الحسن والحسين ( دراسة لمأساة كربلاء )
وحيد الدين خان
تمهيد
وحيد الدين خان
تمهيد
إنّ الحسن والحسين رمزان لإتجاهين متناقضين في التاريخ الإسلامي .. فالحسين كان ذا اتجاه سياسي أما الحسن فكان ذا اتجاه غير سياسي ، والذي كان يرمي إليه الحسين من تصادمه السياسي مع الخليفة المنتخب قد حصل عليه الحسن عن طريق التراجع عن ساحة التناحر ، ومع ذلك فإن أعمال الحسين قد اشتهرت ويعرفها الجميع بينما مافعله الحسن – رغم قيمته – لايعلمه إلا القليل ، والقليل النادر هم الذين يدركون أهمية هذا العمل الجاد الثقيل .
لقد أثر الحسين ( 4- 64 هــ ) في التاريخ الإسلامي وأصبح نجما لامعا فيه ، حتى أن مسلمي اليوم يحيون ذكر العاشر من محرم ، ويولونها اهتماما بالغا ، وذكراها عندهم تفوق كل الذكريات الإحتفال بذكرى 10محرم من عادة مسلمي الهند وباكستان (إحياء لذكرى كربلاء ) يوم استشهاد الحسين ، حتى أن ذكرى المولد النبوي لايحظى بمثل هذا الإهتمام نظرا للإعتقاد السائد من أن روح الإسلام تكمن في عدم الخضوع للباطل ، ولو أدى ذلك إلى قتال فتاك يتطلب بذل الروح فهذا مايعرف به (( الإستشهاد )) عند الناس ، وهو ما تبلور بشكل فريد لم يسبق له مثيل في حياة الحسين حيث كان معه طبقا – للروايات التاريخية – اثنان وسبعون نفرا فقط ، ويقابله ستة آلاف من الجيش المسلح المزود بجميع وسائل القتال ، وهو لم يقبل الخضوع لحاكم بل قاومه وواجهه حتى ضحى بروحه .
(أعطى الرأس ولم يعط اليد لزيد ( شعر فارسي )
والذي يثير الإعجاب أن هذه الحادثة التي بلغت هذه الشهرة غير مطابقة لتعاليم الإسلام من ناحية ، ولا تنطبق مع حوادث التاريخ نفسها من ناحية أخرى ، فالإسلام والتاريخ يرفضان قبول هذا النموذج
وحي الحوادث التاريخية
لننظر ماهي الصورة الحقيقية لهذه الواقعة طبقا للتاريخ :كان في مكة فرعان متمايزان لقبيلة قريش ( بنو عبد مناف ) فرع بني هاشم ، وفرع بني أمية ، وكلاهما يتمتعان بنفوذ قبلي منذ القدم ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم في قبيلة بني هاشم ، لم يناصبه العداء من بين أفرادها سوى عبد العزى ، بينما قبيلة بني أمية الطرف المعادي للنبي صلى الله عليه وسلم لم ينجحوا في عدوانهم إلى أن أسلموا بعيد فتح مكة (8هـ ) كغيرهم من القبائل العربية ، وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وعهد الخلفاء الراشدين من بعد شغل أولو الكفاءة منهم المناصب المختلفة ، وفي عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان – رضي الله عنه – وكان أمويا – عمل الأمويون على ترسيخ نفوذهم ، وعندما انتخب علي بن أبي طالب كأول خليفة هاشمي ، ثارة ثائرتهم بدم عثمان رافضين مبايعة الخليفة الرابع علي بن أبي طالب ، فأشعلوا نار الحرب الأهلية التي لم تنطفىء مدة خلافته (35-40) حتى استشهد على يد مسلم شبه مجنون .
ثم أخذ الحسن بن علي –إبنه – بزمام الخلافة من بعده ، وتمت مبايعته أيضا ، وكانت العراق وخراسان (إيران ) آنذاك خاضعة لسيطرته ، بينما اليمن والحجاز والشام وفلسطين ومصر وغيرها كانت تحت نفوذ معاوية بن أبي سفيان الذي أنكر خلافة الحسن كما سبق أن رفض مبايعة علي .
وبلغ الوضع في شهر ربيع الأول (41هـ) حدا جعل الحسن يتأهب للقتال صحبة أربعة آلاف مقاتل مسلم قد سبق أن بايعوه على الموت وفي المقابل اجتمع ستة آلاف مقاتل تحت راية معاوية قاطعين العهد على الموت .
وفكر الحسن في الأمر فرأى أنه لو ظل مصرا على الخلافة لأستمر المسلمون في سقوطهم قتلى بسيوف إخوانهم من المسلمين حتى بعد انقضاء خلافة أبيه ، والتي كانت مدتها خمس سنوات ، ولن يجني المسلمون ، والحالة هذه سوى الحرب وسقوط مزيد من القتلى إلى أمد لاعلم لنهايته ، ورغم أن الحسن كان أحق بالخلافة إلا أنه أحس بأن الطرف الثاني غير مستعد للتراجع أبدا ، فتراجع بنفسه عن ساحة القتال متنازلا عن الخلافة لمعاوية وظل الوضع هادئا وهانئا لمدة عشرين عاما ( 41-60 هــ ) اتجهت خلالها القوات الإسلامية إلى توسيع رقعة الإسلام بدلا من الحروب الأهلية ، وبعد وفاة معاوية في شهر رجب (60هــ) برزت للمرة الثانية قضية الخلافة فالحسين الذي لم يرض عن خطة أخيه في التخلي عن الخلافة ، رفض الإعتراف بخلافة يزيد بن معاوية كما أنكر أبوه علي بن أبي طالب من قبله الإعتراف - بخلافة معاوية – ومن هنا انطلقت ذكرى (10محرم ) التي يحي المسلمون ذكراها سنويا .
والتاريخ يشهد بأن يزيد بن معاوية قد أرسل – فور استيلائه على السلطة - إلى والي المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ليأخذ له البيعة من الناس ، فجمع الوليد سكان المدينة لهذا الأمر ، وقد اعتذر الحسين عن عدم قبوله لبيعة يزيد واتجه في اليوم التالي هو وأسرته نحو مكة صامتا ، علما بأن مكة لم تكن مؤيدة له أيضا ، لأنهم قد بايعوا عبد الله بن الزبير وهذا الوضع كان صعبا وثقيلا على الحسين وأسرته لدرجة أنهم كانوا لايصلون خلف عبد الله بن الزبير وهو حاكم مكة آنذاك . إن قضية مقتل عثمان جعلت بيئة مكة غير مواتية للخليفة الرابع علي بن أبي طالب ، فاتجه إلى الكوفة ( العراق ) وأقام فيها بعد أن ترك المدينة ، مما تسبب في نقل العاصمة الإسلامية من المدينة إلى الكوفة (35 هــ) . أما الحسن فقد عاد إلى المدينة وطنه السابق تاركا الكوفة بعد تنازله عن الخلافة ، وأما الحسين فقد عبر الشاعر العربي الفرزدق عن شعور أهل الكوفة إزاءه : فقد سأله الحسين : بين لي خبر الناس خلفك ، قال ( الخبير سألت ) قلوب الناس معك ، وسيوفهم مع بني أمية ، والقضاء ينزل من السماء والله يفعل مايشاء .
وبعد أن تقلد يزيد منصب الخلافة ، بدأ حب آل البيت يطفو على سطح قلوب أهل الكوفة ، فراحوا يراسلون الحسين يدعونه إلى الكوفة على أن يبايعوه ، حتى بلغ عدد الرسائل التي وصلت إلى مكة قادمة من الكوفة نحو مآئة وخمسين رسالة كلها تحمل نفس المضمون ، أما الحسن فقد أدرك خطورة الموقف بكل أبعاده وكتب في وصيته لأخيه الصغير محذرا إياه لئلا يقع في شبكة خداع الكوفيين ، قائلا : قد ثبت يقيني على أن النبوة والخلافة لايمكن أن تجتمعا في قبيلتنا والأفضل أن تلتزم الصمت فيما يتعلق بهذا الشأن .
لكن طبيعة الحسين جعلته لايرحب بمثل هذا الإقتراح ، وبدأ يعد العدة للذهاب إلى الكوفة بعد أن استقر رأيه على ذلك ، ودعا ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب – كتمهيد لتنفيذ خطته – وقال له : ( اذهب إلى الكوفة وخذ البيعة لي خفية ، وسألحق بك عاجلا ) .. ولم يوافق مسلم بن عقيل على خطة الحسين ، لكن الحسين ألح عليه واجتهد في اقناعه حتى تراجع عن رأيه واتجه إلى الكوفة ، وعندما وصل مسلم بن عقيل إلى الكوفة كمندوب عن الحسين لقي ترحيبا من الكثيرين ، حتى قيل إن مايقرب من ثمانية عشر ألف شخص قد بايع مسلما نيابة عن الحسين .
وحين علم يزيد بن معاوية بما جرى في الكوفة سيّر عبيد الله بن زياد لتحطيم رؤوس أهل الكوفة ، فتحرك عبيد الله من البصرة متوجها إلى الكوفة ، وعند وصوله إلى الكوفة وجه إلى الناس كلمة هددهم فيها وحذرهم تحذيرا قاسيا ثم صعد بمسلم ومضيفه الكوفي هانىء بن عروة إلى سطح المنزل وأوقفهما هناك وقتلهما وأسقط رأسيهما – على مرأى من الناس - مخضلين بالدماء .وهذا يرمز إلى أن مجرد الإقدام على تأييد الحسين يتطلب التفكير بروية في عاقبته ، أما الحسين فكان على استعداد تام في مكة ، وهو يجهل كل مايجري في الكوفة وقد منعه عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعمرو بن سعد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث وآخرون من كبار مكة ، عن تنفيذ خطته وكان مما قال له عبد الله بن الزبير : لو أردت حكومة مكة بدلا من التوجه إلى الكوفة فإني سأكون أول من يبايعك فلم يتراجع الحسين رغم هذا كله .وقد ألح عليه كذلك عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في عدم الذهاب إلى الكوفة فلم يحفل به كما أنه رفض قبول ماقاله عبد الله بن عباس مؤخرا بأن يترك النساء والأطفال في مكة ويرحل – على الأقل - بعد الحج الذي لم يبق عليه إلا أياما قلائل .
وخرج الحسين في الأسبوع الأول من شهر ذي الحجة (60 هـــ ) متجها إلى الكوفة ، وقد صادفه في الطريق عبد الله بن مطيع وقال له : (( أنشدك الله أن تعود إلى مكة ، فوالله لئن طلبت مافي أيدي بني أمية ليقتلنك ولئن قتلوك لايهابون بعدك أحدا أبدا والله إنها لحرمة الإسلام تنتهك وحرمة قريش وحرمة العرب )) .. إلا أن الحسين أبى أن يمضي دون أن تحول هذه النصيحة بينه وبين ذلك ... وكان يزيد بن معاوية وواليه على العراق عبيد الله بن زياد على علم بكل ماحدث ،ووزع ستة آلاف مقاتل على مختلف المواقع وذلك للحيلولة بين الحسين ودخوله الكوفة ، ولوضع سد بينه وبينها ، وكان برفقة الحسين عدة مئات من الناس لكنهم بدأوا يتناثرون هنا وهناك بعد أن شعروا بنشاط جيش يزيد ، ولم يبق مع الحسين عند وصوله إلى ساحة كربلاء سوى اثنين وسبعين نفرا كلهم من قبيلته وعشيرته . وأخيرا أحس الحسين بخطورة الموقف ، وقد خيّب آماله في النجاح ، كل من مقتل مسلم بن عقيل ، وعدم وفاء الكوفيين ، ونشاطات قوات يزيد المسلحة ، وقد أيقن الحسين أن دخول الصراع في مثل هذا الموقف يعني الموت . ورغم أن الحسين كان شجاعا ومقداما وشريفا لايرهب الموت ولايثنيه الخوف إلا أن شفقته على مرافقيه وخاصة النساء والأطفال دفعته في النهاية إلى مصالحة يزيد – كما يروي التاريخ – وقد أدلى أمام والي يزيد بن زياد بإقتراحات ثلاث :
1- أن أعود إلى مكة وأتفرغ لعبادة الله صامتا
2- أن تسيروني إلى ثغر من ثغور المسلمين حيث أموت شهيدا في القتال مع الكفار .
3- أن أبايع يزيد (( إما أن أضع يدي في يد يزيد ))
الطبري مجلد 4 صفحة 313
وقد ساد الفرح والسرور صفوف جيش يزيد بعد أن غير الحسين وجهة نظره ، ورغم أن كلا من الفريقين كان متأهبا لمواجهة الطرف الآخر إلا أن حفيد النبي صلى الله عليه وسلم كان موضع احترام الجميع حتى أن الفريقين كانا يصليان معا ، وأكثر ماكان يؤمهم الحسين ، ولما علم عبيد الله بن زياد بما عزم عليه الحسين فرح فرحا شديدا لآن القضية ستنتهي دون الخوض في صراع أو قتال ويبايع الحسين ليزيد ، ولكن مالبث أن حضر مستشاره شمر ذي الجوشن وكان رجلا داهية ، وأشار عليه بأنه لن يجد فرصة أخرى مناسبة – كهذه الفرصة – لإستئصال أمر الحسين ، وأقنعه بذلك ، فأمر عبيد الله بن زياد مقاتليه بقفل جميع منافذ العودة أمام الحسين فحيثما اتجه الحسين للعودة وقف جيش من جيوش عبيد الله في طريقه .
وفي اليوم العاشر من المحرم (61 هــ) اشتعلت نار الحرب ، وكان البادىء بها جماعة يزيد ، أما قافلة الحسين فقد قاومت بمنتهى الشجاعة والإقدام حتى لقي الجميع مصرعهم عدا النساء والأطفال والحسين نفسه ، ويعود السبب في ذلك أن جنود يزيد كانوا يحذرون من شن الهجوم على شخصية الحسين لإعطائه الفرصة ، وأخيرا أقبل شمر ذي الجوشن الذي شجع عبيد الله بن زياد على قتاله ، وشن هجوما عنيفا مع رفاقه على شخصية الحسين وأرداه شهيدا ، ونضيف هنا أن شمر ذي الجوشن كان زوج عمة الحسين وأن أول من رمى بسهم في اتجاه قافلة الحسين وهو عمر بن سعد كان خاله .
إن ماأورد الطبري وغيره من كتاب التاريخ تصويرا لقضية الحسين يختلف إلى حد كبير عما يلقيه الشعراء والواعظون والكتاب بكلمات مثيرة وجذابة ، فالحقيقة أن هذا العمل السياسي الذي أقدم عليه الحسين بن علي لم يكن إلا من اجتهاده الشخصي ، كما أن الصحابة المتواجدين يومئذ قد أعربوا عن عدم موافقتهم على مثل هذا الإجتهاد ، وثبت إلحاح كبراء مكة والمدينة على عدم إقبالهم على تنفيذ خطته هذه ، حتى أقاربه لم يتفقوا معه على ذلك ، ولكن كل تلك المحاولات لم تنجح في الحيلولة بيته وبين مايصبو إليه ، لكنه فور شعوره بخطورة الموقف وبشاعته نزل على ذلك الرأي الذي سبق أن وصل إليه أخوه الكبير بذكائه الحاد وقوة تنبوئه قبل عشرين عاما ، ولو كان يزيد بن معاوية – المقيم في دمشق – حاضرا مع جيشه في ساحة كربلاء وفوض الحسين وجها لوجه لقبل باقتراح الحسين الأخير بدون أدنى شك لأن عداوة يزيد للحسين تتركز على اعتباره معارضه السياسي ، أما بعد خضوع الحسين تحت خلافته فإن عليه واجب تكريم حفيد النبي صلى الله عليه وسلم والسماح له بالرجوع إلى وطنه بكل عزة واحترام ، لكن يزيد لم يكن على علم بما نزل عليه الحسين من قبول الصلح إلا بعد أن فصل رأسه عند جسده
قضية المعارض السياسي
لقد ألقى الحسين خطابا في منتهى البلاغة والفصاحة وذلك في العاشر من المحرم ( 61هــ) آخر أيام قتاله ، وكان مماقاله يومئذ (( لو كان حمار عيسى حيا لعبده المسيحيون حتى يوم القيامة ، أي نوع من المسلمين أنتم وأي نوع من الأمم .. تريدون قتل حفيد رسولكم ؟!))
الحقيقة أنه لو كانت القضية قضية حمار الرسول لعبده المسلمون أيضا ، وهم على استعداد كامل لإفتداء حفيده بالدم والروح ، ولكن القضية تكمن في أن حفيد الرسول قد وقف أمام يزيد كمعارض سياسي ولاأحد سواء أكان مسلما أم مسيحيا يغفر لمعارض سياسي .
إن يزيد الذي عين أميرا ظالما وهو عبيد الله بن زياد لضرب الحسين واستئصاله (61) هو نفسه الذي سير مسلم بن عقبة لشن هجوم على المدينة ، ووجه إليه أمرا صارما بعدم التعرض لنجل الحسين ( علي بن الحسين بن علي ) (38-95هــ) والإهتمام به .
ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن علي بن الحسين ( زين العابدين ) كان قد أقام في زاوية المدينة معتزلا السياسة ، ومتخليا عنها .. وأعرب أهل المدينة عن رغبتهم في بيعته لكنه رفض ذلك صراحة وقال : إن أبي وجدي ذهبا ضحية الخلافة فهل أخاطر بنفس القضية وأقتل نفسي!? (
وعقب وقف القتال في كربلاء عامل يزيد الباقين من أهل بيت الحسين بتكريم واحترام تامين ، وأعادهم إلى المدينة بعد أن زودهم بمختلف التسهيلات .. وهكذا فإن يزيد قد خاض حروبه من أجل إخضاع الحسين وعبد الله بن الزبير بينما لم يتعرض لعبد الله بن عمر ، بل كتب إلى عامله في المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان بأنه لو لم يبايع عبد الله بن عمر فليدعه وشأنه ، والسبب هو أن عبد الله بن عمر كان رجلا متعبدا وزاهدا وليس له أطماع سياسية تحركه ، ولقد عبر أبو يزيد معاوية بن أبي سفيان عن أصل منهجه السياسي في مثل هذه العبارة : (( إني لاأحول بين الناس وملكهم مالم يحولوا بيننا وبين ملكنا )) (ابن الأثير مجلد 4 صفحة 5 )
وهذا هو المنهج الذي ورثه يزيد جعل يطبقه في سياسته إلى حد كبير .. فقد كان رد فعل المدينة أن أهلها وقفوا ضد حكومة يزيد وتمردوا عليها وأخذوا يقومون بأعمال تخريبية ضد أولئك الذين كانوا من قبيلة يزيد ( بنو أمية ) البالغ عددهم ألف شخص تقريبا من سكان المدينة ، وكانوا يمارسون الضغط عليهم ويضايقونهم حتى أرسل بنو أمية رسولا إلى يزيد يبلغه بما يجري ، ولما وصل الرسول إلى دمشق أطلع يزيد عن الوضع الأليم عندئذ أنشد يزيد قائلا :
لقد بدلوا الحلم الذي في سجيتي = فبدلت قومي غلظة بليان .
فهذا مؤشر يبدو من خلاله موقف يزيد من الحسين لو لم يصبح معارضه السياسي.
موقف الحسن :
إن الموقف الذي واجهه الحسين في حياته مع يزيد ، هو نفس الموقف الذي واجهه أخوه الحسن في حياته مع معاوية (30- 50 هــ ) لكن الحسن قد اتخذ رد فعل مناقضا تماما لما اتخذه الحسين في حياته . والجدير بالذكر أن هناك روايات عدة تتعلق بالحسن والحسين في باب المناقب . ونلاحظ أن هناك فرقا بين الأخوين ، إذ الأحاديث الصحيحة التي وردت حول الحسين يشير أكثرها إلى حب النبي صلى الله عليه وسلم له ، على أن ذلك هو أمر طبيعي لأنه حفيده .
يروي أسامة بن زيد أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( هذان ابناي وابنا ابنتي ، اللهم إني أحبهما فأحبهما ) ( رواه الترمذي ) .
ومن جهة أخرى فإن الأحاديث المروية حول الحسن لم تكن قوية في سندها فحسب بل كانت علامة على الحب فوق الطبيعي أيضا ، ويروي أنس بن مالك : (( لم يكن أحد أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم من الحسن بن علي )) رواه البخاري . وفضلا عن هذا التشابه في الطبع والخلقة ، فإن الأحاديث الصحيحة تخبرنا عن نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالإنجاز التاريخي الذي قام به الحسن بينما لم تخبرنا عن أي نشاط تاريخي قام به الحسين . عن أبي بكرة ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول : إن ابني هذا سيد ، ولعل الله يصلح به فئتين عظيمتين من المسلمين )) (رواه البخاري ) .وقد ثبت صدق ماتنبأ به النبي صلى الله عليه وسلم في حياة الحسن ، إذ أن بيعته تمت في الوقت الذي لم تتوقف فيه رحى الحرب الأهلية في أوساط المسلمين ، وقف بعضهم تحت راية بني أمية وتمسك بها ، وبعضهم انضوى تحت راية بني هاشم وتمسك بها ، ولم يكن في استطاعة أي من الفريقين التغلب على الآخر ، كما أن أحدا منهما لم يكن مستعدا للتراجع عن موقفه الصارم . وقد قطع الحسن العهد على الناس إبان مبايعته على : (( إنني لو خضت حربا ضد أحد فأنتم مطالبون بخوضها ، وإذا صالحت أحدا فأنتم مطالبون بالصلح معه .)) وحين استشهد الإمام (( علي )) وأخذت البيعة لنجله الحسن ، كان معاوية قائد بني أمية قد رفض مبايعته ، إذ كان ذلك بمثابة تحد جديد بالنسبة له ، فاتجه من عاصمته دمشق رفقة ستة آلاف مقاتل قاصدا الكوفة مقام الحسن ، وفي المقابل خرج الحسن من الكوفة بقوة عسكرية مماثلة ، وعبر أحد شهود عيان حين رأى جيش الحسن بأنه (( كتائب أمثال الجبال )) أي جمع غفير من الجيش ، وهم هؤلاء الذين سبق أن بايعوا أباه عليا – رضي الله عنه – وقد قطعوا العهد على الموت
نزلت جيوش الطرفين قرب المدائن ، وأرسل معاوية بن أبي سفيان إلى الحسن معربا عن رأيه في أن الصلح أفضل من الحرب (( والأفضل هو الإعتراف بخلافتي والبيعة لي )) ففكر الحسن في الأمر وأمعن النظر فيه حتى رضي باقتراح معاوية ونزل عليه ، ثم بايعه بعد أن تنازل له عن كرسي الخلافة الذي كان عليه لمدة ستة أشهر (41هــ ) وبذلك سلم مقاليد السلطة لمعاوية . وكان هذا بالنسبة لمؤيدي الحسن المتحمسين (( عارا )) لايطيقونه ، وأخذوا يقومون بأعمال الشغب والضوضاء ، حتى تجرأوا على تلقيب الحسن بــ (( عار المسلمين )) و (( مذل المؤمنين )) بل واتهموه بالكفر ، ومزقوا ثيابه ، وأقدموا على شن هجوم عليه بسيوفهم ، لكنه – رغم ذلك كله – لم يقبل التنازل عن موقفه الصارم إزاء عدم الخوض في المناورات السياسية القاتلة ، وقال : (( لو كانت الخلافة حق معاوية فهو قد حصل عليها ، وإن كانت حقي فقد أعطيتها إياه )) .وهكذا تمت معاهدة الصلح ، وقد خصص معاوية مبلغ مائة ألف درهم كمرتب سنوي ، يتقاضاه الحسن . ومن النتائج التي ترتبت على تراجع رجل واحد ، هو أن الصراع الذي كان بين المسلمين قد تحول إلى ترابط وثيق .الحافظ الذهبي / العبر – المجلد الأول – صفحة 48
وكانت سنة (41 هــ ) على وشك أن تصبح هي الأخرى عنوانا لإستنزاف الدم الخارج من جرح الصراع الذي كان بين المسلمين بعد معركة صفين والجمل ، لكنها بعد هذا العمل الذي قام به الحسن أصبحت تحمل عنوان (( عام الجماعة )) بدلا من (( عام النزاع )) وأصبح هذا العام (( عام الوحدة )) ، كما أن القوى المسلمة التي كانت على وشك الإستنزاف في الحروب الأهلية قد تم توظيفها لنشر الإسلام وتوسيع رقعته . إن هذا التراجع كان في منتهى الشجاعة ، وفئة قليلة جدا تلك التي تكون مستعدة للإقدام على مثل هذا العمل الشجاع .
إثر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم (11هــ ) ، استمرت الفتوحات الإسلامية متواصلة ستين عاما متتاليا ، كانت الأنباء تتردد من حين إلى حين بفتح جديد حتى أواخر عهد الخليفة الثالث ، حيث نشب الصراع بين المسلمين مما أدى إلى تجميد نشاط الفتوحات مدة عشر سنوات والذي يعود إليه فضل فتح الباب المغلق على مدى تلك السنوات العشر هو الحسن بن علي دون سواه .وهذه حقيقة تاريخية .ففي سنة (41هــ ) تخلى الحسن عن الخلافة ، وهذا يمثل في الظاهر – تراجعا عن ساحة العمل – لكنه كان في جوهره فتح الطريق إلى ميدان العمل بأرقى أسلوب وأحسنه ، إنه كان توجيها للقوى المسلمة – بعد فكها من الصراع – لبذل الجهد في ميدان العمل . لقد فتح هذا التراجع أبواب امكانيات جديدة للفوز والنجاح أمام الإسلام في تاريخه ، ولو أصر الحسن على الخلافة فلا نستبعد أن تكون نهاية تاريخ الإسلام منذ قرنه الأول . ولاستمر المسلمون يبددون قوتهم في نزاعهم الداخلي ، لتكون الفرصة مواتية لكسرى وقيصر والمنافقين لإستئصال الإسلام فلا تقوم له قائمة أبدا . إننا إذا أردنا ترشيح بطل للتاريخ الإسلامي من بين الحسنين لكان هو الحسن فهو أجدر به .
توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم وإرشاداته :
إن مافعله الحسن لم يكن أمرا عفويا أو مصادفة بل هو مبني على تعاليم الشريعة ، فقد ألهم الله نبيه بوقوع اختلافات سياسية في أوساط المسلمين بعده ، لذلك أدلى النبي صلى الله عليه وسلم بتوجيهات واضحة صريحة تمنع من الدخول في حروب مع المسلمين باسم الإصلاح ، كما تنص على الإهتمام بأداء المسئوليات الشخصية . وكثيرا ماورد هذا النوع من الروايات في كتب الأحاديث تحت عنوان ( كتاب الفتن ) .
عن حذيفة بن اليمان قال : (( كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يارسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر قال : نعم ، فقلت هل بعد ذلك الشر من خير ، قال نعم ، وفيه دخن ، قلت ومادخنه ، قال : قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي ، تعرف منهم وتنكر ، فقلت : هل بعد ذلك الخير من شر ، قال : نعم دعاة على أبواب جهنم ، من أجابهم إليها قذفوه فيها ، فقلت : يارسول الله صفهم لنا ، قال : نعم قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قلت : يارسول الله فماترى إن أدركني ذلك ، قال : تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ، فقلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام قال : فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك )) .
وفي رواية (( يكون بعدي أئمة لايهتدون بهداي ولايستنون بسنتي – وسيقوم رجال ، قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس – قال حذيفة قلت : كيف أصنع يارسول الله إن أدركت ذلك – قال تسمع وتطيع الأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك ، فاسمع وأطع )) رواه مسلم .
وورد في رواية أخرى هذه الألفاظ أيضا : (( وإلا فمت وأنت عاض على جذل شجرة )) .
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( ويل للعرب من شر قد اقترب ، أفلح من كف يده )) رواه أبو داود .
يروي أبو موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم حذر الناس من الفتنة فسألوه ( فما تأمرنا ) فأجابهم قائلا : ( كسروا فيها قسيكم وقطعوا فيها أوتاركم واضربوا سيوفكم بالحجارة – والزموا فيها أجواف بيوتكم – فإن دخل على أحد منكم فليكن كخير ابني آدم )) رواه أبو داود .
هذه هي التوجيهات التي طبقها الخليفة الثالث عثمان بن عفان في حياته ، إذ تم تنصيبه للخلافة في شهر المحرم (24 هــ) وفي سنة (35هـ ) أردته فتن المسلمين شهيدا وكان يبلغ من العمر (82 ) سنة وفي منزله جماعة من مسلمي المدينة المخلصين كلهم مستعدون لبذل كل رخيص وغال لرد أي اعتداء أو هجوم يمس شخص الخليفة ، لكنه أبى قبول ذلك واستحى على عدم مهاجمة إخوانهم المسلمين ، وانشغل بتلاوة القرآن جالسا وسط بيته ، إلى أن اقتحموا عليه بيته برماحهم وسيوفهم وأردوه قتيلا .
لقد أقبل الخليفة على هذا القتل بصمت ، ولم يكن هذا عملا عفويا بل كان عن قصد وإرادة ، فهو تطبيق عملي لحكم شرعي وفقا لتعاليم الشريعة التي تنص على أنه لايجوز لمؤمن البدء بالهجوم إطلاقا . إن المسلم بنهج سبيل الدعوة والنصيحة في ساحة عمله لاسبيل القتال ، أما إذا حدث الهجوم من الآخرين فله صورتان : إما أن يكون البادئون بالهجوم جماعة من الكفارين فهذا يتطلب الدفاع تحت شروط خاصة (( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولاتعتدوا إن الله لايحب المعتدين )) ( البقرة 190 ) ، وإما أن يكون البادئون جماعة المسلمين فالحكم في هذا الوضع ، التوقف عن شن الهجوم على الأخ الذي تربطك به رابطة الدين ، ولو كان ذلك عن طريق الدفاع ، قال تعالى : (( لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ماأنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين )) ( المائدة 28 )
يجوز للمسلم أن يجابه مسلما آخر دفاعا عن ممتلكاته الشخصية شريطة ألا يؤدي ذلك إلى فوضى اجتماعية عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من قتل دون ماله فهو شهيد )) متفق عليه .
وكتطبيق عملي لهذا الحكم الثاني لم يخض الخليفة الثالث قتالا ضد مهاجميه من المسلمين ، وأقبل على الشهادة بصمت وقد أصبح بذلك خير ابني آدم / ومما يدعونا إلى الدهشة أن عثمان رضي الله عنه – والذي قدم مثالا عمليا للتطبيق العملي لأصول الشريعة انشغل المسلمون بأخذ الثأر له والإنتقام لدمه بعد موته وخاضوا في سبيل ذلك حروبا وقتالا فيما استمر خمس سنوات ( 35-40 ) وذبح مائة ألف من المسلمين بسيوف المسلمين أنفسهم باسم الثأر لعثمان ، ورغم هذا القتال الدامي فإن قضية قاتلي عثمان بقيت ليحكم فيها الله .
لقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الإرشادات والتوجيهات بناء على احتمال أن تظهر من بعده اختلافات سياسية بين المسلمين ونزاعات دينية متطرفة تعمل على حث الناس واستثارتهم للقيام بالتظاهر والتمرد بدعو إصلاح السياسة / لذا منع النبي صلى الله عليه وسلم الناس منعا باتا عن طريق التنبؤ بظهور مثل هذه الحركة .أما الحكام فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن توجه إليهم النصيحة بدلا من الدخول في الصراع معهم إلا إذا فقدت النصيحة تأثيرها ولم ينصلح الحكام ، عندئذ علينا أن نلتزم الصمت ونكتفي بالدعاء لهم . ولعل السبب في هذا التأكيد الصارم يعود إلى أن مواجهة الحكومة القائمة لايزيد الأمر إلا تفاقما والفساد إلا شدة . عن جرير بن عبد الله قال : لاترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض . ( متفق عليه (
ومن نتائج تلك التعليمات النبوية ، أننا نجد أصحاب النبي الذين كانوا على قيد الحياة عند حدوث موقعة صفين (36هــ ) كانوا يعدون بالآلف ، ورغم ذلك فقد كان المشاركون الحقيقيون في تلك الحرب الأهلية ثلاثين صحابيا وبمشقة منهاج السنة – ابن تيمية /مجلد 3 – صفحة 86 .إن كتب الحديث تحوي تحت باب الفتن – روايات عديدة كلها تثبت هذا المنهج بوضوح لايتطرق إليه الشك . وبناء على هذه التوجيهات النبوية الواضحة ، واستنادا عليها ، صيغت المسألة الفقهية التي تنص على أنه لايجوز التمرد على السلطان الغالب لما فيه من إثارة الفساد وإراقة الدماء بين أفراد المجتمع . وفي هذا الصدد نورد بعض الروايات الأخرى (( المتعلقة بالموضوع نفسه : عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم ، قال : قلنا يارسول الله أفلا ننابذهم ، قال : لا ماأقاموا فيكم الصلاة . ( رواه مسلم ) .
عن هنيدة وائل بن حجر رضي الله عنه قال : سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يانبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا ، فأعرض عنه – ثم سأله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ماحملوا وعليكم ماحملتم .( رواه مسلم ) .
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من كره من أميره شيئا فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية . ( متفق عليه ) .
من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية ومن شذ شذ في النار إلى غير ذلك من الروايات المتعلقة بالشذوذ السياسي والتي تعني أنه يتعين على الناس الخضوع تحت النظام السياسي القائم ولا يجوز الإنفصال السياسي لأنه وإن كان بدافع الإصلاح يأتي بخراب وفساد أعظم ويسبب ضياع النسل والحرث
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها قالوا : يارسول الله كيف تأمر من أدرك منا ذلك ، قال : تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم . ( متفق عليه ) .
عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر ، يفر بدينه من الفتن ( رواه البخاري ) .والحقيقة أن المراد من ارشاد النبي صلى الله عليه وسلم بعدم الخوض في محاربة الحكام (( ماأقاموا الصلاة فيكم )) ألا نحاربهم أبدا ، لأنه من المستبعد أن نجد حاكما مسلما يمنع شعبه من إقامة الصلاة ، وإذا رضي الناس عنه حيث أقام الصلاة فيهم ، فهو لن يقوم بتدمير المساجد ومنع الناس من الركوع والسجود . إن الحكام المسلمين الذين نعدهم في عداد الظالمين والمستبدين إنما صاروا كذلك حين تحدى الناس الناس سلطتهم وسيطرتهم ، وهذا النوع من الظلم يتسع نطاقه إلى حد يستغرب وجود أي مسئول عن أمر – كائنا من كان – ليس فيه هذا النوع الظلم ، سواء أكان في سلك سياسي أو غير سياسي .والجدير بالذكر - هنا – أنه ليس الهدف من هذه التوجيهات النبوية أن يظل الشعب أبكم أمام الحكام الظالمين بل إنها إضاءة للطريق نحو عمل جاد بعيد الغور ، كما أنها تربية للعقلية الإيجابية في أفراد الأمة بدلا من العقلية السلبية ، وهي توجيه لمجهودات الشعب إلى عمل بناء وخلاق بدلا من أعمال التخريب والدمار وهي إشارة إلى حقيقة عظيمة ثابتة ، وهي أن مزاولة العمل في ميادينه عن طريق غير مباشر أكثر نجاحا ونتاجا من مزاولته عن طريق مباشر ، ورغم أن ذلك يخلو من روعة ظاهرية إى أنه فعال ومؤثر وقادر في نهاية الأمر على حرمان الخصم من الأرضية التي يقف عليها .
إن الإستمرار في الدعاء الذيينشىء جو الحب وإرادة الخير للآخرين ، والإهتمام بأداء المسئوليات الشخصية بدلا من ايجاد حركة للصراع ضد الآخرين ، والإنشغال بتعليم الناس في صمت لإيقاظ فطرتهم ، وبناء الشخصية الذاتية وترسيخ جذورها بدلا من الدخول في صراع مع السلطة ، والإستمرار في بذل الجهود البناءة في ظروف مواتية ، كل هذه الأعمال تنطوي على قوة تسخيرية لدرجة أنه لو تبنتها جماعة ما في الطريق الصحيح وبإخلاص فلاشىء يستطيع أن يحول بينها وبين الوصول إلى هدفها بنجاح .
لقد أثبتت تجربة القرن الأول من الهجرة – بكل تأكيد – بأن الصدام مع النظام السياسي المسيطر مهما أخلصت له النية ، يزيد الفتنة اشتعالا ، كما يخلق مشاكل جديدة ، تجعل القضية أكثر تعقيدا . والحركة التي قامت لإصلاح السياسة العثمانية تسببت في بعث قتال عنصري قبلي قديم – في أبشع صورة – بين فرعي قبيلة قريش ، بني أمية وبني هاشم ، كما فتحت أرضية مواتية لمثل عبد الله بن سيأ المسلم اليهودي الجديد ، استغلها لإبتداع عقيدة (( الموصي )) الجديدة ، وادخال مسألة ((استحقاق الخلافة )) – وهي قضية سياسية – ضمن المسائل العقائدية ، ونجم عنها انقسام المسلمين إلى فريقين متناحرين بشكل متواصل هما الشيعة وأهل السنة ، ووجدت العصبية الدفينة فرصتها لاسترجاع حيويتها والنهوض ضد الآخرين تحت ستار شعارات نظرية متناقضة . فالعرب المحتقرين للعجم تجمعوا تحت لواء الأمير معاوية ، وأما العجم المستنكرون لسلطة العرب فقد تطوعوا للقتال مع جيش علي .إن حركة الإصلاح السياسي قد أفضت إلى فوضى سياسية فحسب ، مما أدى إلى نشر الإضطرابات في أنحاء الأمصار الإسلامية ، والتي أسفرت عن مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان - رضي الله عنه – ولم تكن القضية لتنتهي إلى هذا الحد أو لتقتصر على مقتل عثمان ، بل بدأت سلسلة لامتناهية من أعمال التناحر التي تجاوزت الوقفة العارضة أثناء خلافة معاوية لتواصل مسيرتها مئات السنين وأهلكت مئات الآلاف من الأرواح البريئة بأقصى صورة وأبشعها .. ورغم ذلك كله فإن المشكلة الحقيقية وهي إصلاح فساد الخلافة أو القصاص لدم عثمان لاتزال قائمة تنتظر المكان الذيتحل فيه سائر القضايا ( أي عند الله ) .
والجدير بالذكر – أيضا – أن الحرب التي نشبت للنيل من الحكومة لاتنتهي إلى نتيجة حاسمة ، فلاتكلل بالنجاح ولاتمنى بالفشل ، وقد تتوقف الحرب بين فريق (أ) وفريق (ب) مثلا . لكن سرعان مايظهر الإنشقاق في صفوف الفريق الغالب لينقسم إلى فريقين . لقد نشب القتال بين بني أمية وبني هاشم سنة (35هـ ) للحصول على سلطة الخلافة ، واستمر ذلك – بشكل أو بآخر – مائة عام تقريبا ، ظل خلالها بنو أمية على مقعد الخلافة . وفي سنة (133 هـ ) استطاع بنو هاشم ( بنو عباس ) أن ينجحوا في استئصال سيطرة بني أمية بمساندة الإيرانيين ، ثم مالبث أن انشق بنو هاشم وانقسموا إلى عباسيين وعلويين ، وصاروا يتناحرون فيما بينهم . إن محمد بن الله بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب المعروف بــ (( محمد المهدي النفس الزكية )) (145هـ ) كان معارضا سياسيا للخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب وقام – مع مناصرين بحركة إصلاحية ضد نظام أبي جعفر المنصور ( 132 هـ - 158 هـ ) بدعوى (( اصلاح النظام )) وكان النجاح لصالح المنصور في الصراع ، إذ استطاع أن يقمع العلويين وكلاهما ينتميان إلى قبيلة واحدة هي (( بنو هاشم )) أحدهما حفيد لأبي طالب بن عبد المطلب والآخر كان حفيدا للعباس بن عبد المطلب . عندما كانت القضية قضية نزع السلطة من سيطرة بني أمية كان كلاهما تحت مظلة سياسية موحدة ، أما حين تغيرت الحكومة أصبح كل منهما رقيبا على الآخر ، يراقب هذا تحركات ذاك ، واستمرت هذه الرقابة بينهما حتى حطم الواحد منهما الآخر .
وبعد استشهاد عثمان ، نهضت عائشة أم المؤمنين تطالب بالقصاص من الذين شاركوا في اغتيال عثمان واشترك معها الزبير بن العوام وطلحة بن الزبير وآخرون كثيرون ، فأسفرت هذه الحركة عن تقسيم المسلمين إلى طآئفتين متحاربتين ، اجتمع ثلاثون ألف مسلم تحت لواء عائشة ، واصطحب علي عشرين ألف مسلم ، والتقى القريقان قرب البصرة ودار بينهما قتال ، وهو مااشتهر في التاريخ باسم موقعة الجمل (36هــ ) لقي فيه عشرة آلاف مسلم مصرعهم مذبوحين بسيوف إخوانهم . وكان طلحة والزبير قد سقطا قتيلين في طريق عودتهما من القتال . أما طلحة فقد مات متأثرا بالجراح التي أصابته بينما اغتيل الزبير عند وادي السباع وهو يصلي .
وبعد ذلك بدأت مرحاة ثانية من الصراع ، تزعم لواء الحركة التي كانت على رأسها عائشة – معاوية بن أبي سفيان وكان واليا على الشام . فعلي بن أبي طالب كان يطالب بحق مبايعته على الخلافة بينما كان مطلب معاوية القصاص لدم عثمان ، فحدث للمرة الثانية في موقعة ( صفين ) بالشام ماحدث من القتال في أبشع صورة وأشدها (37هــ) راح ضحيته سبعون ألف مسلم تقريبا بيد إخوانهم المسلمين ورغم تلك المجزرة البشعة فإن القضية لم تحل بعد ، حتى بعد نزول الطرفين على خطة التحكيم ( دومة الجندل ) . إن العمل الذي قام به عمرو بن العاص في هذا الموقف ثد أضاف مزيدا من الأضرار التي تسببت في قتل الأرواح فضلا عن انعدام روح الثقة بين أفراد المجتمع الإسلامي ، وهذا الذي أسفر عنه ظهور ( فرقة الخوارج ) التي خاضت الحرب ضد علي بن أبي طالب في موقعة النهروان (37هـ ) والتي راح ضحيتها حوالي عشرة آلاف مسلم ، مما زاد في عدم الثقة فيما بينهم حتى أنهم تآمروا لإغتيال الأمير معاوية وعمرو بن العاص وعلي بن أبي طالب على حد سواء .
إن نتائج الحرب الأهلية التي نشبت باسم ( دم عثمان ) واستمرت مدة خمس سنوات ( 35-40 هـ ) هي أن معاوية تمسك بالخلافة كما أخضع مزيدا من المناطق الإسلامية تحت سيطرته كاليمن والحجاز والشام وفلسطين ومصر ، بينما اقتصرت حكومة علي على العراق وايران فقط ، واستمد معاوية مزيدا من القوة من تنازل الحسن عن الخلافة بعد مقتل أبيه علي بن أبي طالب (40هـ ) وظل يحكم العالم الإسلامي عشرين عاما بدون أية معارضة .
وبعد وفاة معاوية أثيرت – من جديد – قضية الخلافة ، إذ نصب معاوية نجله يزيدا وليا لعهده ، وأخذ له البيعة ليكون خليفته من بعده ، فسادت مشاعر الإستياء بين أفراد الشعب إزاء هذا الخطأ الذي ارتكبه معاوية حين حسم قضية انتخاب يزيد بدون مشورة . وفور تنصيب يزيد على عرش الخلافة برزت بعض الآراء القائلة بعدم أهلية يزيد للخلافة , خاصة أنه ثمة في المجتمع الإسلامي – شخصيات بارزة ذات مقدرة وكفاءة وموضع احترام أيضا مثل عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير والحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر ، مما دفع مجموعة من الناس لرفض بيعة يزيد ، فبدأت ثورة جديدة كان لها قائدان متميزان هما : عبد الله بن الزبير , والحسين بن علي . أما معظم الصحابة فقد كانوا على فريقين ، فريق ظل صامتا , وفريق انصرف إلى اقناع الناس بقبول خلافة يزيد حتى لايسقط مزيد من الضحايا .
لقد كان عبد الله بن عباس في مكة حين أعلن نبأ موت معاوية , فاجتمع الناس حوله ليسمعوا رد فعله , فكان مما قاله في ذلك الموقف : (( وإن ابنه يزيد لمن صالحي أهله فالزموا مجالسكم واعطوا طاعتكم وبيعتكم ))
وهكذا منه محمد بن الحنفية الناس من التمرد على يزيد بعد أن وصفه بخير . ويقول حميد بن عبد الرحمن بأنه حضر – عند ولاية يزيد – إلى الصحابي بشير رضي الله عنه حيث يقول : (( يقولون إنما يزيد ليس بخير أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأنا أقول ذلك ولكن لأن يجمع الله أمة محمد أحب إلى من أن تفترق ))
إن وجهة النظر هذه كانت بناء على التوجيهات الصريحة التي أدلى بها النبي صلى الله عليه وسلم يمنع فيها الخوض في الصراع السياسي مع الحكام ، والتي تنص على الحديث عن ساحة عمل غير سياسية يوظف فيها الفرد رغباته الإصلاحية الملحة ، إلا أن وجهة النظر البناءة والخلاقة الرامية إلى البناء والتعمير تجذب انتباه عدد ضئيل من الناس مقابل وجهة النظر السياسية ، لذا اقتحم السواد الأعظم المعترك السياسي ( القتال ) مما اسفر عن مقتل شخصيات ذات مقدرة عالية وصلاحية عظيمة مثل الحسين وعبد الله بن الزبير وآخرون ممن راحوا ضحيته مذبوحين بسيوف إخوانهم .
وعندما أبلغ يزيد بما قام به أهل المدينة من أعمال التمرد . مالبث أن قام بشن حملات على الحرمين الشريفين , ونسف جدران بيت الله ( الكعبة الشريفة ) .
وظلت المشكلة كما هي – رغم تلك التضحيات التي بذلت من أجلها – ويبقى يزيد في حكومته لم يستطع أن يقضي عليه إلا ملك الموت . ومما نجم عن تلك الحروب الأهلية التي نشبت في القرن الأول الهجري أن الصحابة الكبار الذين كانوا من الشجعان , وكانوا يدفعون بعجلة الإسلام إلى الأمام كسيل متدفق مقتحم , قد انعزلوا عن الحياة الإجتماعية ، فسعد بن أبي وقاص بطل فتح إيران ذهب بعيدا عن أضواء المدينة وتفرغ لرعي الإبل والغنم أما عبد الله بن عمر الذيكان بإستطاعته أن يصبح عمر الثاني نظرا إلى مواهبه وقدراته , قد سئم من هذه التناحرات , ولجأ إلى حياة العزلة , وغيرهم من الأبطال , على أن إعراضهم عن ساحة القتال لم يتخذ منخى سلبيا بحتا بل اتخذ وجهة إيجابية ألا وهي القيام بنشاطات التعليم والإرشاد ، واصبح شغلهم الشاغل رواية الحديث وتبيين حقيقة الشريعة الإسلامية السمحة للناس , واطلاعهم على السيرة النبوية الشريفة .
هذا هو العصر الذي تكونت فيه ذخيرة علمية عن الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي , فالذين كانوا يظهرون شجاعتهم ومقدرتهم في ميادين المعارك قد اكتشفوا عملا في حقل التدريس والتعليم خدمة للإسلام .
ولاية عهد يزيد :
وظلت مسألة ترشيح معاوية لنجله يزيد كولي لعهده من أشد المسائل إثارة للخلاف والتنازع ، ولاشك في أن هذا الترشيح قد ألحق آلاما وجروحا خطيرة بالتاريخ الإسلامي ، ولكن الذين احتاطوا في بحثهم ونقبوا يرون أن معاوية كان مخلصا كل الإخلاص في مافعل ، تدفعه عاطفة دينية ، على أن نجله هو أكثر أهلية وقدرة على تولي الخلافة في الممالك الإسلامية .ويرى ابن خلدون : ( أن الدافع الذي جعل معاوية يعين إبنه وليا لعهده دون الآخرين ، هو رعاية مصلحة الأمة فيما يتعلق بوحدتهم وترابطهم ) . وعندما اعترض عبد الله بن عمر على تعيين معاوية ليزيد ، كانت إجابة معاوية : (( إني خفت أن أذر الرعية من بعدي كالغنم المطيرة ليس لها راع ). وثمة روايات عديدة كهذه تنص على أن معاوية كان مخلصا في انتخابه ليزيد ، حتى نقل عنه أنه وقف على منبر المسجد في يوم جمعة وتضرع قائلا : (( اللهم إن كنت عهدت ليزيد لما رأيت من فضله فبلغه ماأملت وأعنه ، وإن كنت إنما حملني حب الوالد لولده وإنه ليس لما صنعت به أهلا فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك )) . ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو أنه كيف أمكن لمعاوية أن يطمئن على تولية رجل لمهام الخلافة على الممالك الإسلامية رغم أنه لم يكسب تأييد أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك إلا المغيرة بن شعبة ، أما الباقون والذين يعدون بالآلاف يومذاك فمنهم من كان معارضا لهذا الإنتخاب ، ومنهم من إلتزم الصمت خشية أن يؤدي ذلك إلى إفتراق الأمة واختلافها .
ثم إن معاوية كان معروفا بنظراته الثاقبة بشكل متفوق في عواقب الأمور ، حتى وصفه عمر الفاروق بأنه إنسان (( يضحك في الغضب )) وإنه كان يملك قدرة عالية – بشكل محير – للوصول إلى رأي مصيب .
فكيف أمكن لمثل هذا المدبر صاحب النظر الثاقب أن يوافق على صحة رأي لم يشهد التاريخ بعده على صحته ، ولم يثبت صوابه .
والجدير بالملاحظة هنا – أيضا – أنه حين أوقف الحسين بن علي (سنة 41هـ ) سلسلة الصراعات الضارية بتخليه عن الخلافة بعد أن تنازل عليها ، فإن معاوية قد أقر أمام عبد الله بن عامر بإقرار ينص على أن الحسن سوف يتولى الخلافة عقب موته . ولم يكن ذلك تنفيذا لإقتراح الحسن بل بدافع ذاتي من معاوية يقول بن كثير (( كان معاوية لما صالح الحسن عهد للحسن بالأمر من بعده فلما مات الحسن قوي أمر يزيد عند معاوية ورأي أنه لذلك أهلا )). إن التضحية التي أقبل عليها الحسن – والتي لم يسبق لها مثيل – وذلك بتنازله عن الخلافة لمعاوية كانت يمكن أن تدفع معاوية إلى تعيين الحسين بن علي لولاية عهده حتى يتخلص من الوعد الذي عهد به للحسن ، لكن تلك الخطة لم تجد لها مكانا في تدبير معاوية ، فهو قد أصر على تعيين نجله يزيد لمنصب الخلافة ، وتسميته له بعد أخذ البيعة له من الناس .
أما ما يتعلق بقضية عدم كفاءة يزيد فيكفي لإثباتها تلك الحادثة التي جرت في عهده وذهب ضحيتها الحسين ، فهي لم تكن مثالا للظلم والعمل البربري فحسب بل إننا لو تفحصنا القضية – حسب وجهة النظر السياسية – لما وجدنا وراءها نظرا ثاقبا أو عقلا مفكرا . إذ ينبغي ليزيد باعتباره رئيسا لمملكة كبيرة أن يكون له دراية بأن مقتل حفيد الرسول سيخلق رد فعل حتما ، فحدث بسبب ذلك ماحدث حتى أنه صار مضطرا لقمع مانجم عن القضية فشن حملات على الحرمين مماأسفر عن مقتل قرابة ألفين من المسلمين ، واضطر بعد مقتل الحسين لإستباحة دماء عامة المسلمين أيضا .
الأمر الذي كان يجهله يزيد – أيضا – بشكل كلي هو أن إمكانية المصالحة مع رجل شريف يمكن أن يحصل عليها حتى آخر لحظة . والتاريخ خير شاهد على أن الحسين لم يلتفت إلى عدم موافقة أصدقائه وكبار الشخصيات في مسألة الخروج من مكة ، ولم يكن يرضيه شىء حتى يدفع بيزيد إلى مصيره المحتوم . ولكن إثر وصوله إلى كربلاء ، وحين أدرك بأن تلك الرسائل التي اعتمد عليها – مما دفعه للخروج من بيته بجميع أهله وعياله – كانت خداعا محضا من أهل الكوفة ، عندئذ عزم الحسين على تسليم السياسة ليزيد ليظل مقتنعا بحياة صامتة خالية من ضوضاء السياسة ويمكن القول – بعبارة أخرى – أن قضية يزيد والحسين قد وصلت في آخر مراحلها إلى تلك النقطة التي وصلت إليها مسألة معاوية والحسن ، لكن معاوية كان يتمتع بخبرة واسعة ، إذ بعث بورقة بيضاء – بعد أن وقع وختم عليها – إلى الحسن ليكتب مايريد من شروط الصلح ، وهذا ماحدث للحسين فقد اقترح خطة للصلح بنفس الطراز إلا أن رجال يزيد هجموا عليه وأردوه قتيلا . ولم يكن يزيد حاضرا في ساحة المعركة ، وقد تأثر تأثرا شديدا بقتله ، على أنه لايستطيع أن يتخلص من هذه الجريمة البشعة لأن المأمورين يعملون وفقا لذلك الجو الذي يهئيه أي مسئول حوله .
إن واقعة ولاية عهد يزيد تظهر كم يقع الإنسان في غلطة عظيمة وخطأ كبير رغم حسن نيته وإخلاصه ، إن الإنسان – بوجه عام – كثيرا ماتتسلط عليه انفعالاته (obsessed ) ، فالإنسان الذي يتأثر مزاجه بالبيئة التي تحيط به أو ينشأ فيها يفكر تبعا لها ، فتكون فكرته متأثرة ومنفعله ( thinking coditition ) وينتهي إلى حكم خاطىء رغم إخلاصه ، وهذا هو سبب اهتمام الإسلام الشديد بنظام الشورى فعن طريق الشورى تتضح نقطة الضعف في رأي الواحد عند الآخر ، خاصة مايتعلق بالشئون الإجتماعية التي تحتاج إلى شورى كاحتياج صلاة الجمعة إلى الجماعة .
لاشك أن معاوية كان مخلصا في نيته ، ولكن المشكلة هي أن رأيه هذا كان منبثقا من فكر متأثر منفعل لم يحفل بتلك الحقائق التي كانت خارج نظاق ذهنه .
ولكن الأمر كان أسرع من ذلك : قيل إنه حين مرض معاوية مرض الموت نادى يزيد ملوحا له ببعض النصائح ، كان من بينها :
يابني إني كفيتك الشد والترحال ووطأت لك الأمور وذللت لك الأعداء وأخضعت لك رقاب العرب وجمعت لك مالم يجمعه أحد .
إن الإنسان حين تسيطر عليه فكرة ما فهو كثيرا مايتجاهل تلك الحقائق التي تجري ضده أو تخالفه ، وهذا ماحدث بالنسبة إلى معاوية ، فهو قد نسي حقيقتين بالغتي الأهمية .. أحدهما : أن الإسلام قد جعل قضية انتخاب الخليفة خاضعة لنظام الشورى (( فلم يكن معاوية على علم من أن تسمية نجله رئيسا أو ترشيحه لتولي الخلافة ستكون حادثة غير متمشية مع مزاج الإسلام وستخلق رد فهل حتما .. كما أن بني هاشم المناهضين لبني أمية سيحصلون على سند نظري ، ويستغلونه لنفخ الروح في حركتهم المناهضة لسلطة بني أمية – وهو ماحدث فعلا – فقد بدأ التمرد على يزيد – بصفته الخليفة – فلم يعش يوما واحدا في هدوء وسكون طوال مدة خلافته . والأمر الثاني الذي نسيه معاوية وهو ينصح ابنه على فراش الموت أن ابنه سوف لن يلبث حتى يلحق به ، والتاريخ يشهد على أن يزيد قد حصل على فرصة الخلافة لمدة ثلاث سنوات ونصف السنة بجهد ومشقة لم يلبث أن توفي بعدها .وجلس على كرسي الخلافة بعده حفيد معاوية معاوية بن يزيد بن معاوية (39 -64 هـ ) وانتهى أمره في غضون ثلاثة أشهر فقط ، فخرجت بذلك مهمة الخلافة في أقل أربع سنوات من أبناء وأحفاد معاوية ، ودخلت تحت يد مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية ( 65-82هـ ) .
ولو تنبأ معاوية بهذا المستقبل لما أقدم على هذا العمل الذي مكن للمؤرخ أن يسجل بأن (( معاوية هو أول من أدخل في الإسلام سنة كسرى وقيصر )) .. وكذلك هؤلاء الذين سجلوا حوادث التاريخ فقد وجدوا سندا كبير في هذه الحادثة
ولو التزم الإنسان طريق الصبر وجعل نشاطه الإصلاحي في دائرة إمكانياته المتاحة ، فسيرى كيف يجري الله التدابير لإبراز تلك الحادثة في طريق ناجح ، بينما نحن نحاول – لعدم صبرنا – إيجادها عن طريق غير ناجح البتة.
تعليق