أغنيــــــــــــات / نصوص سردية قصيرة / للروائي محمد جبريل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #61
    * على قد الشوق *
    .......................

    حين دخلت سينما الأهلى بالسيدة زينب ، لمشاهدة فيلم " لحن الوفاء " ، كان بينى وبين عبد الحليم حافظ تاريخ مشترك . استمعت إلى اسم عبد الحليم ـ للمرة الأولى ـ فى مسرح الأزاريطة بالإسكندرية . صديق لأبى دعاه إلى حفل من بين فقراته المطرب الجديد عبد الحليم حافظ . كان أبى مشغولاً بقراءاته وترجماته ، فرشحنى بدلاً منه ..
    صحبت صديق أبى إلى المسرح . تابعت الفقرات . أذكر منها راقصة اسمها هيرمين ، رافق أداءها صراخ من جمهور الصفوف الأمامية وتأوهات وقذف بالورود وتصرفات أخرى أذهلتنى . عرفت ـ من حوار بين أبى وصديقه ـ أن متعهد الحفلات الحاج صديق ، أعاد عبد الحليم إلى القاهرة ، لأنه ـ على حد تعبيره ـ لا يريد أغنيات من نوع " أيها الراقدون تحت التراب" . يقصد أغنية " ظالم " التى أعتبرها من أجمل أغنيات عبد الحليم . استجاب الرجل لاستياء الجمهور وزياطه ، فمنع عبد الحليم من مواصلة الغناء . غنى ـ بدلاً منه ـ كارم محمود بصوته الحلال ـ الصفة للشيخ زكريا أحمد ـ ورقصت هيرمين على أغنيات : سمرة يا سمرة .. وعينى بترف .. وأمانة عليك يا ليل طوّل .. وغيرها ..
    لم يذهب عبد الحليم من بالى . استمعت إلى أغنياته : على قد الشوق ، صافينى مرّة ، بتقولى بكرة ، ظالم ، يا مواعدنى بكرة . اعتبرته مطربى المفضل ، وأثمرت متابعتى لمشواره الحياتى والفنى ، دراسة مطولة نشرتها فى " الخليج " الإماراتية عن شاب مصرى ، شكلت حياته ـ منذ الميلاد إلى الممات ـ مأساة كاملة ..
    المهم ، دخلت السينما ، يدفعنى الإعجاب بعبد الحليم حافظ . وجدت فى تصفيق رواد السينما لمقدمة على قد الشوق ، كأنه موجه لى . هذا هو المطرب الذى أشفقت عليه لما طرده متعهد الحفلات من الأزاريطة ، ثم أحببت صوته فى الأغنيات التى أداها من كلمات سمير محبوب وألحان الموجى والطويل ..
    ظللت متابعاً لعبد الحليم ، فناً وسيرة حياة . حتى قرأت نبأ وفاته على وكالات الأنباء ..
    كنت ـ أيامها ـ أحرر جريدة " الوطن " العمانية . وكانت أغنيات عبد الحليم ممنوعة من الإذاعة والتليفزيون . عرفت أن المسئولين فى السلطنة عرضوا عليه أن يغنى فى عيد ميلاد السلطان ، فاعتذر . عاقبوه بمنع أغنياته !..
    اتصلت بمكتب وزير الإعلام . من السخف أن أهمل نبأ وفاة مطرب فى قامة عبد الحليم . تلقيت الموافقة قبل أن أرسل مواد الجريدة إلى المطبعة بدقائق : فلتكن المرة الأولى والأخيرة ..
    لكن التحقيق الذى أفردت له الصفحة الأخيرة كان انفراجة الباب . ثم أصبح عبد الحليم حافظ مادة ثابتة فى وسائل الإعلام العمانية .

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #62
      * النيل نجاشى *
      ...................

      حدثتك عن أغنية " النيل " التى تمنيت ـ فى صباى ـ أن أكتب عنها ، أعبر عن حبى لها على مستوى الكلمات واللحن والأداء . كانت الفكرة تشغلنى ـ أحياناً ـ فتجاوز مجرد نيل شوقى والسنباطى وأم كلثوم ، إلى نيل ثان ، وثالث ، إلى آخر الأغنيات التى تتحدث عن النيل . وكنت أحبها جميعاً . حتى أغنية " يا تبر سايل بين شطين " الساذجة الكلمات ، الجميلة اللحن والأداء ، أحببتها ، وكنت أرددها بينى وبين نفسى ..
      الأغنية التى صعب على فهمها ـ لا أتقبل أغنية ما إلا إذا فهمت كلماتها ، وتقبلتها ـ هى أغنية شوقى ، لحن وأداء عبد الوهاب " النيل نجاشى .. حليوة أسمر " . وصلتنى الكلمات بمعنى مغاير . تصورت أنها تتحدث عن الفيضان . النيل ما جاشى .. فهل الإطراء ، وأنه حليوة أسمر ، حتى يأتى بالماء والطمى والحياة للأرض المصرية ؟
      لم أفهم المعنى تماماً ، وأهملت الأغنية . لم أقرر حتى إن كانت ستدخل ضمن مشروعى للكتابة عن النيل من خلال أغنية أم كلثوم الشهيرة ، وما يتصل بها من أغنيات تتحدث عن النيل ..
      ويوماً ، تحدث أبى عن الحب الذى كان يضمره ـ ويعلنه ـ شوقى لعبد الوهاب ، والذى أملى عليه أن يتخلى عن تخوفه من عامية بيرم التونسى ، فيكتب لعبد الوهاب أغنيات بالعامية ، منها هذه الأغنية التى أسقطتها ..
      ماذا ؟..
      النيل نجاشى !..
      الكلمات إذن عن النجاشى ، الملك ، السلطان .. وليست عن الغائب الذى نسر فى تدليله حتى يعود !
      أعدت تأمل الأغنية : الكلمات .. اللحن .. الأداء . بدا لى إهمالها أشبه بحكاية الثعلب الذى تطلع إلى التقاط العنب . فلما أعياه العجز ادعى إنه حصرم ..
      أحببت النيل نجاشياً !

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #63
        * صافينى مرة *
        ...................

        تعرفت إليه فى ناصية شارعى رأس التين وفرنسا . شاب فى حوالى الثلاثين . بيضاوى الوجه ، أبيض البشرة ، له عينان زرقاوان ، دائمتا التلفت . ينسدل شعره الذهبى على قفاه ، تتطاير خصلات منه ، فيزيحها براحته إلى الوراء ..
        سألنى عن عنوان شركة قريبة . اتصل الحديث ، فصرنا أصدقاء .اسمه ديمترى ـ هو نفسه أحد شخصيات روايتى الشاطئ الآخر ـ تعرفت منه إلى ناظم حكمت وكفافيس وغيرهما من الشعراء الذين لم أكن قرأت لهم من قبل . ولم يكن فى قراءاتى ما أقدمه له سوى ما حفظته من كتب التراث ..
        فاجأنى ديمترى بلغة عربية تداخلت بألفاظ أجنبية، بأنه يحفظ أغنية عبد الحليم حافظ " صافينى مرة " . أدى الأغنية ، وحاكى موسيقاها بالدندنة ..
        صحبنى ديمترى إلى عوالم جميلة من السرد والتشكيل والغناء ، فأحببت صداقته ، وتصورته صديقاً أبدياً . فلما فاجأنى بالزقاق المظلم فى حياته [ أذكرك بالشاطئ الآخر ] قررت أن أمضى ـ بعيداً عنه ـ فى الشوارع الفسيحة ، المنيرة ..

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #64
          * عشق الروح *
          ....................

          واربت الباب ، فدخلت ..
          فى حوالى الخامسة والعشرين . ترتدى فستاناً ضيقاً ، عليه نقوش مستديرة ، ملونة . أهملت إغلاق الزرار العلوى ، فظهر من صدرها ما أغرانى بالتحديق . سمراء البشرة . عيناها سوداوان ، مكحولتان . عقصت شعرها فى جديلة ألقتها خلف ظهرها . لردفيها الممتلئين استدارة واضحة ، تختلف مع الضمور النسبى للخصر وأعلى الصدر ..
          تعرفت إليها فى أشهر إقامتى بالسيالة . التقينا ـ للمرة الأولى ـ عند عم عبد المعطى مكوجى الرجل على ناصية شارعى العوامرى والسيالة . اجتذبتنى الحياة فى الحى الشعبى بناسه وتجاره وحرفييه وسلوكيات حياته . أمضى الساعات متأملاً انحناءة عم عبد المعطى على مكواة الرجل ، فصاله مع الزبائن ، تبادله النكات مع أصحاب الدكاكين المجاورة ، تعليقاته المرحة على ذوات الملاءات اللف والبسمات المحرضة ..
          طلب شهادتى فى قيمة كى الملاءة . ذكرت ما اعتدت سماعه منه ، وهو يعد أنواع الملابس . اتجهت ناحيتى بسؤالها . أجبت بما أعرفه ..
          التقينا بعيداً عن بحرى .
          سرنا فى منطقة السلسلة ، والشوارع المتفرعة من محطة الرمل ، وحدائق الشلالات [ قبلتها تحت ظل شجرة ] والشوارع المحيطة باستاد البلدية ..
          كنت ـ آنذاك ـ مفتوناً بروايات محمد عبد الحليم عبد الله . وجدتها امتداداً جميلاً لروايات المنفلوطى التى قرأتها فى مكتبة أبى . كلمتها عن التسامى فى الحب ، وعن يتمى الباكر فأنا أريد فى حبيبتى عاطفة أمومة . وكلمتنى عن زوجها البحار . حياته كلها فى البحر . حتى فى أيام إجازاته ينشغل بأصدقائه وقعدات قهوة الزردونى ..
          أستعيد الآن ملامحها وهى تغالب التوتر :
          ـ أنا فى حاجة إلى رجل !
          شردت فى المعانى الجميلة ، وقلت :
          ـ أنا أيضاً فى حاجة إلى حبيبة لها قلب الأم ..
          ودندنت برومانسية ساذجة ـ كأنى أغنى لنفسى ـ :
          وعشق الروح مالوش آخر لكن ده عشق الجسد فانى
          كان ذلك آخر لقاءاتى بالمرأة . لم تعد تتردد على دكان عم عبد المعطى ، ولا رأيتها فى شوارع بحرى ..
          غابت عن حياتى تماماً .

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #65
            * يمامة بيضة *
            ...................

            يتناهى الصوت الأنثوى الرائق بكلمات الأغنية التى لم أكن استمعت إليها من قبل :
            يمامة بيضة ومنين أجيبها طارت يا عينى عند صاحبها
            الباب مغلق . أكتفى بتصور الفتاة ـ أو المرأة ـ التى تنشر الغسيل فى السطح ، وتغنى ..
            حين تسلمت مفتاح الغرفة ، أوصانى الريس بركات شيخ الصيادين ، وصاحب البيت ، أن الزم الحجرة ، فلا أغادرها إلا لضرورة . تحددت الضرورة فى عودتى إلى الغرفة ، وخروجى منها ، واستعمال دورة المياه الملاصقة لها ..
            دفعنى الفضول للتظاهر بأنى أتجه إلى دورة المياه . طالعتنى بقامتها القصيرة ، وعينيها اللامعتين الواسعتين ، يعلوهما حاجبان أسودان ، طويلان ، والأنف الأقنى ، الصغير ، والجلابية القصيرة ، المشمرة عن ساعديها .
            اتجهت عيناى ـ بادعاء الخجل ـ إلى الناحية المقابلة ـ وإن تأكدت ـ من النظرة السريعة ـ أن الفتاة ـ التى لا تتجاوز الثامنة عشرة ـ فائقة الجمال ..
            تكرر خروجى ، ودخولى ، من باب الحجرة . أضفت إلى جرأتى صوت هامس :
            ـ مساء الخير ..
            شجعنى ردها ، فمالت عيناى عن اتجاهها الجانبى ، ونظرت إليها ..
            ساعدتها ـ فى الأيام التالية ـ على رفع " القروانة " بالغسيل الذى جف فوق المنشر . ثم سألتنى فيما لا أذكره ..
            انفرج باب الصداقة الموارب . تحدثنا فى أحوال السيالة والصيادين وعمال البحر ومعلمى حلقة السمك . امتدت أحاديثنا ، فلامست الحب . وبدت لى جريئة ..
            ذات أصيل . غادرت الحجرة على تناهى الصوت . كانت الفتاة مشغولة فى لم الثياب . وكان قرص الشمس قد سقط فى أفق الأمواج بالأنفوشى ، واختفى تماماً . لم يعد إلا تداخلات الألوان وهى تذوب فى رمادية شاحبة ..
            لا أدرى ما الذى حرضنى على تعرية أسفل جسدى ، والرنو إليها بنظرة محرضة ..
            داريت نفسى ـ فى اللحظة التالية ـ وأنا أعانى الذهول للبكاء الذى انخرطت فيه الفتاة ، وجريها نحو باب السطح ، فلا تصعد إليه ثانية !

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #66
              * أهواك *
              ...........

              بدت مختلفة عن كل الفتيات اللائى تصورت ـ وربما تصورن ـ أن العلاقة الخاصة فى أفق البحر . لم تكن جميلة ، ولعلها كانت أقرب إلى الدمامة ، فعيناها مشروطتان ، وشعرها مجعد ، وثمة ما يشبه الشارب الخفيف فوق شفتيها ..
              شدنى انسحابها ـ بالخجل ـ من النافذة المطلة على عم عبد المعطى مكوجى الرجل فى ناصية شارعى السيالة والعوامرى ..
              كنت ـ لبواعث أسرية حدثتك عنها من قبل ـ قد استأجرت غرفة فوق سطح بيت بين البيوت القديمة المتلاصقة ، داخل الحوارى الملتوية والمتعرجة والمتقاطعة . أمضى الوقت فى المذاكرة ، وأطرد إحساسى بالملل ، أو أنشد الصداقة فى بيئة لم يسبق لى الحياة اليومية فيها . تعرفت إلى دقائق المهن المتصلة بركوب البحر : الصيد وصناعة السفن ، وغزل الشباك ، وبيع السمك ، والعمل فى الحلقة ، وفى الدائرة الجمركية . أفدت من ذلك كله فى أعمالى التى تناولت الصلة بين اليابسة والبحر
              لاحظت نظرتها المتسللة من خصاص النافذة . شدنى انسحابها بالخجل ، فنقلت ملاحظتى إلى عم عبد المعطى ..
              قال فى هدوء وجدية :
              ـ عفاف .. لا .. دى غير كل البنات !
              حرصت أن ألتقط طرف خيط الكلام عن عفاف بين خيوط أحاديثنا المتشابكة . نشرق ونغرب فى مناقشات بلا ضفاف ولا آفاق . أعاود إلقاء الطراحة ، ربما تصيد ولو سمكة وحيدة تتصل بسيرتها . نفض عم عبد المعطى اليد الخشبية للمكواة بقدمه الحافية ، واعتدل فى وقفته ، وأسند ظهره إلى ساعده ، وتنهد :
              ـ البنت دخلت مخك .. هل تريد التقدم لخطبتها ؟
              أضاف دون أن يعبأ بالدهشة التى ملأت وجهى :
              ـ إنها مثل ابنتى .. أستطيع أن أقنعها بلقائك ليتعرف كل منكما إلى الآخر ..
              سبقتها حين اقتربت من أول شارع السيالة . مضيت ـ بحيث ترانى ـ فى شارع الموازينى ، إلى رأس التين ، فشارع الميدان . التفتّ نحوها ـ للمرة الأولى ـ مسلّماً فى ميدان المنشية . غلبنا الارتباك ، فلم نجد ما يتيح لنا الكلام ، والسير المتمهل ..
              لم أكن أعرف كيف يتكلم الحبيبان ، من يسأل ، ومن يجيب ، مدى الأفق فى حديثهما ، بل إنى لم أكن أعرف الفوارق البيولوجية بين المرأة والرجل . طاقتى الجنسية أنفقها فى ممارسة العادة السرية ، ترافقها صور أتمثلها ، وأتخيلها ، وأستدعيها من الذاكرة ..
              ترامى من المقهى المطل على الميدان صوت عبد الحليم حافظ :
              أهواك واتمنى لو أنساك ..
              قلت :
              ـ أغنية جميلة ..
              قالت :
              ـ فعلاً ..
              ـ تحبين عبد الحليم حافظ
              هزت رأسها مؤمّنة ..
              وأنا أشير إلى الكراسى المتناثرة فى حديقة المنشية :
              ـ هل نجلس ؟
              ـ لا .. أريد أن أعود إلى البيت ..
              ـ لكننا لم نتكلم ..
              فى حسم :
              ـ بل تكلمنا ..
              طالعنى عم عبد المعطى فى عودتى إلى السيالة بوجه يعلوه الاستياء :
              ـ ضيّعت فرصة عمرك .. البنت للزواج لا للفسحة !
              رنوت إلى النافذة المطلة على الدكان . فلما ظلت النافذة مغلقة ، أهملت الأمر ، وتناسيته ..

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #67
                * ألوان *
                ...........

                أبيض غار النهار منه ..
                أتفاءل بالعبارة ، يعلو بها صوت محمد عبد الوهاب فى جهاز الكاسيت بسيارة الدكتور جمال الدين ..
                كنت أجلس إلى جواره ، من خلفى اثنان من مؤيدى الدكتور فى حملته الانتخابية . جو الصباح الباكر يحيط بنا . معظم النوافذ مغلقة ، والمارة قليلون ، وعربات الفول على نواصى الشوارع يلتف حولها عمال وصيادون وتلاميذ ..
                لم تكن لى بالدكتور جمال الدين ـ نسيت بقية الاسم ـ سابق معرفة . هو أستاذ بكلية العلوم . رشح نفسه لانتخابات مجلس الأمة ، ودعا مثقفى بحرى إلى تأييده . ولأنى وجدت فى نفسى مثقفاً يسعى إلى التحقق ، فقد اعتبرت مساندة المرشح المثقف وسيلة لإثبات الذات ، وأيضاً لتأكيد موقفى ، وأن لى توجهاً سياسياً ..
                أمضيت غالبية أيام الحملة الانتخابية فى مقر الدكتور جمال الدين . شقة بالطابق الأول من بيت فى شارع حسن باشا عاصم ، خصصها لحفظ كتبه وأدواته العلمية . جعل من إحدى الغرف مخزناً للمكتب والكتب والأدوات ، بينما فرشت الصالة والغرفتان الباقيتان بالكراسى ، ليجلس عليها مؤيدو الدكتور ..
                أقنعنا الأستاذ الجامعى ـ وكان يعانى الخجل والارتباك ـ بأن الانتخابات لها وسائلها التى يجب أن نعنى بها . خرجنا فى ثلاث مظاهرات على مدى عشرة أيام . أعداد قليلة من المتعلمين ، زادت بالأولاد والمتسكعين فى شوارع السيالة وحواريها . رددنا هتافاً واحداً : إن جيت للحق .. جمال أحق . لا أذكر أننا بدّلنا الهتاف . اكتفينا بترديده كشريط " الأنسر " الذى يخاطب الطالبين بكلمات محددة ..
                فى صبيحة يوم الانتخاب صحبنا الدكتور جمال الدين فى سيارته إلى مراكز الانتخاب . أدار جهاز الكاسيت ، فعلا صوت عبد الوهاب بأغنيته الجميلة ..
                مع أنى لا أومن بالسحر ، ولا التنجيم ، ولا الأعمال التى تقرّب وتبعد ، فإنى ورثت عن أبى ميلاً إلى التفاؤل والتشاؤم . إذا ظل الضوء الأخضر قبل أن أصل بسيارتى إلى الإشارة ، فهو يوم طيب . إذا علا صراخ أو صوات موضع قريب ، فذلك أدعى للتشاؤم .. وهكذا ..
                كان عبد الوهاب يقلّب الألوان فى أغنيته . داخلنى يقين بأن اللون الذى ستقف به السيارة أمام أول مركز انتخابى هو الذى سيحدد حظ الدكتور من أصوات الناخبين . ارتحت للون الأبيض . ضايقنى اللون الأصفر . عاودتنى الراحة فى الأحمر .. ثم اختلط قلقى وتوقعى بتعليمات الدكتور لنا فيما يجب أن نفعله ..
                فى اليوم التالى ، أعلنت نتيجة الانتخاب ..
                تصورت أن اللون الذى أغلق عليه الدكتور جهاز الكاسيت يرفض التفاؤل ، ويرفض التشاؤم كذلك . خسر الرجل ، وفاز من يمتلكون النفوذ والأموال ، وإن استطاع ـ وهو ما اعتبره أبناء بحرى مفاجأةً ـ أن يستعيد تأمينه الانتخابى !

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #68
                  * الحب *
                  ............

                  تبينت عمق السكون من حولى ، حين صدرت خشخشة وأنا أقلب الورقة التى سودت سطورها لأكتب ورقة أخرى .
                  كان قد مضى على قدومى إلى القاهرة ثلاثة أيام .
                  صدمت خالتى المقيمة فى مصر الجديدة تصورى بأن أقيم ضيفاً عليها حوالى الشهر . اعتذرت بالحرج من زوجها ، فبدأت البحث عن شقة بالقرب من دور الصحف ، فى وسط البلد . رحب خالى باستضافتى حتى أعثر على الشقة ـ أو الحجرة ـ المناسبة . لم أوفق فى مقابلة سعد الدين وهبة فى مكتبه بمجلة البوليس . تذكرت اسم أحمد عباس صالح . كنت أحب كتاباته النقدية . منحنى إصغاءه ، وقرأ لى . توسط ببطاقة زرت بها عدداً من أصدقائه . أزمعت ألا أضيع وقتاً ، فانشغلت بالكتابة . ترك لى خالى شقته فى حدائق القبة . طابق أول من بناية عالية . تركت الباب مفتوحاً استجلاباً لنسمة هواء تلطف حرارة أغسطس . ترامى من نافذة تطل على المنور الخلفى صوت نجاة : العواذل ياما قالوا .. ليه تحبوا ليه ؟.. رد قلبى وقال وماله .. لما احبه إيه ؟..
                  كنت أحب الأغنية . أجد فى كلماتها تحدياً للمثبطات ، وإصراراً على مشاعر الحب . استدعت ذاكرتى ـ بلا رابط ـ مكتبة أبى ، والكلمات المشجعة لصديقى فتحى الإبيارى ، وقراءة الفاتحة فى القطار ، وأبواب دور الصحف الموصدة ، وعناد أمواج البحر فى تواليها على الشاطئ ..
                  جففت عرق وجهى بجاكتة البيجامة التى كنت ألقيتها على الكرسى المجاور ..
                  واستأنفت الكتابة .

                  تعليق

                  • د. حسين علي محمد
                    عضو أساسي
                    • 14-10-2007
                    • 867

                    #69
                    * بسيمة *
                    .............

                    لمحت فى عينيها نظرة داعية . خلفت شارع نجيب الريحانى ورائى ، واتجهت ناحية الدرجات الحجرية . تفضى إلى شارع فيه بيوت ودكاكين ونوافذ مفتوحة ومغلقة ومناشر غسيل ..
                    أهملت الانشغال بنهاية الشارع لما دخلت البنت ـ بجسدها الأنثوى ـ بيتاً من طابقين ..
                    ـ تعال ..
                    فاجأنى النداء من سيدة جاوزت الستين . فاض الكرسى الذى جلست عليه بردفيها الممتلئين . زججت حاجبيها ، وسدت فجوات التجاعيد فى وجهها بأصباغ وألوان . المقهى الذى تجلس أمامه أقرب إلى دكان من ضلفتين ، خلا إلا من نصبة انشغل وراءها رجل بدس كنكة القهوة فى الرمالة ، وثلاث طاولات ، وكراسى فارغة . وتناهى من الراديو ـ فوق الحامل الخشبى ـ صوت عبد الوهاب : مين عذّبك بتخلّصه منّى ..
                    قاومت التردد لحظات ، قبل أن تومئ لى بنظرة محرضة :
                    ـ ماذا تريد ؟
                    انتزعت الكلمات بصعوبة :
                    ـ هذه البنت ..
                    ـ أى بنت ؟
                    ـ التى طلعت فوق ..
                    ـ بسيمة ..
                    وربتت فخذى :
                    ـ ذوقك حلو ..
                    وأردفت :
                    ـ معك جنيه ..
                    دسست فى يدها خمسين قرشاً :
                    ـ كل ما معى ..
                    استعادت يدها فارغة :
                    ـ ما نعطلكش !
                    وأنا أهبط الدرجات ، تلفت ـ بعفوية ـ ورائى . وضعت السيدة فى صدرها ما أخذته من الشابين اللذين ربما قدما من الناحية المقابلة . وعلا صوتها وهى ترنو إلى شرفة الطابق الأول :
                    ـ بسيمة !

                    تعليق

                    • د. حسين علي محمد
                      عضو أساسي
                      • 14-10-2007
                      • 867

                      #70
                      * ماجدة *
                      ...........

                      قالت جدتى فى هدوء ، أذهلنى :
                      ـ ماجدة ماتت ..
                      ـ ماجدة من ؟
                      ـ بنت خالتك ..
                      ـ متى ؟ وكيف ؟
                      ـ اشتد عليها المرض فى الليل . أخذتها فى حضنى ، لكنها ماتت ..
                      ـ لماذا لم تقولى لنا ؟
                      ـ ولماذا أثير مشكلة بلا داع ؟.. يأتى الصباح فندفنها ..
                      لاحظت جدتى أن الراديو ـ على غير العادة ـ ظل مغلقاً . أصرت على أن ندير الراديو ، فلا يفطن الجيران إلى ما حدث ، وتتناثر الأسئلة والشائعات ..
                      علا الراديو بأغنية أم كلثوم :
                      يا صباح الخير ياللى معانا .. الكروان غنى وصحانا
                      قالت جدتى :
                      ـ ليس لها شهادة ميلاد .. ولن يكون لها شهادة وفاة .. حاولوا إنهاء كل شئ ..
                      ماجدة هى الشقيقة التوءم لطفلة أخرى هى نعمت . لم يفارقها المرض منذ ولادتها قبل أسبوع ، وتوقع الجميع موتها ، حتى أن خالتى أهملت استخراج شهادة ميلادها ..
                      قامت جدتى بتغسيل ماجدة ، ولفها بطيات بشكير . احتضنت جثمان ماجدة بجوار سائق التاكسى [ وعدناه بأجر زيادة ! ] ، بينما جلست خالتى وقريبة لزوجها فى المقعد الخلفى ..
                      اخترق التاكسى شوارع القاهرة المزدحمة ، وتوقف فى إشارات المرور . عانينا توقع الخطر حتى بلغ التاكسى ـ فى النهاية ـ مقابر الدراسة ..
                      حدثتك عن العقدة التى أعانيها من رؤية الموتى . لم يكن ما فعلته كذلك ، وإنما احتضان جثمان طفلة ، سعياً لدفنه . اجتذبتنى اللحظات القاسية ، فلم أفطن إلى التفاصيل . لم أدرك ما حدث ، حتى انطلق التاكسى بنا فى طريق العودة ..
                      هل جرى ما جرى بالفعل ؟

                      انتهى الكتاب

                      تعليق

                      • د. حسين علي محمد
                        عضو أساسي
                        • 14-10-2007
                        • 867

                        #71
                        مؤلفات محمد جبريل

                        1 ـ تلك اللحظة ( مجموعة قصصية ) 1970 ـ نفد
                        2 ـ الأسوار ( رواية ) 1972 هيئة الكتاب ـ الطبعة الثانية 1999 مكتبة مصر
                        3 ـ مصر فى قصص كتابها المعاصرين ( دراسة ) الكتاب الحائز على جائزة الدولة ـ 1973 هيئة الكتاب
                        4 ـ انعكاسات الأيام العصيبة ( مجموعة قصصية ) 1981 مكتبة مصر ـ ترجمت بعض قصصها إلى الفرنسية
                        5 ـ إمام آخر الزمان ( رواية ) الطبعة الأولى 1984 مكتبة مصر ـ الطبعة الثانية 1999 دار الوفاء لدنيا الطباعة بالإسكندرية
                        6 ـ مصر .. من يريدها بسوء ( مقالات ) 1986 دار الحرية
                        7 ـ هل ( مجموعة قصصية ) 1987 هيئة الكتاب ـ ترجمت بعض قصصها إلى الإنجليزية والماليزية
                        8 ـ من أوراق أبى الطيب المتنبى ( رواية ) الطبعة الأولى 1988 هيئة الكتاب ـ الطبعة الثانية 1995 مكتبة مصر
                        9 ـ قاضى البهار ينزل البحر ( رواية ) 1989 هيئة الكتاب
                        10 ـ الصهبة ( رواية ) 1990 هيئة الكتاب
                        11 ـ قلعة الجبل ( رواية ) 1991 روايات الهلال
                        12 ـ النظر إلى أسفل ( رواية ) 1992 ـ هيئة الكتاب
                        13 ـ الخليج ( رواية ) 1993 هيئة الكتاب
                        14 ـ نجيب محفوظ .. صداقة جيلين ( دراسة ) 1993 هيئة قصور الثقافة
                        15 ـ اعترافات سيد القرية ( رواية ) 1994 روايات الهلال
                        16 ـ السحار .. رحلة إلى السيرة النبوية ( دراسة ) 1995 مكتبة مصر
                        17 ـ آباء الستينيات .. جيل لجنة النشر للجامعيين ( دراسة ) 1995 مكتبة مصر
                        18 ـ قراءة فى شخصيات مصرية ( مقالات ) 1995 هيئة قصور الثقافة
                        19 ـ زهرة الصباح ( رواية ) 1995 هيئة الكتاب
                        20 ـ الشاطئ الآخر ( رواية ) 1996 مكتبة مصر ـ ترجمت إلى الإنجليزية ـ الطبعة الثالثة 2002 هيئة الكتاب
                        21 ـ حكايات وهوامش من حياة المبتلى ( مجموعة قصصية ) 1996 هيئة قصور الثقافة
                        22 ـ سوق العيد ( مجموعة قصصية ) 1997 هيئة الكتاب
                        23 ـ انفراجة الباب ( مجموعة قصصية ) 1997 هيئة الكتاب ـ ترجمت بعض قصصها إلى الماليزية
                        24 ـ أبو العباس ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1997 مكتبة مصر
                        25 ـ ياقوت العرش ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1997 مكتبة مصر
                        26 ـ البوصيرى ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1998 مكتبة مصر
                        27 ـ على تمراز ـ رباعية بحرى ( رواية ) 1998 مكتبة مصر
                        28 ـ بوح الأسرار ( رواية ) 1999 روايات الهلال
                        29 ـ مصر المكان ( دراسة فى القصة والرواية ) 1998 هيئة قصور الثقافة ـ الطبعة الثانية 2000 ـ المجلس الأعلى للثقافة
                        30 ـ حكايات عن جزيرة فاروس ( سيرة ذاتية ) 1998 دار الوفاء لدنيا الطباعة بالإسكندرية
                        31 ـ الحياة ثانية ( رواية تسجيلية ) 1999 ـ دار الوفاء لدنيا الطباعة بالإسكندرية
                        32 ـ حارة اليهود ( مختارات قصصية ) 1999 ـ هيئة قصور الثقافة
                        33 ـ رسالة السهم الذى لا يخطئ ( مجموعة قصصية ) 2000 ـ مكتبة مصر
                        34 ـ المينا الشرقية ( رواية ) 2000 ـ مركز الحضارة العربية
                        35 ـ مد الموج ـ تبقيعات نثرية ( رواية ) 2000 ـ مركز الحضارة العربية
                        36 ـ البطل فى الوجدان الشعبى المصرى ( دراسة ) 2000ـ هيئة قصور الثقافة
                        37 ـ نجم وحيد فى الأفق ( رواية ) 2001 ـ مكتبة مصر
                        38 ـ زمان الوصل ( رواية ) 2002 ـ مكتبة مصر
                        39 ـ موت قارع الأجراس ( مجموعة قصصية ) 2002 ـ هيئة قصور الثقافة
                        40 ـ ما ذكره رواة الأخبار عن سيرة أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله ( رواية ) 2003 ـ روايات الهلال
                        41 ـ زوينة ( رواية ) 2004 ـ الكتاب الفضى
                        42 ـ حكايات الفصول الأربعة ( رواية ) 2—4 ـ دار البستانى
                        43 ـ صيد العصارى ( رواية ) 2004 ـ دار البستانى
                        44 ـ غواية الإسكندر ( رواية ) 2005 ـ روايات الهلال
                        45 ـ الجودرية ( رواية ) 2005 ـ المجلس الأعلى للثقافة
                        46 ـ رجال الظل ( رواية ) 2005 ـ دار البستانى
                        47 ـ ما لا نراه ( مجموعة قصصية ) 2006 ـ دار البستانى
                        48 ـ مواسم للحنين ( رواية ) 2006 ـ رواية ـ دار البستانى.

                        ***

                        مؤلفات عن محمد جبريل
                        .............................
                        1 ـ الفن القصصى عند محمد جبريل ـ مجموعة من الباحثين ـ مكتب منيرفا بالزقازيق
                        2 ـ دراسات فى أدب محمد جبريل ـ مجموعة من الباحثين ـ مكتب منيرفا بالزقازيق
                        3 ـ البطل المطارد فى أدب محمد جبريل ـ د. حسين على محمد ـ دار الوفاء بالإسكندرية
                        4 ـ فسيفساء نقدية : تأملات فى العالم الروائى لمحمد جبريل ـ د . ماهر شفيق فريد ـ دار الوفاء بالإسكندرية .
                        5 ـ محمد جبريل .. موال سكندرى ـ فريد معوض وآخرين ـ كتاب سمول
                        6 ـ استلهام التراث فى روايات محمد جبريل ـ سعيد الطواب ( دكتور ) 1999 دار السندباد للنشر
                        7 ـ تجربة القصة القصيرة فى أدب محمد جبريل ـ حسين على محمد ( دكتور ) 2001 كلية اللغة العربية بالمنصورة
                        8 ـ فلسفة الحياة والموت فى رواية الحياة ثانية ـ نعيمة فرطاس ـ 2001 ـ أصوات معاصرة
                        9 ـ روائى من بحرى ـ حسنى سيد لبيب ـ 2001 ـ هيئة قصور الثقافة
                        10 ـ محمد جبريل ـ مصر التى فى خاطره ـ حسن حامد ـ 2002 ـ أصوات معاصرة
                        11 ـ السيميائية فى النظر إلى أسفل ـ عبد الرحمن تبراميسين ( دكتور ) و ......... ـ 2004 ـ أصوات معاصرة
                        12 ـ المنظور الحكائى فى روايات محمد جبريل ـ محمد زيدان ( دكتور ) 2005 ـ أصوات معاصرة
                        13 ـ التراث والبناء الفنى فى روايات محمد جبريل ـ سمية الشوابكة ( دكتورة ) 2005 ـ هيئة قصور الثقافة
                        14 ـ بنية الخطاب الروائى فى أدب محمد جبريل : جدل الواقع والذات ـ النظر إلى أسفل نموذجاً ـ آمال منصور ـ 2006 ـ أصوات معاصرة.

                        (انتهى)

                        تعليق

                        • د. حسين علي محمد
                          عضو أساسي
                          • 14-10-2007
                          • 867

                          #72
                          للرفع، وإعادة القراءة في هذه النصوص القصيرة.

                          تعليق

                          يعمل...
                          X