واليوم يتعرض بيت العقاد للهدم، والقضايا تُتداول في المحاكم لإخلاء البيت من ساكنيه بعد وفاة عامر العقاد وزوجته، وإقامة ناطحة سحاب في مكانه. أما مشروعات تحويل البيت ـ بعد ترميمه ـ إلى متحف للعقاد، فهي مشروعات يُسمعُ عنها ولا يُرى منها شيء عملي.
وإن الباقين على قيد الحياة من أصدقاء العقاد ـ وهم قلة ـ ليأسون لأن الرجل العظيم لا يكاد يكون مذكورا في حياتنا اليومية باستثناء ذلك الشارع العريض الذي أُطلق عليه اسم العقاد في مدينة نصر، وانتشرت فيه المتاجر الضخمة فطغت شهرتها على شهرة العقاد. ولو سُئل الناس اليوم عما يعرفونه عن العقاد لقالوا إنه الشارع الذي يقع فيه متجر كذا، أو مطعم كذا، أو محل أحذية كذا.
*في الذكرى السنوية الثانية لرحيل الأديب عبد العزيز الرفاعي، ما ذكرياتك عنه؟
-كنـت في السبعينيات أنشر سلسلة من المقالات في مجلة "الأديب" اللبنانية عن "الأدب والأحذية"، وهي سلسلة امتدت ست سنين تقريبا، وكنت في أثنائها أنبش في دواوين الشعراء وكتب النثر عن نوادر تدور حول الأحذية أو إشارات إليها على ألسنة الشعراء. وكنت وقتها أتلقى تعليقات كثيرة من أدباء أعرفهم أو أجهلهم، وكل منهم يرفدني بما وقع عليه من سير الأحذية في الكتب، وكان مما تلقيته نسخة من كتاب "فارس مدينة القنطرة" لصديقي القاص السوري الكبير عبد السلام العجيلي مهداة لا منه بل من عبد العزيز الرفاعي مع تنبيه بمراجعة أقصوصة عنوانها "مذاق النعل"، فكانت تلك بادرة أولى من الرفاعي توالت بعدها هداياه من سلسلة "المكتبة الصغيرة" ومطبوعات دار الرفاعي. وكان طبيعيا أن أتجاوب مع هذا الأديب الأريحي بالرسائل المنتظمة التي وقفت منها على سعة اطلاعه وعلى ما اتصف به من أخلاق كأخلاق النبلاء.
أما اللقاء الأول معه فكان من ترتيب المصادفات الجميلة إذ دخلت مكتبة في القاهرة لانتقاء بعض الكتب، فصادفت فيها الشيخ عبد القدوس الأنصاري والأستاذ أحمد الملائكة، وكنت أعرفهما فتبادلت التحية معهما، أما الشخص الثالث الذي كان يُرافقهما فلم أعرف هويته. فبادر الأنصاري بتقديمه إليّ، وكان عبد العزيز الرفـاعي. فتعانقنا ثم تبادلنا حديثا موجـزا وذلك لارتباط كل منا بمواعيد، وحدث بعد ذلك أن الأديب عزيز ضياء قرأ مقالا لي في مجلة "عالم الكتب" السعودية فعلّق عليه في جريدة "عكاظ"، وتساءل في بدايته عما إذا كنت فلسطينيا كما يوحي اسمي بذلك، وبادر الرفاعي بالرد عليه بكلمة كريمة في نفس الجريدة عنوانها: "وديع فلسطين ليس فلسطينيا"، روى فيها قصة هذا اللقاء الأول معه ومع الأنصاري والملائكة.
وتَوَاصَل البريد بيننا دون توقف حتى وهو يصطاف في أسبانيا أو هو يعالج في الولايات المتحدة، بل لقد هاتفني من أسبانيا للاطمئنان على أحوالي أثر الزلزال المدمِّر الذي أصاب مصر، كما تفضل بكتابة كلمة أُخرى عني في مجلة "الفيصل" أجرى فيها موازنة بيني وبين الدكتور زكي مبارك على ما بيننا من بون شاسع.
وكان من دواعي سروري أن أعلم بأنه اختير عضوا مراسلا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة لأن من شأن هذا أن يتيح لنا فُرصا سنوية للقاء بمناسبة انعقاد المؤتمر السنوي للمجمع الذي يشهده الأعضاء المراسلون، ولكن العمر لم يسمح له إلا بحضور مؤتمر وحيد قبل عامين تماما، وأصرّ يومها على أن أزوره في الفندق حيث جمعتنا جلسة جميلة مع أستاذنا الدكتور بدوي طبانة والصديقين العزيزين الدكتور يوسف عز الدين والدكتور إبراهيم السامرائي. ولما هممت بالانصراف أصرّ الرفاعي على أن يكمل الجلسة في مطعم الفندق، فأكلنا معا "عيشا ولحما" كما نقول في لغتنا اليومية تأكيداً لأواصر الأخوة والصداقة بين "الآكلين".
وإذا كنت قد ألمعت إلى مكرمات فاضت بها أريحية الرفاعي تجاهي، فقد أبديت له دهشتي من أنه يحرم نفسه من مكرماته، بل يظلمها ظلما شديدا، فقد كان ضنينا بنشر كتبه مؤثرا عليها كتب سواه، وكان يتواضع في الحديث عن كتبه فيسميها "محاولات". أما وقد آلت دار الرفاعي إلى نجليه علاء وعمار، فلعلهما يبادران بإخراج المخطوط من آثار الرفاعي ويحرصان على التقاليد الطيبة التي وضعها في انتقاء الكتب ونشرها، فالسمعة الطيبة التي كان الرفاعي يتمتع بها على الصعيد العربي كله هي تراث يحسن بالنجلين الكريمين أن يُحافظا عليه وفاءً لأبيهما وتشبها به.
وأعرف من مبرات الرفاعي ما أُوثر كتمان خبره، فقد كان جوّادا يُذكرنا بحاتم الطائي، وإن كان جوده قد ترامى إلى ما وراء البحار.
ولا أظنني مغالياً إذا قلت إن عبد العزيز الرفاعي كان بشخصه مؤسسة أدبية خيرية بلا حدود، وقد بكينا بفقده كثيرًا من الفضائل التي اجتمعت لديه وحببته لمن عرفوه عن قرب ولمن لم يعرفوه، وكذا يكون الرجال العظام.
وإن الباقين على قيد الحياة من أصدقاء العقاد ـ وهم قلة ـ ليأسون لأن الرجل العظيم لا يكاد يكون مذكورا في حياتنا اليومية باستثناء ذلك الشارع العريض الذي أُطلق عليه اسم العقاد في مدينة نصر، وانتشرت فيه المتاجر الضخمة فطغت شهرتها على شهرة العقاد. ولو سُئل الناس اليوم عما يعرفونه عن العقاد لقالوا إنه الشارع الذي يقع فيه متجر كذا، أو مطعم كذا، أو محل أحذية كذا.
*في الذكرى السنوية الثانية لرحيل الأديب عبد العزيز الرفاعي، ما ذكرياتك عنه؟
-كنـت في السبعينيات أنشر سلسلة من المقالات في مجلة "الأديب" اللبنانية عن "الأدب والأحذية"، وهي سلسلة امتدت ست سنين تقريبا، وكنت في أثنائها أنبش في دواوين الشعراء وكتب النثر عن نوادر تدور حول الأحذية أو إشارات إليها على ألسنة الشعراء. وكنت وقتها أتلقى تعليقات كثيرة من أدباء أعرفهم أو أجهلهم، وكل منهم يرفدني بما وقع عليه من سير الأحذية في الكتب، وكان مما تلقيته نسخة من كتاب "فارس مدينة القنطرة" لصديقي القاص السوري الكبير عبد السلام العجيلي مهداة لا منه بل من عبد العزيز الرفاعي مع تنبيه بمراجعة أقصوصة عنوانها "مذاق النعل"، فكانت تلك بادرة أولى من الرفاعي توالت بعدها هداياه من سلسلة "المكتبة الصغيرة" ومطبوعات دار الرفاعي. وكان طبيعيا أن أتجاوب مع هذا الأديب الأريحي بالرسائل المنتظمة التي وقفت منها على سعة اطلاعه وعلى ما اتصف به من أخلاق كأخلاق النبلاء.
أما اللقاء الأول معه فكان من ترتيب المصادفات الجميلة إذ دخلت مكتبة في القاهرة لانتقاء بعض الكتب، فصادفت فيها الشيخ عبد القدوس الأنصاري والأستاذ أحمد الملائكة، وكنت أعرفهما فتبادلت التحية معهما، أما الشخص الثالث الذي كان يُرافقهما فلم أعرف هويته. فبادر الأنصاري بتقديمه إليّ، وكان عبد العزيز الرفـاعي. فتعانقنا ثم تبادلنا حديثا موجـزا وذلك لارتباط كل منا بمواعيد، وحدث بعد ذلك أن الأديب عزيز ضياء قرأ مقالا لي في مجلة "عالم الكتب" السعودية فعلّق عليه في جريدة "عكاظ"، وتساءل في بدايته عما إذا كنت فلسطينيا كما يوحي اسمي بذلك، وبادر الرفاعي بالرد عليه بكلمة كريمة في نفس الجريدة عنوانها: "وديع فلسطين ليس فلسطينيا"، روى فيها قصة هذا اللقاء الأول معه ومع الأنصاري والملائكة.
وتَوَاصَل البريد بيننا دون توقف حتى وهو يصطاف في أسبانيا أو هو يعالج في الولايات المتحدة، بل لقد هاتفني من أسبانيا للاطمئنان على أحوالي أثر الزلزال المدمِّر الذي أصاب مصر، كما تفضل بكتابة كلمة أُخرى عني في مجلة "الفيصل" أجرى فيها موازنة بيني وبين الدكتور زكي مبارك على ما بيننا من بون شاسع.
وكان من دواعي سروري أن أعلم بأنه اختير عضوا مراسلا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة لأن من شأن هذا أن يتيح لنا فُرصا سنوية للقاء بمناسبة انعقاد المؤتمر السنوي للمجمع الذي يشهده الأعضاء المراسلون، ولكن العمر لم يسمح له إلا بحضور مؤتمر وحيد قبل عامين تماما، وأصرّ يومها على أن أزوره في الفندق حيث جمعتنا جلسة جميلة مع أستاذنا الدكتور بدوي طبانة والصديقين العزيزين الدكتور يوسف عز الدين والدكتور إبراهيم السامرائي. ولما هممت بالانصراف أصرّ الرفاعي على أن يكمل الجلسة في مطعم الفندق، فأكلنا معا "عيشا ولحما" كما نقول في لغتنا اليومية تأكيداً لأواصر الأخوة والصداقة بين "الآكلين".
وإذا كنت قد ألمعت إلى مكرمات فاضت بها أريحية الرفاعي تجاهي، فقد أبديت له دهشتي من أنه يحرم نفسه من مكرماته، بل يظلمها ظلما شديدا، فقد كان ضنينا بنشر كتبه مؤثرا عليها كتب سواه، وكان يتواضع في الحديث عن كتبه فيسميها "محاولات". أما وقد آلت دار الرفاعي إلى نجليه علاء وعمار، فلعلهما يبادران بإخراج المخطوط من آثار الرفاعي ويحرصان على التقاليد الطيبة التي وضعها في انتقاء الكتب ونشرها، فالسمعة الطيبة التي كان الرفاعي يتمتع بها على الصعيد العربي كله هي تراث يحسن بالنجلين الكريمين أن يُحافظا عليه وفاءً لأبيهما وتشبها به.
وأعرف من مبرات الرفاعي ما أُوثر كتمان خبره، فقد كان جوّادا يُذكرنا بحاتم الطائي، وإن كان جوده قد ترامى إلى ما وراء البحار.
ولا أظنني مغالياً إذا قلت إن عبد العزيز الرفاعي كان بشخصه مؤسسة أدبية خيرية بلا حدود، وقد بكينا بفقده كثيرًا من الفضائل التي اجتمعت لديه وحببته لمن عرفوه عن قرب ولمن لم يعرفوه، وكذا يكون الرجال العظام.
تعليق