[align=center]32[/align]
ما العمل الآن ؟ .. وكيف السبيل إلى اتخاذ موقف حاسم ينقذني من براثن هذا التردد ويزيل عن نفسي هذا التلكؤ الذي صار يؤرقني ويستعبدني إلى درجة أنني صرت أجد كل يوم مبررا للبقاء هنا .. فتارة أعزو الأمر إلى قربي من صديقي المفضل واستئناسي بالوقوف عند قبره .. وتارة أتذرع بكون أسرة حليمة متمسكة بي فأتخيل نفسي مفتقدا للوفاء وناكرا للجميل في ما لو قررت فعلا الرحيل .. و أحيانا أؤنب نفسي على ترك حليمة لوحدها بعد تجربتها القاسية برحيل من أحبها و أحبته .. أحبته ؟ .. طنت العبارة في أذني طنينا غريبا وكأني أجهل أنهما كانا متحابين يوما ما و انني كنت أعمل كل ما بوسعي لإنجاح هذه العلاقة رغم اقتناع المفضل باستحالة ذلك .
كل هذه الأفكار و الأحاسيس كانت تتضارب في وجداني دون أن أعير أي اهتمام لما أخبرني به والد حليمة عن الضيفة التي قدمت عندهم و سألت عني .. ربما لأني كنت اعلم من هي .. وربما أيضا كان هذا من وراء تقاعسي عن الرحيل .. هل هي الفرحة التي أنستني كل شيء وجعلتني أطيل مدة الاستمتاع بالخبر قبل أن أذهب للقاء جديد ؟ .. أم أنه الخوف من المجهول .. من لقاء يعقبه فراق لا قبل لي به منذ أن صدمت به في المرة الأخيرة ؟ ..
الآن أتواجد بين مفترق طرق .. بل طريقين فقط .. إما أن أقصد عشي من جديد و أحاول مد حبل الوصال مع الغائبة الحاضرة أو ألتزم هذه البلدة التي الفتها و الفت أهلها .. لكن علي أن أحدد أشياء وأجيب عن أسئلة كنت ولا أزال أتجاهلها أو أتهرب من من الإجابة عنها .. حليمة .. ماذا تعني لي الآن ؟ .. وما نوع العلاقة التي تربطني بها ؟ .. كنت أتذرع بكونها محبوبة صديقي الراحل و بأني أعتني بها إكراما .. أما الآن .. فبعد تلك الليلة الليلاء في الكهف وما تلا ذلك من بوح مقتضب و تلميح إلى أمور صارت أوضح من الشمس في وضح النهار ، صار علي أن أسائل نفسي عن معنى حليمة في حياتي .. هي تنتظر مني ولا شك حسما في أمر البقاء أو الرحيل وكلاهما يحمل معنى .. ويبقى علي أن أقرر إما التخلي عن حبي الأول الذي لم أعد أرى فيه سوى سراب يزداد بعدا عني كلما هفوت إليه ، أو مواصلة التعلق بالأمل رغم ضآلته .
لشد ما يحيرني ما أنا فيه .. وها أنذا اذرع الربى ملتمسا صفاء الذهن دون أن أجد طعما للراحة و الطمأنينة .. أعتلي شجرة متشابكة الأغصان و أظل اصعد حتى أصل إلى أعلاها وأحس بنفسي أتأرجح مع أول هبة للريح فأحس بمزيج من الرهبة و المتعة .. شعور من يختفي عن الأعين بينما هو يرى كل ما حوله ..
من جديد تختفي حليمة .. ولا أعود أراها .. هل تكون رحلت إلى بلدة خالتها ؟ لكنها لم تكد ترتاح من وعثاء السفر .. وها هو النهار يكاد ينقضي دون أن تخرج منذ أن افترقنا بعيد الفجر .. أفطرنا وتغذينا وحيدين ، أنا و والدها الذي بدا شارد الذهن .. مشاغله كثيرة كرب أسرة و كشيخ القبيلة ، لكنه بدا لي مهموما . أتراها حليمة من وراء هذا الانقباض الذي بدا جليا على محياه ؟ ليته يفصح عما يشغل باله .. وبعد لحظات من الانتظار ، رأيته يتنهد ثم التفت إلي وقال :
- غدا يوم سوق .. وستقام اللمة السنوية عند الضريح .. سأذهب وقد لا أعود إلا بعد يومين .. أنت هنا في دارك .. لا تشعر بالحرج ..
ثم استطرد بعد هنيهة وهو يعبث بقضيب زيتون :
- ما يقلقني حقا هو حالة حليمة ..منذ عودتها من عند خالتها و هي غير عادية .. يبدو عليها الوهن و لا تريد أكلا إلا ما تضطر إليه تحت إلحاح والدتها .. ولولا ضرورة تواجدي بالسوق و قضاء بعض الحوائج عند بعض إخوتي هناك لما فارقتها ..
- خيرا إن شاء الله .. هل تشكو من شيء ؟
- لا .. وهذا ما يحيرني .. أعهدها دائما قوية .. وكثيرا ما آخذ بمشورتها .. هي مثل أمها رزانة و حكمة .. المهم .. إذا كنت تريد البقاء هنا فأهلا و سهلا بك .. أما إذا كنت ترغب في مشاهدة السوق و اللمة ، فتعال معي .. سننطلق عند الفجر ..
- نعم .. أريد رؤية السوق لأن جوه يمتعني .. ثم إني اشتقت لمنطقتي حيث بيتي الذي لم أره منذ فترة طويلة ..
- حسنا .. يمكنك الذهاب غلى حيث تريد .. لكن لا تطل الغيبة عنا .. فنحن ألفنا تواجدك معنا .. ولو كان المفضل رحمه الله موجودا لما تركك ترحل ..
- رحمه الله .. سأفعل ما بوسعي لأعود .
مر العشاء كئيبا رغم محاولة الرجل إضفاء المرح بما يقصه علي من نوادر البدويين وكثرة الدعاوي يوم السوق الأسبوعي ..
استمعت إليه بذهن شارد ونفس منقبضة .. حتى إذا انتهينا من الأكل نهض وهو يقول :
- سأمر على صاحب البغال كي يحضر باكرا .. هل أوقظك ؟
- نعم .. أرغب في حضور اللمة التي طالما سمعت عنها ..
- حسنا إذن .. اذهب الآن و ارتح .. وحاول أن تنام باكرا حتى لا يصعب عليك الاستيقاظ ..
وأطلق ضحكته الرنانة .. و نهض خارجا .
إحساس شامل يغمرني بأن هذه اللحظة هي آخر عهدي لي بالبلدة و بهؤلاء الناس .. ربما فكرت في استئذان الرجل في الذهاب قبله لكني فكرت في أن هذا سيثير استغرابه خصوصا والوقت ليلا .. لأنتظر الصباح .. لكن هل أستطيع النوم وسط هذه الدوامة من الأفكار المتضاربة و الأحاسيس المتأججة ؟ .. كيف سيكون موقف حليمة حين تستيقظ و تجدني قد رحلت .. ستعلم بقينا أنني قدا رحلت بلا رجعة .. هل سيؤثر ذلك على صحتها و نفسيتها ؟
لم ألج غرفتي وفضلت البقاء بالقرب من الفرن حيث لا يراني أحد .. و جلست أفكر متأملا .. شوقي لعشي الدافئ يتأجج ، لكني لا أدري سبب انقباضي وأنا أتخيل نفسي بين أحضانه .. سأرحل إليه و أتعهده من جديد ثم أرحل عند العجوز على شاطئ البحر كلما شعرت بالملل .. أشعر أني بحاجة لكي أرتاح .. بحاجة لأعيش لحظات لا يعاني فيها القلب و لا النفس .. كفاني ما لقيته من الحب و متاعبه التي لا تنتهي .. كم من تجربة مرت بي ولم أجن منها سوى المرارة و الخيبة .. ما الذي يدعوني لخوضها مرة أخرى .. الأحرى بي أن أعتني بنفسي و لا أحملها مالا طاقة لها به .. ولكن هل تتركني الأقدار لما نويت عليه أم أنني سأقع يوما ما ، ومن جديد ، بين براثن الحب .. سواء كان قديما أو جديدا ؟
وجدت نفسي في لحظة من اللحظات و أنا أهمس بما أفكر فيه وكأنما أكلم نفسي .. حانت مني التفاتة إلى حيث انتصب جذع شجرة جاف وقد حط عليه بعض الدجاج .. تأملته في غفوته .. فكرت في ما يعيشه من فطرة و غريزة .. حسدته في قرارة نفسي و استندت إلى الفرن في شبه إعياء .. صوت الصراصير يزيد من بهاء الليل الغارق في السكون .. نظرت دون إرادة مني صوب الربوة حيث يرقد الراحل العزيز ودبت في نفسي رغبة ملحة لوداعه قبل أن أرحل .. فقد لن تتيسر لي العودة مرة أخرى إلى هنا .. وهذا أمر أكيد و أشعر به جيدا .. نهضت إلى هناك ووقفت أتأمل القبر المجير بالبياض . ورغم وحشة المكان كنت أشعر بالسكينة ، ربما لأني أدركت أن صديقي مرتاح في عالم الغيب و أن معاناته قد انتهت .. فعدت هادئ البال مطمئن النفس ، فلم تلبث جفوني أن استسلمت للنوم ..
عند الفجر ، كنت مستيقظا قبل أن يدخل والد حليمة علي غرفتي .. فوجئت بأربعة بغال تقف أمام باب المنزل ..
- سترافقنا حليمة .. هي متلهفة لحضور اللمة وزيارة "السيد" كما نصحتها أمها .. هي لا تعتقد في بركة "السيد" ، لكني شجعتها على مرافقتي كي تغير الجو و تسترجع عافيتها .. في تلك اللحظة خرجت حليمة متسربلة بمنديلها المخطط بالأحمر و الأبيض وقد وضعت "شاشيتها" وراء ظهرها تحسبا للشمس .
تبدد في الحين كل شعور بالانقباض و الوحشة التي عاودتني و أنا أستيقظ من نومي منذ لحظات .. كنت أتساءل هل أفوز بلحظة وداع مع حليمة .. بدا لي كل ما حولي جميلا .. المنزل .. الفرن .. الربوة .. الجبال المحيطة بنا من كل جهة .. حتى البغال بدت لي أكثر ألفة فلم أملك نفسي من تحسس رقبة أحدها و أربت عليها بكفي .. تأملت والد حليمة و تمنيت لو أعانقه ..
نظرت إلى الأم وهي على عتبة البيت تصدر الأوامر إلى بعض الخدم و طرأت لي فكرة تقبيل يدها تحية لها قبل الرحيل ..
الأفق بدأ يصحو .. وأصوات العصافير تملأ الجو بزقزقتها العذبة .. حتى مياه المنبع تناهى إلي خريرها ..
وأخيرا انطلقنا .. كل على بغله .. وقد سار الأب بمحاذاة أحد الأعوان ، مما جعلني أكون بجانب حليمة و نحن نصعد الجبل في اتجاه الطريق المؤدية إلى السوق .. ومنه إلى الضريح حيث اللمة ..
تعليق