على المسلمين أن يحرصوا على قتل الكفار المحاربين، وضرب رقابهم، وتحطيم قوتهم العسكرية، وإيقاع الجراح فيهم، فإن ذلك يؤدي إلى إضعافهم وهزيمتهم .. فإذا أثخنوا الكفار، وأكثروا في عدد جرحاهم، وقضوا على مقاومتهم، فعليهم أن يُقيّدوا جنودهم بالوثاق، ويأخذوهم أسرى .. والإمام مخيّر في هؤلاء الأسرى، فهو إما أن يمن على بعضهم، إذا اقتضت مصلحة المسلمين ذلك، فيطلق سراحهم بدون مقابل، وإما أن يفادي بعضهم، بأن يطلب منهم أو من دولهم دفع مال مقابل إطلاق سراحهم.
        ويبقى هذا الحكم القرآني في تعامل المسلمين مع الكفار المحاربين: القتل والجرح والأسر، حتى تضع الحرب أوزارها، ويتوقف إطلاق النار بين الفريقين.
        ويخبر الله المسلمين أنه قادر على الانتصار من الكفار بإهلاكهم وتدميرهم، لأنه على كل شيء قدير. ويبين لهم حكمة أمرهم بقتال الكفار، إنه فعل ذلك ليبلوا المسلمين بالكافرين، فالجهاد امتحان وابتلاء لهم، وهم الذين يتربون على الجهاد، ويأخذون منه الدرس والدلالات والفوائد والمكاسب، رغم ما فيه من تضحيات ومشقات.
        والشهداء ليسوا خاسرين، عندما قدموا أرواحهم خالصة لله، وغادروا هذه الدنيا، فإن الله سيدخلهم الجنة عرفها لهم.
        متى تضع الحرب أوزارها؟:
        ونعود إلى قوله تعالى: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) لنتساءل: متى تضع الحرب أوزارها؟ وبعبارة أخرى: متى تنتهي الحرب بين المسلمين والكافرين؟.
        الراجح أن الحرب بين الفريقين لن تضع أوزارها، ولن تنتهي، إلا قبيل قيام الساعة، وذلك عند نزول عيسى ابن مريم عليه السلام، حيث يقضي على الكفار جميعاً، ولا يبقى في عهده على وجه الأرض إلا مؤمن!.
        يجب أن نفهم قوله: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) على ضوء الآيات الأخرى التي تقرر استمرار المواجهة بين الحق والباطل، واستمرار حرب الكفار للمؤمنين. كما في قوله تعالى: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ) [البقرة: 217]. وكما في قوله تعالى: (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ) [البقرة: 251].
        وهذا معناه استمرار المواجهة والحرب بين المسلمين والكفار، تلك الحرب التي بدأت بعد الهجرة، وبقيت مستمرة طيلة القرون اللاحقة، وستبقى مستمرة حتى قبيل قيام الساعة.
        واستمرار الحرب بين المسلمين والكافرين حتى قيام الساعة، معناه استمرار وجود المسلمين وقوتهم، رغم عنف الحرب التي يشنها الكفار ضدهم.
        فهذا وعد قرآني صادق باستمرار وجود وقوة المسلمين!.
        استمرار الجهاد حتى قرب قيام الساعة:
        ومن ما قاله الإمام الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: "ومعنى قوله تعالى: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا). قال مجاهد: حتى ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام، وكأنه أخذه من قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، حتى يقاتل آخرهم الدجال .. ".
        وعن جبير بن نفير قال: إن سلمة بن نفيل أخبرهم أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني سيَّبْتُ الخيل، وألقيت السلاح، ووضعت الحرب أوزارها، وقلت: لا قتال!.
        فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "الآن جاء القتال، لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس، يزيغ الله تعالى قلوب أقوام، فيقاتلونهم، ويرزقهم الله منهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، ألا إن عقدَ دار المؤمنين بالشام، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".
        وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: لما فُتِح على رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح، قالوا: يا رسول الله! سُيِّبَت الخيل، ووُضِع السلاح، ووضعت الحرب أوزارها، وقالوا: لا قتال!.
        فقال صلى الله عليه وسلم: "كذبوا! الآن جاء القتال، لا يزال الله تعالى يزيغ قلوب أقوام يقاتلونهم، فيرزقهم منهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وعقْدُ دار المسلمين بالشام ... ".
        وقال قتادة: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا): حتى لا يبقى شرك. وهذا كقوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ) [البقرة: 193] ".
        إذن: الحرب مستمرة بين المسلمين والكافرين، ولن تضع أوزارها إلا عند قيام الساعة، وهذه بشرى للمسلمين، باستمرار قوتهم، التي يحاربون بها الكفار!
        سنة الله المطردة في تدمير الكافرين:
        ثانياً: قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ) [محمد: 10 - 11].
        تنكر الآيات على الكافرين المحاربين لرسول الله صلى الله عليه وسلم عدم اعتبارهم بما جرى للكافرين السابقين من عقاب ودمار، وتدعوهم إلى السير في الأرض، وملاحظة آثار المعذّبين السابقين، والوقوف على أطلالهم، ومعرفة كيفية كانت عاقبتهم، وكيف كانت نهاية حربهم لرسلهم.
        وقد لخّصت الآيات ما جرى للسابقين بجملة واحدة، هي: (دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ).
        أجرى الله على السابقين سنته التي لا تتخلف، حيث أنجى الرسل السابقين برحمته، وأوقع بأعدائهم عقابه، ودمر عليهم بيوتهم.
        وينتظر كفار قريش أن يقع بهم ما وقع بالكفار السابقين، إن استمروا على تكذيبهم وحربهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن سنة الله لا تتخلف.
        وجاء تهديدهم صريحاً في قوله: (وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا). والمراد بالكافرين هنا: الكفار الذين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفروا به، من قريش واليهود وغيرهم.
        أي: ينتظر الذين كفروا بالرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم مثل ما وقع بالكفار الذين من قبلهم.
        وقد قضى الله على الذين كفروا بالرسول صلى الله عليه وسلم، ونصر رسوله ودينه.
        ويدخل ضمن جملة: (وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا): الكافرون الآتون من بُعْد، في التاريخ الإسلامي، الذين حاربوا الإسلام والمسلمين، حيث ينتظرون مثل ما وقع بالكفار السابقين من دمار وهلاك وهزيمة، وسيخرج الإسلام من كل حرب يشنونها عليه منتصراً، متمكناً في الأرض.
        وقد سجل التاريخ الإسلامي أمثلة ونماذج عديدة، لكافرين حاولوا القضاء على الإسلام والمسلمين، فكانت عاقبتهم الخزي والخسارة والهزيمة.
        وإننا نوقن أن الهجمة الشرسة المعاصرة، التي تشنها قوى الكفر اليهودية والصليبية، ستنتهي إلى ما انتهت إليه هجمات الكفار السابقين، لأن عاقبة كل من حارب هذا الدين هي الهزيمة والخزي والخسران! فهذه سنة الله!.
        لماذا المؤمنون منصورون؟ ولماذا الكافرون مهزومون؟.
        الجواب في الآية التالية، وهي قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ).
        وهذه حقيقة قرآنية قاطعة، تعلل سر نجاح المؤمنين، وخذلان الكافرين، وتحقق كل الوعود التي وعدها الله المؤمنين.
        المؤمنون منصورون فالحون فائزون، لأن الله مولاهم، يحفظهم ويرعاهم، ويتولى أمورهم، ويمن عليهم بنصره وتأييده.
        والكافرون خاسرون مهزومون، لأنه لا مولى لهم ينصرهم ويحميهم. ومَن لم يكن الله معه فهو الخاسر المهزوم، لا محالة. هذه سنة الله التي يعيها المؤمنون، ويتعاملون معها، ويثقون بها.
        الله مع المؤمنين الصادقين بالنصر:
        ثالثاً: قوله تعالى: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) [محمد: 35].
        تقدم هذه الآية وعداً ربانياً آخر للمؤمنين، بأنه سبحانه معهم، فلا يهنون ولا يضعفون، ولا يفارقهم شعور بأنهم الأعلون.
        إن يقين المسلمين بأنهم الأعلون، المتميزون على غيرهم من الأمم، يجعلهم أقوياء أمامهم، يتعاملون معهم على أساس أنهم الأعلى والأعز والأكرم والأفضل والأقوى، لأن الله معهم بتوفيقه وتأييده.
        الله مع المؤمنين، وهو مولاهم، ولهذا ينصرهم، والكافرون أذلون مهزومون، لأن الله ليس معهم، ومن لم يكن الله معه فلا أحد معه.
        ومعنى قوله: (وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ): الله لن يُنْقِص المؤمنين نتائج أعمالهم الصالحة، ولن يفجعهم في أعمالهم، ولن يضيعها لهم، لأن أعمالهم مرتبطة بالإيمان.
        وهم يتوجهون بها إلى الله، والله يتقبلها منهم، ويحفظها لهم، ويأجُرهم عليها!.
        وإذا كان المؤمنون في حفظ الله ورعايته، فكيف يهنون ويذلون أمام الكفار الضائعين، الذين لا يجدون ولياً ولا نصيراً؟ وكيف يشعر المؤمنون بالضعف أمام هؤلاء الكفار؟ وكيف يستسلمون أمام الكفار؟.
        إن قوله: (وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ) وعد قرآني صادق، بأنه مع المؤمنين الصادقين، ويستمدون القوة من حفظه وتأييده، وهذا تحقق للمؤمنين السابقين، ويتحقق دائماً للمؤمنين الصادقين، في كل زمان ومكان.
        * ... * ... *

        تعليق

        • السعيد ابراهيم الفقي
          رئيس ملتقى فرعي
          • 24-03-2012
          • 8288

          #37
          الفصل التاسع الوعد القرآني في سورة الفتح

          سورة الفتح مدنية، نزلت في أعقاب صلح الحديبية، الذي عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قريش، في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، بعد أن حالت بينه وبين أداء العمرة، هو وأصحابه، على أن يعود في العالم التالي لأداء العمرة.
          وقد اعترض كثير من الصحابة على بنود الصلح، واعتبروها مجحفة بحق المسلمين، فأنزل الله سورة الفتح، بينما كان الرسول صلى الله عليه وسلم عائداً بأصحابه من الحديبية إلى المدينة، وأزال فيها ما علق في نفوس الصحابة من نظرة سلبية للصلح، واعتبره فتحاً مبيناً، ووعد المسلمين وعوداً صادقة بانتصارهم، وهزيمة أعدائهم، والتمكين لدينهم.
          صلح الحديبية فتح مبين:
          اعتبرت الآية الأولى من السورة صلح الحديبية فتحاً مبيناً. قال تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً) [الفتح: 1].
          والمراد بالفتح المبين في هذه الآية صلح الحديبية، ووردت أقوال عن الصحابة في ذلك.
          روى البخاري [برقم: 4150] عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحاً، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية .. ".
          وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: إنكم تعدون الفتح فتح مكة، ونحن نعد الفتح صلح الحديبية.
          وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: ما كنا نعد الفتح إلا صلح الحديبية.
          واعتبر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه السورة خيراً مما طلعت عليه الشمس، لما فيها من الوعد والبشرى بالفتح [تفسير ابن كثير: 4/ 177].
          روى البخاري [برقم: 4833] عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أنزلت علي الليلة سورة، هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس. ثم قرأ قوله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً).
          وعد الله المسلمين بفتح مكة، وحقق فيها وعده، حيث تم فتح مكة بعد أقل من سنتين من نزول السورة، حيث كان فتح مكة في رمضان من السنة الثامنة.
          وفي سورة الفتح آيات قدمت وعوداً وبشريات للمسلمين، منها:
          الوعد بقتال كفار أولي بأس شديد:
          أولاً: قوله تعالى: (قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً) [الفتح: 16].
          تخلف بعض الأعراب وضعاف الإيمان عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم للجهاد في سبيل الله، هرباً من تكاليف الجهاد.
          وفي هذه الآية أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر الذين سبق أن تخلفوا عنه أن الجهاد مستمر، والمعارك مع الكفار دائمة لا تتوقف.
          والوعد في قوله تعالى: (سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ).
          وهو يشير إلى غزوة –أو غزوات- ضد كفار أقوياء، أولي بأس شديد وقوة كبيرة، وسيقاتل المسلمون هؤلاء الكافرين، وسينتصرون عليهم، ويهزمونهم ويزيلون قوتهم.
          وقد اختلف المفسرون في تعيين هؤلاء الكافرين أولي البأس الشديد. وذكر خلاصة أقوالهم في ذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره:
          قيل: إنهم قبيلة هوازن العربية الكافرة .. وقيل: إنهم قبيلة ثقيف المقيمة في الطائف، وقيل: إنهم بنو حنيفة المقيمون في اليمامة .. وقيل: إنهم الروم .. وقيل: إنهم الفرس والروم معاً .. وقيل: إنهم أهل الأوثان .. وقيل: إنهم الترك والأكراد .. وقيل: إنهم رجال أولو بأس شديد، ولا تعيين لهم .. وقيل: لم يأت أولئك القوم بعد! [تفسير ابن كثير: 4/ 184].
          والراجح أن هؤلاء الكفار كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قاتلهم وهزمهم.
          وهذا يشمل كل الأقوام الذين هزمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية: وهم يهود خيبر، وقريش الذين انهزموا يوم فتح مكة، وهوازن التي انهزمت في غزوة حنين بعد فتح مكة، وثقيف التي استسلمت بعد حصار الطائف.
          فكل هؤلاء كانوا أقوياء، ذوي بأس شديد، لكن قوتهم تحطمت أمام قوة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، الذين كانوا ذوي بأس أشد.
          وتحقق الوعد القرآني في هذه الآية، حيث هُزِمَ جميع الكفار الأقوياء في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، من يهود خيبر وقريش وثقيف والطائف وغيرهم.
          الوعد شامل لكفار زماننا:
          ولكن هذا ليس خاصاً بالكفار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما هو عالم يشمل الكفار اللاحقين الذين هزمهم الصحابة، ومنهم: بنو حنيفة في نجد، الذين ارتدوا مع مسيلمة الكذاب، وعادوا للإسلام بعدما هزمهم الصحابة في معركة اليمامة.
          ومنهم الفرس الذين أزال الصحابة قوتهم، وفتحوا بلاد العراق وفارس، ومنهم الروم الذين حرر الصحابة منهم بلاد الشام ومصر، وباقي الأقوام الذين هزمهم الصحابة والتابعون في خراسان والهند والصين والترك وإفريقية والأندلس وغيرها.
          وتشمل الآية الأقوام الآخرين الذين حاربهم المسلمون وانتصروا عليهم، مثل الصليبيين والتتار وغيرهم.
          فالوعد القرآني في الآية مستمر، يشمل الماضي والحاضر والمستقبل، وعلينا أن نعممه على جميع المعارك والحروب بين المسلمين والكافرين، على اختلاف الزمان والمكان، بعد ذكر الذين انطبقت عليهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
          ولذلك لم يعين الإمام الزهري قوماً محدّدين في الآية. وقال: (قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ): لم يأت أولئك بعد!. [تفسير ابن كثير: 4/ 184].
          الوعد بالغنائم من الكفار:
          ثانياً: قوله تعالى: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً، وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً، وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً، سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً) [الفتح: 20 - 23].
          الخطاب في هذه الآيات للصحابة، الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، تحت الشجرة، قُبيل صلح الحديبية، فأخبرهم الله في الآية السابقة أنه رضي الله عنهم: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) [الفتح: 18].
          وفي هذه الآيات الأربع وعود من الله للمؤمنين بالنصر والتمكين، وهزيمة أعدائهم الكافرين، وأخذهم الغنائم منهم.
          إن قوله: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا) وعد قرآني باستمرار المعارك بين المسلمين والكافرين، وبانتصار المسلمين عليهم، وأخذهم الغنائم الكثيرة منهم، على اختلاف الزمان والمكان.
          وقد تحقق هذا الوعد القرآني الصادق في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والفتوحات الإسلامية زمن الخلفاء الراشدين، وزمن الأمويين والعباسيين، وكل المعارك الإسلامية الظافرة بعد ذلك.
          ولذلك قال التابعي مجاهد: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا): هي جميع المغانم إلى اليوم. [تفسير ابن كثير: 3/ 185].
          أي أن مجاهداً يرى الآية تشمل المغانم الكثيرة التي أخذها المجاهدون من الكافرين زمن التابعين.
          وإذا كان مجاهد رحمه الله عمم الآية لتشمل عصره، فإننا نعمم الآية لتشمل ما بعد عصر التابعين، ونطبّقها على جميع المغانم التي أخذها المجاهدون من الكافرين، على اختلاف الزمان والمكان.
          ولذلك اعتبرناها وعداً قرآنياً بانتصار المسلمين، وأخذهم الغنائم من الكافرين، وأن هذا الوعد تحقق في الفتوحات الإسلامية اللاحقة!.
          ما هو المراد بالغنائم المعجلة؟:
          أما قوله تعالى: (فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ) فهو يشير إلى معركة قريبة، خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية، وأخذ فيها الغنائم من المشركين.
          وذهب ابن عباس رضي الله عنهما إلى أن المراد بها صلح الحديبية، الذي جعله الله فتحاً مبيناً، بدليل قوله بعدها: (وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ).
          ومال ابن كثير إلى ترجيح قول ابن عباس، وجعل الآية وعداً بأخذ الغنائم من الكفار، وجعل صلح الحديبية غنيمة معجّلة للمسلمين، لما نتج عن الصلح من فوائد عظيمة للمسلمين. قال: (وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنكُمْ). أي: لم ينلكم سوء، مما كان أعداؤكم أضمروه لكم، من المحاربة والقتال، وكذلك كف أيدي الناس عنكم، الذين خلّفتموهم وراء ظهوركم، عن عيالكم وحريمكم (وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ) أي: يعتبرون بذلك، فإن الله حافظهم، وناصرهم على سائر الأعداء مع قلة عددهم، وليعلموا بصنيع الله هذا بهم أنه العالم بعواقب الأمور، وأن الخيرة فيما يختاره لعباده المؤمنين، وإن كرهوه في الظاهر. [تفسير ابن كثير: 4/ 185].
          واسم الإشارة (هَذِهِ) في الجملة: (فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ) يعود على (مَغَانِمَ) في الجملة السابقة: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا) والمعنى: وعدكم الله أخذ مغانم كثيرة، فعجّل لكم هذه الغنيمة التي أخذتموها في صلح الحديبية، لأن صلح الحديبية كان تمهيداً لفتح مكة بعد أقل من سنتين.
          الله أحاط بالكفار أينما كانوا:
          وعد الله المؤمنين مغانم أخرى كثيرة قادمة، وذلك في قوله بعد ذلك (وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً).
          وقد ذهب ابن عباس والضحاك، وابن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد إلى أن المراد بها فتح خيبر وأخذ غنائمها. وهذا هو الراجح والله أعلم.
          فقد كانت خيبر حصناً منيعاً لليهود، وتجمّع فيه اليهود الذين أجلاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن المدينة، كيهود بني قينقاع ويهود بني النضير، وكانت خيبر أقوى حصون اليهود وأكثرها مناعة، ولذلك قال الله عنها: (لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا).
          وتوجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى خيبر بالصحابة، الذين حضروا صلح الحديبية، وحاصر اليهود فيها، وافتتحها في شهر محرم من السنة السابعة، بعد شهرين من صلح الحديبية، وغنم فيها المسلمون غنائم كثيرة من اليهود.
          وبذلك حقق الله للمسلمين هذا الوعد، بعد شهرين من إخبارهم به.
          سنة الله في الكفار لا تتخلف:
          وأخبر الله الصحابة المبايعين بيعة الرضوان في الحديبية، أنه لو قاتلهم كفار قريش في الحديبية لانهزموا أمامهم، لأن هذه هي سنة الله: (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً، سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً).
          سنة الله التي لا تتبدل ولا تتغير، أنه لا ينتصر الكفار على المؤمنين، لأن الله ينصر عباده المجاهدين الصادقين، فإذا ما انتصر الكفار في معركة أو جولة، فلأن المسلمين أخلّوا بشروط النصر، ولم يقوموا بما أوجبه الله عليهم.
          الخطاب في قوله: (وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ) للصحابة، الذين بايعوا بيعة الرضوان في الحديبية، فلو قاتلهم كفار قريش على أرض الحديبية لولوا الأدبار أمامهم، رغم أن الكفار كانوا أكثر عدداً وعُدّة منهم، لأن الصحابة لم يخرجوا لقتال، وإنما خرجوا لأداء العمرة، ومع ذلك لو حصل قتال في الحديبية لنصر الله المؤمنين، لأن هذه هي سنة الله.
          رؤيا الرسول صلى الله عليه وسلم بأدائه العمرة:
          ثالثاً: قوله تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً) [الفتح: 27 - 28].
          تخبر الآية عن سبب توجه الرسول صلى الله عليه وسلم بأصحابه إلى مكة، لأداء العمرة.
          قال الإمام الحافظ ابن كثير: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسّر هذا العام .. فلما وقع ما وقع من قضية الصلح رجعوا عامهم ذلك، على أن يعودوا من قابِل، وقع في نفس بعض الصحابة رضي الله عنهم من ذلك شيء.
          حتى سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: ألم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟.
          فقال صلى الله عليه وسلم: "بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ ".
          قال عمر: لا.
          قال صلى الله عليه وسلم: "فإنك آتيه ومُطَوَّف به".
          وبهذا أجاب أبو بكر الصديق عمر رضي الله عنهما، حَذْو القُذّة بالقُذّة ..
          [تفسير ابن كثير: 4/ 194].
          رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام أنه ذاهب مع أصحابه لأداء العمرة، وأخبر الصحابة بذلك، ففرحوا واستبشروا، لأنهم في شوق كبير لمكة والكعبة والمسجد الحرام.
          ولما توجه في السنة السادسة بأصحابه لأداء العمرة، ما كانوا يشكون أنهم سوف يؤدون العمرة في هذا السير.
          ولكن قريشاً منعتهم من تحقيق ذلك، وجرت مفاوضات شاقة على أرض الحديبية، انتهت بتوقيع صلح الحديبية، واعتبر كثير من الصحابة أنفسهم مغلوبين في بنود الصلح، واعترض بعضهم عليه، كعمر رضي الله عنه.
          وكان من بنود الصلح أن يعود المسلمون هذا العام إلى المدينة، وأن يأتوا في العام القادم لأداء العمرة.
          وكلّم عمر بن الخطاب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حول رؤياه، وإخباره أنهم سيأتون البيت الحرام ويؤدون العمرة، فطمأنه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه سيكون، وأنه لم يحدد له أنه سيكون في هذا العام! ولما ذهب عمر إلى أبي بكر رضي الله عنهما، وكلمه عن الرؤيا والوعد، كان جوابه نفس جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
          وأنزل الله الآية في طريق عودة المسلمين للمدينة، يؤكد على تحقق الوعد وأداء العمرة.
          (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ): أرى الله رسوله صلى الله عليه وسلم في المنام أنه ذاهب إلى البيت الحرام مع أصحابه، ورؤيا الأنبياء حق، لأنه لا سلطان للشيطان عليهم، ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يوقن أن هذه الرؤيا ستتحقق، ولذلك بشّر أصحابه بها.
          ولكن جرى ما جرى في أرض الحديبية، مما جعل الرؤيا لم تتحقق في السنة السادسة، وتساءل بعض الصحابة عن الرؤيا، كعمر رضي الله عنه، فكان إنزال هذه الآية لتقرير حقيقة صدق وعد الله، الذي جاء بصورة رؤيا لرسوله صلى الله عليه وسلم.
          تحقق الوعد في عمرة القضاء:
          صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، وقدّر تحققها، لكن في الزمان الذي يحدده هو، وبالكيفية التي يريدها هو، وهو الحكيم العليم، سبحانه وتعالى.
          ولذلك جاء التأكيد على أداء العمرة في مستقبل قريب، بأفعال وكلمات محددة حاسمة جازمة: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ).
          اللام في فعل: (لَتَدْخُلُنَّ) لام القسم للتأكيد، ونون التوكيد الثقيلة فيه للتوكيد، والخطاب للصحابة الذين توجهوا للعمرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة السادسة، فحال المشركون بينهم وبين أدائها.
          وجملة: (إِن شَاء اللَّهُ) في الآية لتوكيد الخبر، وتحقق الوعد الذي فيه، وهي ليست للاستثناء، بمعنى أن الله شاء دخولكم المسجد الحرام، ولذلك ستدخلونه لا محالة، لأن الله الحكيم شاء ذلك، ولا رادّ لمشيئته.
          وذكرت الآية حال المؤمنين عند اعتمارهم: (مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ). فهم سيكونون آمنين عند أداء العمرة، لا يخافون أعداءهم المشركين، ومنهم من سيحلق رأسه كاملاً، ومنهم من سيقصّر شعره تقصيراً، ولا شك أن الحلق أفضل من التقصير عند أداء مناسك الحج أو العمرة.
          بين الفتخ المبين والفتح القريب:
          وختمت الآية بقوله تعالى: (فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً) أي: أن الله علم أن الأفضل والأصلح لكم هو عدم أدائكم العمرة هذا العام، وعقد صح الحديبية بينكم وبين المشركين، وهذا الصلح وما يتحقق لكم فيه من مكاسب ونتائج، أولى من أدائكم العمرة، فهذا الصلح فتح من الله فتحه عليكم.
          الآية الأولى من السورة اعتبرت صلح الحديبية فتحاً مبيناً: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً). وهذه الآية اعتبرته فتحاً قريباً: (فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً).
          وقد أشارت إحدى آيات السورة إلى حكمة الله في منع الاشتباك بين المسلمين والمشركين على أرض الحديبية. قال تعالى: (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) [الفتح: 25].
          بين علم الله وعلم البشر:
          إن قوله تعالى: (فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا) يقرر حقيقة قرآنية، هي: قصور العلم البشري ونقْصُه، فمهما علم الناس فإنهم لا يحيطون علماً بالمسألة المعروضة، ولا يعلمون كل تفصيلاتها وخفاياها، أما المستقبل فإنهم لا يعلمون عنه شيئاً، لأنه غيب اختص الله بعلمه.
          وهذا القصور والنقص والجهل في العلم البشري، قد يدفعهم إلى محبة أو تفضيل أو اختيار ما ليس في مصلحتهم، أما رب العالمين فإنه يختار لهم ما فيه مصلحتهم.
          ولذلك لما شرع الله القتال وكلّف المسلمين به أشار إلى هذه الحقيقة. قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216].
          وفي حادثة صلح الحديبية، كانت رغبة المسلمين في عدم عقد الصلح مع المشركين، بالشروط التي رأوها مجحفة، وكانوا يرون أداء العمرة هذا العام، أو الاشتباك مع المشركين، ويظنون أن مصلحتهم تتحقق بذلك.
          لكن الله العليم الحكيم اختار ما فيه مصلحتهم، وتم عقد الصلح، الذي هو فتح قريب، ولكنهم لا يعلمون ذلك: (فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً).
          الوعد بإظهار الإسلام على الدين كله:
          وتقرير هذه الحقيقة فرصة مناسبة لقطع وعد قرآني صادق، بأن المستقبل الباهر للإسلام. قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً).
          أرسل الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى، ودينه الإسلام هو الدين الحق، وهذا معناه أن الهدى مقصور على الإسلام، رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل ما تعارض معه فهو ضلال، والإسلام نور، وكل ما تعارض معه فهو ظلام.
          والإسلام هو الدين الحق، لأن الله حفظه وأنزله، فلا خطأ فيه ولا باطل ولا ضلال، يأخذه المسلم بكامله، وهو واثق مطمئن إلى أنه يأخذ الحق ويلتزم به .. وكل ما تناقض معه من الأديان والأفكار والمذاهب فهو باطل، ولا يقود إلا إلى الضلال والضياع.
          وبما أن الهدى في الإسلام وحده، وبما أنه هو الدين الحق، فإن حاجة البشرية إليه ماسّة، لأنها تتخبط في ظلمات الجهل والعمى والضلال، ولذلك قدّر الله أن ينصر هذا الدين، وأن يُظهره على كلما سواه من الأديان والمبادئ: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ).
          ووجه صلة الوعد الصادق بالحديث عن أجواء صلح الحديبية، هي أن الصلح نفسه خطوة متقدمة على طريق تحقيق هذا الوعد، لأن الصلح فتح قريب، وفتح مبين، ونصر عزيز، كما صرحت بذلك آيات السورة الصريحة، وقد نتج عن هذا الصلح فتح خيبر بعده مباشرة، والقضاء على النفوذ اليهودي في الجزيرة العربية، وهذه خطوة أخرى متقدمة على طريق تحقيق الوعد، وبعد أقل من سنتين من عقد الصلح تم فتح مكة، والقضاء على آخر قلاع الشرك فيها، وهذه خطوة ثالثة كذلك، ولذلك جاء الوعد صريحاً في سياق الحديث عن صلح الحديبية.
          وأظهر الله الإسلام على كل الأديان والمذاهب التي كانت في الجزيرة العربية، في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأظهره الله على الأديان والمذاهب في المنطقة كلها، في عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وانتشر الإسلام في كل العالم المعروف في ذلك الزمان! واستقر في البلاد الإسلامية من الفلبين إلى المغرب!.
          وما زال هذا الوعد القرآني الصادق متحققاً في أيامنا، وما زال الإسلام ظاهراً ظهوراً معنوياً إعلامياً فكرياً على الأديان كلها، في العالم كله، رغم انحسار وجوده المادي، ونفوذه السياسي، وما زال ينتظر الإسلام مستقبل مشرق، فيه ظهور له متكامل.
          * ... * ... *

          تعليق

          • السعيد ابراهيم الفقي
            رئيس ملتقى فرعي
            • 24-03-2012
            • 8288

            #38
            الفصل العاشر الوعد القرآني في سورة المجادلة

            الكفار يحادون الله ورسوله:
            من آيات الوعد القرآني الصادق في سورة المجادلة المدنية هذه الآيات:
            أولاً: قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ) [المجادلة: 5].
            تتحدث الآية عن الكافرين أعداء هذا الدين، وتخبر عن كبتهم وهزيمتهم، ككبت الذين من قبلهم.
            وقد وصفت الآية الكافرين بأنهم: (يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ). و (يُحَادُّونَ) فعل مضارع، الماضي منه رباعي: (حادّ)، والثلاثي منه: (حدّ)، وهو مأخوذ من الحد، الذي هو الفاصل بين شيئين، مثل حدّ الأرض وحد البيت، وهكذا.
            والكفار (يُحَادُّونَ) الله ورسوله. أي: يحاربون الله، ويحاربون رسوله، ويحاربون دينه، وعبر عن عداوتهم وحربهم بفعل (يُحَادُّونَ)، للدلالة على وقوفهم في الجانب المواجه للإسلام والمسلمين.
            وهؤلاء الكفار ليسوا خاصين بقوم معيّنين، بل هم يشملون كل كفار يعادون هذا الدين، على اختلاف الزمان والمكان، مثل كفار قريش والمنافقين واليهود، والفرس والروم والترك والهنود، والكفار المعاصرين من اليهود الملحدين والنصارى الصليبيين.
            وبما أن مسلسل الكفار المعادين مستمر، فمحادّتهم لله ورسوله مستمرة، ولذلك عبرت الآية عن ذلك بالفعل المضارع، الدال على التجدد والاستمرار: (يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).
            وعد الله بكبت وذل الكفار:
            وعد الله بكبت هؤلاء الكفار المحادّين المعادين: (كُبِتُوا)، والكبت هو الإذلال والإهانة والهزيمة. وفعل (كُبِتُوا) مبني للمجهول، محذوف فاعله، للعلم به؛ لأنه من المعلوم بداهة أن الله هو الذي كبتهم، وللتركيز عليهم، ولذلك جاء الضمير في الفعل (كُبِتُوا) العائد عليهم نائباً للفاعل.
            وكبت هؤلاء الكافرين المعادين مثل كبت الكفار الذين كانوا قبلهم: (كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ).
            والذين من قبلهم هم الذين ذكرهم الله لنا في القرآن، كقوم نوح وعاد وثمود ومدين، وفرعون وهامان وقارون وغيرهم، الذين كبتهم الله وأذلهم وأهانهم، وأوقع بهم عذابه، ونصر رسله وأتباعهم المؤمنين.
            وقوله: (وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) يشير إلى آيات القرآن الواضحات، ويلفت أنظار المسلمين إلى تفاصيل كبت وإذلال وإهلاك الكافرين السابقين، الموجودة في آيات القرآن البينات.
            وهذه دعوة من الآية للمؤمنين إلى معرفة كيف كبت الله الكفار السابقين، والوقوف على تفاصيل إهلاكهم، وذلك بتدبر آيات القصص القرآني التي تحدثت عن ذلك، وحسن فهمها، واستخراج عبرها ودلالاتها.
            كبت الكفار سنة ربانية:
            واللطيف في التعبير القرآني أن فعل (كبت) لم يرد في القرآن إلا ثلاث مرات، مرتين منهما في هذه الآية، في صيغة الفعل الماضي: (كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ).
            والمرة الثالثة ورد فيها في صيغة الفعل المضارع، وذلك في قوله تعالى: (لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ) [آل عمران: 127].
            والكلام في الآية عن الكفار المشركين في بدر، ما أوقع الله بهم من الهزيمة، حيث قضى على عدد منهم، وبذلك قطع طرفهم، وكبت آخرين منهم، وهزمهم وأذلهم، فعادوا إلى مكة خائبين خاسرين.
            وفي هذا دلالة على أن الكبت في القرآن لم يرد إلا في سياق المواجهة بين المسلمين والكافرين، ويدل على كبت الكافرين وهزيمتهم وذلهم وإهانتهم.
            ويؤخذ من الآية سنة ربانية مطّردة، وهي: كبت وإذلال وإهانة وهزيمة كل الكافرين المعادين، الذين اعتمدوا على قوتهم وقدراتهم، فحادوا الله ورسوله وأولياءه، ولكن قوتهم صارت ضعفاً، وقدرتهم صارت عجزاً.
            وفي الآية وعد قرآني صادق، تحقق ووقع في حياة المسلمين، وسجّل التاريخ الإسلامي أمثلة ونماذج عديدة لكفار معادين، حادوا الله ورسوله، وشنّوا الحرب الشرسة على الإسلام والمسلمين، وظنوا أنهم سوف ينجحون في تحقيق أهدافهم، ولكن الله قصمَهم وكبتهم، وهزمهم وأذلهم.
            ونستبشر من الآية كبت وإهانة وإذلال اليهود والأمريكان، وغيرهم من الكفار المعاصرين، الذين يشنون حربهم الشيطانية الشرسة ضد الإسلام والمسلمين!!.
            حزب الشيطان خاسرون:
            ثانياً: قوله تعالى: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ، إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ، كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ، لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [المجادلة: 19 - 22].
            تتحدث الآيات عن الكفار الذين يحادون الله ورسوله، على اختلاف الزمان والمكان، وتقدم لهم بعض التحليلات، وتذكر بعض الحقائق والوعود، ثم تعرض بعض صفات المؤمنين الغالبين.
            تذكر الآيات أن الشيطان (اسْتَحْوَذَ) على أوليائه. أي: سيطر واستولى عليهم، وتمكّن منهم، وأخذهم إلى جانبه، وجعلهم جنوداً له. ولما تمكن منهم أنساهم ذكر الله، وأشغلهم بذكره هو. وبذلك صاروا أعضاء فاعلين في (حزب الشيطان). وحزب الشيطان هم جنوده وأولياؤه، الذين يخضعون له، ويَنشرون تعاليمه، ويُضلون الآخرين.
            وحزب الشيطان هم الخاسرون، وخسارتهم مطلقة عامة، وشاملة للدنيا والآخرة، وهذه حقيقة قرآنية قاطعة، مؤكدة في الآية بعدة مؤكدات: حرف الاستفتاح (أَلَا). وحرف التوكيد (إِنَّ) .. وضمير الفصل للتوكيد: (هُمُ). واسم الفاعل المعرف بأل التعريف: (الْخَاسِرُونَ) .. والجملة الاسمية الدالة على التوكيد: (حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ).
            وحزب الشيطان الخاسرون الكافرون ارتكبوا جريمة فظيعة، حيث حادّوا الله ورسوله، وحاربوا دينه، وعادوا أولياءه، وبذلوا كل جهدهم، وطاقتهم وقدرتهم في حرب الإسلام والقضاء عليه. لكن هل ينجحون في ذلك؟.
            الكفار أذلون مهزومون:
            تقدم الآية وعداً قرآنياً صادقاً في فشلهم وهزيمتهم وهوانهم: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ).
            والأذلّون جمع (أذل)، على وزن (أفعل)، وهو الذي بلغ أدنى درجات الذل والهوان. يقال: ذل فلان فهو ذليل، وإذا ازدادت ذلته قيل: هو أذل!.
            الأذلون هم حزب الشيطان الخاسرون، المحادون لله ورسوله.
            وقال: (أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ)، ولم يقل: أولئك هم الأذلون، لأن حرف الجر (في) يدل على الظرف، أي: صار أولئك المحادون في الأذلين، وتغلغلوا فيهم، وضاعوا وسطهم، وذابوا بينهم.
            ومفرد (الأذلين) هو: الأذل، وهو من تمكنت منه الذلة والمسكنة والهوان، والأذل هو كل كافر يحاد الله ورسوله.
            الجمع بين كبت الكفار وذلهم:
            ويلاحظ أن سورة المجادلة تحدثت مرتين عن ذل وكبت الذين يحادون الله ورسوله:
            قالت في المرة الأولى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ).
            وقالت في المرة الثانية: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ).
            وليس هذا تكراراً، لأنه لا تكرار في القرآن، وإنما هو (تنويع) في العرض القرآني، والتنويع قائم على إضافة معنى جديد في المرة الثانية.
            في الآية الأولى إخبار عن كبت الأعداء ككبت الذين من قبلهم. وفي الآية الثانية إخبار عن كون هؤلاء الأعداء في الأذلين.
            والفرق واضح بين الآيتين، فهدف الآية الأولى الإخبار عن أنفس المحادّين لله ورسوله. فأنفسهم مكبوتة مهانة مهزومة تعيسة بائسة محطمة .. أما هدف الآية الثانية فهو الإخبار عن المحيط العام الذي يعيش فيه هؤلاء المكبوتون، إن من حولهم أذلون خاسرون مهزومون، وهؤلاء المكبوتون في المحيط العام للأذلين .. هم مكبوتون، ومَنْ حولهم أذلون!.
            فالآية الأولى إخبار عن أنفس المحادين لله ورسوله، والآية الثانية إخبار عن من حول المحادين، فصار المجموع هكذا: المكبوتون في الأذلين، والصنفان من حزب الشيطان الخاسرين.
            وهذا وعد قرآني متحقق دائماً، وقد سجل التاريخ أمثلة عديدة لإذلال وخسران وهزيمة حزب الشيطان، ولا يتخلف عن هذا الوعد القرآني أية أمة كافرة، في أي زمان ومكان، في الماضي أو الحاضر أو المستقبل.
            كتب الله الغلبة لدينه:
            وبعد تقديم الوعد الصادق بكبت وإذلال وهزيمة حزب الشيطان المحادين لله ورسوله، قدمت الآية التالية وعداً قرآنياً آخر بنصر دين الله. قال تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ).
            ومعنى (كَتَبَ) هنا: قدّر وقضى، فالكتابة كتابة قدر وإرادة، وجعل المكتوب قدراً ربانياً نافذاً، وسنة ربانية قاطعة، لا تُغيَّر ولا تُبَدل، ولا تقدر أية قوة مخلوقة على تغيير ما كتبه الله أو محوه، أو إلغائه وإعاقة إمضائه وإنفاذه.
            ماذا كتب الله؟ كتب: (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي).
            اللام في (لَأَغْلِبَنَّ) لام القسم للتوكيد، وأدخلت نون التوكيد الثقيلة على الفعل المضارع للتوكيد أيضاً، وجيء بالضمير المنفصل (أَنَا) للتوكيد. واجتماع ثلاث مؤكِّدات في الجملة: (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) لتقرير هذا الوعد الرباني، وزيادة يقين المؤمنين بتحققه.
            والغلبة قائمة على النصر، فالغالب هو المنتصر. وإذا كان الله هو الغالب على أمره، فإن الأعداء الذين يحادون الله ورسله مغلوبون مهزومون.
            ويلاحظ أن مفعول فعل (أغلبنّ) في الآية محذوف، ولو ذكره لقال: لأغلبن أنا ورسلي الكافرين المحادين.
            وعطف الرسل عليه سبحانه، فقال: (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) وهذا لتكريم وتشريف مقام الرسل، فالله غالب لأعدائه، ورسله غالبون لأعدائهم بإذنه سبحانه.
            عاملان أساسيان للنصر:
            وهناك حكمة لطيفة من عطف الرسل على الله في الآية: (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي).
            إنها تشير إلى عاملين أساسيين في تحقيق الوعد القرآني في الآية، وتطبيق السنة الربانية التي قررتها:
            العامل الأول: العامل الرباني: وهو أساس الغلبة والنصر وتحقيق الوعد، فالله كتب وشاء وقدّر وأراد، ولا راد لأمره سبحانه، ويمثله في الآية الضمير المنفصل (أَنَا).
            العامل الثاني: العامل البشري: الذي يجري الله على يديه إرادته، فيكون الرسل وأتباعهم المجاهدون ستاراً لقدر الله، هم يأخذون بالأسباب، ويبذلون جهدهم، ويحاربون أعداءهم، ويتوكلون على الله، وينتظرون النصر منه. ويمثله في الآية كلمة (رُسُلِي) المعطوفة على ضمير (أَنَا).
            إنه لا بد من توفر المجاهدين، في أي معركة بين الحق والباطل، يرغب فيها أهل الحق بالانتصار على أهل الباطل.
            وهذا معناه: أنه لا نصر إلا بوجود مؤمنين صالحين، مجاهدين في سبيل الله، يأخذون بالأسباب، ويحققون شروط النصر. إن الله لا ينصر مسلمين مرتكبين للمعاصي، ولا ينصر مسلمين حالمين عاجزين كسالى، ولا ينصر مسلمين قاعدين عن الاستعداد للجهاد!.
            ولا بد من ملاحظة العاملَيْن المتلازمين للنصر: العامل الرباني والعامل البشري المعتمد عليه، المذكورين في قوله: (لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي).
            الله الغالب القوي العزيز:
            واللطيف في التعبير القرآني أن الآية الواعدة بالغلبة والنصر خُتِمَت بذكر اسمين عظيمين من أسماء الله: (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ).
            وهذه الخاتمة متناسبة مع موضوع الآية. الله قوي: أي: هو الغالب القاهر، قوته مطلقة، لا يعتريه ضعف أو عجز سبحانه .. والله عزير: أي هو المنتصر سبحانه، صاحب العزة والغلبة، لا تغلبُه أية قوة مهما عظمت، ولا يذِلُّ أو يضعف سبحانه، وهو الذي يمن بالعزة على أوليائه وجنوده.
            وبما أن موضوع الآية هو الوعد بالغلبة والانتصار والتمكين، لذلك ناسب أن تختم بهذين الاسمين: (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ). ومعلوم أن خاتمة كل آية متناسبة دائماً في موضوعها!.
            الله الغالب لأعدائه، الناصر لأوليائه، وهذه حقيقة قرآنية بينة، ووعد قرآني صادق. أكدتها آيات عديدة. منها قوله تعالى: (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [يوسف: 21].
            ومنها قوله تعالى: (إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ) [آل عمران: 160].
            وأعداء هذا الدين مغلوبون مهزومون خاسرون، لا تنفعهم قوتهم أمام قوة الله. وقد أكدت هذه الحقيقة آيات عديدة، منها قوله تعالى: (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) [آل عمران: 12].
            وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ) [الأنفال: 36].
            * ... * ... *

            تعليق

            • السعيد ابراهيم الفقي
              رئيس ملتقى فرعي
              • 24-03-2012
              • 8288

              #40
              الفصل الحادي عشر الوعد القرآني في سورة الحشر

              نزول السورة في إجلاء يهود بني النضير:
              سورة الحشر مدنية، كان نزولها في السنة الرابعة من الهجرة، بعد إجلاء يهود بني النضير، ولهذا سماها ابن عباس رضي الله عنهما (سورة بني النضير) لهذا السبب.
              وسبب إجلاء يهود بني النضير هو نقضهم العهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه هي طبيعة اليهود دائماً.
              بعد غزوة أحد في السنة الثالثة من الهجرة، وقعت حادثة (بئر معونة)، التي غدر فيها المشركون بسبعين رجلاً من الصحابة، حفظة القرآن، الذين بعثهم الرسول صلى الله عليه وسلم للدعوة إلى الله، فقتلوهم، ولم ينج منهم إلا عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه، الذي عاد إلى المدينة، وأثناء عودته رأى رجلين مشركين من بني عامر، فظنهما من القبيلة التي نقضت العهد وقتلت الصحابة، وعدا عليهما فقتلهما، أخذاً بثأر إخوانه الشهداء.
              ولما أخبر عمرو رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله الرجلين غضب الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن الرجلين العامريّين كانا معاهدين له، ويعني هذا أن قتلهما كان خطأ، وبذلك صار الرسول صلى الله عليه وسلم ملزماً بدفع دية القتيلين!.
              وكان بين بني عامر وبين يهود بني النضير صلة، وكانت منازل بني النضير شرقي المدينة، على بعد أميال منها، وكان بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم عهد.
              فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، ومعه صاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وذلك للحديث معهم حول دفع دية القتيلين العامريّين.
              ولما وصل إليهم أجلسوه مع صاحبيه بجانب جدار لهم، ولما كلمهم بشأن دية القتيلين أعلنوا استعدادهم للمساعدة.
              وهنا استيقظ الغدر في نفوسهم، فال بعضهم لبعض: هذه فرصة مناسبة لقتله والتخلص منه، فليس معه جيش يدافع عنه! واتفقوا على أن يصعد أحدهم على الجدار، وأن يُلقيَ حجراً كبيراً على رسول الله صلى الله عليه وسلم!.
              وأخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالأمر، وعصمه من غدرهم، فقام عليه الصلاة والسلام كأنه يريد أن يقضي حاجته، وغادرهم، وواصل سيره نحو المدينة، ولما تأخر على صاحبيه أبي بكر وعمر، قاما ورجعا إلى المدينة.
              وفي المدينة أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم صاحبيه بغدر اليهود ونقضهم العهد وتخطيطهم لقتله!.
              وجهز الرسول صلى الله عليه وسلم جيشاً لقتال يهود بني النضير، وفي اليوم التالي فوجئ يهود بني النضير بجيش الرسول صلى الله عليه وسلم محاصراً لهم.
              وأثناء حصارهم اتصل بهم زعيم المنافقين عبد الله بن أُبَيّ، وطلب منهم أن لا يستسلموا للرسول صلى الله عليه وسلم، وأن يَثْبُتوا في حصونهم، ووعدهم أن يقدم لهم المدد من جماعته. وانتظر اليهود المدد من المنافقين، لكنه لم يأت!.
              عند ذلك اضطر اليهود إلى الاستسلام، فاستسلموا على أن يتم جلاؤهم من ديارهم، ولكل منهم حملُ بعير من أثاث بيته، على أن لا يأخذوا معهم الذهب والسلاح .. وتوجهوا إلى خيبر وبلاد الشام.
              وقسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أراضيهم وممتلكاتهم على المهاجرين، ولم يعط إلا اثنين من الأنصار، كانا شديدي الفقر.
              فأنزل الله سورة الحشر، وتحدثت آياتها عن بعض أحداث هذه الحادثة، واستخلصت بعض الدلالات منها. [انظر تفسير ابن كثير: 4/ 322 - 324].
              وكان يهود بني النضير أقوى قبيلة يهودية حول المدينة، وكانوا كثيري العدد والسلاح، وكان الصحابة يتعجبون من قوتهم ومناعة حصونهم، ويفكرون في كيفية التغلب عليهم وهزيمتهم.
              ومن آيات السورة التي قدمت حقائق هادية بشأن الحادثة وعبرها:
              إجلاء اليهود عقاباً لهم:
              أولاً: قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ، وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الحشر: 2 - 4].
              الخطاب في الآيات للصحابة، يخبرهم الله فيها أنه هو الذي أخرج يهود بني النضير من ديارهم، ووصفهم بأنهم كفار من أهل الكتاب، وامتن الله على المؤمنين بإخراج أعدائهم، وأشار إلى قوة ومنعة حصونهم، بحيث أن الصحابة لم يتوقعوا خروجهم، أما اليهود فقد كانوا معتمدين على قوة ومناعة حصونهم، بحيث أيقنوا أنها ستدفع عنهم عقاب الله!.
              ومن مكر الله بهم أنه أوقع بهم عقابه وعذابه من حيث لم يتوقعوا، فقد كانوا يتوقعون هجوم المسلمين عليهم، ولذلك أحكموا الحراسة على حصونهم، ولكن الله حاربهم من داخل نفوسهم، حيث ألقى في قلوبهم الرعب والخوف من المسلمين، عند ذلك لم تنفعهم قوة ومناعة حصونهم، فاستسلموا وصاروا ينْقُبون حصونهم ويخربون بيوتهم ليأخذوا متاعهم منها.
              وأوقع الله بهم هذا العقاب، وكتب عليهم الجلاء، لأنهم شاقّوا الله ورسوله، وحاربوا أولياءه، ووقفوا أمام دينه، وبذلك حقق الله عليهم سنته التي لا تتخلف، لأن كل من شاق الله ورسوله فإنه هالك معذّب.
              الاعتبار من ما جرى لليهود:
              وقد دعا الله المؤمنين إلى الاعتبار من الحادثة، واستخلاص دروسها وعبرها: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ).
              ومن التدبر والاعتبار تعميم حادثة إجلاء يهود بني النضير على الحالات المشابهة للكفار، والنظر إلى نهايات الكفار الآخرين من خلالها، ولذلك نعتبر هذه الآيات وعداً قرآنياً بإهلاك الكفار الأعداء، على اختلاف الزمان والمكان، وقد تحقق هذا الوعد القرآني في نماذج وأمثلة عديدة للكفار، على مدار التاريخ الإسلامي!.
              من وجوه الشبه بين بني النضير ومن بعدهم:
              ومن وجوه الشبه بين ما جرى ليهود بني النضبر وبين من جاء بعدهم من الكفار الأعداء:
              1 - قوة بني النضير ومناعة حصونهم، بحيث كان الصحابة يفكرون في كيفية خروجهم وإخراجهم، وهي التي خاطب الله بها المسلمين بقوله: (مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا).
              وقد جاء كفار آخرون بعد بني النضير، ملكوا الكثير من مظاهر القوة والمنعة، بحيث كان المسلمون يفكرون في كيفية هزيمتهم، وإضعاف قوتهم والقضاء عليهم، وكانوا يعلمون بعجزهم عن مواجهتهم.
              وقد أُزيلت قوى كافرة في العصر الحديث، ما كان المسلمون يتوقعون إزالتها، كالإمبراطورية البريطانية والألمانية والفرنسية والاتحاد السوفياتي، وكهزيمة اليهود، واضطرارهم للانسحاب من جنوب لبنان (1)!.
              __________
              (1) حتى لا يتوهم البعض أن حزب الشيطان قد حقق نصرا على اليهود ودحرهم من جنوب لبنان فإننا نؤكد أن هذا الحزب هو في حقيقته حزب شيعي خبيث، يعمل وفق الاستراتيجية والأجندة الخمينية، وهو يسعى جاهدا لمنع أي قوى سنية من العمل ضد اليهود في جنوب لبنان .. وقد أمسى اليوم هو الحارس الأمين على الحدود الشمالية لدولة اليهود كما هو حال أشقائه غير الشرعين – النظام المصري والأردني – في حراسة بقية حدود دولة يهود. ولمعرفة حقيقة هذا الحزب الرافضي الخبيث راجع كتاب (رؤية كاشفة) للشيخ عطية الله. [منبر التوحيد والجهاد].
              2 - اعتمد بنو النضير على قوتهم ومناعة حصونهم، وأيقنوا أنها ستحميهم وتدفع عنهم كل خطر، حتى لو كان عذاباً من الله: (وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ).
              وهكذا الكفار في كل زمان ومكان، يُعجبون بقوتهم وقدرتهم، ويفاخرون بها، ويعتمدون عليها، ويوقنون أنها ستحميهم وتدفع عنهم .. وفي اللحظة الحرجة التي يحتاجون إليها فيها لا يجدون عندها ما يريدون! فيقعون مكشوفين أمام أمر الله وعذابه.
              وكم أُعجب الكفار المعاصرون بقوتهم، ولكنها تحطمت وقت حاجتهم إليها، فانهزموا وخسروا وهلكوا. لم تنفع هتلر قوته العظمى، فانهزم ودُمّرت ألمانية النازية التي أنشأها. ولم تنفع الاتحاد السوفياتي قوته العظمى أمام مجاهدي أفغانستان!.
              3 - أتى عذاب الله إلى يهود بني النضير من حيث لم يحتسبوا ولم يتوقعوا، لقد أَمِنوا مكر الله فخابوا وخسروا.
              وقد ذم الله الذين أمنوا مكره، قال تعالى: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ، أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ، أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) [الأعراف: 97 - 99].
              إن الله هو الذي يحارب أعداءه الكافرين، في كل زمان ومكان، ويختار لهم من آياته وجنوده ما يشاء، وفق حكمته وعلمه، فهو العليم الحكيم، ولذلك يفاجئهم سبحانه بأحداث لا يتوقعونها، ولا يستعدون لها، فتقضي عليهم.
              4 - السلاح الذي فاجأ الله به يهود بني النضير هو الرعب، الذي قذفه في قلوبهم، فقضى على معنوياتهم وعزائمهم وإراداتهم، واضطروا إلى الاستسلام، والنزول على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
              وهذا يدل على أهمية الإرادة والعزيمة والمعنويات العالية في المعركة، والأسلحة وحدها لا تنفع، مهما كانت قوية فتاكة، والاعتبار الأول لليد التي تحملها، والأعصاب التي تسيّرها وتوجّهها.
              5 - تُعلِّل الآيات ما جرى ليهود بني النضير، بأن سببه هو أنهم شاقوا الله ورسوله، وتقرر الآية أن كل من شاق الله ورسوله فهو خاسر هالك: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
              وهذا وعد من الله بهزيمة وخسارة كل من شاقّه، وحارب دينه، من الكفار، على اختلاف الزمان والمكان، وقد حقق الله هذا الوعد، وأوقع سنته في الكفار السابقين على الإسلام، والكفار المعاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم، والكفار الذين حاربوا الإسلام فيما بعد .. وهذا الوعد الصادق سيتحقق في كفار هذا الزمان!.
              التحالف بين اليهود والمنافقين:
              ثانياً: قوله تعالى: (أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ، لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ، لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ، كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [الحشر: 11 - 15].
              بينما تحدثت الآيات السابقة عن ما جرى ليهود بني النضير، فإن هذه الآيات تجمع بين المنافقين واليهود، وتخبر عن الوعد الذي وعد به المنافقون اليهود، وكذبهم فيه.
              وقد عرفنا من سبب تزول السورة أنه لما اشتد الحصار على يهود بني النضير اتصل بهم عبد الله بن أبي زعيم المنافقين، ووعدهم النصر والتأييد والمدد، وشجعهم على عدم الاستسلام، لكنه أخل بوعده وتخلى عنهم، وتركهم بواجهون مصيرهم الأسود وحدهم.
              تدعو الآيات إلى العجب من موقف المنافقين، حيث انحازوا إلى اليهود الكافرين، وانفصلوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين زعموا أنهم مؤمنون به، وتجعل الآيات المنافقين إخواناً لليهود في الكفر.
              قال المنافقون لإخوانهم اليهود الكافرين: لئن أخرجكم المسلمون من دياركم فإننا سنتضامن معكم ونخرج معكم، ولن نطيع أي أحد إذا أمرنا بمخالفتكم، مهما كان ذلك الشخص، حتى لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا قاتلكم المسلمون فإننا لن نكون معهم، وإنما سنكون معكم، وسننصركم عليهم، ونمدكم بالمدد من جماعتنا ضدهم!.
              وهذا الوعد يدل على متانة العلاقة بين اليهود والمنافقين، وضعف الصلة بين المنافقين والمسلمين، لأن المنافقين ليسوا مسلمين في الحقيقة، وإنما هم كفار إخوان لليهود في الحقيقة.
              ومع ذلك شهد الله بأن المنافقين كاذبون في وعدهم، وأنهم سيخلفونه؛ فإذا أُخرج اليهود لن يخرجوا معهم، وإذا قوتل اليهود لن ينصرونهم، وإذا حاول المنافقون الوفاء بالعهد ونصرة إخوانهم اليهود فلن ينتصروا، وسيولّي الفريقان المتحالفان الأدبار، ويُهزمون أمام المسلمين.
              نحن هنا أمام وعدين تذكرهما الآيات:
              الأول: وعد المنافقين بنصرة إخوانهم اليهود وتأييدهم.
              الثاني: وعد الله بكذب المنافقين، وخلفهم الوعد.
              ماذا حصل بعد ذلك؟.
              كذب المنافقون، وأخلفوا إخوانهم اليهود ما وعدوهم، لأن الخُلفَ في الوعد والعجز عن الوفاء به صفة ملازمة للكفار والمنافقين .. وصدق الله في ما وعد به وأخبر عنه، لأن الله لا يخلف الميعاد، وهو الأصدق في قوله سبحانه!.
              كذب وجبن المنافقين واليهود:
              وتجمع الآيات بين الفريقين المتحالفين: اليهود والمنافقون العرب، وتعتبرهما قوماً لا يفقهون، ولذلك يخافون من المؤمنين أكثر مما يخافون من الله، والمؤمنون أشد رهبة في صدورهم من الله.
              وتخبر الآيات عن جبن الفريقين اليهود والمنافقين، والجبن متجذِّر في الشخصية اليهودية أكثر، فهم لا يقاتلون المسلمين مجتمعين، ولا يواجهونهم مواجهة مكشوفة، وإذا اضطروا إلى مواجهتهم وقتالهم فإنهم يختبئون في قرى منيعة محصّنة، أو يتمتْرَسون وراء جدر وموانع وسواتر تحميهم.
              وهؤلاء اليهود يبدون في الظاهر متفقين متحدين مجتمعين، وهم حريصون على (التمثيل الإعلامي) وإصدار عبارات إعلامية كاذبة، يُعلنون فيها اتفاقهم واتحادهم. لكنهم في الحقيقة مختلفون متنازعون، وقلوبهم مشتتة متفرقة، لا يجمع بينها جامع، ولا يوحّد بينها شيء، حتى لو كان هذا الشيء خطراً ماحقاً مدمّراً.
              وهم الذين صدق الله في قوله عنهم: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) [المائدة: 64].
              العداوة والفرقة بين اليهود:
              فالعداوة والبغضاء متجذرة في قلوب اليهود، إلى يوم القيامة، ومهما حاولوا إخفاءها بالابتسامات، وزعم التعاون والمحبة والتنسيق، فهم كاذبون في ذلك. والناظر إليهم من بعيد يحسبهم مجتمعين، مع أن قلوبهم شتى، مختلفة متعادية متباغضة!.
              والحديث في هذه الآيات ليس خاصاً بذلك التحالف بين المنافقين ويهود بني النضير على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو عام يشمل كل تحالف وتعاون بين المنافقين واليهود حتى قيام الساعة.
              وهو ينطبق على الصلات السرية الخفية، بين منافقين عرب وبين اليهود، الذين أقاموا لهم دولة على أرض فلسطين، حيث مكّن المنافقون العرب لليهود، وتحالفوا معهم ووالوهم، وعملوا على تقويتهم ودعمهم.
              وحديث الآيات عن جبن اليهود وتباغضهم ليس خاصاً بأولئك اليهود زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هو عام يشمل اليهود في كل زمان ومكان، ولا بد أن نلحظ انطباق هذه الآيات وما فيها من وعود قرآنية على اليهود على أرض فلسطين، في هذه الأيام.
              إنهم جبناء، رغم ما بين أيديهم من مظاهر القوة والتمكين، والأسلحة الحديثة المتقدمة، ولا يقاتلون المجاهدين على أرض فلسطين قتالاً مباشراً، يقوم على شجاعة وبسالة المقاتل، جنديهم جبان، لا يجرؤ على مواجهة المجاهدين مواجهة، ولهذا يختبئون خلف (قُرًى مُّحَصَّنَةٍ) معاصرة، تتمثل في ثكناتهم وقواعدهم العسكرية، والأسلاك الكهربائية الإلكترونية، كما أنهم يقاتلون: (مِن وَرَاء جُدُرٍ) معاصرة تتمثل في الطائرات والدبابات والمصفّحات!
              وإذا ما اضطر هؤلاء الجنود اليهود إلى مواجهة المجاهدين مواجهة قتالية، فإنهم يجبنون ويخافون ويرتعدون، ويفرون منهزمين، وقد سجل التاريخ الحديث نماذج وأمثلة عديدة لجبن اليهود أمام المجاهدين، في فلسطين ولبنان وغيرهما.
              هذا وهم يملكون مختلف مظاهر القوة المادية العسكرية، فكيف يفعلون في المستقبل، عندما يواجهون جيوشاً إسلامية مجاهدة؟!.
              وسترى الأجيال الإسلامية المجاهدة القادمة تحقق وعد القرآن عملياً، عندما تجاهد اليهود جهاداً كبيراً: (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى).
              * ... * ... *

              تعليق

              • السعيد ابراهيم الفقي
                رئيس ملتقى فرعي
                • 24-03-2012
                • 8288

                #41
                الفصل الثاني عشر الوعد القرآني في سورة الصف

                سورة الصف مدنية، وحديث السورة عن (الصف) الإسلامي المجاهد، الذي يرفع راية الإسلام، ويجاهد أعداء الله.
                وتبدأ السورة بتقرير تسبيح الكون وما فيه لله، وتلوم الذين تخالف أفعالُهم أقوالَهم، وتدعو إلى التخلي عن (الازدواجية) بين الفكر والسلوك، وتخبر أن الله يحب المجاهدين صفاً متماسكاً متحداً.
                ثم تشير آيات السورة إلى حلقات سابقة من الصف الإسلامي قبل الإسلام، فتذكر صفَّ المؤمنين بموسى عليه السلام، ثم صفَّ المؤمنين بعيسى عليه السلام، وتنتقل إلى صف المؤمنين بالرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، الذين انتهى إليهم الموكب الإيماني كله. وتبين الآيات عداوة الكفار للمؤمنين، وتدعو المؤمنين إلى جهادهم، وتعتبر الجهاد في سبيل الله هو التجارة الرابحة، وتقدم بعض ثمرات الجهاد ومكاسبه في الدنيا والآخرة، وتختم السورة نداءها الأخير للمؤمنين ليكونوا أنصار الله، وأن يقتدوا في ذلك بالحواريين المسلمين، الذين لبّوا نداء عيسى عليه السلام، فكانوا أنصار الله.
                فالسورة جهادية حركية تربوية، تأخذ بيد المسلمين، وتوقفهم في الصف الإسلامي المجاهد، وتهيّجهم على جهاد الأعداء!.
                ومن الآيات التي تحمل وعوداً قرآنية قاطعة صادقة، وحقائق قرآنية بينة واضحة:
                ظلم أهل الكتاب لكذبهم وافترائهم:
                أولاً: قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [الصف: 7 - 9].
                تقرر الآيات أنه لا أحد أشد ظلماً من ذلك الكافر الكتابي، الذي يُدْعى إلى الدخول في الإسلام، لكنه يرفض تلك الدعوة، ويفتري على الله الكذب.
                كما تقرر أن هؤلاء الكافرين الظالمين محاربون للإسلام، حريصون على إطفاء نوره، ولكنهم مهزومون، فالله متم نوره، ومظهر الإسلام على الدين كله.
                (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ)؟ الاستفهام في الآية تقريري، يقرر حقيقة قاطعة، أنه لا أحد أكبر ظلماً من الذي يكذب على الله، في حالة دعوته للدخول في الإسلام.
                ومن السنة للمسلم عندما يقرأ هذا السؤال أو يسمعه أن يجيب قائلاً: لا أحدَ أظلم منه.
                والحديث في الآية عن أهل الكتاب من اليهود والنصارى، لأن الآيات السابقة تتحدث عنهم، وتذمّهم لتكذيبهم بالرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، وهو ما صرّحت به الآية السابقة: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ).
                أي: لما جاءهم الرسول الخاتم أحمد صلى الله عليه وسلم بالبينات والبراهين كذّبوه، واتهموه بأنه ساحر، وأن ما معه سحر.
                وجوب دخول أهل الكتاب في الإسلام:
                والمراد بالإسلام في قوله: (وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ) الإسلام الخاص الذي جاء به الرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم.
                وهذا معناه أن الأديان السابقة نسخها الله، ومنها اليهودية والنصرانية، وأن أتباعها مأمورون بالدخول في الإسلام، والدعوة موجهة لهم، وأنهم لن يدخلوا الجنة إلا إذا استجابوا لها وكانوا مسلمين.
                وعلى هذه الحقيقة آيات عديدة، نكتفي منها بقوله تعالى: (فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [آل عمران: 20].
                عندما تُوجَّه الدعوة لليهودي أو النصراني للدخول في الإسلام فإنه –غالباً- يرفض الدعوة، ويفتري على الله الكذب، فلا يعترف أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو رسول الله، ولا أن القرآن كتاب الله، وهذا افتراء وكذب على الله، ولهذا كان هذا المفتري أظلم الناس.
                وبما أنه أظلم الناس، فإنه الله لا يهديه، أي لا يوفقه لقبول الإسلام، والله لا يهديه ولا يوفقه لأنه هو الذي بدأ ذلك، برفضه الدعوة إلى الإسلام، وسنة الله أنه إذا رفض إنسان الهدى فإنه يكون ظالماً، والله لا يهدي القوم الظالمين، ولا يوفهم للخير.
                حرب أهل الكتاب للإسلام:
                وبعدما تحدثت الآيات عن كفر أهل الكتاب وظلمهم وتكذيبهم بالحق، انتقلت للحديث عن جريمة فظيعة من جرائمهم، وهي حربهم للدين الحق، فقالت: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ).
                موقف أهل الكتاب من الإسلام الدين الحق يقوم على خطوتين:
                الأول: الكفر به، ورفض الدخول فيه.
                الثانية: حربه ومواجهته، والحرص على إطفاء نوره والقضاء عليه.
                والخطوة الأولى قادت إلى الخطوة الثانية، وانتهت إليها، وهم بذلك قد ضلوا بأنفسهم، ثم أضلوا غيرهم، وحرموا أنفسهم من الحق، ثم عملوا جاهدين على حرمان غيرهم منه.
                وعبرت الآية عن حربهم للإسلام بفعل (يُرِيدُونَ)، الذي يدل على أن موقفهم من الإسلام مبني على الإرادة، وليس موقفاً عرضياً سرعان ما يتغير، إنهم يعرفون ما يفعلون، ويقصدون ما يفعلون.
                وجاء فعل (يُرِيدُونَ) بصيغة الفعل المضارع، ليدل على أن هذه الإرادة عند الكفار مستمرة متجددة متواصلة، لا تتوقف، وتزداد رسوخاً وتمكناً، وتتقوّى مع مرور الأيام، فلا تزول ولا تتلاشى.
                والمراد بنور الله في الآية: الإسلام، دين الله الذي ختم به الأديان، ورضيه للمسلمين ديناً، وطالب جميع الناس الدخول فيه، وهو نور لأنه يدل المسلم على ما يريده الله منه، ويوجبه عليه، وهو هدى يهديه الطريق.
                يريدون إطفاء نور الله بأفواههم:
                وعبرت الآية عن جهود الكفار العديدة المتواصلة لحرب الإسلام بقولها: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ)، وهي ترسم للكفار صورة ساخرة، على أساس طريقة (التصوير القرآني) اللطيفة.
                إننا عندما نقرأ قوله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) نتخيل في خيالنا المصوِّر صورة مجموعة من الرجال السذج البلهاء، يقفون في الشارع، في ظهر يوم صيفي حار، وقد آذاهم حر الشمس، وأرادوا التخلص منه، فراحوا ينفخون على الشمس ليطفئوها! وهي حركة سخيفة ساذجة!.
                وهكذا محاولات الكفار لحرب هذا الدين، إنها محاولات فاشلة خاسرة، ولن ينجحوا في هدفهم، وما أسلحتهم في حرب الإسلام إلا أنفاس ضعيفة، لا
                تتجاوز أفواه أصحابها، وصدق فيهم القائل:
                كناطح صخرة يوماً ليفلقها ... فلم يضِرْها وأوهى قرنه الوعِلُ
                لماذا لا يقضون على الإسلام؟:
                لماذا لا ينجح الكفار في القضاء على الإسلام؟.
                لأن الإسلام هو نور الله، الذي ينير للناس حياتهم، ويبدد الظلمات من حولهم، ولأنه لا نور ولا هدى ولا حق في غيره، وقد رحم به الله الناس جميعاً، وأسعدهم به في الدنيا والآخرة، إن هم قبلوه وأخذوه والتزموا به! فإن نجح الكفار في القضاء عليه أوقعوا الناس في الظلام والضياع والضلال، والله الحليم الرحيم يأبى ذلك!.
                ثم إن نجاح الكفار في القضاء على الإسلام معناه أنهم غلبوا الله وأعجزوه، وأوقفوا قدره، ووقفوا أمام إرادته، وعطلوا مشيئته!! وهذا مستحيل عقلاً وشرعاً، فالله سبحانه هو القوي العزيز، القادر القاهر، غالب على أمره، ينفذ مشيئته، ويحقق إرادته، ولا يعجزه سبحانه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا تقف أمامه أية قوة مهما عظمت!!.
                وقد أخبرت الآية عن هذه الحقيقة بقولها: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ). والإتمام هنا بمعنى الإكمال. و (مُتِمُّ) اسم فاعل. والتعبير باسم الفاعل هنا للدلالة على الثبات والاستقرار.
                والحقيقة المقررة هنا إتمام وإكمال الإسلام، وقد أكدت هذه الحقيقة آيات أخرى من القرآن كقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً) [المائدة: 3].
                الله متم نوره وناصر دينه:
                الله متم نوره، وناصر دينه، ولو كره الكافرون ذلك، ولو حاربوا دينه، وأرادوا إطفاء نوره بأفواههم، فكرههم لا قيمة له عند الله، وحربهم لدينه معروفة نهايتها سلفاً، قبل خوضهم لها.
                ووضحت السورة معنى جملة: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ) في الآية التالية مباشرة: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).
                (رَسُولَهُ) المذكور في الآية هو خاتم الرسل والأنبياء، صلى الله عليه وسلم.
                و (دِينِ الْحَقِّ): هنا هو الإسلام، الذي جاء به خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم، ووصفه بالدين الحق، يدل على أن ما سواه من الأديان باطل، حتى لو كان أصلها سماوياً، كاليهودية والنصرانية، لأن أصحابها حرّفوها، فنسخها الله.
                وكونها ليست الدين الحق، ورد صريحاً في قوله تعالى: (قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: 29].
                واللام في قوله: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ): لام العاقبة: أي: عاقبة ونتيجة إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم بالإسلام الدين الحق هي أن يظهره الله على الدين كله.
                والإظهار هنا بمعنى النصر والغلبة، والظهور والتمكن والسيادة.
                والمراد بالدين كله هنا: جميع الأديان، ذات الأصل السماوي، وذات الأصل الأرضي البشري، والمذاهب والأفكار والمبادئ والنظم التي يؤمن بها الناس ويدعون إليها.
                الوعد بإظهار الإسلام على الدين كله:
                الله سيظهر الإسلام على هذه الأديان والمذاهب كلها، وسيبقى الإسلام ظاهراً منتصراً عليها حتى قيام الساعة.
                وسبق أن أشرنا إلى أن ظهور الإسلام على الدين كله له جانبان:
                الأول: ظهور مادي: يتمثل في رسوخ الإسلام وقوته، والتمكين له في بلاد المسلمين، وفشل جهود الكفار في القضاء عليه وإزالته في هذه البلاد.
                ورغم إقصاء الإسلام عن الوجود السياسي في بلاد المسلمين، فإنه راسخ متجذر في هذه البلاد.
                الثاني: ظهور معنوي: يتمثل في قوة حجج الإسلام وبراهينه، ووضوح حقائقه وتشريعاته، والانتصار لمضامينه وتوجيهاته .. إن حجة الإسلام هي الأقوى، بحيث لا يقف أمامه فكر أو دين أو مذهب، وما من لقاء فكري بين الإسلام وغيره إلا كان الإسلام فيه هو الظاهر الغالب .. وما من مفكر أو داعية اشترك في حوار أو نقاش أو مؤتمر، مع أي مفكر يتبع أي دين أو مذهب، إلا كان المفكر المسلم هو المنتصر، لأنه يتكلم بالحق، وخصمه يتكلم بالباطل، والحق ظاهر دائماً على الباطل، كما قال تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) [الأنبياء: 18].
                إظهار الإسلام في سورتي الصف والتوبة:
                وهذه الآيات من سورة الصف قريبة من آيات أخرى في سورة التوبة، ومعلوم أن سورة الصف نزلت قبل سورة التوبة، لأن سورة الصف تُرغِّب المسلمين في الجهاد، وهذا كان في السنوات الأولى بعد الهجرة، أما سورة التوبة فقد كان نزولها متأخراً، بعد السنة التاسعة من الهجرة، لأن نزولها كان بعد غزوة تبوك.
                ورغم أن الآيات في السورتين تقدمان وعداً قرآنياً صادقاً جازماً بانتصار الإسلام وظهوره، إلا أن بينها بعض الفروق في التعبير.
                قال تعالى في سورة الصف: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [الصف: 8 - 9].
                وقال تعالى في سورة التوبة: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة: 32 - 33].
                الآية الثانية في السورتين واحدة، ولا فرق في كلماتها وصياغتها وتعبيرها. إنما الفرق في الآية الأولى.
                تتكون الآية الأولى من ثلاث جمل:
                الأولى: قال في سورة الصف: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ). وقال في سورة التوبة: (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ).
                المفعول به لفعل (يُرِيدُونَ) في سورة الصف محذوف، وجملة (لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ) تعليلية، تعلل للمفعول به المحذوف، فهي في محل نصب مفعول لأجله، والتقدير: يريدون حرب الإسلام لإطفاء نور الله.
                بينما المفعول به لفعل (يُرِيدُونَ) في سورة التوبة هو المصدر المؤول. والتقدير: يريدون إطفاء نور الله بأفواههم.
                الثانية: قال تعالى في سورة الصف: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ). وقال في سورة التوبة: (وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ). فالتأكيد في آية سورة التوبة أكثر منه في سورة الصف.
                الثالثة: في السورتين واحدة: (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).
                والملاحظ أن الوعد في سورة التوبة أكثر تأكيداً منه في سورة الصف، لأن سورة التوبة نزلت بعد سورة الصف بسنوات .. ولكن السورتين تلتقيان على تأكيد تحقق الوعد القرآني بانتصار الإسلام وظهوره والتمكين له، واستمرار هذا الوعد حتى قيام الساعة.
                * ... * ... *

                تعليق

                • السعيد ابراهيم الفقي
                  رئيس ملتقى فرعي
                  • 24-03-2012
                  • 8288

                  #42
                  بسم الله الرحمن الرحيم

                  (وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ)


                  [الرعد: 31].

                  تعليق

                  • السعيد ابراهيم الفقي
                    رئيس ملتقى فرعي
                    • 24-03-2012
                    • 8288

                    #43
                    (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [الصف: 8 - 9].

                    تعليق

                    يعمل...
                    X