رسالة من داخل السّجن

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مصباح فوزي رشيد
    يكتب
    • 08-06-2015
    • 1272

    #46
    الجزء الرّابع
    (3)
    وتمضي الأيام، وكلّما مرّ يوم ازدادتْ معه المعاناة وازداد الأمر تعقيدا. وكان لا بُدّ من مخرج لنا جميعا. وليس هناك من حلّ لاتمام ما بُني على مكالمة مجهولة سوى محاولة نزع الاعتراف وبكل الطّرق من " الشّايب* حمّو" الذي فاق الثمانين، و الذي تربطني به صلة قرابة. ابن خالة أبي الذي أنكر في الأوّل، لكنّه تحت التهديد والوعيد و بتحريض من أولاده وبعض أخوته، وظنّا منه أنّه قد ينجو من العقاب، اعترف بتسليمه مبلغ خمسة آلاف دينار جزائري لغريمي المجرم. والاعتراف سيّد الأدلّة، كما جاء في القانون.
    لقد استطاع غريمي، المجرم، الصّعلوك، الوصول إلى "الشّايب* حمُّو" وإغرائه بقُسيمة تتضمّن وعدا بالتنازل عن محلٍّ تجاريٍّ بقرية "وادي الداموس" (النّموذجية التّابعة إداريّا لبدية وادي الكبريت، كان قد حصل عليه عن طريق المستفيد الأصلي خلافا لبنود العقد الشرعي الذي يمنع التأجير من الباطن) مقابل المبلغ المذكور. وكان الوسيط بينهما " الدّاودي" وهو الذي تربطه صلة رحم بغريمي، ويزعم أنه عمّه من الرّضاعة. وكان هذا الشّخص الذي يعاني من مرض الأعصاب، بسبب الغاز الذي تعرّض له إبّان ثورة التّحرير -حسب رواية بعض أقاربه-، قد استفاد من منحة المجاهد، ومن منصب شغل بمقر البلدية حيث كان يعمل بها كعون استقبال قبل أن يحصل على منحة تقاعد، ومن محل لممارسة التّجارة بقرية "وادي الداموس" التي يقيم بها.
    وفي إحدى اللّيالي دخل علينا " الشّايب* حمُّو" صاحب الثّمانين عام في حالة مزرية؛ كطفل رضيع افتقد أمّه. وكانت ليلة شديدة البرودة ولم يكن لديه ما يكفي من اللّباس. فأشفقتُ عليه، وقمتُ إلى معطفي الوحيد فنضوتُه وحموتُه به، مراعاة لسنّه الكبير ولصلة القرابة التي بيننا. لكنه في أوّل زيارة، وفرصة مناسبة له، شكاني لأحد إخوته زاعما أنّه يتعرّص للمضايقة منّي بسبب اعترافه بالجرم!
    احتسبتُ إلى الله وأوكلتُ أمري إليه.
    ألا (لعنةُ اللهِ على الرّاشِي والمُرْتَشِي).

    لقد حاول الرّئيس الرّاحل "هواري بومدين" من خلال ايديولوجيته الاشتراكية أن يقضي على البورجوازية والانتهازية وبعض الامتيازات العبثيّة، و كما حاول من خلال بناء ألف قرية نموذجية القضاء على التهميش والفوارق الاجتماعية، ومنها قرية "وادي الداموس" الاشتراكية التي تم تشييدها على أنقاض أكواخ المهجّرين قسرا، وقرارات صاحب الموستاش* مول السّيجار و البرنوس كما هو معروف لا تُناقش أبدا.
    ولقد شكّلت هذه القرية التي تضمّ أزيد من مئتي سكن بالإضافة إلى المرافق العمومية المتمثّلة في فرع إداري، ومصحّة، ومركز ثقافي، ووكالة بريدية، ومسجد، ومدرسة ابتدائية، وعدد لا بأس به من المحلاّت التّجارية...، مصدرا للتكسُّب غير المشروع لدى المتنفّذين من الأشخاص، وبعض من أعضاء المجلس الشعبي البلدي الذين، ليس فقط لم ينصفوا أصحاب الأكواخ المهجّرين خلال دراستهم للملفّات وإعدادهم لقوائم المستفيدين، بل إن كل عضو منهم كان يخبئُ تحته قائمة معدّة مسبقا تتضمّن أسماء أقربائه وجملة أحبابه وبعض أصدقائه ومن ليست لديهم علاقة لا بالبلدية ولا بالسّكن، كما هو الشّأن بالنّسبة لبعض المغتربين الذين استفادوا بسكنات ومحلاّت تجارية في هذه القرية اليتيمة.
    .
    .................................................
    الشّايب* الشّيخ أو الرجل الكبير في السن.
    الموستاش* الشّوارب

    التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 04-03-2021, 10:43.
    لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

    تعليق

    • مصباح فوزي رشيد
      يكتب
      • 08-06-2015
      • 1272

      #47
      الجزء الرّابع
      (4)
      كان اكبر طموح لديّ هو حين اتفرّغ من جميع الأعمال العالقة لأتحرّر في المساء. ليس من باب التفاني ولكنّه الرّوتين المثير للإشمئزاز. وكم حاولوا إغرائي بمنصب أمين عام بإحدى الدوائر، وحتى أنّني لم أرضِ بالمنصب السّامي الذي عرضه عليّ أحد المعارف من بلدتي "مداوروش"، وكان يومها يعمل برئاسة الحكومة -جزاه الله عنّي كل خير-، والذي أرسل إلى والدي يخبره بالأمر عساي ولعلّني أتراجع وأرسل إليه بالملف المطلوب. لكن رعونتى كانت أدهى من توسّلاته المغرية، وهو ما أغضب والدي الذي يئس منّي ومن دعوتي.
      لم يكن هروبي من المسئولية وقتها ينمّ عن دراية أو تجرية، بقدر ما كان يعبّر عن فجاجة ورعونة. فأنا لم أكن جادّا في كثير من الأمور ولو مرّة في حياتي. الأمر الذي ربّما تفطّن له رئيس دائرة "أم العظائم" ودفع به إلى اقتراحي في منصب مندوب على رأس بلدية "وادي الكبريت"، اعتقادا منه أن ذلك سيمكّنه، هو وجماعة المتآمرين معه، من تزوير الانتخابات المحليّة بسهولة تامّة.
      ويشاءُ ربُّك أن يفضح هؤلاء ومخطّطاتهم؛ وفي أحد الأيّام اغتنم رئيس الدّائرة "الأهوج" فرصة غيابي من البلدية فركب سيارته وقدم إلى البلدية مسرعا أين قام بتوقيف عدد من الزّملاء المرشّحين لانتخابات تجديد المجالس البلدية، لأنّهم ينتمون إلى أحزاب إسلامية. وكما قام أيضا بغلق مكاتبهم الواحد تلو الآخر وأخذ معه المفاتيح. علمتُ بذلك من خلال مكالمة جاءتني من موظّفة استقبال معروفة بإبائها. كنتُ حينها في "مداوروش" ولم يكن لديّ خيارات كثيرة، فسارعتُ إلى مكتبة قريبة وجدتُ فيها كل المستلزمات، من أقلام و أوراق وتجهيزات مختلفة مثل الفاكس وغيره...، وطلبتُ من صاحبها ورقة بيضاء نموذج أربعة وعشرين(24)، وكتبتُ إلى الوالي أقول:
      " سيّدي والي ولاية سوق أهراس، تحيّة واحترام ثمّ أما بعد؛ نظرا للضّغوطات اللاّمهنية التي أتعرّض لها... يؤسفني ونحن على أبواب الانتخابات البلدية أن أرسل إليكم هذه الرسالة لأخبركم أنّني قرّرتُ تقديم استقالتي من منصب رئيس مندوبية بلدية وادي الكبريت بالتاريخ المذكور. تقبّلوا منّي فائق الاحترام والتقدير.". وأمضيتُ عليها وختمتها، وقمتُ بإرسالها عبر الفاكس مباشرة إلى ديوان الوالي بـ "سوق اهراس"بعد حصولي على الرّقم من أحد موظّفيه. ونظرا لخطورة الأمر؛ وكنا حينها على أبواب الانتخابات التي تحرس الإدارة المحليّة على تزويرها بكل الوسائل والطّرق، فقد طلب الوالي رئيس الدائرة ولم يعثر عليه في مكتبه بمقر دائرة "أم العظائم"، فترك له رسالة فيها من الوعيد والتّهديد ما جعل هذا الأخير يلجأ إلى العصابة المتورّطة معه، بنيّة التزوير المبيّت، الممثّلة في بعض المدمنين على الانتخابات المولوعين بحبّ السّلطة والزّعامة، وأرسل إليّ يطلب منّي الحضور إلى مقر البلدية.
      جلسنا كالإخوة الأعداء: "القصّة الرّوسية المشهورة؛ الأب الفاسد وبنيه الأربعة الذين ليس يقرّبهم سوى المصلحة أو العداوة التي تفصل بينهم". وخيّم الصّمت، ولم يجد ممثّل منظّمة المجاهدين، الذي أعرفه جيّدا وسبق له أن عمل معي كرئيس بلدية، ما يقوله. ولا غيره من الحاضرين الذين رضخوا في النهاية لشرطي الوحيد: أن لا يتدخّل أحد في مهامي قبل تسليمها في اليوم المحدّد.
      "الشلاغم شلاغم سيدي والحكومة حكومة لالّـا*"
      - المثل الجزائري المعروف-
      …………………………………………………………..
      الشلاغم*هو الشّارب في المغرب والجزائر وتونس . قيل : الكلمة عربية مأخوذة من لحية سلجم بمعنى الشديدة الوافرة الكثيفة، أي اللّحية الكثّة . وقيل : الكلمة أمازيغيّة وأصلها شلغوم جمع شلغام وهو الشّارب الكث الكثيف.
      لالّـا* متداول بكثرة في المغرب العربي وخاصة في تونس والجزائر ومعناه السيّدة الآمرة التي تتمتّع بالسّلطة والنّفوذ، ويدلّ أيضا على الغنج و الدّلال.

      التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 19-03-2021, 05:58.
      لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

      تعليق

      • مصباح فوزي رشيد
        يكتب
        • 08-06-2015
        • 1272

        #48
        الجزء الرّابع
        (5)
        سنوات التّهميش التي قضيتها في السنوات الأولى كانت كافية لتحطيم ما تبقى في نفسي من كرامة وشرف. وبمرور الأيّام عرفتُ أن فرض النّفس لا يتأتّى من العدم، ولا حتّى عن طريق الكفاءة والمستوى، لأن الذين بيدهم القرار والحل والرّبط لم يشغلوا الكراسي، التي زاحموا الآخرين فيها "بالمنكب والسّاق" وبذلوا النّفس والنّفيس وكلّ ما في وسعهم ولديهم بغرض الوصول إليها وأزاحوهم عنها، عبثا أو إرضاء للسذّج أمثالي. والكفاءة في الإدارة الجزائرية تعني الانصياع و الإذعان، وأن تكون صحيح الوجه ليس في قلبك ذرّة رحمة ولا في وجهك قطرة دم، وانتهازيا و فاسدا حتّى النّخاع. وقد دفعتُ ثمن تجاهلي لهذه القاعدة "البراغماتية" و الغائيّة المضلّة.
        وجدتُ السرّ في الصّبر على الأيّام، وبالتماهي معهم وكتم الأسرار، و[
        إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ]؛ لم أشعر بالأيام وهي تمرّ مرور الكرام، غدوتُ فيها كحقيبة في يد الغير، وتحوّلتُ فيها من شاب بريء إلى شخص فاقد للضّمير. ومع ذلك كنتُ أنتظر معجزة من السّماء تنقذني ممّا أنا فيه ولم أفقد الأمل، إلى أن جاء اليوم الذي شقّ فيه نور اليقين عتمة الفجور، والعبث الذي ضيّعني. وفي إحدى اللّيالي من تلك التي تشبه بعضها في التيه والمجون، رأيتُ فيما يرى النّائم آية قرآنية كُتبتْ حروفها العربية العريضة بلون السّماء على جبل "مخيريقا"الأخشب الذي احتلّ مكانة مميّزة في قلوب المؤمنين البسطاء، وعلى مرمى حجر منه مكان تُقدّم فيه القرابين في زردة "فاطمة السوداء" الوليّة الصّالحة المعروفة.
        نهضتُ مرعبا وقد تجلّتْ معالم الهداية في آية كريمة كُتبتْ أحرفها بمداد من اليقين الذي لا يخامره شكّ ولا يعتريه باطل. فكنتُ أُحدّث هذا عنها وذاك هنا وهناك، وفي كل فرصة ومناسبة. وبقيتُ انتظر الفرج من الله، وأعوذ بالله من ظلم أقترفتُه بسبب الجهل والنّزق؛ فإن المرء الجهول لا ينتبه إلى فداحة ما اقترفته يداه إلاّ حينما يتعرّض لأنواع البلاوي والشّدائد، عندها فقط يشعر بالخيبة والنّدم. لكنّه في كل مرّة يتهاون ويؤخّر التّوبة ويسوّف... والموت يأتي بغتة دون إشعار مسبق. وبمرور الوقت الذّنب يكبر وينمو كالفطر، والنّدم يتحوّل بعد ذلك إلى ألم ينخز ويلسع. وأخطر الذّنوب تبقى عالقة بالذّهن و لا تسقط من الذّاكرة بعد التّوبة، ولا حتى بعد الموت.
        وبناء على ما سبق، فقد قرّرتُ أن أنسحب من حياة الزّيغ والفجور، وأنجو بنفسي من مقصلة العذاب، وأعمل صالحا و أتوب... ولعلّني بذلك أكفّر عن بعض هذه الذّنوب. ولذلك لم أُضيّع أوّل فرصة جاءتني في مندوبية "بعض الشّهور"، والتي بيّتوا فيها بنيّة تزوير الانتخابات البلدية، ومن خلال تعييني على رأس هذه المندوبية البائسة، ولفائدة شخص مهذّب ولطيف، لكنّه ضعيف البنية والشّكيمة لا تتوفّر فيه أدنى شروط المسئولية. ولأن من يسيطرون على الإدارة الخبيثة المتعفّنة لايهمّهم الشّخص بقدر ما يهمّهم خضوعه وإذعانه، وشعارهم في ذلك هو: [Etre bete et discipliné]. بمعنى: كن "كلبا" غبيّا ومطيعا في آن واحد كي يرضوا عنك و تنال ثقتهم.

        التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 25-03-2021, 11:31.
        لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

        تعليق

        • مصباح فوزي رشيد
          يكتب
          • 08-06-2015
          • 1272

          #49
          الجزء الرّابع
          (6)
          تمّ استدعائي من طرف رئيس دائرة "أم العظائم" رفقة بعض الزّملاء، أين قام بتسليمنا محاضر نتائج الاقتراع و اطلاعنا على توصيات والي الولاية القاضية بتحديد قائمة الفائزين مسبقا أيّامًا قبل الاقتراع. وجاء دوري في استلام المحاضر وما تبعها من وثائق وأختام وأوامر بإنجاح قائمة "الأرندي"* و"الأفلان"*. كنتُ أعرف بأنّ الأمور لن تمرّ هذه المرّة بسلام، وأن الإدارة التي قامت بتعييني لم يعد بإمكانها تغييري وأنّه قد فات الأوان. لكن القائمين الذين قاموا بتعييني، وصبروا على مضض الغُصص، لسان حالهم كان حينها يقول: "كي يحضر الكلام يحضر جوابه". وأما العبد السّاذج، ضعيف الحيلة والقوّة، فلسان حالي كان يردّد مقولة : "يمين البكّوش* في صدره "، وقلتُ في نفسي: سأُريهم إن كنتُ حصانهم الأسود أو الدّاكن عند استلامي للمهام.
          وتشاء الأقدار أن تلامس طفلة يتيمة الأب وفي سن البراءة في اليوم الأغر، عمود الإنارة العمومية، وتلفظ أنفاسها قبل وصولها إلى مصلحة الاستعجالات بمدينة "لعوينات"، التّابعة لولاية "تبسّة" الحدودية والتي لا تبعد سوى بعض الكيلومترات عن مقر بلدية "وادي الكبريت".
          شكّل هذا الحدث المأساوي المروّع فرصة لدى بعض المناوئين، الذين اغتنموا فرصة العزاء ليقوموا بتحريض والدة الضّحيّة المسكينة، وطلبوا من الأم المكلومة أن ترفع دعوى قضائية ضد البلدية بتهمة "التهاون في القيّام بالمهام". [مصائب قوم عند قوم فوائد].
          حدثتْ بعد ذلك مناوشات داخل بعض المكاتب أين تجري عملية الاقتراع، وعلمتُ من أحد الأعوان أن رئيس فرقة الدرك كان من وراء إثارة البلبلة وسط بعض السذّج المغفّلين. وتأكّد لي ذلك من خلال رفضه السّماح بتسخير قوّة الدّرك لتهدئة الأمور، ومن خلال امتناعه عن مرافقتي إلى الدّائرة لتسليم وثائق النّتائج النهائية بعد غلق المكاتب و الانتهاء من عمليات الفرز.
          ومن المعلوم أن جهاز الدرك الوطني يعتبر محايدا فيما يتعلّق بالإنتخابات المحليّة، سواء في الأعراف أو حتى في نظر القوانين. لكن غريمي، هذا المساعد* الذي تمّ نقله إلى بلدية "وادي الكبريت" لأسباب تأديبيّة -كما جرى خبره على بعض الألسنة قبل مجيئه حتّى -، أراد إذلالي من خلال بزّته العسكريّة ومن خلال لكنته "الشّاوية"* التي ضحك بها على الذّقون، والذي ركب رأسه ونصب العداء والكراهية لي بلا سبب وجيه ومنطقي ... فقلتُ في نفسي إذا كان رأس مال هذا "اللمّوشي" أو "النمّوشي"* هو " التّاغنّانَتْ"* كما يّقال، فأنا الآخر شاوي* و"طريق الشّاوي بين عينيه" -كما جاء في المثل-؛
          فبعد قيامي بتحرير المحضر، حسب النتائج المعلنة وليس حسب الأوامر و التعليمات التي تلقّيتُها في الدّائرة، خرجتُ مسرعًا وتعمّدتُّ تركه ورائي. وكان هذا أوّل تحدٍ بالنّسبة لي.
          .................................................. . . .....
          - الأرندي*(R.N.D) التّجمع الوطني الديمقراطي هو حزب سياسي في الجزائر.
          - الأفلان* جبهة التحرير الوطني (ج ت و) (وتـُعرف بالاختصار( FLN) اسمها (بالفرنسية: Front de libération nationale)‏ ). هو حزب سياسي في الجزائر.
          - البكّوش* بْكُّوشْ أبكم ، لا ينطق . سَاكْتْ كِي لبْكُّوشْ : صامت كأنه أبكم .
          - مساعد* مساعد (بالإنجليزية: Warrant officer (WO))‏ أو رقيب أول (في البحرية) رتبة عسكرية لضباط الصف (أحيانا تنطق خطأ صف ضابط) وهي أعلى من رتبة رقيب أول وأقل من رتبة مساعد أول.
          - الشّاوية* هي اللغة التي يتحدث بها سكان الأوراس الكبير (باتنة، خنشلة، تبسة، أم البواقي، سوق أهراس) شرق الجزائر.
          - الشّاوي* ( بالأمازيغية: إيشاوين/ⵉⵛⴰⵡⵉⵢⵏبالدارجة الجزائرية: شَّأوِيَة) هم مجموعة إثنية.
          - النمامشة أو المامشة أو اللمامشة* كما تسمى عند البعض هي قبيلة أمازيغية بربرية .
          - التّاغنّانتْ* اللِّجَاجِ بفتح اللام مصدر لج في الأمر يلج لجاجا ولجاجة ، التمادي والعناد في الفعل المزجور عنه ومنه { بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ}: بل تمادوا في طغيان ونفور عن الحق واستكبار ( كما جاء في بعض التفاسير).

          التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 27-03-2021, 22:53.
          لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

          تعليق

          • مصباح فوزي رشيد
            يكتب
            • 08-06-2015
            • 1272

            #50
            الجزء الخامس
            (1)
            قبل انعقاد الجلسة بيوم أو يومين يأتي ضّابط السّجن بقائمة المطلوبين للمحاكمة، وبعد تلاوة الأسماء تبدأ حمّى الاستعداد. باعتبار أن المساجين يحظون بأولوية قبل غيرهم في المحاكمة. ويتهيّأ السّجين لهذا اليوم الفاصل، تهيُّؤ العروس ليلة الدّخلة مع الفارق الواضح في"التستوستيرون" و "الأدرينالين". في السّاحة المحيطة بالأسوار الغليظة ومن فوقها الأسلاك، صوت الضّابط يشقّ الأسماع. وبعد انصراف الضّابط جاء دور الحلاّق، وهو من قدامى السّجناء المعوّل عليهم في المهنة الرّقيقة، فقام يجزّنا الواحد تلو الآخر بعد فصلنا عن بعضنا كالخِراف الأسترالية.
            عند دخول الزنزانة في المساء، هرع كل من ورد اسمه في القائمة إلى الرّفوف القديمة يتفقّد ما لديه من ملابس جديدة يسْتر بها وجهه، سترة أو سروال أو حذاء ولو قديم يقوم بتلميعه استعدادا ليوم الجلسة، وحرصا منه على الظّهور بمظهر يليق بسمعته وكرامته و سمعة وكرامة أهله. ولا يهمّ حتى وإن كان قبلها مرتعا لجحافل القُمّل، أو من الذين يتقاسمون الفراش مع حضرة "البريفو" في اللّيل والنّاس نيّام.
            تقدّم رجال الشّرطة بالأصفاد اللّامعة في الصّباح الباكر، وشرعوا في تصفيد اليدين، مثْنى مثْنى. كما يُسفِِّد "الشَوَّايْ"* عندنا اللّحم، قطعةً قطعة.
            كنّا أربعة، ركبنا في الخلف، ولم نشعر حتى توقّفت بنا المركبة. داخل المحكمة، نزلنا كطيور تمّ اطلاقها من قفص، أو كمن كان مريضا و نشِط من عِقال. داخل غرفة، شبيهة بتلك التي كان الإغريق يحبس فيها العبيد قبل الزجّ بهم في مسرح السّباع والأسود، دفعونا بلا شفقة ولا رحمة؛ والعبيد هنا هم المساجين بالطبع، والسباع والضّباع والأسود هم كل ذي ظفر وناب.
            وفي كل مرة ينادي المنادي باسم سجين، ينزع الشّرطي من يديه الأصفاد، ثم يدفع به الى داخل القاعة، المليئة عن آخرها بأنواع المشجّعين و المعجبين وبعض الفضوليين المتطفّلين... إلى الشّامتين و المتسلّين. وجاء دوري لأُصارع قدري مع "دُبِّي" الكبير، والذي أراد أن يحميني بزعمه من " الميرْ"*. ووقفتُ خلف القضبان، جنبا إلى جنب معه؛ (وقد أشرتُ إليه في الصفحات الأولى حين كتبتُ قائلا: "سمعتم بقصّة الدّب وصديقه الحطّاب طيّب القلب المسكين!).
            بحكم تجاربي المريرة في الحياة، عرفتُ أنّ جلّ المصائب إن لم أقل كلّها، من التي تأرّق الإنسان وتتسبّب له في أنواع الهموم والمآسي، مصدرها رفقاء السّوء. وللمرء دور في كلّ ما يحصل له باعتباره المسئول عن أفعاله من الآخر، وباعتباره أيضا سيّد قراراته. سيّما فيما يتعلّق باختيار الصّاحب والرّفيق والنّديم. ولا أظنّ أن من يخالط الرّجال العظماء والصّالحين يضيع. والمرء على دين خليله، والصّاحب ساحب - كما جاء في الحديث الشّريف - ، وقل لي من تصاحب اقل لك من انت: [dis-moi qui tu fréquentes, je te dirai qui tu es] - كما في المثل الفرنسي القديم. لذلك لم أجد سبيلا إلى النّكران لأنّني كنتُ كالبغيّ أجلّكم الله ورفع من قدركم، تلك "القحْبة" التي لا تعفّ ولا تمل من كثرة الأحباب والأصحاب. حتى أن بعض المتهكّمين طلب منّي ذات يوم، وهو يرى كثرة إقبالي وتودّدي إلى كل من يكشّر لي عن أنيابه ظنّا منّي أنه يبتسم، أن أترشّح لعلّني أفوز بالانتخابات. و أفتح قوسا هنا، بحجم العبثْ الذي ميّزني والأخطاء التي ارتكبتها بصحبة الأراذل و تكدّرت حياتي بسببهم، لألقي اللّوم على الآباء الذين يعوّلون على النّصائح التي يقدّمونها في البيت فقط، أو على المعلّم الغلبان. ويغضّون الطّرف عن علاقات الأبناء المشبوهة، سواء داخل أو خارج البيت. والدّافع في هذا التغاضي هو عواطفهم العمياء، وحبّهم اللاّمشروط تجاه فلذات أكبادهم.
            وقفتُ جنْب نفر من المتّهمين؛ رئيس المجلس الشعبي الضّعيف، ونائبه المستهتر، وصاحب دعوتي المتهتّك، والذي انهال عليه القاضي بوابل من الأسئلة وراح يحاول أن يحيي فيه ضميره الغائب ولعلّه يقرّ بالحقيقة. ولكن :
            لَقَد أَسمَعتَ لَو نادَيتَ حَيّاً ** وَلَكِن لا حَياةَ لِمَن تُنادي
            ولو نارٌ نفخت بها أضاءت ** ولكن أنت تنفخ في الرّماد
            كما قال [بن الصمة]
            وكذلك الأمر بالنسبة لرئيس البلدية الذي استغلق عليه الكلام ولم يجد ما يقوله، ولا نائبه الذي لاذ بالصّمت. ما دفع بالقاضي إلى توبيخهم، لتورّطهم المخزي في المؤامرة الدّنيئة. وهو ما أثلج صدري وولّد في قلبي الرّاحة والإطمئنان. وشجّعني ذلك على التمسّك بالحق، والثّبات على أقوالي.
            والحقيقة أنّني لم أطلب رشوة أبدا، لا باسمي الخاص، ولا باسم رئيس المجلس الشّعبي. وكنتُ في انسجام تام مع أقوال المتّهمين الآخرين، إلاّ غريمي، والذي بقي مصرّا على مزاعمه، مزاعم الباطل والزّور. وعبثا راح يحاول رئيس المحكمة ثنْيَه عن إدّعائه وأكاذيبه.
            وتمّ تعليق الجلسة، لتُستأنف بعد الظهيرة. ووجدنا فيها فرصة، لإراحة أقدامنا من الوقوف المضني.
            وبعد عودة الطّاقم بقي نفس الكلام، والأسئلة التي ميّزت المحاكمة الطّويلة تقريبا. ثُمّ قام المحامون يصولون ويجولون بعد إعطائهم الكلمة من طرف الرّئيس، ورغم ذلك، تمّ إدانتي بثمانية أشهر نافذة مع إجراء تعديل في التّهمة، من جريمة "الرّشوة" إلى جنحة "النّصب والاحتيال". حتى يتمّ تبرئة "الشّايب حمّو"؛ الطّرف الأساسيّ والمحوريّ في القضيّة. وهو ما لم أستسغه حتى الآن؟!
            .................................................. ....
            * الشَوَّايْ: الشّخص الذي يقوم بتسفيد الشّواء. غالبا ما يكون الطّاهي.
            * الميرْ: رئيس المجلس الشّغبي البلدي

            التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 03-04-2021, 04:33.
            لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

            تعليق

            • مصباح فوزي رشيد
              يكتب
              • 08-06-2015
              • 1272

              #51
              الجزء الخامس
              (2)
              حكايتي مع الخزناجي.
              بسبب الارهاق وبعض المشاكل التي بتُّ أتخبّط فيها، قرّرتُ التريّث إلى حين مواصلة كتابة الرّسالة التي أحببتُ أن أفشي فيها بكلّ الأسرار التي احتفظتُ بها خلال كل السّنوات التي عانيتُ فيها أنا وأولادي من مصائب الجوع والفقر والحرمان، و كانت جدّ قاسية. ولم أجد سندا في أحد، ولا حتّى في أولئك الذين كانوا يتودّدون إليّ ليظهروا لي بعض المحبّة، لكنّها كانت مودّة ومحبّة مغرضة وزائفة.
              لأنني، كما سبق وقلتُ ، عانيتُ من شبح الخجل الذي طاردني منذ كنتُ تلميذا في سن المراهقة، ومنعني من إظهار شخضيّتي الحقيقيّة، والذي سيطر عليّ وحرمني من ممارسة حقّي في الحياة كأيّها النّاس. ولم اكن أقلّ ذكاء ولا بهاء ولا قدرة من كل أولئك الذين كانوا من حولي.
              وفي هذا اليوم، بينما انا اتجوّل في السّوق الاسبوعي الذي يعدّ الحدث الأكبر والأهم في حياتنا الرتيبة المملّة المليئة بالمناكآة، صادفني القابض البلدي؛ الشّخص الذي توسّمتُ الخير في نظراته البريئة ذات مرّة، حين كان شابّا في مقتبل العمر، قبل أن ينزع القناع عن وجهه العبوس "المصفار" ويكشف لي عن صورته الحقيقيّة في ذلك اليوم الذي طلب فيه منّي خدمة. ورحتُ أتساءل: " ما حاجة قابض ضرائب إلى مجرّد كاتب مثلي؟!". وجئتُه بسيارتي في الموعد المحدّد، وركب السّي عبد الـ(ح) بجانبي في المقعد الأمامي، وقمنا بجولة وسط البلدة.
              قد يتساءل بعض الفضوليين أو يتعجّب: "ما طبيعة العلاقة التي يمكنها أن تربط بين قابض بلدي و كاتب عام؟!". والعلاقة بين هذين الاطارين لم تكن أبدا على مايرام، لتعارض المصالح من ناحية، ولأنّ اسم الكاتب العام لم يرد في القوانين السّاريّة المفعول في تلك الأيام. لكن في المقابل يتمتّع القابض البلدي بسلطة رقابة، قبليّة وبعديّة، بموجب نصوص سارية المفعول، يتسلّط بها على قرارات رؤساء المجالس الشعبيّة البلدية، المنتخبين الذين ورد ذكرهم في نصوص حديثة تصفهم بالآمرين بالصّرف و و...، ولكنّها في الواقع محرّد صلاحيات شكلية و"حبر على ورق". وقد استغلّ بعض القبّاض من أمثال السّي عبد الـ(ح) هذا التناقض ليمارس أنواع الأبتزاز على بعض من هؤلاء الرّؤساء المنتخبين، من الذين جاؤوا من أجل خدمة أغراضهم الشّخصيّة.
              عرفتُ السّي عبد الـ(ح) حين كان مجرّد عون بسيط في القبّاضة الصغيرة الضيّقة، ولم يكن يتميّز بشيء عن بقيّة زملائه. لذلك لم أكن اتوقّع أن يترقى فجأة ويصبح بين عشيّة وضحاها قابض الضّرائب المتنوّعة. وهو الأمر نفسه الذي حدث مع البلديات التي انبثقت من التقسيم الإداري الجديد، حيث تم تأطيرها بخرّيجي المراكز الإدارية وفقا لبرنامج سريع اختزل كل مراحل التكوين. خدمة لطموح بعض المتنفّذين في السّلطة، وممارسة لشّعبويّة بائدة تم من خلالها العبث بالمال العام ، وكل ذلك من أجل تقسيم إداري عشوائي أنْتج ولايات ودوائر وبلديات لا تستجيب لأدنى المعايير.
              - " لا تظنني قد نسيتُ تلك العبارة التي تفوّهتَ بها أمام زميلتك يالسّي عبدالـ(ح). حين جاءت تطلب منك أن تردّ عليّ في الهاتف، في ذلك اليوم الذي طلبتُك فيه بتسديد بعض الأجور العالقة، وكنتَ عندها في مكتبك تتربّب وتتعنتر على زميلاتك القوارير النّاعمات. لكنّك شخص خسيس ولا تستطيع أن تمحو تاريخك "الكبير"؛ وأنت تحمل فناجين القهوة من المقاهي المجاورة إلى زملائك "المتعترسين". كنت حينها تعمل بإحدى قبّاضات عاصمة الولاية "سوق أهراس"، ومن ثمّ ربما اكتسبت الخبرة التي رقّتك، حتّى غدوت قابض ضرائب متنوّعة في بلدتي المغبونة؛ "ترخسي يا الزرقاء و يركبوك بني عداس".
              كنا الإثنين داخل سيارتي الصّغيرة، والله شاهد على ما أقول، حين سلّمتك الظرف الأصفر وبداخله ورقة نقود بمبلغ خمسمئة دينار (500) دج. لم أكن أعرف يومها أن جشعك قد تجاوز كل طموح.
              لستُ أدري كيف نجوتَ من السّجن رغم كل الشّبهات التي كانت تحوم من حولك؟!

              لكن هكذا هو الحال في بلدي الطيّب مع أمثالك من اللّصوص والانتهازيين.

              التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 29-04-2021, 15:33.
              لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

              تعليق

              • مصباح فوزي رشيد
                يكتب
                • 08-06-2015
                • 1272

                #52
                الجزء الخامس
                (3)
                كانت بداية المشوار
                لم أشعر بالأيّام وهي تمرّ مرور الكرام بينما أنا أعبثُ بكامل وقتي هنا وهناك ومع هذا وذاك حتى جاءت نهاية الموسم الدّراسيّ تلقّيتُ بعده التعيين ببلدية "وادي الكبريت" التي اخترتها عن جهلٍ، بالأسباب وظروف العمل. ومشيتُ إلى تلك البلديّة بعد التّقسيم الجديد الذي حدث في الفاتح من شهر جانفي سنة خمسة وثمانين بعد الألف (١./١./٨٥ ۹ ۱) أحمل طموحي الكبير معي، و.و... لكن الطموح اصطدم بجدار الواقع المرير، فوجدتُ امامي شخصا أمامي تمّ تكليفه بتسيير شؤون البلدية، الادارة العامة والميزانية، وهذا من طرف بلدية مداوروش باعتبارها البلدية الأم. و"مير" رئيس بلدية جديد لا يملك من زمام الأمور سوى الختم الذي في جيبه يخرجه عند الطّلب. دخلتُ في خلافات معه بسبب العون الذي تم تكليفه من طرف البلدية الأم بحكم تجربته الكبيرة في الإدارة وقد بلغ سن التّقاعد يومها بصفة عون إدارة ولم يترقّ على مرّ السّنين التي قضّاها، و أفقدته بصره، بسبب التّهميش وعوامل أخرى معروفة في الأوساط المهنيّة لا علاقة لها لا بالكفاءة ولا بالتّنظيم، ولأنّ الترقيات في البلديات كانت تتمّ بطرق ملتوية، وخاصّة في عهد الحزب الواحد.
                حدث صراع بيني وبين هذا العون، والذي بقي متردّدا ورفض تسليم المهام طمعا في تولّيه منصب الأمين العام، رغم رتبته المتواضعة التي لا تؤهّله لشغل هذا المنصب، لكنّه في الأخير رضخ للأمر الواقع، واستلمتُ منه المفاتيح، وفتحتُ المكتب، وجلستُ على "عرش" المصائب والمتاعب الذي راهنتُ عليه خلال كل تلك المدّة التي قضيتُها متنقّلا بين مصالح الوصاية "بسوق أهراس" ومكان الشّغل ببلدية "وادي الكبريت".
                بدأتُ رحلتي الجديدة في التعرّف على عدد من السّجلات وبعض الوثائق التي وجدتها أمامي، ولفتَ انتباهي سجلُّ محاضرالمداولات الذي تفنّن العون المكلّف - رحمة الله عليه - في كتابة حروفه اللاّتينيّة بالحبر الصّيني، وكانت تحفة وغاية في الجمال "Un vrai chef-d'oeuvre"، وعبثا حاولتُ اقتفاء أثره. وعثرتُ على مسودّة لميزانية التسيير التي شرع في إعدادها لكنه لم يفلح في ضبطها، ومن ثمّ حاولتُ ضبط أرقامها، متلكأً كبطّة عرجاء، وشيئا فشيئا وبمساعدة من هنا وهناك ومن هذا وذاك، استطعتُ إعداد الميزانية وما تبعها من جداول وملحقات، وكانت أوّل وأصعب تجربة تعترضني في مسيرتي المهنيّة آنذاك. أما سجّلات محاضر الاجتماعات فأعدتُّ نسخها باللّغة العربية تزامنا مع التّعليمات الظرفية القاضية بضرورة تعريب جميع الوثائق باللّغة الوطنية والتي كانت تصدر من جهات رسمية، محليّة ومركزية.
                بمرور الأيام تولّدتْ لديّ فكرة عن الشّغل، ولم تكن لديّ أيّ صلاحيات فعليّة ورسميّة استند إليها في تأدية مهامّي في غيّاب نص قانوني واضح وملزم، وفي وسط سادت فيه أشياء لا أتقنها مثل؛ الرّشوة والمحسوبية والمحاباة واستغلال النّفوذ و.و.. فرحتُ أفكّر في وسيلة، (واستحضر هنا نكتة سياسيّة قديمة عن الزّعيم الرّاحل (لحبيب بورقيبة) الذي خطب في الشّعب التونسي ذات يوم يقول: " لابد من وسيلة" وكان يقصدُ بذلك وسيلة الرّقي للنّهوض بتونس، فجاء الردّ من الجمهور بالهتافات: " "تحيا وسيلة" " تحيا تونس " ، قاصدا حرم الرّئيس)، ولم أفلح في إيجاد طريقة ما تمكّنني من أداء مهامّي بصفة عادية وهادئة بعيدا عن كل الضّغوطات والاستفزازت كانت تعترض سبيلي. ودفعني هذا الأمر إلى اهمال الشّغل، ووجدتُّ ضالّتي في الشّهادات الطبيّة لتبرير الغيابات المتكرّرة والمقصودة.
                ولم تجد عديد الرّسائل والشّكاوي التي كنتُ أرفعها إلى كل من رئيس دائرة "سدراتة" ومدير الادارة المحليّة بولاية "سوق أهراس"، طريقها إلى الاهتمام والرد، ولأنّ القانون البلدي يمنح صلاحيات صلاحيات التحكّم في الإطار البشري بالبلديات لرؤساء المجالس الشعبية المنتخبة "الأميار" آنذاك.
                كما كنتُ اصطدم بإصرار أبي على رجوعي إلى العمل كلّما قرّرتُ التوقّف عنه نهائيا، وبقيتُ على تلكم الحالة، أُكابِد وأُصارع وأُقاوم، بين مطرقة الواقع المهنيّ المشين وسندان الواجب الأسري المرير.
                ومازاد في معاناتي أكثر فأكثر هو حرماني من وسيلة التنقّل اليومية، الضرورية لمزاولة الشّغل بهذه البلدية النّائيّة. واتّخذتُ قراري في النّهاية .../...

                التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 07-05-2021, 19:05.
                لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

                تعليق

                • مصباح فوزي رشيد
                  يكتب
                  • 08-06-2015
                  • 1272

                  #53
                  الجزء الخامس
                  (4)
                  لم أكن أتوقّع أن يتم سجني بتلك الطريقة المهينة، بعد اتّهامي بمبلغ زهيد وثمن بخس دراهم معدودة أنا في غنًى عنها. وكنتُ في تلك الأيّام العصيبة أُصارع على عدّة جبهات أُعاني من مشاكل عديدة وخلافات؛ بين أبويّ اللّذين قرّرا الانفصال عن بعضهما في آخر العمر، فبات لزاما عليّ تحمّل تبعات الفراق، باعتباري الابن الوحيد، بما في ذلك الإجراءات القضائية. ما أرغمني على بيع السّكن الوظيفي الذي شغلته لسنوات، بعد أن قمتُ بتسويته من النّاحية القانونية ودفعتُ ثمنه للبلدية باعتبارها المالك الشرعي من المال الذي استلمتُه من أحد المغتربين من أبناء القرية واسمه العم "أحمد" وهو رجل سخي، واقتنيتُ بما تبقّى لي من المال مسكنا متواضعا للمرحومة والدتي التي لم ترض أن تسكن معها زوجتي، فبتُّ مكرها على اتّخاذ أحد القرارين أحلاهما مرّ؛
                  إما أن أُطلقّها وما قد ينجم عن ذلك من تفريط في الأبناء، وكان عددهم في تلك الأيّام خمسة. أوالبحث عن مسكن آخر، وقد دفعني ذلك بالعودة من جديد إلى السكن الوظيفي الذي قمتُ ببيعه، ولأنّه كان شاغرا. فمالكه الجديد العمّ "أحمد" رجل تدرّب في ديار الغربة على مجاراة المحن، لذلك كان معي سخيّا ولم يرغمنِ على الخروج منه أو إخلائه نهائيا، بل شجّعني على المكوث فيه وإلى أجل غير مسمّى.
                  وقد تسبّب لي ذلك في خلاف مع بعض أعضاء المجلس الشعبي البلدي الجديد، والذين راحوا يضايقونني، وحتّى إنّهم بالغوا في الشّكوى متذرّعين ببعض النّصوص السّاذجة من التي لا تسمح بالتنازل عن السكنات الوظيفية لفئة معيّنة من الموظّفين؛ كأنّي الجزائري الوحيد الذي يبيع سكنا وظيفيّا. وقد ذكّرني هذا الأمر، وهذه المزايدة وهذا المِراء، بقصّة السيّد (شعبان أيت عبد الرّحيم)، أحد ولاّة الجزائر في منتصف الثمانينات، مع الصّحفي الذي سأله ذات مرّة عن عدد السّكنات التي يملكها، فردّ عليه بقول جريء: " ولا حتّى عُشر ما لدى وزير من الوزراء ".
                  وشاءت الأقدار في هذه الظروف القاهرة أن ترسل لي بغريمي،"عقرب الشّدائد والمصائب والشّقاق "، والشّخص الذي كنتُ قد تورّطتُ معه سالفا، فوجدني في حالة من الضّعف والهوان الشّديدين، ولستُ أدري كيف حتّى سلّمته استمارة فارغة، الورقة اللّعينة التي بسببها وجدتني متورّطا وكانت بمثابة صكّ على بياض، ففعل فعلته التي فعلها، ولم يرقب الله ولم يستحِ منه، فأكل الشّوك بفمي وكان من الماكرين.

                  التعديل الأخير تم بواسطة مصباح فوزي رشيد; الساعة 25-05-2021, 17:09.
                  لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

                  تعليق

                  يعمل...
                  X