أورهان باموق وجدلية المركز والهامش بالاشكال التركي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد زعل السلوم
    عضو الملتقى
    • 10-10-2009
    • 2967

    أورهان باموق وجدلية المركز والهامش بالاشكال التركي

    وجه آخر للإشكال التركي: جدلية المركز والهامش


    صحيح أن ترجمتي لخواطر من مترو الأنفاق، أو من تحت الأرض Notes from the Underground لفيودور دستوفسكي في مقدمة لي من طبعة تركية، لم أركز في تلك الترجمة على الاستلاب الفردي فحسب، وإنما على العلاقة بين المركز والهامش، فقلت فيها إن «الموضوع الحقيقي لذلك الكتاب هو غيرة وغضب وكبرياء رجل لا يستطيع أن يجعل نفسه أوروبيا». وتقديري أنه من الواضح أن هذا الوضع يماثل حالة تركيا اليوم في ما يتعلق بالعلاقة مع أوروبا.
    كل ذلك صحيح، ولكني أضيف معترفا أنني تعلمت الكثير من دستوفسكي، فنحن نجده يشن حربا على سطحية المستغربين، الذين يكيلون المدح في كتاباتهم لعجائب الغرب.
    ولكني أشير بدءا أن المكون الجوهري لدستوفسكي نفسه كان غربيا. فقد التحق بالكلية العسكرية، لكنه درس الهندسة في الغرب. وفي سنوات شبابه كان مؤيدا للغرب بصورة راديكالية. لكنه في وقت لاحق في حياته، وعلى وجه التحديد خلال سنوات منتصف العمر، أصبح قوميا سلافيا من الطراز المحافظ. تلك كانت السن والمرحلة التي طور خلالها دستوفسكي أفكاره حول هذه الرواية. فقد كانت من الظواهر المرغوبة في أوساط الشباب الروسي أيامها أن يكون الشخص غربي الميول وصاحب نظرة يقينية تجاه العلوم الغربية، ولكن دستوفسكي كان يكره ذلك.
    ولكن وفي المقابل، وبفحص رؤيته تلك، نجد أنه لم يكره ذلك الإعجاب للغرب، بل أراد أن يفند الأفكار الأساسية للحضارة الغربية في ذلك الوقت، مثل القطع بأن البشر جميعهم عقلانيون، وان أعمالهم العقلانية النابعة من مصالحهم الشخصية أمر ايجابي ومستحسن من أجلهم كأفراد ومن أجل مجتمعاتهم.
    كتب دستوفسكي، قبل فرويد بوقت طويل، أن البشر ليسوا مخلوقات عاقلة، لكنهم يتعاملون وفق غرائز لا يفهمونها. وحاول أن يفهم هذه الجانب المظلم من الروح الإنسانية.
    ولكن، وفي المقابل أيضا، من الواضح أيضا أن ثمة غيرة لديه، فبوصفه روسيا، كان دستوفسكي مدركا لحقيقة أن الثقافة الروسية كانت تعتبر في نظر الغرب ثقافة همجية ومتخلفة، وكانت تلك مسألة أثارت غضبه. كان يشعر بالغضب أيضا من النظرة الدونية تجاه بلده من جانب الغرب بل من الداعين إلى التغريب أيضا.
    أما بالنسبة لي، فانا تركي من اسطنبول، ومتشرب لثقافتي بصورة عميقة، إلا أن اللغة التركية والثقافة التركية لم يحدث أن أصبحتا يوما في موقع مركزي من الحراك الثقافي للعالم. لذا تجدني وكما دستوفسكي، اشعر بغضب واستياء محددين تجاه المركزية الثقافية.
    وعلى ذكر المركز والهامش، نجد أن (ف. س. نيبول) يكتب حول موضوع المركز والهامش. وكثيرا ما أتلقى الأسئلة حول اتفاقي من عدمه معه، وهنا أجدني ميالا إلى سرد قصة حول نايبول لم يحدث أن حكيتها لأحد. كنا ننزل سوية في فندق بايطاليا في مايو (أيار) الماضي. التقينا في الردهة الرئيسية للفندق لوقت قصير وقال لي «أنا مسرور بلقائك» ثم انصرف.
    خلال استعدادي لمغادرة الفندق جاء نادل وقال لي إنه يكن لي إعجابا كثيرا، وأضاف أيضا انه قال له أشياء جميلة حولي. والغريب هنا أن نيبول لم يقل لي هذه الأشياء وجها لوجه، وإنما قالها للنادل. يا لها من مفارقة! كاتبان غير غربيين يتواصلان عبر نادل غربي، وأظن أن رسالتي هنا واضحة.
    وعلى ذكر نايبول، أكاد أحس أن كثيرين سيتصدون لاستنكار تعليقاته التي لا تراعي اعتبارات حساسة لدى الآخرين. ولكن هذه ليست النقطة المهمة أو الأساسية، لأن النقطة الأساسية حول الكتّاب يجب أن تتركز حول ما نجحوا في إنجازه وليس ما فشلوا فيه. العبقرية لا تتوفر إلا لدى بضعة كتّاب. إنهم يكتبون أشياء هائلة في بعض الأحيان، وهذا هو من يجب أن يؤخذ في الاعتبار وما ينبغي أن نوليه اهتمامنا.
    أما فشلهم وتعليقاتهم التي تنم عن السخف في بعض المقابلات هنا وهناك، فليست أشياء مثيرة للاهتمام.
    الحقيقة التي لا جدل حولها هي أن نيبول هو أول كاتب يهتم بما نطلق عليه اليوم المجتمعات غير الغربية لحقبة ما بعد الاستعمار عندما غادر الإمبرياليون وتسلم القياد جيل من الزعماء الوطنيين. وبسبب شعور الغرب بالذنب نشأت ظاهرة الإطراء على مجتمعات حقبة ما بعد خروج الاستعمار، دون أن يدرك الغرب ما يجري فعلا داخل هذه المجتمعات. فقد أولى اهتماما خاصا للفظائع التي كانت تحدث في الأماكن التي ينتمي إليها والمكان الذي يتحدر منه.
    ولكن الشاهد هنا أن الكاتب الروائي عموما يتعاطى السياسة، وهنا يثير التناول منه جدلا واسعا، أو قل رؤى مختلفة، فأنت تجد مثلا تعليقا لـ«ستندال» في روايتي باسم Snow (الجليد) يقول فيه «السياسة في العمل الأدبي مثل طلقة مسدس في منتصف حفل، إنها مسألة فظة ولكن من المستحيل تجاهلها، فيما قال ألبير كامو شيئا مماثلا هو أن «القصة السياسية المتميزة لا تعكس السياسة كما نسعى إليها بلهفة، وإنما كحدث غير سعيد يتعين علينا قبوله». وتقديري هنا أن أي فهم لي ولرؤيتي وموقفي يمكن أن يتم من بوابة وضع وجهتي نظر ستندال وكامو معا، وقوام مواقفي أن الحادثة غير السعيدة قد تقع على الجميع وسنجد أنفسنا في مواجهة أمور قبيحة. وهذا بالتأكيد ما حدث لي في تركيا. فأنا لم اسع للسياسة، ولم يكن لدي أجندة، لكنني وجدت نفسي في معمعة السياسة. (اتهم باموك العام الماضي بانتهاك سلوك غير تركي بسبب مناقشته مذبحة الأرمن عند نهاية الإمبراطورية العثمانية على صفحات جريدة سويسرية، الإيضاح من بول هولدنغرابر الذي أجرى المقابلة مع الروائي التركي باموك).
    ولكني أقول هنا، ليس من باب الدفاع، وإنما من باب الإيضاح، إن تجربتي خلال الفترة التي كنت فيها في مطلع العقد الثالث من عمري، هي فترة كان الجميع فيها مسيّسين في تركيا، فيما يقول لك جماع تلك الحقبة والتجربة إن خدمة قضية ما يمكن أن تدمر جمال الأدب. ولذلك كنت أرى في غالب الأحيان أن الكتاب المتميزين قد دمروا مواهبهم وملكاتهم بفعل السياسة.
    ذلك أننا، وإذا ما نظرنا إلى الروايات بصورة عامة، نجد أن السياسة لا تشكل الموضوع الأكثر إثارة للاهتمام. فهناك قضايا أخرى تتناولها الروايات مثل الحب والسعادة وحياة البرجوزاية ومعنى الحياة وأهداف الحياة التي تنتهي بخيبة كبيرة للأمل.
    خذوا مثلا روايتي السياسية Snow، تجدوني فيها أنني كنت حريصا فيها على عدم إصدار أي حكم أخلاقي على أي من شخصياتها. مشكلة الرواية السياسية تكمن في ارتفاع سقف توقعات القراء على نحو قد يضطر الكاتب إلى إصدار حكم على شخصية. ومع ذلك، فقوة فن الرواية تكمن في أن الكاتب يرتبط بالشخصية التي ابتكرها على نحو وثيق لا يجب معه إصدار أي حكم أخلاقي على الشخصية.
    وأخيرا، دعوني أقول إن فن الرواية، من وجهة نظري على الأقل، يقوم على أساس أن المقدرة الفريدة للبشر في التفاعل والارتباط مع الآخر الذي لا تجمعه به مصالح واهتمامات مشتركة. أحاول في ذهني أن أدرك ما يشعر به مثل تلك الشخصية في تفاعلها وفي الطريقة التي يفكر بها، كشخص ينتمي إلى عرق وعنصر وطبقة وثقافة أخرى، لكنه في نفس الوقت بشر مثلي.
    * باموك أديب تركي فاز بجائزة نوبل للأدب عام 2006 والمقال مأخوذ من مقابلة له مع بول هولدنغرابر، مدير البرامج العامة بمكتبة نيويورك العامة، خدمة غلوبال فيو بوينت، خاص بـ «الشرق الأوسط»
    عن جريدة الشرق الأوسط
  • محمد زعل السلوم
    عضو الملتقى
    • 10-10-2009
    • 2967

    #2
    بين أورهان باموك وأدونيس
    عبده وازن الحياة - 16/10/06//
    [imgr]http://www.opacmeiga.rbgalicia.org/Datos/Autores/194.jpg[/imgr]
    صبيحة الخميس الفائت، يوم أعلنت جائزة نوبل، فاجأنا الشاعر أدونيس بزيارته مكاتب «الحياة» في بيروت، حاملاً مقالته إلينا. وسرعان ما دار الحديث حول جائزة «نوبل» التي كان أدونيس مرشحاً لها بقوة هذه السنة. كان اسمه رائجاً في وكالات الانباء والصحف العالمية والمواقع الالكترونية. إلا أن أدونيس لم يكن متفائلاً ولا متشائماً، كان بحسب عبارة اميل حبيبي «متشائلاً» أي في منزلة البين – بين. قلنا له: سنحتفل الليلة بفوزك. ضحك وقال: تفاءلوا. ولم تمض بضع ساعات حتى أعلن فوز أورهان باموك، الروائي التركي الكبير. لم يكن فوزه مفاجئاً جداً. إسمه كان مطروحاً بقوّة أيضاً منذ العام الفائت عندما كانت الحكومة التركية تنوي محاكمته بتهمة الاساءة الى الهوية التركية.
    غير أن فوز باموك بجائزة نوبل سرعان ما أُسبغ عليه الطابع السياسي. فهو ما برح يحث الدولة التركية على الاعتراف بالمجازر الأرمنية التي حصلت في مطلع القرن العشرين، وبالمجزرة الكردية التي وقعت أخيراً. وهذا أمر يثير الكثير من الجدل في تركيا التي تصرّ على عدم الاعتراف بما حصل. وما زاد من حدّة التبرير السياسي لفوز باموك إقرار القانون الفرنسي الذي يجرّم تجاهل المجزرة الأرمنية في اليوم نفسه الذي أعلنت فيه الجائزة. إنها مصادفة طبعاً ولكن ليست خلواً من التأويل.
    يستحق أورهان باموك جائزة نوبل حتماً على رغم صغر سنه، هو ابن الرابعة والخمسين. وكان يستحقها في ظروف أخرى بعيدة عن أي «صبغة» سياسية. كان يستحقها كروائي طليعي، أصيل وحديث. وكانت تستحقها رواياته البديعة وفي مقدمها «الكتاب الأسود» التي يصعب نسيانها ونسيان بطلها «غالب» الذي يتحوّل من المحاماة الى الصحافة بعدما راح يحقق في اختفاء زوجته «رؤيا» وصديقه «جلال» الصحافي المعروف. وعبر التحقيق يحضر تاريخ اسطنبول، هذه المدينة التي تسكن باموك هاجساً دائماً. على أن رواياته الأخرى لا تقل فرادة وجمالاً وعمقاً عن «الكتاب الأسود». وروايته الأخيرة «ثلج» تشهد على صنيعه الروائي الذي عرف كيف يجمع باموك فيه بين أحدث التقنيات السردية وأساليب «الحكاية الشرقية» المشرعة على الخيال والفانتازيا. يستحق باموك الجائزة لأعماله كلها ولتجربته كروائي أولاً وأخيراً.
    كان باموك في نيويورك عندما بلغه خبر فوزه. وفي تصريحات قصيرة للصحافة العالمية أعرب عن فرحه ولكن أيضاً عن ارتباكه وقلقه. وقال: «أسأل نفسي: ماذا سيكون رد الفعل في تركيا؟ هل سيكونون فخورين بي؟» ومثلما انقسمت الأوساط الأدبية والثقافية سابقاً حول أعماله ومواقفه المعترضة، انقسمت أيضاً حول فوزه بالجائزة. وفيما رحبت صحف تركية بالفوز بحسب وكالات الأنباء، معتبرة اياه «مفخرة الأمة» وحدثاً كبيراً يضع الأدب التركي في لائحة الخالدين، حملت صحف أخرى ذات طابع قومي، على الفوز واصفة باموك بالكاتب الممتثل لقواعد العالم الغربي، واعتبرت أنه فاز بالجائزة تبعاً لمواقفه المعادية للهوية التركية والعسكر... أما رد الفعل الرسمي فاختصره وزير الثقافة التركي بتصريح بارد جداً رحب فيه بالفوز «على رغم الجدل الدائر في تركيا الآن». وقال: «إنني سعيد جداً وأهنئ باموك». وعندما سئل عن الصدق في رضا الحكومة على الجائزة قال: «لست معنياً إلا بباموك الروائي، أما أموره الأخرى فلا تعنيني». طبعاً لن تتغاضى الحكومة عن مواقف باموك المعترضة ولا عن تصريحاته المنددة بسياستها ولن تنسى رفضه تسميتها إياه «فنان دولة» عام 1998 وفي ظنها أنها تروضه بمثل هذه «المكافأة» الوطنية.
    ولئن كافأت الجائزة باموك وأنصفته ككاتب شبه منشق، فهي أساءت اليه بعض الاساءة بعدما وصمت فوزه بالبعد السياسي. وقد لا تكون الأكاديمية السويدية بريئة من هذا الفعل. ومعروف أن الابعاد السياسية تتحكم في قرارات لجنة جائزة نوبل، وبعض النتائج تشهد على ذلك. فالروائي التركي كان على تنافس مع روائيين كبار أيضاً، في الابداع والسن، ويكفي ذكر بارغاس يوسا وفيليب روث وميلان كونديرا وكارلوس فوينتس وسواهم. ناهيك بشعراء كبار مثل أدونيس وترانسترومر وإيف بونفوا... لكن صغر السنّ الذي توقف عنده بعضهم ليس معياراً للرفض أو القبول. وقد حاز البير كامو هذه الجائزة في الرابعة والاربعين من عمره، لكنه لم يكد يهنأ بها حتى مات بعد نحو ثلاث سنوات في حادث عام 1960.
    سيظلم أورهان باموك كثيراً إن ظل الكلام يدور حول الخلفية السياسية لفوزه. وهذا ظلم للأدب التركي الحديث أيضاً. ولعله يشبه ظلم أدونيس الذي يقول الكثيرون إن حرمانه من الجائزة هو سياسي صرف. ويصرّ هؤلاء على أن الاكاديمية لن تكافئ النظام السوري عبر تتويجها شاعر «أغاني مهيار الدمشقي». وهذا ظلم ما بعده ظلم. فالشاعر أدونيس الذي يعيش شبه منفيّ، لا علاقة له بأي نظام سياسي لا هنا ولا هناك، بل هو معارض كبير يكتب بحرية تامة وبجرأة يُحسد عليها.

    تعليق

    • محمد زعل السلوم
      عضو الملتقى
      • 10-10-2009
      • 2967

      #3
      الروائي التركي أورهان باموق يفوز بجائزة "نوبل" للآداب
      لغـتـي التــركـــيـة ســـيـئـة وجــمــلـي غــبــيــةبــالكــــامـل
      شــخـصــيـاتـي تــنـوء تـحــت ثــقـل الأفــكــارالـكـــبـرى
      لكـنـي أقــول للـقــارئ: لا تــأخــذ ذلــك عــلـى مـحـمـلالجــد
      [imgr]http://visitbulgaria.info/files/orhan_pamuk.jpg[/imgr]
      في تمام الساعة الثانية بتوقيت بيروت من بعد ظهر يوم أمس، أعلنت الأكاديميةالأسوجية فوز الروائي التركي أورهان باموق بجائزة "نوبل" للآداب، وهو الكاتب التركيالأول يحوزها، وفي عمر مبكر نسبياً، اذ انه لا يتجاوز الرابعة والخمسين، وله ثمانيةكتب فقط. طبعا، للجائزة ابعاد سياسية واضحة وسط هذه الشروخ الخطيرة التي تمزّقالعالم، ويشكّل منح "نوبل" لباموق دعماً لمواقفه المؤيدة لحقوق الاقليات ونوعا منالدعوة الى المصالحة بين الشرق والغرب، لما يتمثل في الهوية التركية من غنى على هذاالصعيد. في ما يأتي مقتطفات جُمعت من حوارين كبيرين أجريا سابقا مع الكاتب في كل منمجلة "ذي باريس ريفيو" الأميركية وصحيفة "دي تسايت" الألمانية، ننشرها لما تقدمه منرؤية شمولية لأفكار الكاتب ومساره الأدبي والانساني.
      *أورهان باموق، كيف تشعر حيال منح المقابلاتالصحافية؟
      -
      أحياناً أشعر بالتوتر لأن أجوبتي تكون غبية عن أسئلة معينة فارغة. يحدث هذا باللغة التركية، بقدر ما يحدث بالإنكليزية. فلغتي التركية سيئة وجملي غبيةبالكامل. لقد تعرضت للنقد الحاد في تركيا بسبب مقابلاتي أكثر مما بسبب كتبي. المعلقون السياسيون، هناك في تركيا، لا يقرأون الروايات.
      *لقيت كتبك صدى إيجابياً في أوروبا والولايات المتحدةالأميركية، كيف تُستقبل هذه الأعمال نقدياً في تركيا؟
      -
      السنوات الجيدة انتهتالآن. حين بدأت أنشر أعمالي الأولى كان نجم الجيل السابق بدأ يأفل نوعاً ما،فاستقبلت بحفاوة في وصفي كاتباً جديداً.
      *حين تقول "الجيل السابق" هل ثمة أسماء محددة في بالك؟
      -
      إنهم الكتاب الذين كانوا يشعرونبأنه لديهم مسؤولية اجتماعية، ويؤمنون بأن الأدب يخدم المجتمع في مجالَي الأخلاقوالسياسة. كانوا واقعيين مباشرين، لا تجريبيين، ككتّاب آخرين في عدد كبير منالبلدان الفقيرة، وبالتالي أهدروا مواهبهم وهم يحاولون خدمة أمتهم. لم أرد أن أكونمثلهم، لأنه حتى في سنوات شبابي الأولى استمتعت بقراءة فوكنر، وفرجينيا وولفوبروست، ولم أتطلع إلى نموذج الواقعية الاشتراكية عند غوركي وشتاينبك مثلاً. كانالأدب الذي ينتج في الستينات قديم الطراز لذلك استقبلت بحفاوة لأني اعتبرت من الجيلالجديد. بعد منتصف التسعينات من القرن الفائت، حين بدأت كتبي تباع في تركيا بكمياتلم يكن أحد ليحلم بها، انتهى شهر عسلي مع الصحافة التركية ومع المثقفين هناك. مذذاك فصاعداً بات رد الفعل النقدي غالباً رد فعل على الشهرة ومبيع الكتب، أكثر مماعلى مضامين أعمالي. الآن، لسوء الحظ، أنا مشهور بسبب آرائي السياسية، التي تنشر هناوهناك في الصحافة الدولية ويتلاعب بها بشكل مخز بعض الصحافيين الأتراك لكي يجعلونيأبدو أكثر راديكالية وبلاهة من الناحية السياسية، مما أنا عليه في الواقع.
      *هل كنت معنياً خلال مسارك الإبداعي بأن تحمّل أعمالكمضامين اجتماعية؟
      -
      لا، كان لديّ ردة فعل على الجيل الأقدم من الروائيين،وخصوصاً في مرحلة الثمانينات. أقول مع كل احترامي لهم إن نظرتهم إلى الأشياء كانتشديدة الضيق.
      *في العودة إلى المرحلة التي سبقت "الكتاب الأسود"، ما الذي ألهمك "القصر الأبيض"، علماً أنها أول رواية تعالج فيهاثيمة تكررت بعدها في جميع أعمالك، وهي "انتحال الصفة"؟ ولماذا تظن أن هذه الفكرةتتكرر إلى هذا الحدّ في أعمالك؟
      -
      إنه أمر شخصي جداً. لديّ شقيق تنافسي جداًيكبرني بسنة ونصف السنة فقط. وبشكل من الأشكال كان بمثابة الأب بالنسبة إلي، أبيالفرويدي إذا جاز القول، الذي أصبح أناي البديلة، الأخرى، مثال السلطة بالنسبةإليّ. ومن جهة أخرى كانت بيننا زمالة أخوية تنافسية. علاقة مركّبة جداً، كتبت عنهابكثافة في "إسطنبول". كنت فتى تركياً نموذجياً، بارعاً في كرة القدم ومتحمساً لكلأنواع الألعاب التنافسية. أما هو فكان بارعاً في الدراسة، أبرع مني على الأقل. وكنانغار أحدنا من الآخر. كان هو مثال الشخص العقلاني والمسؤول. وفي حين كنت أصب كلاهتمامي على الألعاب، كان يصب اهتمامه على القواعد العامة. كنا نتنافس طوال الوقت،وكنت أحلم بأن أكون هو، وأشياء من هذا القبيل. هذا أرسى مثالاً عندي، أعني الغيرةوالحسد، وهما موضوعان قريبان جداً مني. دائماً أقلق حيال الطريقة التي كان يمكن أنتؤثر فيها عليّ قوة أخي ونجاحه. هذا أصبح جزءاً جوهرياً من روحي. وأنا أعي ذلك،لذلك أقيم مسافة بيني وبين هذه المشاعر. أعلم أنها سيئة، لذلك لديّ تصميم شخص حضاريعلى محاربتها. لست أقول إني ضحية الغيرة. لكن هذه مجرة النقاط العصبية التي أحاولالتعامل معها باستمرار. بالطبع، في نهاية الأمر، أصبحت موضوعاً محورياً في كلأعمالي. في "القصر الأبيض"، مثلاً، تلك العلاقة شبه السادومازوشية بين الشخصيتينالأساسيتين، مبنية على علاقتي بأخي. من جهة أخرى، فإن مسألة انتحال الصفة هذه تنعكسفي الهشاشة التي يشعر بها الأتراك حين يواجهون الثقافة الغربية. بعدما كتبت "القصرالأبيض" أدركت أن هذه الغيرة، ذلك القلق حيال أن نتأثر بشخص آخر، تشبه حال تركياحين تيمّم نظرها غرباً. أعني ذلك الحلم بأن تصبح جزءاً من الغرب، وفي الوقت نفسه أنتكون متهماً بأنك لست أصيلاً بما فيه الكفاية. أن تحاول القبض على روح أوروبا ثمتشعر بالذنب بسبب الدافع الذي لديك لتقليدها. تلك الطلعات والنزلات في هذا المزاجتذكّر بالعلاقة بين أخين متنافسين.
      *روايتك الأخيرة "ثلج"، هي رواية سياسية تضج بالإسلاميين الثوريين، والوطنيين الأكراد والأتراك،واليساريين الباحثين عن الله والفتيات اللواتي ينتحرن بسبب حظر الحجاب. ومع أنك لاتنحاز إلى أي طرف، فقد تعرضت لضغط سياسي كبير... بشكل غريب يبدو أن حياتك تقلدكتابك هذا...
      -
      لا أكتب رواية سياسية حتى أقوم بدعاية سياسية لقضية محددة، بقدرما أطمح إلى وصف الحال السيكولوجية للناس في مدينة معينة. المدينة في هذه الروايةتدعى كارس، تقع عند طرف شمال شرق الحدود التركية، لكنها في الوقت نفسه تمثل تركياكلها.
      *ما الذي أطلق شرارة السجال حول هذا الكتاب؟
      -
      بعض القراء العلمانيين ثار غضبهم لأني بذلت كل هذه الجهود لكي أفهم حالالفتيات اللواتي يضعن الحجاب بشكل اختياري. أفهم قلق هؤلاء، خصوصاً حين يكنّ منالنساء. فالنساء هن الأكثر تأثراً بالإسلام السياسي. بعض الوطنيين الأتراك لمتعجبهم حقيقة أني أصف بالتفصيل مدى القسوة التي يمكن أن يبلغها انقلاب عسكري. بعضهمأيضاً لم يرضه فهمي لموضوع الأكراد. لكن هذه كلها ببساطة عناصر من تاريخنا المركّب.
      *عائلتك تعدّ من بين الأكثر ثراءً وحضوراً في النخبةالعلمانية التركية... ما الذي يمكنك أن تخبرنا إياه عن هذا الشأن؟
      -
      لم أكنمناسباً لهذا القالب. فقد اخترت الفن بدلاً من وظيفة المهندس التي كان يفترض أنأعمل بها. أولاً أردت أن أكون رساماً، ثم تخليت عن هذه الهواية ودرست الهندسة. أخيراً وجدت ضالتي في الكتابة.
      *هل نجاحك يجعل عائلتكتنظر إلى الأمر بطريقة مختلفة؟
      -
      كان والداي قلقين عليّ بشكل مبرر. ففي منتصفالسبعينات كان ثمة شيء مجنون في فكرة أن يصنع فتى تركي اسمه ككاتب. اليوم، أعماليترجمت إلى 35 لغة، وكتبي تباع بشكل جيد.
      *قلت ذات مرةإن الشيء العظيم في الفكرة الأوروبية هو قدرتها على تحويل المتطرفين إلىليبيراليين...
      -
      هذا القول تؤكده سياسات الحزب الحاكم عندنا في تركيا، حزبأردوغان الذي يدين بشعبيته الهائلة لسياسته المؤيدة لأوروبا. المواطن التركي العادييتطلع للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ولتقوية الهوية التركية التقليدية في آنواحد.
      *لكن كيف يمكن أن يقوم أتراك بتمزيق صور الكتّابالنقديين أو حرق كتبهم علناً، وفي الوقت نفسه المطالبة باعتبارهم أوروبيين! النقادالمحافظون استشهدوا بروايتك وما أثارته من ردود أفعال على أنها سبب لعدم الاعترافبالأتراك أوروبياً، كما لو أنهم يقولون: هل تريد أن تكون في النادي نفسه كأولئكالناس الذين تصورهم الرواية؟
      -
      أعتبر أن تأويل واقعيتي في الرواية بشكل يتناقضمع اقتناعاتي السياسية نوع من التشويه سيىء النية. أرى أن مستقبل تركيا يكمن فيأوروبا، كواحد من البلدان المزدهرة والديموقراطية والمتسامحة. هذه الرواية تتعاملمع أحداث راهنة. لقد مر أكثر من عشر سنين على الزمن الذي تجري فيه أحداثها، وتركياتغيرت بشكل هائل. لندع جانباً للحظة ردود الأفعال التي تثيرها تعليقاتي حول الماضيالتركي، ولنعترف بأننا نعيش في تركيا مختلفة.
      *فيكتابك يسأل شخص إسلاموي: "هل هناك في أوروبا إله مختلف عما هو عندنا؟"، السؤال هوما إذا كان في وسع الإسلام أن يتصالح مع العلمانية، الفردية...
      -
      حسناً، تركيابدأت تطور هذا النوع من الإسلام، في نهاية الأمر فإن المتشددين بين الإسلاميينيسمون هذا النموذج "إسلام لايت"، معتقدين أنهم يمثلون "الإسلام الصحيح".
      *هناك تعاطف في الرواية مع بعض الإسلاميين...
      -
      لم أرد أنأصور الإسلاميين في وصفهم أشراراً، مثلما يفعل الغرب بطريقة تبسيطية. في الوقت نفسهفإني أنتقد النظرة الإسلاموية للعلمانيين، الذين يرونهم كمقلّدين مخزيين، للغربالذي يحتقرونه. أردت أن أتخلص من الكليشيهات التي لدى الطرفين. بالنسبة إليّ هذهمهمة الرواية السياسية.
      *أين أصبح الحوار السياسي بينالجانبين في تركيا؟
      -
      تقليدياً، لدينا نظام تمثيل سياسي شديد التصلب. فرصة دخولالاتحاد الأوروبي زعزعت كل شيء. في جميع المعسكرات السياسية، اليسار واليمين،الإسلاميين والوطنيين، بات مستحيلا التفكير بطرق تبسيطية. تحكمنا الآن حكومةإسلامية مؤيدة لأوروبا. في مرحلة ما اكتشفوا أنه يمكنك الفوز في الانتخابات باعتمادسياسة مؤيدة لأوروبا لأن الناس يعتقدون أن هذا سيحسن حياتهم.
      *هل قلّل المثقفون الغربيون من شأن قوة الدين في رأيك؟
      -
      لميقلّل العلمانيون في تركيا من شأن الدين، لكنهم ارتكبوا الخطأ حين اعتقدوا أنهيمكنهم السيطرة عليه بقوة الجيش وحده. لكن كما تعرف، لا أرى أن مهمتي أن أنتجأفكاراً عالمية حول هذا الموضوع.
      *ومع ذلك، فإنشخصياتك مولعة غالباً بالأفكار الكبرى...
      -
      هذا صحيح، شخصياتي تنوء تحت ثقلالأفكار الكونية. أن ترهق نفسك بالأفكار القوية هو شغف تركي بالذات. خلال القرنينالفائتين تمرنت الأمة التركية على الانتقال من حضارة إلى أخرى، وهذه تجربة مؤلمة. "ثلج" هو كتاب عن صعوبة العيش مع هذه الأفكار الكبرى المجردة، والنجاة منها،والعثور على السعادة. لقد طفح الكيل بي من الأفكار الكبرى، والأدب هو ردة فعليعليها، محاولة لقلب الطاولات، لإدخال قدر ما من المرح، نوع من الانفصال عن هذهالأفكار. أردت أن أقول للقارئ لا تأخذ هذه الأفكار على محمل الجد إلى هذه الدرجة،أوليست الحياة رائعة؟ انتبه إلى تفاصيل الحياة. أهم ما في الحياة هو السعادةوالاستمرار في العيش في هذا المجتمع غير المتسامح الذي خلقناه بأنفسنا. الآن بدأتأعظ (يضحك...).
      ترجمة سامر أبو هواش

      تعليق

      • محمد زعل السلوم
        عضو الملتقى
        • 10-10-2009
        • 2967

        #4
        جائزة نوبل للآداب من نصيب الأديب التركي اورهان باموك

        [imgl]http://nymag.com/daily/intel/20061012pamuk.jpg[/imgl]

        الأكاديمية السويدية تمنح جائزة نوبل للآداب للروائي التركي اورهان باموك الذي "اكتشف رموزا جديدة للصراع والتضافر بين الحضارات". القضيتين الأرمينية والكردية محور اهتمام الأديب الوحيد الذي يجرؤ على الكلام في تركيا.
        أعلنت أكاديمية نوبل السويدية اليوم الخميس انه تم منح الكاتب التركي اورهان باموك جائزة نوبل للآداب للعام 2006. وقالت لجنة التحكيم ان باموك "وفي معرض بحثه عن الروح الحزينة للمدينة حيث مسقط رأسه اكتشف رموزا جديدة للصراع والتضافر بين الحضارات". وقالت الأكاديمية السويدية ان أروع أعماله هي كتابه الثالث "القلعة البيضاء" وهي قصة تاريخية تدور حول العلاقة بين عبد من البندقية والسيد الشاب الذي اشتراه والتشوش التدريجي لهويتيهما. وأضافت الأكاديمية ان باموك في كتاباته غالبا ما يتعامل مع فكرة الذات والثنائيات وهو ما ظهر في عمل أخر وهو "الكتاب الأسود" وفيه تفتش الشخصية الرئيسية اسطنبول بحثا عن زوجته واخيها نصف الشقيق الذي سوف يتبادل هويته معه في وقت لاحق. من جانبه وصف هاروك انجلاند، سكرتير أكاديمية نوبل، باموك بالقول "قلما يجد المرء مؤلفا في الأدب العالمي استطاع ان يصف المدينة بهذه الروعة مثل باموك". وتابع " الحائز على الجائزة هذا العام هو بالطبع معروف عالميا". يذكر هنا ان هذه هي المرة الأولى التي تمنح فيها جائزة نوبل للآداب لأديب من تركيا.


        جرأة سياسية

        يركز باموك الذي كانت أفضل رواياته مبيعا هي "اسمي أحمر" و"ثلج" في عمله على الصدام بين الماضي والحاضر والشرق والغرب والعلمانية والإسلام. وهي قضايا على قدر كبير من الأهمية في مسيرة تركيا نحو التطور.

        ويتعرض باموك لانتقادات لاذعة من القوميين في تركيا بسبب دفاعه عن القضيتين الارمنية والكردية، حيث يتعبره منتقدوه مرتدا بسبب تصريحاته حول مواضيع اعتبرت لفترة طويلة من المحرمات في البلاد والتي منها بطبيعة الحال المشكلتين الارمنية والكردية. وكان باموك قد قال في شباط/فبراير 2005 لمجلة سويسرية ان "مليون ارمني و30 الف كردي قتلوا على هذه الأرض، لكن لا احد غيري يجرؤ على قول ذلك". وتمت ملاحقته قضائيا أمام القضاء التركي بسبب "الإهانة الواضحة للآمة التركية"وهي جريمة يعاقب عليها القانون التركي بالسجن ما بين ستة اشهر وثلاث سنوات. وتم التخلي عن الملاحقات القضائية في نهاية المطاف في مطلع العام 2006.

        من هو باموك؟

        ولد باموك في 7 حزيران/يونيو 1952 لعائلة ميسورة تتكلم اللغة الفرنسية في اسطنبول. وأوقف الكاتب دراسته في الهندسة المعمارية حين كان في الثالثة والعشرين من العمر لكي ينصرف الى الأدب. وبعد سبعة أعوام نشر أول رواية له "جودت بك وابناؤه". وبعد نشر روايته السادسة "اسمي احمر" فُتحت أمامه ابواب الشهرة عالميا. وهو مطلق ويقيم في اسطنبول وله ابنة. هذا وكان الروائي التركي قد نال عدة جوائز أدبية في الخارج بينها جائزة السلام لدور النشر الألمانية في تشرين الأول/أكتوبر 2005 والتي تمنح على هامش معرض فرانكفورت الدولي للكتاب.

        هذا وتقدر قيمة جائزة نوبل للآداب، التي هي الأشهر من نوعها على المستوى العالمي، بـ 10 مليون كورون (1،1 مليون يورو). وسيتم تسليم الجوائز رسميا في 10 كانون الأول/ديسمبر في ستوكهولم في حفل كبير، فيما تسلم جائزة نوبل للسلام، التي من المتوقع إعلانها يوم غد الجمعة، في اوسلو.



        تعليق

        • محمد زعل السلوم
          عضو الملتقى
          • 10-10-2009
          • 2967

          #5
          طبــول "نوبــل" الآداب تقــرع
          للــروائــيالتركــي أورهــان بــامــوق
          [imgr]http://img1.fantasticfiction.co.uk/images/x1/x9157.jpg[/imgr]
          مفاجأة؟ ليس حقاً. ذلك ان اسم الروائي التركي أورهان باموق، الذي ظفر أمسبـ"نوبل" الآداب عن استحقاق وجدارة، كان مطروحاً بقوة في كواليس الجائزة العامالفائت، مما يُظهر أن الشائعات "النوبلية" التي تحوم سنوياً حول مجموعة من الأسماءالروائية والشعرية تتمتع بحدّ أدنى من الصدقية.
          مفاجأة؟ ليس حقاً. ولكن يالـ"قدرية" أن ينال هذه الجائزة العالمية العظمى، كاتبٌ تركي اشتهر بأنه يدعو حكومةبلاده الى الاعتراف بالمجزرة الأرمنية، وسط لحظتين سياسيتين شديدتَي الارتباطبمواقفه، إحداهما محلية، وثانيتهما أوروبية: فمن جهة، اذيع إسم الفائز بينما كانالأرمن اللبنانيون يتظاهرون هنا على مقربة، في ساحة الشهداء تحديدا، ضد مشاركةتركيا في قوات "اليونيفيل". ومن جهة ثانية، هبط الاعلان بينما تناقش فرنسا مشروعقانون مثيراً للجدل، يقضي بفرض عقوبة قاسية على من ينكر المجزرة التي ارتكبتهاتركيا في حق الشعب الأرمني عام 1915.
          لسنا ساذجين لكي نتجاهل أن لمواقف باموقالسياسية "يداً" فاعلة، كي لا نقول جوهرية، في دفع عجلة "نوبل" للآداب في اتجاهه،فمعروف عن لجنة التحكيم في هذه الجائزة أنها تأخذ دائما في الاعتبار معايير مماثلة. بل لا مبالغة في اعتبار فوز باموق "رسالة" موجّهة الى تركيا، التي تدافع بشراسةاليوم عن مطامحها الاوروبية وتحتج على محاولات اقصائها عن الاتحاد الاوروبي، من دونأن تبذل في المقابل جهودا ملموسة لتستوفي متطلبات انضمامها الى هذا الاتحاد. لماذاهي "رسالة"؟ لأن باموق غالبا ما تصادم مع السلطات التركية، وهو المشهود له بجرأتهومواقفه الانسانية ودفاعه عن الاقليات. على سبيل المثال، رفض الكاتب مرّةً تكريمالحكومة له عبر منحه لقب "فنان الدولة" الذي يعتبر أهم لقب ثقافي في البلاد،مستنكراً انتهاكها بعض حقوق الانسان وسجنها الكتّاب وتقييدها حرية التعبير. وعندماقام جورج بوش، اثناء احدى زياراته لتركيا، بالحديث عنه واصفا إياه بأنه "كاتب كبيريساهم في ردم الهوة بين الشرق والغرب، بناء على ما تسعى اليه قيمنا الأميركية"،اعترض باموق علنا على استغلال ادبه بهذه الصورة لتبرير الحرب الاميركية على العراق،ورفض أن يستشهد به بوش كأنه "عضو في فريقه". وفي شباط الفائت، صرّح لصحيفة سويسرية: "قُتل مليون أرمني فى تركيا، ولا أحد يجرؤ على الاعتراف بذلك سواي". فاتهمه المدعيالعام التركي بتحقير الهوية التركية، وكان الكاتب ليمضي ثلاث سنوات في السجن، لو لمتتدارك الحكومة فداحة تصرفاتها وتُسقط التهمة عنه لاحقاً.
          لأجل ذلك، تواجهالحكومة التركية اليوم مأزقا حرجا: هل تحتفي بأحد أبرز المحدثين في الرواية التركيةوأشدّ كتّابها شعبية وأكثرهم انتشاراً، هو الذي يُقبل الجمهور التركي على رواياتهوتعليقاته بلهفة، كأنه يجسّ بها نبضه، أم أنها ستواجه خبر نيله الجائزة ببرود،بعدما كانت تنوي محاكمته بسبب خطاب سياسي شجاع يصب تحديدا في انسانوية ذات قيمةمعيارية اوروبية، مطلقة وجوهرية، ويكرّسه بطلا مضطهداً، و... يلصق بهذه الحكومةصورة النظام المتخلّف والظالم؟
          لسنا ساذجين إذاً، ولا يخفى علينا أن أحد أبرزأسباب فوز باموق سياسي محض، لكن هذا لا يعني البتة أن أدبه لا يستحق جائزة بأهمية "نوبل". فأورهان باموق روائي "خطير". بعضهم يصف كتابته بالفلسفية، وآخرونبالتاريخية، وثمة من يربطها بالفانتازيا البورخيسية الحديثة. لكنها في الواقع خليطمن ذلك كله، وأكثر. خطورته اولاً في لغته الهذيانية، الضبابية عمداً، المهجّنة بينحدّي العقلانية والهلوسة. لغةٌ ذات بنى نحوية تركيبية غريبة، هي سلسلة من المتاهاتوالتعرّجات والدورات والمنعطفات والمنحدرات لا تفضي الى مكان، أو تفضي بالأحرى الىاللامكان، حتى اننا نتساءل: هل ثمة غاية سيدركها الكاتب بعد كل هذا الترحال، وماعساها تكون؟ باموق خطير كذلك لأنه يدفعنا كقرّاء الى الحافة. يعكس المعادلة فيمتحنقدراتنا بدلاً من أن يكون هو الممتَحَن. يدفشنا الى التكهن والابتكار. "يورّطنا" فيصناعة القصّة، فنشعر احياناً كما لو أن روايته تبحث عن معانيها بمعزل عنه، وكما لوانها تنكتب للتو أمام أعيننا. وبنا. وهو خطير بخاصة في الاسلوب المغناطيسي المربك،المتحدّي، الذي يحضّ فيه الانسان على النظر الى داخله، على البحث عن هويته وحقيقته،وعلى طرح "الاسئلة الكبرى" حول ثنائيات الشرق والغرب، التشابه والاختلاف، الجماعةوالفرد، الواقع والخيال، المعنى والعبث، اليقين والالتباس، وسواها من التناقضاتوالتشابكات التي تصوغ الكيان والشخصية والخصوصية. لهذه الأسباب وسواها، من البديهيالقول ان هذا الكاتب، المولود في اسطنبول عام 1952 هو من أبرز محدثي الروايةالتركية وأكثرهم جرأة وأوسعهم انتشاراً واستحقاقاً لانتشاره، إذ ترجمت أعماله حتىاليوم الى ما يزيد على ثلاثين لغة، فكم بالأحرى الآن، بعدما قرعت أجراس "نوبل" اسمه، ووضعته في الواجهة الأدبية؟ في أي حال، ليست هذه المرة الأولى ينال جائزةادبية مرموقة، فهو سبق أن حاز جائزة "امباك" الدولية المرموقة لسنة 2003 عن روايته "اسمي أحمر"، كما ظفر عام 2005 بـ"جائزة السلام" التي يمنحها اتحاد الناشرينالألمان سنويا في ختام معرض فرانكفورت للكتاب.
          "
          الكتابة عزاؤنا الأوحد"، يقولباموق، الذي كانت بداياته في الواقعية الكلاسيكية، لكن تجربته الروائية تطورت فيايقاع سريع ومكثف منذ كتابه الثاني "منزل الصمت" (1983)، لتدخل في لعبة الترميزوالمرايا، وهي لعبة مألوفة لدى كتّاب الفانتازيا الكبار من أمثال ايتالو كالفينوووليم غاس وخورخي لويس بورخيس، فضلاً عن الحضور الواضح لتأثيرات فوكنر في كتابته. هكذا نشهد في جملة، طبقات متراصة ومتشابكة من المعاني والأسرار، كما لو ان تحت كلحقيقة تكمن حقيقة اخرى على نحو متراكب يذكّر بالدمى الروسية. كتابة صعبة، مجازية،معقّدة، "مذنبة" بامتياز في ذهنيتها، إذ لا شيء من العفوية فيها، بل يمكن القولانها جولة مصارعة مع الكلمات، وإن بدت للوهلة الأولى "بسيطة" وتلقائية. انها لغةتخاطب القارئ وتمنحه امتياز "وجهة النظر" وتحمّله وزر هذا التدخل على حد سواء. ولطالما ردّد باموق في حواراته انه يرغب في ابتكار كتابة تعكس نسيج الحياة في مدينةاسطنبول. ويمكن القول انه نجح في ذلك على نحو بارع، لأن كتابته، مثل مدينته، تتأرجحفي توازن دقيق بين الشكل والفوضى، بين التخطيط وانعدام التناسق، بين سحر الماضيوغزو الاسمنت، وايضاً، وخصوصاً، بين وجهيها الشرقي والغربي.
          تثير أعمال باموق،الذي نشأ في كنف عائلة بورجوازية، وتابع بدايةً دراسات في الهندسة المعمارية قبل انينتقل الى الصحافة، ردود فعل متطرفة، من الإدانة القصوى الى التكريس المطلق. ففيحين يتهمه المثقفون الاسلاميون مثلاً باستغلال الموضوعات الدينية والتاريخية، التيغالباً ما تشكّل قماشة رواياته، باسم الحداثة الغربية، لا ينفكّ العلمانيون يلومونهعلى انتقاده الصريح لايديولوجيا الدولة. رغم كون السياسة في الأدب "قنبلة موقوتة"،على ما يصفها ستاندال، إلا ان توق باموق الى محاربة الديكتاتورية والفساد والارهاببسيف الأدب توق صادق، وهو الذي يؤكد أن "مفهومي الشرق والغرب غير موجودين حقاً، بلهما وجهان للحضارة نفسها، ولا بدّ من أن يجيء اليوم الذي سينصهران فيه ويختفي هذاالتصنيف التصادمي والعدواني". لكن رغم ان للسياسة حضوراً ناتئا في قلم باموق، برزأكثر ما برز في روايته الأخيرة "ثلج" (صدرت في ترجمة عربية عن "دار الجمل")، فإنالأدب هو بطله الأكبر. ومما لا شك فيه ان للتأثيرات الغربية في الحياة التركيةالتقليدية، و"الهوس" التركي بالوجه الاوروبي، وتنازع البلاد بين هويتين وانتماءين،حضوراً بارزاً وأساسياً في رواياته، وهو يستخدم التناقضات والازدواجيات والتضاداتمن كل نوع لخدمة هذا الحضور. اما الهوية فهي الذاكرة في رأيه، او الماضي الذي يرومالانتصار على النسيان وبناء المستقبل، فيقول في هذا الصدد: "اذا حاولتم قمعالذاكرة، لا مفرّ من أن يعود شيء منها الى السطح. أنا هو ما يعود". بذلك يتضح لناان باموق يبغي في الدرجة الاولى، من خلال مزجه هذا بين الذاكرة والمستقبل، بينالأسرار الصوفية والحكايات الاسلامية التقليدية والأدب الشعبي واللغة التجريبيةالما بعد حداثوية، لا أن يروي قصة الصدام بين الشرق والغرب، بل ان يصوّر على الارجحعلاقة الشغف التي تربطهما، شغف ملتهب الى حد يدفعنا الى التساؤل هل يمكن الثقافاتان تتبادل الهوى مثل الأفراد. وجدير بالذكر أن روايته "ثلج" أثارت لدى صدورها سيلامن الانتقادات العنيفة، إذ يحضر فيها عدد كبير من التحديات التي تواجهها منطقةالشرق الأوسط اليوم: مسألة الفصل بين الدين والدولة، الفقر، التحديث، تأثيراتاوروبا وأميركا، الصدام بين الإسلام الراديكالي والايديولوجيات الغربية،...الخ. الكاتب الجسور لم يتأثر طبعا بالحملات التي شُنّت عليه، وهو الذي لا يتردد في قولاقتناعاته كلما دعت الحاجة، ولا يساوم على مواقفه المعارِضة.
          يقول اورهان باموقعلى لسان احدى شخصياته في مطلع روايته "الحياة الجديدة" (1994): "ذات يوم قرأتكتاباً، ومذاك تغيّرت حياتي كلها". هذا الدافع تحديداً، او بالأحرى هذه "المعجزة" التي يحققها أدبه فينا، هي ما يحضّنا اليوم، أكثر من طبول "نوبل" الآداب، وأبعد منمعمعة بورصة المواقف السياسية، على الدعوة الى قراءته واكتشافه.
          جمانة حداد

          تعليق

          • محمد زعل السلوم
            عضو الملتقى
            • 10-10-2009
            • 2967

            #6
            هو وأعماله
            [imgr]http://img1.fantasticfiction.co.uk/images/x1/x9157.jpg[/imgr]
            ولد أورهان باموق في إسطنبول في 7 حزيران 1952 لدى عائلة ميسورة، درس في ليسيه "روبرت كولدج" الأميركية. بعد دراسة الهندسة والصحافة إتجه إلى الكتابة وتفرّغ لها. عُرف منذ رواياته الأولى التي صدرت في الثمانينات، "القصر الأبيض" و"الكتاب الأسود" وغيرها، وتميّز بحريته في الكتابة. نهل من التاريخ التركي والعثماني، ومنالميثولوجيا الصوفية كما من الكلاسيكيات الفارسية، متناولاً إياها من زاوية جديدةفي المعالجة.
            مطلّق وله ابنة واحدة.
            ترجمت رواياته إلى 35 لغة، وشكّلت روايته "ثلج"، منعطفاً في مسيرته الأدبية، وتحدّث فيها عن المأساة الأرمنية من خلال إلقاءالضوء على الحياة في مدينة كارس الواقعة شرق تركيا على الحدود الأرمنية، والتي أمضىفيها فترة طويلة فيها قبل البدء بالكتابة. هذا الكتاب الذي صدر في اسطنبول في العام 2002، استقبلته الأوساط التركية بطرق مختلفة. وعلى الرغم من اعتباره أن السياسةليست موضوعا أثيراً لروائي، يُعدّ باموق مثقّفقاً ملتزماً، دافع عن حقوق الأكراد،وأدان المجازر التركية في حق الأرمن، وكان واحداً من أوائل الكتّاب المسلمين الذينرفضوا الفتوى الإيرانية الصادرة ضد سلمان رشدي. خضع أخيراً للمحاكمة بتهمة "الإهانةالواضحة للأمة التركية" و"شتم الهوية التركية"، بعد تصريح أدلى به الى صحيفةسويسرية في شباط الماضي، وفيه أن "مليون أرمني و30 ألف كردي لقوا حتفهم على هذهالأرض، ولا أحد يجرؤ غيري على قول ذلك". وعلى الرغم من أنه لم يلفظ عبارة "إبادةجماعية"، إلا ان تصريحه أثار غضب القوميين المتشددين.
            لكن أورهان باموق لا يزاليواجه احتمال محاكمة ثانية. فقد رفعت جمعية لبعض القانونيين القوميين دعوى قضائيةفي وجهه بسبب تصريحه الى صحيفة ألمانية أن الجيش التركي يعوق أحياناً تطوّرالديموقراطية. وينهي باموق حالياً روايته الجديدة التي تدور أحداثها في اسطنبولوتحديداً في مكان عائلي، منذ العام 1975 وحتى اليوم، سائلاً: "ثمة طبقة حاكمةمعادية للغرب في الصين، الهند وإيران. كيف تحكم؟ ما هي علاقتها بالنموذج الغربي؟أتحدّث عن العذرية، الزواج، والسياسات الجنسية المخفية".
            من أعماله: "جودت بكوأبناؤه" (1982)، "منزل الصمت" (1983)، "القصر الأبيض" (1985)، "الكتاب الأسود" (1990)، "الحياة الجديدة" (1994)، "إسمي أحمر" (2001)، "ثلج" (2002)، "اسطنبول" (2003).

            تعليق

            يعمل...
            X