أغنيــــــــــــات / نصوص سردية قصيرة / للروائي محمد جبريل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    أغنيــــــــــــات / نصوص سردية قصيرة / للروائي محمد جبريل

    أغنيــــــــــــات / نصوص سردية قصيرة / للروائي محمد جبريل
    -------------------------------------------------------------

    أغنيات

    قصص قصيرة

    (الطبعة الأولى)


    محمد جبريل
    ***
    الإهداء

    إلى محمد زكريا عنانى

    ***


    " ليست الموسيقا ـ فى الواقع ـ إلاّ منصة وثب نطلق من عليها العنان لأهوائنا العاطفية الخاصة ، لتحريك ذكرياتنا العاطفية ، أو سلسلة من التداعيات ، تعمل الموسيقا باعتبارها مجرد خلفية ، وليس باعتبارها شيئاً نصغي إليه " .
    جون هوسبرز

    ***


    * أغنية للمهد *
    .....................

    كان جدى يروى لنا الحواديت . لا أذكر أن أبى روى لنا حدوتة ، أو حكاية . إنما هى ملاحظات سريعة عن مشاهداته فى العمل ، أو فى الطريق . ننصت إليه ونحن جلوس حول مائدة الطعام . لم تكن أمى تتحدث إلينا بغير الشخط والنطر ، فلا حكايات ، ولا حواديت ، ولا ترنم بأغنيات . الزاد الذى كنا نلجأ إليه ـ فضلاً عن حواديت جدى ـ هو حكايات بابا صادق ، ثم بابا شارو ، فى برامج الأطفال بالإذاعة ..
    المرة الوحيدة التى غنت فيها أمى لنا أذكرها جيداً . لامست الإسكندرية تأثيرات الحرب العالمية الثانية . وكنا نعانى الخوف من أصوات المدافع المضادة للطائرات . استعدت أمى وأختى للهبوط ـ ذات ليلة ـ إلى المخبأ القريب . أصر أبى ـ كالعادة ـ على أن نظل ـ أخى وأنا ـ فى الشقة ، فالرجال لا يلجأون إلى المخبأ . علا صوت المدافع ، فأجهشنا بالبكاء . تراجعت أمى عن النزول ، واندست فى الفراش بيننا . همس صوتها ، ثم علا ، بالأغنية :
    خد البزة واسكت .:. خد البزة ونام
    أمــك السيـدة .:. وأبوك الإمام
    وأبوك سعد باشا .:. طالع للأمام
    ونمنا .
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #2
    * بنات طارق *
    ................

    لست أذكر متى بدأ الأمر ، ولا كيف تطور ، حتى هددنا ولد دادى رئيس الإذاعة الموريتانية ، والقيادى المهم فى الحزب الموريتانى الحاكم ، أنهم سيضطرون إلى اعتبارنا أشخاصاً غير مرغوب فيهم ..
    سألت أستاذنا محمد فتحي:
    ـ ماذا تعنى هذه الصفة ؟
    افتر فمه عن ابتسامة هادئة :
    ـ تعنى أنهم قد يرحلوننا عن نواكشوط بالقوة !
    ـ لكننا نحن الذين نطلب الرحيل ؟
    دون أن تزايله ابتسامته :
    ـ هذا هو معنى الصفة ..
    وقضيت ليلة مزعجة ، أسلمت نفسي فيها لهواجس ووساوس وتصورات ..
    لم نفرض التوتر ، ولا سعينا إليه . كنا نعانى فراغاً قاتلاً ، فالمحاضرات التى نلقيها فى بيت الثقافة المهدى من الصين تنتهي عند الظهر . ونتلفت ـ بعد الغداء ـ حولنا ، نتساءل عن أي الأماكن نقضى فيها بقية اليوم ؟
    حاولنا أن نقضى إجازة الأحد فى رحلة إلى السنغال . نعبر النهر إلى الضفة المقابلة ، نمضى النهار ونعود .. لكن الشرطة أعادتنا فى بداية الطريق ..
    اعتبرنا ما حدث إجراء سخيفاً يشي بديكتاتورية الدولة التي قدمنا لتدريب كوادرها الإعلامية، وتطوير الإذاعة، وبث برامج التليفزيون، وإصدار الجريدة الأولى ..
    نقل الأرصاد استياءنا إلى ولد دادي. زارنا فى فندق مرحبا. رفض مجرد أن يستمع إلى وجهة نظرنا. علا إيقاع المناقشة حتى وصلت إلى طريقها المسدود ..
    كان الوفد يضم عراقياً وجزائرياً وخمسة مصريين. وأجريت ـ فى أثناء الليل ـ اتصالات بين سفارات الدول الثلاث ووزارة الإعلام الموريتانية. واعتذر الوزير بأن مدير الإذاعة أساء الفهم والقول. أضاف إلى اعتذاره حفلات استقبال فى فندق بارك وسط العاصمة الموريتانية، وفى خيام على أطراف المدينة ..
    حفلات الخيام هي أجمل ما بقى فى الذاكرة. فرق غنائية، قوامها مطربات وعازفات وراقصات يتعالى شدوهن الجميل:
    نحن بنات طارق نمشى على النمارق

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #3
      * يا اسمرانية *
      ................

      استمعت للأغنية فى اليوم الأول لوصولى إلى مسقط ..
      صحبنى الشيخ سليمان الطائى وعبد الحكيم أحد أبنائه ـ من حق تعدادهم القليل ألا يعترفوا بتنظيم النسل ! ـ إلى فندق الكورنيش بمطرح . مبنى قديم ، له عراقة وحميمية تجتذبك رغم أنه فى مستوى أدنى من فنادق الفلج والخليج ومسقط إنتر كونتيننتال التى شيدت فروعاً لها فى العاصمة العمانية ..
      طالعنى مبنى جريدة الوطن المشيد من الخشب والصاج . يرتفع عن الطريق بثلاث درجات من الأسمنت ..
      تجاوزت ـ بالبدء فى خطوات إصدار جريدة من نقطة الصفر ـ ما أحاط بى من دشاديش ، ومسرات ، وطواقى ، ولهجات تغيب عنى مفرداتها ، وإحساس بالوحدة ، وجبال تبدأ من حيث لا أعرف ، وتمضى إلى نهايات مجهولة ..
      بدت أغنية ليلى عبد العزيز لا لا يا اسمرانية مغايرة لما كنت أستمع إليه فى القاهرة . شدنى جمال الأداء ، وبساطة الكلمات ، وسهولة اللحن ، وسرعة الإيقاع ..
      عرفت ـ بعد أن صادقت محيى الدين البائع الهندى فى كشك السجاير المجاور ـ أنه يدير الأغنية على ريكوردر كاسيت ..
      تكررت ـ فيما بعد ـ مناداتى له من داخل " مبنى " الجريدة : يا محيى الدين .. يا اسمرانية !
      أحاول أن أنتزع نفسى من مشاعر حزينة ، إلى ما يعين على الهدوء .

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #4
        * قارئة الفنجان *
        .....................

        سكتت والخوف بعينيها .. تتأمل فنجانى المقلـوب
        قالت يا ولدى لا تحزن .. الحب عليك هو المكتوب
        استمعت إلى الأغنية ـ للمرة الأولى ـ فى فندق زهرة النرجس بالرياض . كانت تلك أولى رحلاتى ـ بمفردى ـ خارج مصر . تعددت الرحلات ضمن وفود إلى أكثر من بلد عربي، نحاضر فى صلة الإعلام بالتنمية، ونشرف على متدربين يعدون الجريدة الأولى، والبث الإذاعي الأول، والإرسال التليفزيونى الأول ..
        ترددت طويلاً قبل أن أوافق على فكرة السفر. لم أكن أعرف موقع عمان على الخريطة ، ولا ظروفها السياسية ولا الاجتماعية. اقتصرت المعلومات التى زودنى بها صديقى عاطف الغمرى الذى زكانى لإصدار جريدة "الوطن" العمانية ، على ما يثير وجدانى ـ أو يستفزه ـ من الحياة التى تستعيد ـ على حد تعبيره ـ ليالى ألف ليلة ..
        ولأن أسرة تحرير الجريدة كانت تتألف من شخص واحد، هو مدير التحرير ، وهو طاقم المحررين ، وهو الساعي .. فقد سافرت إلى الرياض باعتبارى المحرر الرياضى للوطن، لتغطية المباراة النهائية فى كرة القدم على كأس الملك خالد ..
        نزلت فى فندق زهرة النرجس. عانيت الشعور بالوحدة يومين ، ثم فتشت عن أصدقائى القدامى الذين كانوا يقيمون فى الرياض آنذاك : محمد قطب ومحمود فرج وقطب . واكتسبت صداقات جديدة ، أذكر منها الفنان التشكيلى جمال قطب ، والسياسى السودانى أحمد محمد محجوب ، والدكتور أحمد حسين الصاوى ، والمعلق الرياضى الفلسطينى أكرم صالح ، وغيرهم ..
        أستمع إلى أغنية عبد الحليم حافظ . يعيدنى الأداء والكلمات واللحن إلى تلك الأيام التى كانت بداية ـ مجرد بداية ، فالمشوار طال ـ إلى محاولة الخروج من الانطواء على الذات ، والإقبال على حياة الجماعة.

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #5
          * يا زايد فى الحلاوة *
          ..........................

          كنت ـ قبل أن ألتقي به للمرة الأولى ـ قد استمعت إلى العديد من أغنياته فى إذاعة الإسكندرية. أضاف إلى مكانته عندي ذكر نجيب محفوظ فى روايته "ميرامار" لأغنيته الشهيرة "يا زايد فى الحلاوة عن أهل حينا .. ما تبطّل الشقاوة وتعال عندنا". اختصر مقدمات الصداقة ، وكلمني باعتباري صديقاً ..
          لم يضايقه اختلاف آرائنا. حدثته عن بحري ونجيب محفوظ وعبد الحليم حافظ ، وحدثني عن الغناء سيداً وحيداً فى حياته ..
          فوّت ملاحظتي عن بحري فهو يحبه مثلي، ونجيب محفوظ لأنه لا يعرفه. أما عبد الحليم حافظ فهو ـ فى تقديره ـ مجرد مغن أتاحت له الظروف ـ فضلاً عن الذكاء الاجتماعي الذي لم ينكره ـ أن يحتل مكانة هو أجدر بها منه ..
          قال لي عزت عوض الله: إن عبد الحليم مجرد بروباجندا ، ورسم على الناس. اليتم والملجأ والفقر وادعاء صداقة كبار الإعلاميين!. حتى البلوفر أو السويتر الذي يلقيه عبد الحليم على كتفه، يحرص على أن يكون ذلك بطريقة لافتة ..
          كان فناناً ـ بالفعل ـ فى طيبته وتلقائية تصرفاته ، وفى حرصه على صباغة شعره ، وطريقة تصفيف الشعر ، ونوعية ثيابه ، ودندناته ـ ربما بلا مناسبة ـ بأغنياته ، وأغنيات المطربين القدامى ..
          تعددت لقاءاتنا. أحرص، فلا أتكلم إلا فيما يشغله. وكانت المكانة التي حصل عليها عبد الحليم بدلاً منه هي شاغله الذي لا يمل التحدث فيه. وتطلع إلى مشروعات فنية لا يهجر من أجلها إلى الإسكندرية. فإذا اضطر لأن يبتعد عنها ـ كم يحب أهل الإسكندرية مدينتهم ! ـ فإنه يسافر ويعود، دون أن يقضى فى القاهرة ليلة واحدة ..
          وتباعدت لقاءاتنا ، وإن حرصت على البحث عنه فى كل عودة إلى الإسكندرية. يكرر ما ألفت سماعه عن الظروف المعاكسة، والخطط التي أُحسن تدبيرها، والفرص التي سرقها منه الآخرون. ويتحدث عن أغنيات جديدة ومسرحيات استعراضية وأفلام، وعن فرق تجوب مدن الوطن العربي، تلقى عصا "عوض الله" فتبتلع أفاعيل الحواة، ورفت على شفتيه بسمة طفل لما جاء فى قول صديق: بصفتك الآن مطرب الإسكندرية الأول. فهو قد ظفر بالأولوية ، ولو فى داخل حدود مدينتنا ، وإن غلبني الإشفاق للرائحة التى كانت تفوح من فمه. وأدركت أن الشعور بالإحباط يدفعه لتعاطي الخمر!
          استدعت وفاة عبد الحليم حافظ فى 1977 أحاديث عزت عوض الله: مقارناته وطموحه وإحباطه ..
          سألت محدثي ـ فى مكالمة تليفونية بين مسقط والقاهرة ـ :
          ـ أرجو أن تسأل عن صديقي المطرب عزت عوض الله ..
          أجاب محدثي فى نبرة تتخللها الدهشة :
          ـ ألا تعرف؟.. لقد مات منذ سنوات !

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #6
            * صياد *
            ..........

            مضيت إلى داخل بحرى : الأنفوشى والسيالة ورأس التين وغيرها من شياخات الصيادين وغازلى الشباك والعاملين فى القزق [ ورش المراكب ] وفى الميناء ، والبحارة . اعتدت المشوار من بيتنا فى شارع سكانه من الموظفين والمهنيين [ مهندسين وأطباء ومحاسبين إلخ ] إلى بيئة مغايرة ، مذاق مختلف . أحبه ، وأحاول التعرف إلى تفصيلات حياته اليومية . القيم والمثل والمعتقدات والعادات والتقاليد ..
            هذه المرة ، كنت أسعى إلى مقابلة " السدا " ، مطرب المنطقة المحددة بين ميدان أبو العباس إلى سراى رأس التين . يتغنى بالصيادين وركوب البحر والنوة ورزق يوم بيوم . كنت قد بدأت فى جمع المواد لمشروعى القديم " رباعية بحرى " . التعرف إلى ملامح البيئة ، والتقاط الجزئيات التى ربما تفيد فى رسم لوحات الرباعية . همى أن أحصل من " السدا " على نصوص أغنياته ، وبواعث غنائها . كل أغنية ـ أتصور ـ لها مناسبة ، بحيث تفيد فى مناسبة الحدث الروائى ..
            عرفت من أصدقائى أنه يجلس على قهوة الزردونى فى السيالة . إذا غاب عنها ، فإنه يجلس على باب دكان الحاج محمد سليط الحلاق ، أو قبالة أحد دكاكين السيالة ..
            أجهزة الريكورد كاسيت تعلو منها أغنية " صياد " لمحمد رشدى . أدركت معنى انتشارها حتى على عربات اليد التى تحمل مسجلات ..
            بدا فى حوالى الخامسة والأربعين . يرتدى جلباباً أبيض مكوياً ، ونظيفاً . ويدس قدميه فى شبشب جلدى . أميل إلى البدانة ، وشعره مهوش فوق رأسه ، وعيناه دائمتا الارتجاف ، كأنهما تعانيان ألماً ، بينما أصابعه تداعب طرف شاربه الذى غطى شفته العليا ..
            قال لى السدا :
            ـ إنهم يحبون الأغنيات التى تتحدث عنهم ، أو تخاطبهم ..
            ورفع كتفيه :
            ـ لن يسمعنى أحد لو خلت أغنياتى من الصيد والصيادين ..
            وأردف فى تأكيد :
            ـ هذا صحيح .. لكل أغنية مناسبة .. وحياة الصيادين ليست فى البحر وحده .. إنها فى المناسبات الطيبة أيضاً .. الخطبة والزفاف والختان ..
            ودندن بالأغنية :
            قاعد على الرمل وحدى فى عز ضهرية
            الشمس فتحت دماغى .. يا نارى يا عنيه
            ومن هوا البحــر ما شعرتش بحنيـه
            تلسعنى نار الجوى .. تحرقنى .. أتلوى
            يا حلـو عطفك لروحى ضـل شمسية

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #7
              * فايزة أحمد *
              ...............

              لاحظ حسين مرسى ـ زميلى فى " الوطن " العمانية ـ أنى أتخلى عن الشرود ، وربما الحزن ، حين يترامى صوت فايزة أحمد من دكان محيى الدين ، بائع المأكولات الهندى المجاور فى سوق الخضر ..
              أحب صوت فايزة أحمد. أعتبره صوتاً متكاملاً. خارج المنافسة بلغة الاقتصاديين . أتابع أغنياتها منذ: ما تحبنيش بالشكل ده .. أنا قلبى إليك ميال .. يا امه القمر ع الباب .. تضاعف حبي فى أغنياتها الطويلة .. هذا هو الطرب كما ينشده وجداني، يحسن استقباله. الموجة الصحيحة. لا شأن لي بطبقات صوت ولا مقامات ولا حتى ما قد يشوب الأغنية من سخف كلمات، أو سذاجة لحن. أحب الصوت فى ذاته. يضعنى ـ بسماعه ـ فى قلب النشوة ..
              أدركت أن الملاحظة أصبحت حدساً. حسين مرسى يسألنى : مش عاوز تسمع فايزة ؟.. أو يلطف من حدة انشغالي: روق وانا اسمعك فايزة .. ويسألنى ذات يوم: تحب تسمع مين غير فايزة ؟
              تتكرر ملاحظة حسين مرسى لفعل الصوت الجميل فى وجداني. أشرد، أو ينتابنى القلق أو الحزن ، أو يهدنى التعب.
              الأحلام التى قدمت بها من القاهرة، واجهها انعدام الوسائل ، وموقع الدكان فى قلب السوق [ كان مبنى الجريدة مجرد دكان خشبى ، وسقفه من الصفيح ! ] ، واقتصار طاقم التحرير على شخص واحد ، والاكتفاء بنقل أخبار الإذاعة العمانية ، بينما تتكفل المطبعة ـ فى بيروت أو الكويت ـ بالقص واللصق فى بقية الصفحات. وسّط الشيخ سليمان الطائى صديقى عاطف الغمرى لأعدل عن قرار العودة. أردف وعداً بأن يجاوز الوضع ـ فى مداه القريب ـ صورته القائمة. انداحت فى أعماقى ـ وفى تصرفاتى الظاهرة أيضاً ـ مشاعر الاستياء والغضب، والإحساس بأنى بعت مستقبلى لقاء بضعة ريالات. وكنت أستعيد نصائح يحيى حقي وسهير القلماوي ونجيب محفوظ. تتفق فى المعنى ، وإن اختلفت فى الكلمات: ما معنى أن تحصل على جائزة الدولة فى الأدب، ثم تسافر إلى الخليج للارتزاق من الصحافة؟!
              يختار حسين مرسى شريط كاسيت بصوت فايزة ـ اقتنى حسين كل أغنياتها ! ـ يدسه فى الجهاز . يتجه ناحيتي بابتسامة ود ..
              يثق من رد الفعل.

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #8
                * البشر *
                ............

                ودعت من أحبهم فى مطار السيب الدولي. أدرت راديو السيارة ، فعلا صوت نجاة الصغيرة : حبايبنا عاملين إيه .. فى الغربة واخباركم إيه ؟..
                وجدت فى الأغنية ـ التي بدت مصادفة تتسق مع اللحظة تماماً ـ تعبيراً عن شوق لابد أن يشعر به من ودعتهم الآن، بعد أن يعودوا إلى الوطن ..
                سبقتنى اللهفة ـ بعد أقل من شهرين ـ إلى مطار القاهرة ..
                لكن الغدر واجهني بما لم أكن أعرفه ولا أتصوره: كيف تتبدل المشاعر الإنسانية إلى هذا الحد؟ ماذا يبين من حقيقة النفس، وماذا يختفي؟ كيف تتحرك شفتا المرء بعبارات الود، بينما اليد تتخفى ـ بالخنجر ـ فى داخل الثوب ؟.
                المثل الشعبى يقول: "من أمّنك لم تخونه ، ولو كنت خاين". أنت لم تكتف بمنح الأمان، وإنما منحت حياتك كلها: الحاضر والمستقبل والأفكار والأحلام الصغيرة. كيف نصف بالتوحش حيوان الغابة، وبعض البشر ينطبق عليهم ما نصف به الحيوان الذي لا يقتل إلا إذا قرصه الجوع ؟!

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #9
                  * حنين *
                  ...........

                  صباح مسقط ..
                  السيارة تمضى على طريق الكورنيش بمطرح . تميل إلى منطقة ريام . الجبال ـ على اليمين ـ صخرية ، مرتفعة ، تبدأ من البداية ، وتنتهى فى اللانهاية . مشوار كل صباح لأوصل زوجتى ـ مدرّسة ـ وابنتى ـ طالبة ـ إلى مدرسة الزهراء الثانوية ..
                  أدير جهاز الكاسيت على الأغنية التى أتذكرها ـ فى بداية مشوارنا الصباحى ـ أو تذكرنى بها زوجتى أو ابنتى . يعلو صوت علاء عبد الخالق وحنان ومنى عبد الغنى :
                  مصر انت حتة منى .. مش مجرد اسم وطنى
                  عيناى ـ فى قيادتى للسيارة ـ تنظران إلى الطريق ، دون أن أعى ملامحه جيداً . تنقلنى كلمات الأغنية إلى ميدان الحسين ، وطريق القاهرة ـ الإسكندرية الزراعى ، والمينا الشرقية ، واللائذين بمقام أبو العباس ، وعربة أبو فروة على ناصية شارع زاوية الأعرج ، وحلقة السمك ، وصيد المياس فى العصارى ، ولعب الكرة فى الشارع الخلفى ، ومرسى القوارب ، وتلاقى الأذان من مآذن المساجد فى بحرى ، وأهازيج السحر ، وبائع الصحف لصق جدار أجزخانة جاليتى ، وحلقات الذكر أمام سيدى البوصيرى ، والنخيل السلطانى فى ميدان المنشية ، وزحام شارع الميدان ..
                  أتنبه على صوت ابنتى : المدرسة ..
                  أضغط على الفرامل . أتأمل ما حولى بنظرة غير واعية . أرد على تلويحة كل من الزوجة والابنة وهما تغيبان داخل المدرسة . أنطلق بالسيارة ، يسبقنى الشرود إلى فضاءات بينى وبينها مدن وصحارى وبحار ..

                  تعليق

                  • د. حسين علي محمد
                    عضو أساسي
                    • 14-10-2007
                    • 867

                    #10
                    * ديبلوماسية *
                    ...............

                    كان العمل فى إعداد " الوطن " يستغرقنى معظم ساعات اليوم . متعتى الوحيدة ـ فضلاً عن متعة العمل ـ أن أستمع إلى أغنيات أم كلثوم وفيروز وعبد الوهاب وعبد الحليم وليلى مراد ونجاة وفايزة أحمد ..
                    لاحظ الرجل أنى أستعيد أغنيات فايزة أحمد :
                    ـ هل هى مطربتك المفضلة ؟
                    استطردت :
                    ـ لكنها ليست مطربتى الوحيدة ..
                    قدم لى ـ فى زيارته التالية ـ شرائط فيديو . قال :
                    ـ الفن ليس غناء فقط ..
                    وضعت الشرائط فى جهاز الفيديو ، فذهلت . كلها أفلام ساخنة ، بورنو . عمق من ذهولى أن صفة الرجل الديبلوماسية تضعه بعيداً عن التصرفات المشبوهة ..
                    أرفقت الشرائط ـ وأنا أعيدها إليه ـ برفض لمثل تلك المتع المريبة ..
                    لم يكن مبعث تصرفى ـ أعترف ـ موقفاً أخلاقياً ، بقدر ما كان خوفاً من المجتمعات الديبلوماسية التى لا أحسن العوم فى مياهها . ثمة صيادون وقراصنة وأسماك متوحشة ومخلوقات تفوق فى شراستها عجائب المخلوقات التى تحدث عنها القزوينى ..
                    قدم الرجل نفسه ـ فى الزيارة الأولى ـ ملحقاً ثقافياً فى سفارة عربية ـ أستأذنك فى إسقاط الاسم ـ واقتصرت أحاديثنا على القضايا الثقافية . وكانت حصيلته المعرفية ـ فى الحقيقة ـ وافرة . ولم تبلغ اختلافات آرائنا حد التضاد ..
                    تصورت ـ وأنا أقرأ الصحف فى إجازة بالقاهرة ـ لحظات إلقاء الشرطة العمانية القبض على الشاب الذى يبلغ بالكاد عامه الخامس والثلاثين ، وهو ينقل الأسلحة من سيارته الديبلوماسية إلى سيارة ملاكى يستقلها شبان عمانيون ..
                    استعاد التصور زيارات الشاب لى ، ونفضت رأسى من السؤال : ماذا كان يريد بهديته الزرقاء ؟!

                    تعليق

                    • د. حسين علي محمد
                      عضو أساسي
                      • 14-10-2007
                      • 867

                      #11
                      * الغناء *
                      ............

                      كان انشغالى فى جريدة " الوطن " قد استولى على وقتى تماماً . لم يتح لى ـ فى مدى أكثر من ثمانى سنوات ـ أن أغادر مسقط ، فيما عدا زيارات متباعدة إلى الضواحى ، وإلى مدن الأقاليم . حتى شراء احتياجاتنا البيتية كنا نخصص لها ساعتين أو أقل كل أسبوع . فإذا أدركنا الملل ـ زينب وأنا ـ من روتين العمل اليومى ، كنا نركب السيارة ، ونمضى فى طريق المطار إلى نهايته ، ونعود . يبدأ أحدنا بمقطع من أغنية . يلتقط الثانى البداية . نستكمل الأغنية معاً ، حتى تنتهى . نكرر ما فعلناه فى أغنية ثانية ، وثالثة ..
                      ينقلنا الغناء إلى أعزاء نحن إليهم ، وأماكن نحبها ، ومناسبات تحيا فى الذاكرة ..

                      تعليق

                      • د. حسين علي محمد
                        عضو أساسي
                        • 14-10-2007
                        • 867

                        #12
                        شاي بالحليب *
                        ...................

                        لحظات ما قبل الصباح . كشك صغير من الخشب على ناصية شارع ينحدر إلى أسفل ، بين اختراقات الجبال السبعة فى العاصمة الأردنية ، فى صعود الشوارع ونزولها وتعرجها . الأبواب والنوافذ مغلقة ، أو تتثاءب ، وأصوات العصافير تعلو فوق الأشجار ، ونسمات برد خريفية تلتقى فى تقاطعات الطرق ..
                        يجلس ـ قبالة الكوخ ـ رجل فى حوالى الستين . أمامه ترابيزة صغيرة ، عليها كوب شاى بالحليب ، وعبر نافذة الكوخ تترامى أغنية أم كلثوم :
                        يا صباح الخير ياللى معانا .. الكروان غنى وصحانا
                        فاجأتنى الطائرة بالهبوط فى مطار عمان . رحلتى من مسقط إلى القاهرة . دفعت كل ما معى من نقود ، ثمناً للوزن الزائد ـ عادة المصريين ! ـ وصعدت إلى الطائرة . يدفع لى من ينتظرنى فى مطار القاهرة ما قد أحتاج إليه من نفقات ..
                        الترانزيت ـ أربع ساعات ـ أتاح لى النزول إلى قلب عمان ..
                        أبطأت خطواتى . توقفت تماماً . أعدت تأمل المشهد : الرجل ، وأغنية أم كلثوم ، وكوب الشاى بالحليب ..
                        بدا لى كوب الشاى فى يد الرجل أجمل شىء فى الدنيا كلها .

                        تعليق

                        • د. حسين علي محمد
                          عضو أساسي
                          • 14-10-2007
                          • 867

                          #13
                          * شافية أحمد *
                          .................

                          أحببت الصوت فى الأغنية ، قبل أن أعرف صاحبته :
                          يا حلاوة ام اسماعيل فى وسط عيالها زى النجفة قعدة تلعلع بجمالها
                          عرفت من أبى أن المطربة هى شافية أحمد ، وأنها عوضت نعمة البصر بنعمة الصوت الجميل . شغلنى الاكتشاف الذى لم أكن أعرفه ، وقرأت عن شافية أحمد ، وغنائها بديلاً لممثلات يحركن أفواههن بصوتها ، وأطلت تأملى لصورتها عندما طالعتها فى جريدة [ أدركت أن النظارة السوداء تعنى فقد البصر ] ، واستطعت أن أميز صوت شافية أحمد فى أغنيات أخرى ، من أميزها : يا عاشقين الورد .. جوز الخيل والعربية .. وغيرها مما أسقطه مضى الأعوام من الذاكرة ..
                          أخذنا حديث الغناء ـ مع أصدقاء ـ فى جلستى بفندق شيراتون الكويت ..
                          قلت :
                          ـ شافية أحمد من الأصوات المظلومة ..
                          قال صديق كويتى :
                          ـ بالعكس .. أنا أدمن صوتها ، وعندى تسجيل أعددته بنفسى لكل أغنياتها ..
                          وأهدانى الصديق ـ فى اليوم التالى ـ نسخة من شريط أغنيات شافية أحمد .. هو الآن من أثمن ما تضمه مكتبتى الموسيقية !

                          تعليق

                          • د. حسين علي محمد
                            عضو أساسي
                            • 14-10-2007
                            • 867

                            #14
                            * أمانة *
                            ...........

                            لأنه بقى على موعد تحرك قطار القاهرة أكثر من ساعة، ولأن شارع عبد المنعم الذى سجلت ما أريد من قسماته المعمارية يبعد عن ميدان محطة مصر حوالى نصف كيلو متر، فقد فضلت أن أفيد من الوقت ـ أرفض مقولة قتل الوقت ، فالوقت هو الذي يقتلنا ! ـ ودخلت دكان حلاق مجاوراً لمطعم البغدادى بائع الفول والفلافل، شجعني ـ ربما ـ صوت فايزة أحمد يغنى فى داخل الدكان : أنا قلبي إليك ميال .. ولا فيش غيرك ع البال ..
                            أومأ صاحب المحل برأسه إلى رجل فى حوالى الخامسة والأربعين . الأنف ضخم، والوجنتان متهدلتان، والعينان ضيقتان يعلوهما حاجبان مهوشان ، وفى زاوية الجبهة اليمنى سحجاً إلى ما وراء الأذن ..
                            وضع الرجل الفوطة على صدري، وأدارها حول العنق، لتحول بين الشعر المتساقط والنفاذ من ياقة القميص. جرى بالمقص إلى الحد الذي أريده. ثم لجأ إلى الماكينة يزيل زوائد الشعر من القفا، ويصنع ما اصطلح على تسميته بالتدريجة ..
                            ظل الرجل يصعد بالماكينة فى قفاي ويهبط، حتى أحسست بالسخونة تؤذيني . خاب توقعي أن يرفع الرجل ماكينته ، وينتهي الأمر ..
                            همست فى نبرة متألمة :
                            ـ هل بقى شعر لتزيله الماكينة ؟!
                            اقترب بفمه من أذني:
                            ـ أرجوك يا أستاذ .. أنا مستجد على المحل .. ما يصحش أسلم الشغل ناقص!

                            تعليق

                            • د. حسين علي محمد
                              عضو أساسي
                              • 14-10-2007
                              • 867

                              #15
                              * عادة *
                              ...........

                              وضعت شريط أغنيات فايزة أحمد فى جهاز الكاسيت . بالضبط كما كنت أفعل فى مسقط . ينتهي الشريط ، فينغلق الجهاز ـ أوتوماتيكياً ـ بعد أن أروح فى النوم . حدست ـ منذ عودتي إلى القاهرة ـ أنى لن أستطيع النوم فى غير ما ألفته طيلة أعوام الغربة. تناهى صوت فايزة أحمد رائقاً، جميلاً: وقدرت تهجر ..
                              لما جاء الصباح ، ناديت شاهين البواب. طلبت عونه فى تحريك الثلاجة من المطبخ إلى حجرة النوم . افتقدت الصوت الرتيب الذي كانت تصدره الثلاجة فى غرفة نومي بمسقط ..
                              أيقنت أن أرق الليلة الماضية لن يتكرر ..

                              تعليق

                              يعمل...
                              X