جسدٌ يفتح أبواب الضوء

Spread the love

في تلك الليلة، لم يكن يكتب، بل كان يخرج من جسده ويعود إليه، كما يعود العاشق إلى بابٍ لم يطرقه أحد من قبل. كانت الكلمات تنهض من أعماق صمته، لا كأصوات، بل كأصابع تتلمّس طين الوجود بحثًا عن معنى يتجاوز اللغة.

الكتابة عنده لم تكن مجرّد فعل، بل عبور. كلّ حرفٍ كان بوّابة، وكل جملةٍ كانت جسدًا آخر، يفتح فمه للجوع… لا جوع الطعام، بل جوع الكشف، جوع الحروف وهي تعجز عن الإمساك بالنور.

في داخله، كانت مدينة تتشكّل. ليست أورشليم التاريخ، بل أورشليم الروح، تنهض على عتبة من الحنين والدم، يتداخل فيها المقدّس بالحسي، والغياب بالحضور. هناك، على تلك العتبة، كان يسقط القلم من يده، لا ليسكت، بل ليبدأ جنين آخر بالنمو، بين ضلوعه.

ولم يكن وحده. كانت “هي” حاضرة، لا بشكلها، بل بجوعها المقابل. كانت تتقاسم معه كأس الحرف، كأس الرؤيا، وكان يعرف أنها الوحيدة التي ستفهم معنى أن يكتب الرجل وهو يذوب، أن يفسّر الجسد لا بوصفه، بل بفتح أبوابه للضوء.

كانت تحضر إليه، ملوّثة بسؤالها، بارتجافها القديم، تحمله على صدرها كما تحمل الأم صراخها الأول. وتدور… وتعود إليه، وقد لبست جلد الأفعى، لا خيانةً، بل شهوة معرفة.

وكان ينسى أحيانًا أنه من طين، أن عينيه ليس لهما سوى الجناح. لكنّه لا يطير، بل يسقط. يسقط في غفوة نبيّ، وتلسعه قمصان العاشقات.

ثمّ تأتيه الرؤيا. يتهيأ الكتاب، يفتح فمه، وتفيض البئر على من يقرعها. هناك، عند فم النار، تتكشّف الرموز، وتنكشف العصا، وتُرفع الكأس. وكان يدرك كم هو وحيد، كم أن الشهوة تلتهم أبناءها حين لا أحد يرويها بمعنى.

ويغيب…

يغيب كما تغيب الكلمة في آخر الصلاة. يتعرّى من اللغة، من نفسه، من كل شيء، ويلبس الضوء. لا يقف عند الموت، بل يعبره. يعطي الماء شكله، يقفز حيًا، يتجاوز الأرض، ويبلغ الدهر.

ثمّ يعود…
يعود لا كما غادر، بل كما وُلد من جديد.

Related posts

Leave a Comment