أغنيــــــــــــات / نصوص سردية قصيرة / للروائي محمد جبريل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. حسين علي محمد
    عضو أساسي
    • 14-10-2007
    • 867

    #16
    * محمود فياض *
    ......................

    قرأت الخبر ، فطويت الجريدة ، وقذفت بها على الطاولة أمامى ..
    محمود فياض !..
    كان يجلس أمام دكان حلوانى الطيبين فى الناحية المقابلة من بيتنا . أتأمل فى جلسته الهادئة، الصامتة، ما كتبته الصحف عن هتاف "يا قوة الله"، وهو يرفع ثقل الحديد ، فيفوز بالميدالية الذهبية ، وأتأمل فى جسده العفى أحاديث أبى عن إفطاره الذي لا يقل عن عشر بيضات ، وأنه يأكل أقة بسبوسة من الطيبين فى وجبة واحدة، وأنه حطم كرسياً بضربة فى الرصيف حتى لا تخذله أعصابه فيؤذى من علا صوته أمامه ..
    لم أره يتبادل الحوار مع أحد ، فهو يجلس بمفرده، وإن بدت عليه الفرحة ، وشارك بالتصفيق ، عندما يتوقف المطرب "سيد حلال عليه " أمام الدكان ، فى جولته بالحى ، يردد على دقات النقرزان :
    اقروا الفاتحه لابو العباس .. يا اسكندريه يا أجدع ناس
    لولا أنى أعرف الطيبين لتصورت محمود فياض صاحب الدكان. لم تشغلنى صلته بالدكان ولا بصاحبه ، وإنما شغلنى البطل وراء الرجل.
    غادرت الإسكندرية . كنت أنظر فى عودتي ـ بعفوية ـ إلى الموضع الذي اعتدت ـ زمان ـ رؤيته فيه ، وأتذكر الجسد العفي والجلسة المسترخية ..
    استعدت الخبر ..
    لم يفاجئنى الموت ، فهو حق علينا . ما فاجأني ـ الأدق أنى ذهلت ـ فى إشارة الخبر إلى أن محمود فياض مات فقيراً ..
    ما معنى أن يكون الإنسان بطلاً ؟!

    تعليق

    • د. حسين علي محمد
      عضو أساسي
      • 14-10-2007
      • 867

      #17
      * لسّه بدرى *
      ................

      هلّ البدر بدرى والأيام بتجرى
      والله لسّه بدرى يا شهر الصيام
      أحب الأغنية. أترقب سماعها فى أيام رمضان الأخيرة . كأنى أترقب الأسى. أشعر أن عاماً فى حياتي يوشك أن يغيب. حداً فاصلاً بين ما مضى وما سيأتى ..
      كم عمر الإنسان؟ خمسون؟ ستون؟ سبعون؟ .. هو ـ فى النهاية ـ عمر محدود. رمضان الذي يولّي، صفحة تطوى فى كتاب محدد الصفحات ..
      يجتذبني الشرود إلى عوالم أعرفها، وأخرى لا أتبين ملامحها. تختلط الأحداث والشخصيات، فتغيب المعاني، إلاّ أنه لا سبيل إلى استعادة ما فات ..
      يأتي العيد . تتلوه أشهر العام الهجري، ويهل رمضان. أعيش روحانيته وطقوسه وتقاليده وعاداته، حتى يتم البدر ـ كما تقول الأغنية ـ وأترنم حزيناً : والله لسّه بدري يا شهر الصيام !

      تعليق

      • د. حسين علي محمد
        عضو أساسي
        • 14-10-2007
        • 867

        #18
        * الثأر *
        ...........

        حى بحرى هو هذه المنطقة التى تمثل شبه جزيرة فى شبه جزيرة الإسكندرية . لا يزيد ـ طولاً أو عرضاً ـ عن كيلو متر واحد . مظهره الأهم غلبة الروحانية . ثمة الجوامع والمساجد والزوايا والصوفية وحلقات الذكر والموالد وغيرها مما يسم الحياة فى بحرى باختلاف مؤكد ، ليس عن بقية أحياء الإسكندرية فحسب ، وإنما عن بقية المناطق المصرية جميعاً . شهر رمضان ـ بالطبع ـ جزء من تلك الروحانية التى تدين لها طفولتى ـ ومحاولاتى الإبداعية فيما بعد ـ بالكثير . الصيام ، صلاة التراويح ، تلاوة القرآن ، المسحراتى ، الكنافة ، القطايف ، حالو ياحالو ، الياميش ، الأضواء ، الفوانيس ، الليل الصاحى ، النهار المتثائب ، السبح ، الأعصاب المنفلتة ، واللهم إنى صايم ، الطرشى ، الفول المدمس ، اللب ، الفول السودانى ، التسالى ، الإذن للأطفال بالسهر مدى شهر كامل ، تقييد الشياطين والجان ، اختفاء العفاريت ..
        كنا نسهر إلى موعد السحور . نحمل فى أيدينا ـ عقب الإفطار ـ فوانيس زجاجها ملون ، مصنوعة من الصفيح ، وتضئ بالشمع . أفضل من فوانيس هذه الأيام التى تضئ بالبطارية ! . دعك من وفرة الأمان فى الفوانيس الحالية . ارتعاشة الشمعة قد تحمل الخطر ، لكنها تحمل الحميمية فى الوقت نفسه . نقف أمام دكاكين الحى ، نلوح بالفوانيس ونغنى :
        الدكان ده كله عمار وصاحبه ربنا يغنيه
        يهبنا صاحب الدكان من الملاليم ما يدخل السعادة إلى نفوسنا ، ربما أضعاف ما نشعر به ونحن نأخذ هبات فى المناسبة نفسها ..
        قد يرفض صاحب الدكان ، ويطردنا ، فتعلو أصواتنا :
        الدكان ده كله خراب وصاحبه ربنا يعميه
        ونجرى ..
        وكنا نسلى أنفسنا بما نسميه " شكل للبيع " . ألجأ إلى رشاقة جسدى ـ باعتبار ما كان ـ فأقفز على عنق أحد المارة ممن نتوسم فى ملامحه طيبة . يسقط الرجل ـ بتأثير المفاجأة ـ من طوله ، ويخرج الأولاد من مكامنهم ، وفى أيديهم العصى ، ينهالون عليه بضربات سريعة ، مؤلمة ، ويختفون قبل أن يفيق الرجل من الصدمة ..
        تكررت اللعبة ، وطالت عصينا أجساد الكثيرين . مجرد شقاوة عيال يشغلها التسلية وغير المألوف ، وليس إحداث الأذى ..
        ثم جاء اليوم الذى كان ينبغى فيه أن ندفع الثمن : قفزت على عنق شاب صعيدى ، ولحقته عصى الأولاد فى سقوطه على الأرض ، واختفينا ـ كالعادة ـ قبل أن يحاول رد ضرباتنا ..
        نفض الشاب ثيابه ، ومضى .. وعدنا إلى شكل للبيع وغيرها من الألعاب : الاستغماية ، عنكب يا عنكب ، نطة الإنجليز ، أولها اسكندرانى إلخ ..
        قبل السحور ، كان التعب قد هدّنا . جلسنا متجاورين على رصيف الشارع الخلفى لجامع سيدى على تمراز . يغنى أحدنا ، ونردد وراءه ونحن نهز الرءوس :
        وحوى يا وحوى .. إيوحه .. وكمان وحوى .. إيوحه ..
        فاجأت أولنا ركلة قدم قاسية طوحت به فى قلب الشارع . تزامنت صرخة الولد مع صرخاتنا ، ونحن نتلقى الركلات السريعة المفاجئة من قدم الشاب الصعيدى . أوهمنا أنه مضى بعيداً ، لكنه ظل ـ فى صبر ـ حتى جاءت اللحظة التى اختارها ، فثأر لنفسه !

        تعليق

        • د. حسين علي محمد
          عضو أساسي
          • 14-10-2007
          • 867

          #19
          * طقس *
          ...........

          ليلة العيد ..
          تصنعها الأضواء على مئذنة سيدى على تمراز ، وعلى واجهات الدكاكين ، والأبواب المفتوحة ، والصيحات ، والنداءات ، والزحام ، وغياب شخطة أمى : يا مقصوف الرقبة ، وسهر الأولاد إلى موعد الصلاة ، وترديدهم للأغنية التى تسبق عيد الفطر :
          يا برتقال احمر وجديد .. بكرة الوقفه وبعده العيد
          أو الأغنية التى تسبق عيد الأضحى :
          بكره العيد ونعيد .. وندبحك يا شيخ سيد
          والشيخ سيد ـ كما تعلم، أو لا تعلم ـ كناية عن خروف العيد ..
          أميز ما فى الليلة كلها أغنية أم كلثوم التى تدعو بطول العمر للملك فاروق. فلما قامت الثورة استبدل باسمه اسم محمد نجيب. فلما مضى نجيب آثرت الدعاء للنيل ..
          نعد أنفسنا للذهاب إلى تياترو أحمد المسيرى. يقام فى أرض خلاء بشارع التتويج، لا أذكر موقعها الآن، وإن أذكر السرادق الضخم، يقف على مسرحه الخشبى ـ فى بداية العرض ـ مجموعة المغنين، يرددون فى صوت واحد:
          يا للى زرعتوا البرتقان .. ياللا اجمعوه .. آن الأوان .. ياللا .. ياللا ..
          تعيد المجموعة أداء الكلمات نفسها فى نهاية العرض ، بعد فقرات من الغناء والرقص وأفعال السحر والديالوجات القصيرة والتهريج ..
          يخلو ـ عقب صلاة العيد ـ ميدان الخمس فوانيس المواجه للجامع من المصلين والحصر. يتسع سوق العيد فيملأ الساحة والميدان والشوارع والحوارى المتفرعة ..
          نسلم أنفسنا إلى يدي أمي، تلبسنا زى العيد. ثم ننزل ـ أخي وأنا ـ إلى سوق العيد ..
          ألمح سيارة التاكسي على تقاطع إسماعيل صبري ورأس التين. استحث أخي لركوبها. وسيلة فسحة من العيد للعيد. تفتح أبوابها حتى تمتلئ تماماً. ينحشر فيها الأولاد . تتداخل الرءوس والأجساد والأيدي والأقدام . يجد السائق صعوبة فى إغلاق الأبواب ، ويهمل صراخ الأولاد من الزحمة الخانقة. يحاول أن يجد لنفسه موضعاً أمام عجلة القيادة. يمضى من رأس التين إلى سراي الملك ، ومنها إلى طريق الكورنيش بمحاذاة شاطئ الأنفوشي، فالميناء الشرقية . يميل من شارع إسماعيل صبرى، حتى الناصية التي بدأ منها . مجرد ومضات وملامح سريعة ، يتاح لي أن ألتقطها . وربما لا يتاح لي رؤية أي شيء . إنما هو ما ينتزع قوله الأولاد الذين يطلون ـ بالضرورة ـ من النوافذ ..
          يفتح السائق الأبواب . يتفكك الأولاد الذين تحولوا إلى كتلة بشرية واحدة . يركب ـ بدلاً منهم ـ أولاد آخرون ، وهكذا ، إلى ما بعد منتصف الليل ..
          فى اليوم التالى ، أنسى الزحمة ، وكتمة النفس ، وأسابق أخى والأولاد إلى السيارة الواقفة ..

          تعليق

          • د. حسين علي محمد
            عضو أساسي
            • 14-10-2007
            • 867

            #20
            * لك حبى *
            .............

            أقف بين أبى وأخى فى الشرفة المطلة على شارع إسماعيل صبرى . وقفت أمى وأختى للفرجة فى نافذة غرفة النوم المجاورة . الشاحنات الإنجليزية القادمة من رأس التين ، أو من داخل الدائرة الجمركية ، فى طريقها إلى خارج الإسكندرية . الناس وقوف على الأرصفة وأبواب الدكاكين والمقاهى ، ويطلون من الشرفات والنوافذ والأسطح ..
            قال أبى :
            ـ ليست نتائج معاهدة 1936 سيئة كلها ، فهاهم الإنجليز يخرجون ..
            الأيدى مدلاة على الجانبين ، والأفواه صامتة ، فلا تعبير عن الوداع ، أو حتى إبداء الفرحة ، بخروج قوات الاحتلال . الصمت السادر ينعكس فى الملامح حيادية متوترة ، فيما عدا تعليقات أو شتائم هامسة ، ربما خوفاً من أن يبوظ الفرح ، مع أن عساكر الإنجليز لا يعرفون العربية ..
            يعلو صوت من داخل دكان الرويعى الترزى :
            بلادى بلادى بلادى .. لك حبى وفؤادى
            يكرر الصوت الكلمات بمفرده. يرددها الواقفون من حوله . يمتد انفراج الشفاه بالكلمات ، ويتسع. تتحرك الأيدى تعبيراً عن المعنى. يغيب الفهم عن الجنود، وإن انعكس التحول فى ارتباكهم. يتبادلون النظرات المتسائلة، القلقة. وتتقلص أيديهم على البنادق فى توقع لا يدركون بواعثه ..
            لم يحدث التصرف رد فعل بين الآلاف على الجانبين . ظلوا حيث هم فى النوافذ والشرفات والأسطح، وفى الطريق، وإن لم تخفت أصواتهم بالنشيد!

            تعليق

            • د. حسين علي محمد
              عضو أساسي
              • 14-10-2007
              • 867

              #21
              * بيع وشراء *
              ..................

              لا أذكر كيف ، ولا لماذا ، أحببت عملية البيع والشراء . ربما لأنى كنت أتابع عم عبده فى دكانه الصغير ـ قبالة البيت ـ وهو يبيع الحلوى والسجاير. أحببت الفصال، والأخذ، والرد، وصل على النبي، وزيد النبي صلا، وبين البايع والشارى يفتح الله، واتوصى شوية، والله يبارك. طقوس تبدأ ، ولا تنتهى . تشكل دنيا البيع والشراء التى أتابعها من موضعي خلف النافذة المطلة على دكان عم عبده ..
              طلبت من أمى أن تثبت مؤشر الراديو على الأغنيات ، سواء ما تقدمه إذاعة القاهرة ، أو إذاعة الشرق الأدنى ، خلفية لنشاطى التجاري الذي شغل أسفل السرير النحاسى الكبير فى حجرة أبوى. مجلدات من مكتبة أبى، وعلب أحذية فارغة من الورق المقوى، أصفها فى هيئة طاولة الدكان. أضع فوقها البسكويت والبونبونى. أدخر ثمنها من مصروفي. حتى الإفطار، أعتذر عن عدم تناوله فى البيت . تعطيني أمي المقابل قرشين أو ثلاثة ..
              أثابر فى جلستى المنحنية . زبائنى هم خالتى وأخواى . يشترون بالأجل حتى يخلو الدكان تماماً . أريح علب الأحذية ، وأفرد جسدى الذى طال تقوسه . أرد على السؤال بموعد البيع ثانية :
              ـ ربما غداً بعد أن آخذ مصروفى ..
              أحببت البيع والشراء ، فنسيت ـ أو تناسيت ـ ما كنت أدينهم به من قيمة البضاعة القديمة !

              تعليق

              • د. حسين علي محمد
                عضو أساسي
                • 14-10-2007
                • 867

                #22
                * يا حلو يا اسمر *
                .......................

                استمعت إلى الأغنية مرة وحيدة أمام الطاولة الرخامية ، تعلوها قدرة الفول ومقلاة الفلافل . وثمة مائدتان صغيرتان لصق الجدار المواجه ، يحيط بهما ثمانية مقاعد ، وفوق الرف المثبت فى نهاية المكان جهاز راديو ، تتناهى منه أغنية عبد الحليم حافظ :
                يا تبر سايل بين شطين يا حلو يا اسمر
                لم تكن هذه هى المرة الأولى التى أستمع فيها إلى أغنية عبد الحليم . ولم تكن ـ بالطبع ـ هى المرة الأخيرة . ربما يذكرنى باللحظة تنبهى إلى كلمات الأغنية . بدت سخيفة وبلا معنى . مجرد كلمات مرصوصة تخفّت فى لحن جميل وصوت عذب ..
                أدركت المأزق الذى نحياه فى قول عم ربيع البائع وهو يعدنى بنتيجة حائط للعام الجديد :
                ـ علشان الزباين اللى بيشتروا مننا دايماً !
                كانت أسرتي ـ لظروف مفاجئة ، وقاسية ـ قد أصبحت بعض هؤلاء الزبائن الدائمين . ألفنا المكرونة ، والأرز ، وتقطيع البطاطس إلى شرائح فى صلصة الطماطم، وقلى الباذنجان. أصبح الفول طبقاً رئيساً. ربما نزلت بالكسرولة الفارغة إلى دكان عم ربيع أكثر من مرة فى اليوم الواحد ..
                غلبنى الحرج . أزمعت أن أقصد ـ فى المرات التالية ـ دكاناً آخر فى الشوارع القريبة . الصداقة بينى وبين عم ربيع، أو الكسل، أو اعتبارات لا أذكرها، أو لا أفهمها ، عادت بى إلى الدكان . تكرر حملى لكسرولة الفول، وعودتى بها . أسلم نفسى لشرود . لا آخذ من عم ربيع ـ كما ألفت ـ وأعطى . أغتصب الإجابة إن ألح بالأسئلة .. لكننى ـ فى لحظة لا أذكرها ـ أعطيت انتباهى للأغنية التى كنت أحفظ كلماتها دون أن يشغلنى معناها ، وصلت الأحرف بالكلمات بالسطر الشعري . غاظني الثوب الفضفاض على جسد يعانى الهزال ..
                أستمع إلى أغنية النيل فى أى مكان ، فأنتقل إلى دكان عم ربيع بائع الفول . تلك هى اللحظة الوحيدة التي تذكرني بها الأغنية .

                تعليق

                • د. حسين علي محمد
                  عضو أساسي
                  • 14-10-2007
                  • 867

                  #23
                  * مدرسة للغناء *
                  .....................

                  كتبت ـ مرات كثيرة ـ عن قهوة فاروق . تأثيرها المهم على الحياة السكندرية ، وعلى نظرتى ـ شخصياً ـ إلى الكثير من الأمور . ذلك ما يبين ـ على سبيل المثال ـ فى رباعية بحرى وقاضى البهار ينزل البحر وزمان الوصل وموسوعة بحرى وغيرها . قهوة فاروق ملمح أهم فى سيرتى الذاتية " حكايات عن جزيرة فاروس " . تعلمت من أغنيات الفونوغراف التى كانت تنبعث منها ـ فى أوقات الليل ـ ما أضاف إلى وجدانى . استمعت إلى أغنيات عبد الوهاب وأم كلثوم والأطرش وعبد الحى وليلى مراد وغيرهم من نجوم الغناء آنذاك . كانت أصواتهم أشبه بالمدرسة التى تعلمت فيها الغناء ، وأحببته ..
                  عم أحمد الفكهانى ، مدرسة أخرى أضافت إلى وجدانى ..
                  أحببت الغناء فى صوته . الكلمات نفسها ، أو ما يشبهها ، ذكرتها فى " حكايات عن جزيرة فاروس " . عربته المحملة بأقفاص الفاكهة ، فى ناصية الشارع الخلفى الفاصل بين بيتنا وجامع سيدى على تمراز . يبدأ البيع ، والغناء ، فى الصباح . لا أعرف الموعد تماماً لأنى وقتها أكون فى المدرسة . ربما ناوشتنى أغنياته وأنا ألعب فى حوش المدرسة ، فأرددها بينى وبين نفسى . أعود بعد صلاة الظهر . يتناهى غناؤه وأنا أقترب من الباب الرئيس للجامع : زغلول يا بلح .. لا تين ولا عنب زيك .. فيومى يا عنب .. خد الجميل يا قصب .. ياللى الهوا هزك يا مشمش ..
                  أتأمل معنى الكلمات ، وطريقة الغناء ، وتلون نبرات الصوت . رغم التباين مع الأغنيات التى أستمع إليها فى البرنامج الإذاعى بابا شارو ، فإن الإحساس بالنشوة نفسه يتملكنى ..

                  تعليق

                  • د. حسين علي محمد
                    عضو أساسي
                    • 14-10-2007
                    • 867

                    #24
                    * كوارع *
                    ...............

                    صحبنى أبى إلى شارع الميدان . اخترقنا الزحام وروائح السمك والشواء والقلى والفلفل الأسود والشطة والبخور ..
                    تأمل أبى ، وقلّب ، وفاصل . حملت ما اشتراه : سجق اسكندرانى ، وجبنة بيضاء ، وزيتون ، وموز ، وبرتقال ، ومخللات ..
                    بدا دكان الكوارع خالياً إلا من حامل خشبى ، تترامى منه أغنية كارم محمود : يا حلو ناديلى .. وشوف مناديلى ..
                    تكومت الكوارع على عربة يد أمام الدكان ، وانشغل البائعان المتقابلان فى وقفتهما برش الماء على الكوارع ليضفيا عليها طزاجة تسر الناظرين ..
                    سأل أبى عن ثمن زوج الكوارع ..
                    اتجه أحد الرجلين إلى الآخر بنبرة متسائلة :
                    ـ إيه تمن الجوز ؟
                    قال البائع الثانى :
                    ـ 18 صاغ ..
                    وهو يومئ برأسه ناحية أبى :
                    ـ وعشان الرجل الطيب ..
                    ـ 16 صاغ ..
                    ـ وعشانه كمان ..
                    ـ 14 صاغ ..
                    ـ وعشان ..
                    قاطعه :
                    ـ يبقى بخسارة ..
                    عدنا بالكوارع إلى البيت . اقترح أبى أن نؤجل الغداء لتكون الكوارع هى طبق اليوم ..
                    بعد ثلاث ساعات أو أربع ، بدأ تسللنا إلى المطبخ ، نتناول ـ من النملية ـ حبات زيتون أو قطعة جبن ، أو ثمرة فاكهة ..
                    ظلت الكوارع ترفض النضج على نار وابور البريموس ، حتى علت أشعة الشمس ـ فى غروبها ـ أسطح البيوت المقابلة ..
                    أطفأت أمى البريموس ، ودعتنا إلى استكمال ما كنا بدأنا فى تناوله من طعام النملية ..

                    تعليق

                    • د. حسين علي محمد
                      عضو أساسي
                      • 14-10-2007
                      • 867

                      #25
                      * خد بوسة *
                      ..............

                      حموده موده خليك تقيل .. خد بوسه وانزل تبقاش سقيل ..
                      ظللت أردد كلمات الأغنية . أرتفع بالقرار ، وأهبط به . ألون فى المفردات ، والحروف ، وأمطها ..
                      تنبه أبى فى مجلسه فى الحجرة المطلة على الميناء الشرقية ، إلى الكلمات التى كنت أدندن بها . تبين معنى مفرداتها ..
                      ـ أين استمعت إلى هذه الأغنية ؟
                      ـ فى السينما ..
                      كنت قد صحبت عم إبراهيم زوج خادمتنا دهب إلى فيلم " صاحب بالين " بسينما استراند . لم أعد أفلت فرصة مصاحبته إلى السينما ، منذ شاهدت معه أول فيلم سينمائى " ليلى بنت الفقراء " بطولة ليلى مراد وأنور وجدى ..
                      ما بقى فى ذاكرتى مشهد شكوكو وهو يصعد على سلم خشبى إلى شرفة تقف فيها سعاد مكاوى .. قال لها : حمودة فايت يا بنت الجيران .. ياوردة بيضا فى حزمة ريحان [ أتذكر الأغنية رغم مضى عشرات الأعوام على سماعى لها ] وغنى شكوكو : إدينى بوسة .. أنا زى اخوكى .. ناولينى ناولى .. يا بنت الجيران ..
                      ردت عليه سعاد مكاوى بالكلمات التى خلوت إلى ألعابى وأنا أرددها ..
                      رمق أبى عم إبراهيم ، اللائذ بالصمت والتأدب ، بنظرة متأملة :
                      ـ الولد صغير على مثل هذه الأفلام ..
                      قال عم إبراهيم فى لهجة معتذرة :
                      ـ إنها مجرد أغنية .. ومحمد صغير كما قلتم ..
                      علا صوت أبى بالغضب :
                      ـ لا تعد إلى هذا ثانية !

                      تعليق

                      • د. حسين علي محمد
                        عضو أساسي
                        • 14-10-2007
                        • 867

                        #26
                        * كوسـة *
                        ............

                        طلبت أمى أن أشترى لها أقتين كوسة . لم أكن أعرف الفرق بين أنواع الخضر . صحبت صديقى عادل الصبروتى إلى شارع الميدان ..
                        كان الوقت ظهراً ، وثمة ـ أمام الدكان أول شارع وكالة الليمون ـ زحام ونداءات وصيحات وروائح متداخلة ، ويترامى من راديو المقهى المجاور صوت محمد عبد الوهاب :
                        مين عذبك بتخلصه منى ..
                        تناول عادل " بقوطى " وبدأ فى اختيار ثمار الكوسة .
                        همس فى أذنى :
                        ـ ساعدنى فى قطع رءوس الكوسة ليخف وزنها ..
                        فاجأ البائع انشغالنا بما نفعل . أمسك بثمرة يتساقط منها ما يشبه الصمغ . وقال فى لهجة يشوبها الإشفاق على طفولتنا :
                        ـ انظروا كيف تبكى من أذيتكم لها ..
                        وأعاد الثمرة إلى موضعها :
                        ـ حتى الأغنية تعيب فعلتكم !

                        تعليق

                        • د. حسين علي محمد
                          عضو أساسي
                          • 14-10-2007
                          • 867

                          #27
                          * الساعة ذات البندول *
                          ............................

                          أمى تصغر أبى بسنوات عديدة . ألتقط من ذكرياتهما أنها كانت ـ لصغر سنها ، قبل أن يأتى الأبناء ـ تخاف الليل ، فهى تنتظره فى الشرفة المطلة على شارع إسماعيل صبرى . فإذا غلبها الخوف ، نزلت تنتظر مجيئه على كرسى البواب ..
                          لم يكن أبى يدخل مع أمى فى مشادة ما ، ولا يحاول توبيخها ، أو تشديد ملاحظاته عليها . حتى قسوتها الدائمة علينا ـ فرط حنان ، كما تفعل القطة حين تأكل صغارها ـ لم يكن يقابلها بغضب ولا ثورة . إنما هى ملاحظات مداعبة ، تخاطب الطفلة بأكثر مما تتجه إلى الزوجة ..
                          يرفض أبى ـ فى الأوقات التى تظهر فيها أمى اختلافها معه ـ أن يعطيها ما يعيدها إلى أهلها فى دمنهور :
                          ـ اعقلى .. وخليكى مع أولادك !
                          تصر ـ أحياناً ـ على أنها أخذت على خاطرها ، فهى لابد أن تعود إلى بيت أبيها . تتطلع إلى الساعة ذات البندول التى تتصدر جدار الصالة ـ تكرر المشهد ! ـ وتسأل :
                          ـ أليست هذه ساعة أبى .. اعطنى إذن ثمنها ..
                          يقول أبى فى ابتسامة مشفقة :
                          ـ أعطيت أباك ، وأعطيتك ، ثمنها مرات كثيرة من قبل ..
                          تهز كتفيها :
                          ـ لا شأن لى .. أريد ثمن الساعة ..
                          ـ لمحمد فوزى أغنية تقول : الساعة واقفة .. والا بتمشى .. سمعتك تدندنين بها .. غنها لى أصحبك بنفسى إلى دمنهور ..
                          ترافق ابتسامة نبرته المحرضة :
                          ـ غن لى .. غن لى ..
                          تزم أمى شفتيها ، كى لا تفلت منها ضحكة ، ثم تخلى للضحكة سبيلها ..

                          تعليق

                          • د. حسين علي محمد
                            عضو أساسي
                            • 14-10-2007
                            • 867

                            #28
                            * أنّـــا *
                            ...........

                            تبدو فى ذاكرتى كطيف جميل . وأذكر أن أمى وجارات البيت كن يمتدحن محاسنها ، فلابد أنها كانت كذلك بالفعل . لا أدرى ـ حتى الآن ـ معنى الاسم ، وهل هو تعبير عن أصول غير مصرية ، أو أنه كناية التدليل لاسمها الحقيقى . ما أعرفه جيداً أن أنّا ، أو أبلة أنّا ـ كما كنا نسميها وندعوها ـ لم تكن مجرد جارة لنا ، ولا هى فقط صديقة لأمى ، لكنها كانت تقضى مع أمى معظم وقت غياب زوجها ـ الذى يعمل مهندساً فى كفر الدوار ـ عن البيت ..
                            كانت تهبط من شقتها فى الطابق السادس إلى شقتنا فى الطابق الثالث . تجالس أمى فى الحجرة المطلة على جامع سيدى على تمراز ، ويخوضان فى أحاديث تبدأ ولا تنتهى ..
                            ذات عصر ، اجتذبتنى فى حديثهما كلمات متناثرة عن الأرواح والجان والشياطين والعفاريت . عالم يلتف بضبابية المجهول والإثارة والخوف ..
                            تنبهت على صوت أمى :
                            ـ روح العب بعيد ..
                            لم تنجب . حدست أن هذا هو الباعث لأحاديث أنّا الهامسة مع أمى ، وتلبية عم أحمد البواب المتكررة لطلباتها بشراء ما تحتاجه من العطار ، أول شارع الميدان . والتقطت قول أمى لها : ربنا يطعمك ، فأنا أثق ـ الآن ـ أن أنّا كانت تعانى مشكلة عدم الإنجاب ..
                            ظلت الكلمات تناوشنى ، حتى وصلتها بكلمة " زار " التى تخللت أحاديث أمى وجارتها فى الأيام التالية ..
                            سرت حياة غير عادية بين شقق البيت . تعالت النداءات والصيحات والملاحظات والأسئلة . وهمست أمى ، تستأذن أبى ـ وهو يعد نفسه للخروج فترة العمل المسائية ـ كى تصعد إلى شقة أنّا .
                            ـ خير ؟
                            ـ أبداً .. حاجاملها فى قعدة زار ..
                            ـ زار ؟.. من إمتى بتحضرى الحاجات دى ؟
                            ـ أهى مجاملة .. قالوا لها لابسها جان ..
                            وربتت كتفه وهى تودعه :
                            ـ قالوا لها كده ..
                            اندسست ـ فى المساء ـ وسط لمة النساء والأطفال والشموع وأريج البخور والدم المسفوك . ارتفع إيقاع الدفوف والطبول ، واهتزت الأرض والجدران بدبيب الأقدام والرقصات المحمومة ، وتعالى صوت الكودية :
                            قادوا الشموع لماما . الشمع بات سهـران
                            وندهت السيـدة زينب .. رئيسة الديـوان
                            يا شيال الحمول يا متولى شيل حمّة العيان
                            يا شيخ العرب يا سيـد يا ندهة المنضـام
                            فرشوا الأرض لماما بالفــل والريحـان

                            تعليق

                            • د. حسين علي محمد
                              عضو أساسي
                              • 14-10-2007
                              • 867

                              #29
                              * 11 فبراير *
                              .................

                              اعتدت ـ فى تلك الأيام من كل سنة ـ رفع الأعلام والزينات والأضواء على واجهات البيوت ، وفى شوارع الإسكندرية وميادينها ، وحول البلانسات والفلايك فى المينا الشرقية ، وانطلاق الصواريخ الملونة فى منطقة السلسلة ، وتعالى صفافير البواخر فى المينا الغربية ..
                              قال لى أبى إن ما يحدث هو احتفال بميلاد كل مواليد فبراير .. وأنا واحد منهم !
                              صدقت ما قاله أبى . ووجدت فى الاحتفال بعيد ميلادى ـ ولو مع مواليد الشهر نفسه ! ـ دافعاً للتباهى بين زملائى فى مدرسة البوصيرى الأولية ..
                              تأملت أغنية يقول مطلعها : أهو جانا حداشر فبراير . سألت أبى عن التاريخ .. لماذا حدد فى يوم بالذات دون بقية أيام الشهر ؟
                              لم يجب أبى . اكتفى بابتسامة صامتة ..
                              أعدت السؤال على جميل أفندى مدرس اللغة العربية . قال :
                              ـ 11 فبراير هو عيد ميلاد الملك .. والأغنية والاحتفالات من أجله !
                              كتمت فى داخلى إحساساً بالخذلان ، وأزمعت ألا أصدق أبى فى كل ما يقوله لى !

                              تعليق

                              • د. حسين علي محمد
                                عضو أساسي
                                • 14-10-2007
                                • 867

                                #30
                                * أغنيات الفطرة *
                                ......................

                                كنا نصحب أبى ـ بعد ظهر كل خميس ـ إلى دمنهور . نستقل الأوتوبيس من ميدان المنشية ، أو القطار ، من ميدان المحطة إلى شارع الصاغة ، ومنه إلى أبو الريش . نقضى الليلة فى بيت جدى . الباب الخشبى ذو الضلفتين ، يفضى إلى طرقة مبلطة ، وعلى اليمين حجرة تطل نافذتها الحديدية على الطريق . يصعد السلم الحجرى إلى طابقين . يضمان أخوالى وأبناءهم . تخلى لنا جدتى شقة الطابق الثانى ، فوقها السطح . الفرن وعشش الطيور . ننط الحبل ، أو نلعب السيجة ، فى مساحة الأرض المبلطة المتبقية ..
                                نسأل عن اللبن ، تبعث به إلينا خالتى نبوية ـ أخت جدتى ! ـ من بيتها فى الشارع الخلفى . بيت ريفى ، طابقه الأسفل للماشية ، والعلوى للبشر . يطالعك ـ بمجرد دخوله ـ امتزاج روائح أنفاس البشر والحيوان وروث البهائم والحطب ..
                                نترقب خيرى ، ابن خالتى نبوية ـ ابن خالة أمى ـ يسبقنا إلى الغيطان ، خلف وابور النور . نتمشى فى ضوء القمر ، أو يأخذنا إلى أحد الأفراح التى كانت تقام ـ فى العادة ـ ليلة الخميس . نشاهد رقصات الغوازى ، نستمع إلى أغنيات الفطرة ، أى تلك التى ألّف كلماتها ، ولحنها ، مجهول ، فهى تنتسب إلى الفن الشعبى . أذكر ـ مازلت ـ أغنيات : ياللى ع الترعة حود ع المالح .. و : ادلع يا رشيدى على وش الميه .. أو : رمان التوب يا ليلى .. وغيرها ..
                                كان اهتزاز القطار أو الأوتوبيس يدفع بالقىء إلى معدتى الحساسة . لكننى كنت أترقب الرحلة إلى الحياة المغايرة ، وأعانى حزناً معلناً حين يقرر أبى ـ لظرف ما ـ إرجاء السفر إلى الأسبوع التالى ..
                                صحوت ـ ذات ليلة ـ على وقع أقدام ، ونداءات ، وعبارات محذرة ومشفقة ..
                                كانت أمى تميل على طست أوسط الحجرة ، تفرغ ما فى جوفها ..
                                ظللت مستيقظاً حتى بعد أن صعدت أمى على السرير المقابل ، وجرعت ما وضعه أبى فى يدها من أقراص أدوية ..
                                تناهى صوت أبى بالقلق وهو يقول فى تأثر :
                                ـ لم يكن من المفروض أن تتناول عشاء دسماً ..
                                أضاف فى قلقه :
                                ـ مرض القلب يتطلب عشاء خفيفاً ..
                                عدنا إلى الإسكندرية قبل ظهر اليوم التالى . اشتد المرض على أمى ، فلم تعد تتحرك من سريرها ..
                                توالت الأشهر دون أن نسافر إلى دمنهور . ومضت ـ بعد رحيل أمى ـ أعوام كثيرة . لكن تظل فى ذاكرتى تلك الأيام البعيدة : شرب الحليب ، المشى فى الغيطان ، سماع أغنيات الأفراح . أستعيدها ، وأتمنى أن أعيشها ثانية ..
                                تملكتنى نشوة وأنا أضمن روايتى " ياقوت العرش " ـ الجزء الثانى من " رباعية بحرى " ـ أغنية : ياللى ع الترعة حود ع المالح .. قلبى مستنى من ليلة امبارح .

                                تعليق

                                يعمل...
                                X