العش الدافئ - في حلقات -

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • رشيد الميموني
    مشرف في ملتقى القصة
    • 14-09-2008
    • 1533

    #46
    [align=center]32[/align]



    ما العمل الآن ؟ .. وكيف السبيل إلى اتخاذ موقف حاسم ينقذني من براثن هذا التردد ويزيل عن نفسي هذا التلكؤ الذي صار يؤرقني ويستعبدني إلى درجة أنني صرت أجد كل يوم مبررا للبقاء هنا .. فتارة أعزو الأمر إلى قربي من صديقي المفضل واستئناسي بالوقوف عند قبره .. وتارة أتذرع بكون أسرة حليمة متمسكة بي فأتخيل نفسي مفتقدا للوفاء وناكرا للجميل في ما لو قررت فعلا الرحيل .. و أحيانا أؤنب نفسي على ترك حليمة لوحدها بعد تجربتها القاسية برحيل من أحبها و أحبته .. أحبته ؟ .. طنت العبارة في أذني طنينا غريبا وكأني أجهل أنهما كانا متحابين يوما ما و انني كنت أعمل كل ما بوسعي لإنجاح هذه العلاقة رغم اقتناع المفضل باستحالة ذلك .
    كل هذه الأفكار و الأحاسيس كانت تتضارب في وجداني دون أن أعير أي اهتمام لما أخبرني به والد حليمة عن الضيفة التي قدمت عندهم و سألت عني .. ربما لأني كنت اعلم من هي .. وربما أيضا كان هذا من وراء تقاعسي عن الرحيل .. هل هي الفرحة التي أنستني كل شيء وجعلتني أطيل مدة الاستمتاع بالخبر قبل أن أذهب للقاء جديد ؟ .. أم أنه الخوف من المجهول .. من لقاء يعقبه فراق لا قبل لي به منذ أن صدمت به في المرة الأخيرة ؟ ..
    الآن أتواجد بين مفترق طرق .. بل طريقين فقط .. إما أن أقصد عشي من جديد و أحاول مد حبل الوصال مع الغائبة الحاضرة أو ألتزم هذه البلدة التي الفتها و الفت أهلها .. لكن علي أن أحدد أشياء وأجيب عن أسئلة كنت ولا أزال أتجاهلها أو أتهرب من من الإجابة عنها .. حليمة .. ماذا تعني لي الآن ؟ .. وما نوع العلاقة التي تربطني بها ؟ .. كنت أتذرع بكونها محبوبة صديقي الراحل و بأني أعتني بها إكراما .. أما الآن .. فبعد تلك الليلة الليلاء في الكهف وما تلا ذلك من بوح مقتضب و تلميح إلى أمور صارت أوضح من الشمس في وضح النهار ، صار علي أن أسائل نفسي عن معنى حليمة في حياتي .. هي تنتظر مني ولا شك حسما في أمر البقاء أو الرحيل وكلاهما يحمل معنى .. ويبقى علي أن أقرر إما التخلي عن حبي الأول الذي لم أعد أرى فيه سوى سراب يزداد بعدا عني كلما هفوت إليه ، أو مواصلة التعلق بالأمل رغم ضآلته .
    لشد ما يحيرني ما أنا فيه .. وها أنذا اذرع الربى ملتمسا صفاء الذهن دون أن أجد طعما للراحة و الطمأنينة .. أعتلي شجرة متشابكة الأغصان و أظل اصعد حتى أصل إلى أعلاها وأحس بنفسي أتأرجح مع أول هبة للريح فأحس بمزيج من الرهبة و المتعة .. شعور من يختفي عن الأعين بينما هو يرى كل ما حوله ..
    من جديد تختفي حليمة .. ولا أعود أراها .. هل تكون رحلت إلى بلدة خالتها ؟ لكنها لم تكد ترتاح من وعثاء السفر .. وها هو النهار يكاد ينقضي دون أن تخرج منذ أن افترقنا بعيد الفجر .. أفطرنا وتغذينا وحيدين ، أنا و والدها الذي بدا شارد الذهن .. مشاغله كثيرة كرب أسرة و كشيخ القبيلة ، لكنه بدا لي مهموما . أتراها حليمة من وراء هذا الانقباض الذي بدا جليا على محياه ؟ ليته يفصح عما يشغل باله .. وبعد لحظات من الانتظار ، رأيته يتنهد ثم التفت إلي وقال :
    - غدا يوم سوق .. وستقام اللمة السنوية عند الضريح .. سأذهب وقد لا أعود إلا بعد يومين .. أنت هنا في دارك .. لا تشعر بالحرج ..
    ثم استطرد بعد هنيهة وهو يعبث بقضيب زيتون :
    - ما يقلقني حقا هو حالة حليمة ..منذ عودتها من عند خالتها و هي غير عادية .. يبدو عليها الوهن و لا تريد أكلا إلا ما تضطر إليه تحت إلحاح والدتها .. ولولا ضرورة تواجدي بالسوق و قضاء بعض الحوائج عند بعض إخوتي هناك لما فارقتها ..
    - خيرا إن شاء الله .. هل تشكو من شيء ؟
    - لا .. وهذا ما يحيرني .. أعهدها دائما قوية .. وكثيرا ما آخذ بمشورتها .. هي مثل أمها رزانة و حكمة .. المهم .. إذا كنت تريد البقاء هنا فأهلا و سهلا بك .. أما إذا كنت ترغب في مشاهدة السوق و اللمة ، فتعال معي .. سننطلق عند الفجر ..
    - نعم .. أريد رؤية السوق لأن جوه يمتعني .. ثم إني اشتقت لمنطقتي حيث بيتي الذي لم أره منذ فترة طويلة ..
    - حسنا .. يمكنك الذهاب غلى حيث تريد .. لكن لا تطل الغيبة عنا .. فنحن ألفنا تواجدك معنا .. ولو كان المفضل رحمه الله موجودا لما تركك ترحل ..
    - رحمه الله .. سأفعل ما بوسعي لأعود .
    مر العشاء كئيبا رغم محاولة الرجل إضفاء المرح بما يقصه علي من نوادر البدويين وكثرة الدعاوي يوم السوق الأسبوعي ..
    استمعت إليه بذهن شارد ونفس منقبضة .. حتى إذا انتهينا من الأكل نهض وهو يقول :
    - سأمر على صاحب البغال كي يحضر باكرا .. هل أوقظك ؟
    - نعم .. أرغب في حضور اللمة التي طالما سمعت عنها ..
    - حسنا إذن .. اذهب الآن و ارتح .. وحاول أن تنام باكرا حتى لا يصعب عليك الاستيقاظ ..
    وأطلق ضحكته الرنانة .. و نهض خارجا .
    إحساس شامل يغمرني بأن هذه اللحظة هي آخر عهدي لي بالبلدة و بهؤلاء الناس .. ربما فكرت في استئذان الرجل في الذهاب قبله لكني فكرت في أن هذا سيثير استغرابه خصوصا والوقت ليلا .. لأنتظر الصباح .. لكن هل أستطيع النوم وسط هذه الدوامة من الأفكار المتضاربة و الأحاسيس المتأججة ؟ .. كيف سيكون موقف حليمة حين تستيقظ و تجدني قد رحلت .. ستعلم بقينا أنني قدا رحلت بلا رجعة .. هل سيؤثر ذلك على صحتها و نفسيتها ؟
    لم ألج غرفتي وفضلت البقاء بالقرب من الفرن حيث لا يراني أحد .. و جلست أفكر متأملا .. شوقي لعشي الدافئ يتأجج ، لكني لا أدري سبب انقباضي وأنا أتخيل نفسي بين أحضانه .. سأرحل إليه و أتعهده من جديد ثم أرحل عند العجوز على شاطئ البحر كلما شعرت بالملل .. أشعر أني بحاجة لكي أرتاح .. بحاجة لأعيش لحظات لا يعاني فيها القلب و لا النفس .. كفاني ما لقيته من الحب و متاعبه التي لا تنتهي .. كم من تجربة مرت بي ولم أجن منها سوى المرارة و الخيبة .. ما الذي يدعوني لخوضها مرة أخرى .. الأحرى بي أن أعتني بنفسي و لا أحملها مالا طاقة لها به .. ولكن هل تتركني الأقدار لما نويت عليه أم أنني سأقع يوما ما ، ومن جديد ، بين براثن الحب .. سواء كان قديما أو جديدا ؟
    وجدت نفسي في لحظة من اللحظات و أنا أهمس بما أفكر فيه وكأنما أكلم نفسي .. حانت مني التفاتة إلى حيث انتصب جذع شجرة جاف وقد حط عليه بعض الدجاج .. تأملته في غفوته .. فكرت في ما يعيشه من فطرة و غريزة .. حسدته في قرارة نفسي و استندت إلى الفرن في شبه إعياء .. صوت الصراصير يزيد من بهاء الليل الغارق في السكون .. نظرت دون إرادة مني صوب الربوة حيث يرقد الراحل العزيز ودبت في نفسي رغبة ملحة لوداعه قبل أن أرحل .. فقد لن تتيسر لي العودة مرة أخرى إلى هنا .. وهذا أمر أكيد و أشعر به جيدا .. نهضت إلى هناك ووقفت أتأمل القبر المجير بالبياض . ورغم وحشة المكان كنت أشعر بالسكينة ، ربما لأني أدركت أن صديقي مرتاح في عالم الغيب و أن معاناته قد انتهت .. فعدت هادئ البال مطمئن النفس ، فلم تلبث جفوني أن استسلمت للنوم ..
    عند الفجر ، كنت مستيقظا قبل أن يدخل والد حليمة علي غرفتي .. فوجئت بأربعة بغال تقف أمام باب المنزل ..
    - سترافقنا حليمة .. هي متلهفة لحضور اللمة وزيارة "السيد" كما نصحتها أمها .. هي لا تعتقد في بركة "السيد" ، لكني شجعتها على مرافقتي كي تغير الجو و تسترجع عافيتها .. في تلك اللحظة خرجت حليمة متسربلة بمنديلها المخطط بالأحمر و الأبيض وقد وضعت "شاشيتها" وراء ظهرها تحسبا للشمس .
    تبدد في الحين كل شعور بالانقباض و الوحشة التي عاودتني و أنا أستيقظ من نومي منذ لحظات .. كنت أتساءل هل أفوز بلحظة وداع مع حليمة .. بدا لي كل ما حولي جميلا .. المنزل .. الفرن .. الربوة .. الجبال المحيطة بنا من كل جهة .. حتى البغال بدت لي أكثر ألفة فلم أملك نفسي من تحسس رقبة أحدها و أربت عليها بكفي .. تأملت والد حليمة و تمنيت لو أعانقه ..
    نظرت إلى الأم وهي على عتبة البيت تصدر الأوامر إلى بعض الخدم و طرأت لي فكرة تقبيل يدها تحية لها قبل الرحيل ..
    الأفق بدأ يصحو .. وأصوات العصافير تملأ الجو بزقزقتها العذبة .. حتى مياه المنبع تناهى إلي خريرها ..
    وأخيرا انطلقنا .. كل على بغله .. وقد سار الأب بمحاذاة أحد الأعوان ، مما جعلني أكون بجانب حليمة و نحن نصعد الجبل في اتجاه الطريق المؤدية إلى السوق .. ومنه إلى الضريح حيث اللمة ..

    التعديل الأخير تم بواسطة رشيد الميموني; الساعة 14-03-2011, 21:57.

    تعليق

    • منيره الفهري
      مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
      • 21-12-2010
      • 9870

      #47
      [align=center]بصراحة لقد شدني هذا الدفء في عش اخترق الكون جمالا و رقة و بهاء

      و هذا الأسلوب الشيق الجميل الذي تكتب به أستاذي و أخي رشيد الميموني

      جميلة هذه الحكاية ...و رائعة حتى الدهشة

      أحييك و أشد على يدك على هذا القلم النازف إبداعا أخي رشيد
      [/align]
      التعديل الأخير تم بواسطة منيره الفهري; الساعة 29-03-2011, 12:20.

      تعليق

      • رشيد الميموني
        مشرف في ملتقى القصة
        • 14-09-2008
        • 1533

        #48
        المشاركة الأصلية بواسطة منيره الفهري مشاهدة المشاركة
        [align=center]بصراحة لقد شدني هذا الدفء في عش اخترق الكون جمالا و رقة و بهاء

        و هذا الأسلوب الشيق الجميل الذي تكتب به أستاذي و أخي رشيد الميموني

        جميلة هذه الحكاية ...و رائعة حتى الدهشة

        أحييك و أشد على يدك على هذا القلم النازف إبداعا أخي رشيد[/align]
        أختي الكريمة منيرة ..
        بقدر ما تشرف متصفحي بمرورك ، تألق عشي بتعليقك وثنائك ..
        سأعمل جاهدا لأبقى عند حسن ظنك بكتاباتي و أتمنى أن تروقك كل نصوصي .
        باقة ورد لك عربون شكري و امتناني .
        تقبلي تقديري و احترامي
        التعديل الأخير تم بواسطة رشيد الميموني; الساعة 29-03-2011, 13:27.

        تعليق

        • رشيد الميموني
          مشرف في ملتقى القصة
          • 14-09-2008
          • 1533

          #49
          تمر لحظات أجد في نفسي ميلا للصمت .. قد يكون التعب سببا رئيسيا في ذلك .. لكن الهدوء الشامل و ما يحيط بي من أدغال تحجب عني رؤية الشمس يدفعني لكي ألتزم الصمت وأشرد على إيقاع خطوات البغال الرتيبة .. وبينما تباعدت المسافة بين الرجل ورفيقه من جهة و بيني وبين حليمة من جهة أخرى .. وفي الوقت الذي كانا منهمكين في حديث لا أسمع منه شيئا إلا ما ألحظه من حركات يديهما ، كنا نحن ، أنا وحليمة نلتزم الصمت .. كل يسبح في واد .. أو ربما كنا نفكر في شيء واحد لا نريد الإفصاح عنه .. كل واحد منا كان ينتظر من الآخر أن يبادر ببدء الحديث دون أن يعرف ما يجب قوله .. كنا نلتمس العذر لبعضنا البعض .. وكانت تبدو لي بعض الأسئلة ساذجة على نحو :" ما أجمل النهار.. هل يمكن أن يعود المطر من جديد كما حدث من قبل ؟" أو " هل تعبت ؟ّ" .. وأتردد فلا أضع السؤال .. قد يكون مفتاحا لهذا الصمت الموحش بيننا ..
          عما قليل سوف نمر بالطريق الفرعي الذي يصعد نحو عشي الدافئ .. كم هو غامض هذا الإحساس الذي يعتريني و أنا أنظر إلى أماكن فارقتها منذ زمن ، و ها أنذا أراها تنظر إلي بوجل .. ألمس في نظرتها عتابا .. هي تنتظر مني أن أتوقف وأسلك الطريق الصاعد الملتف بين أشجار السنديان لأعانق العش و الشجرة .. هناك بيتي الذي نسيته في غمرة يأسي و انطلاقي نحو البحث عن المجهول .. ترى هل تعلم حليمة ما يدور بخلدي من أفكار وما يعتلج في صدري من أحاسيس ؟ شوقي لتحويل وجهتي يطغى على تفكيري بما سوف يلاقيه تصرفي من إنكار .. لكنه عشي ومن الوفاء أن أذهب إليه لأتفقده ..
          الفرصة تواتيني الآن .. فالمسافة بيننا وبين الأب و رفيقه تقلصت حتى صرنا وراءهما ببضعة أمتار .. يلتفت إلينا قائلا :
          - عما قريب سنصل .. لم تبق إلا تلك التلة .. منها سنطل على الضريح .
          نطقت ودن وعي مني :
          - حسنا يا عمي .. سأترككم لبعض الوقت وسألحق بكم .. أود زيارة بعض معارفي هناك .. منذ مدة لم أرهم ..
          - طيب .. لكن لا تتأخر .. فحفل الذبائح سيبدأ قريبا .. سنكون بالمنزل الذي يجاور الضريح عند الجهة السفلى ..
          - حاضر .. لن أتأخر .. لن آخذ البغل لأنني أفضل المشي راجلا ..
          ضحك الرجل ضحكته المعهودة و قال :
          - أعرف ذلك .. حليمة وخادمي أخبراني بذلك .. هيا .. في رعاية الله .. لا تنس أن تأخذ زادك معك .
          ترجلت عن البغل ونظرت إلى حليمة مودعا فوجدتها تحدجني بنظرات أقل ما يمكنني أن أصفها أنها نارية .. كنت أستشف منها رغبة ملحة في مرافقتي .. أو إثنائي عن عزمي على الذهاب إلى هناك ..
          - إلى اللقاء حليمة .. اعتني بنفسك ..
          ظلت تنظر إلي دون أن يبدر منها أنها سمعتني . ثم فجأة رأيتها تشيح بوجهها عني عابسة و تلوي لجام البغل تحثه على السير . ظللت أنظر إليها تبتعد رفقة والدها و رفيقه حتى غابوا عن أنظاري .. ثم درت على عقبي مييما شطر الطريق الصاعد .. ملأت رئتي برائحة السنديان المنتشرة في كل مكان من هذا الوادي الغارق في السكون .. وانطلقت أوغل بين الأشجار مترنما بما يخطر على بالي .. منتشيا بكل ما يحيط بي .. أمد يدي نحو الأشجار المصطفة عن يميني و يساري فأحس ببرودة الأوراق الندية في هذا الصباح الزاهي ..
          أحس بشهية كبيرة و أنا أنحرف عن الطريق لأجلس على صخرة أعرفها و تعرفني .. اعتليتها و جلست عليها أنظر إلى ما أمامي من بطاح و ربى بدأت تستيقظ متثائبة .. ومع إطلالة أول شعاع من الشمس بدأت الألوان تتشابك بين خضرة العشب اليانعة و حمرة شقائق النعمان القانية . بدت لي زرقة السماء كبحر هادئ .. أكلت بنهم و نهضت أواصل السير .. فضلت أن أسلك طريقا يلتف حول عشي لأصل إليه من جهة المنبع .. كنت أريد أن أفاجئه حتى يكون اللقاء حميميا .
          بيد أني ، وخطاي تقودانني بكل شوق نحو المنبع ، شعرت بما جعل قلبي ينقبض فجأة .. إذ لم ألق ما كنت أتوقعه من حميمية الأماكن .. كل شيء من حولي بدا لي جامدا .. مفرغا من كل تعبير .. ماء المنبع ينساب في سكون وانتفت عنه تلك الرقرقة الشجية التي طالما انتشيت بها .. الصخور المنبثقة من بين المياه ظلت صماء لا تعيرني اهتماما .. المنحدر الذي يوصل إلى العش مباشرة فقط ذاك المنحنى الرائع الذي كان يشعلاني بأنني أنزلق تلقائيا نحو شجرتي .. بل ، ما الذي أراه هناك ؟ .. هل أكون ضللت الطريق ؟ .. لكن بيتي لا يزال في الجهة السفلى بجوار النهر قابعا في وجوم هو أيضا .. لكن الشجرة الفارعة .. الدوحة التي احتضنت عشي و وكر العصفورين .. أين هي ؟.. هل تكون ما أراه من بقايا جذع يابس ينتصب كرأس شيطان ؟
          ما الذي حدث ؟ وكيف وصل عشي إلى هذه الحالة ؟ بل أين هو هذا العش ؟ ..
          حلق فوق رأسي غراب ينعق وهو ينساب في الفضاء .. خيل إلي أن نعيقه قهقهة .. كل ما حولي يقهقه ساخرا من حالي و أنا واقف كالمعتوه أنظر يمينا و شمالا .. بل إني استطعت تمييز ضحكة مألوفة عندي .. ضحكة تذكرني بجدائل الشعر الغجري و بالعينين النجلاوين .. هل تسخر مني أنت أيضا ؟ .. ماذا تريدين مني ؟ .. لماذا تتعقبينني وتسألين عني أينما حللت و ارتحلت ؟ ماذا يدور في رأسك الشيطاني هذا ؟ .. اضحكي الآن .. فأنا لم أنل منك سوى ما يسبب لي الألم .. حتى لحظات العشق التي منحتني إياها على الغدير في ذلك اليوم الممطر لم أعد أحس بعذوبته .. بل إنه صار الآن في حلقي اشد مرارة من العلقم . لطالما حسبت هروبك تمنعا و دلالا .. وتخيلته في أزهى أوقات تفاؤلي ، نوعا من الغنج .. لكني الان أراه فقط عبثا و لهوا مجانيا لا ترومين من ورائه سوى التلذذ بألم الآخرين الاستمتاع برؤيتهم يجرون من ورائك لاهثين إلى ما لا نهاية . كم من العشاق غيري جروا وراءك .. وكم منهم جن لما فعلته بهم ؟ .. لكن عليك أن تعلمي أنني لست مثلهم .. وإذا كنت قد سايرت عبثك و نزواتك ، فإن ذلك لم يكن سوى إلى حين .. وقد جاء هذا الحين وانقشع ضباب السراب من أمام عيني .. صارت الرؤية أمامي أكثر وضوحا وباستطاعتي تلمس طريقي بكل ثبات عكس ما كنت عليه من التيهان الضياع .. وداعا وإلى غير رجعة .. لن أندم على شيء مثل ندمي على ضياع كل هذا الوقت في الجري وراء السراب و اللهاث خلف الوهم .
          جلست منهكا وأسندت ظهري على جذع الشجرة الجاف .. ذكرتني وضعيتي باليوم الذي ذهبت لأعود بحليمة من عند خالتها ..
          حليمة ؟ .. ترى ما كان شأنها بعد أن ودعتها ؟ .. مسكينة .. كم أكون قد سببت لها من آلام ؟ .. يا لي من ساذج غر .. تخيلت أن وداعي لها قد يكون الأخير و أنني سوف أرتع و أمرح قرب عشي ممنيا النفس بلقاء من جاءت تسأل عني في بيتها ..
          سراب في سراب .. ووهم في وهم .. علي الآن أن أحسم في أمر عشي .. هل أطيق وداعه ؟ .. إلى أين اذهب ؟ .. الجواب لم يتأخر وجاء محملا بنشوة اللقاء القريب عند الضريح . لكن هل أفرط في عشي فقط لأن غادتي .. أو على الأصح من كانت غادتي سببت لي كل هذا اليأس بنزواتها و غموضها ؟ .. هل أعود لأعيش هنا لوحدي ؟ .. لا أستطيع .. لكني على يقين من أني قادر على رفع التحدي و إرجاع عشي الدافئ إلى ما كان عليه من نضارة و بهاء .
          فورا .. نهضت أنفض عني الغبار .. و أسرع في الانحدار من جديد لا الوي على شيء ، لأصل إلى الطريق المؤدية إلى الضريح وقد انتفى عني شيئا فشيئا شعوري بالكدر .. وصرت أستدني الوصول لأنعم بمتعة السوق و بمباهج اللمة ..
          التعديل الأخير تم بواسطة رشيد الميموني; الساعة 12-04-2013, 14:42.

          تعليق

          يعمل...
          X