حكـاوي هنــداوي
(5)
(5)
.. استمرت التحقيقات مع (هنداوي) لعدة أسابيع ؛ لم يذق بها طعم النوم. مارس معه الضباط , و المتطوعون من السادة المخبرين السريين أشد أنواع التعذيب والتنكيل- الغير خافية على أحد - حتى ظن أنه في سجن أبو غريب..!! أو أحد الأسرى المصريين في نكسة 67 ؛ إلى أن أضطر في آخر الأمر ؛ و تحت وطأة التهديد ؛ و حتى لا يفقد أعز ما يملك- حياته بالطبع..!!- الاعتراف بكل ما أملوه عليه , فهو قائد التنظيم السري لقلب نظام الحكم , و مسؤول الجناح العسكري الذي كان يخطط للعديد من العمليات الإرهابيه في طابا و نويبع و دهب و الغردقة و الأقصر و شرم الشيخ . هنالك اعترض (هنداوي) قائلاً بامتعاض:
- لأ يا أخوانا .. كله إلا شرم الشيخ..!! بلاش نغلط ف الناس الكبّاره دول..؟!
عندها سرت دفعة جديده من الكهرباء داخل جسده ؛ جعلته ينتفض في قوه حتى كاد يطير عقله أو تسقط باقى أسنانه..!! فهتف صارخاً:
- خلاص شرم ..شرم .. هي كانت بتاعة أبونا..؟!
هدأت الأحوال بعد ذلك الإعتراف . و انصلحت الأوضاع مع (هنداوي). فبدأ يعتاد الوضع الجديد و يتأقلم معه - كعاده كل المصريين الذين يتكيفون مع كافة الظروف..؟!-
..بعد فترة قليلة نقلوه إلى سجن أخر أكثر إتساعا , و أكثر زنازيناً , فبدأ يتعرف على باقي النزلاء , و يمارس هوايته المعهودة - إلا و هي الكلام في الفاضي و المليان ..!!-
فرح عندما وجد أحدهم يتكلم بلهجة مصريه. و سأله في عفوية:
- هو أنت كمان جبوك هنا..!!
فنظر له الرجل بتعجب , وسأله في استغراب:
- هو انت تعرفني..!!
أجابه (هنداوي) في سرعة:
- لأ ..بس مش البيه مصري..!!
ضحك الرجل طويلاً. و قال دهشاً:
- ماكل اللي هنا مصرييين..!!
بان الجد على (هنداوي) ثم قال:
- الله ..هما خطفوكوا انتم كمان..؟!
اعتلت الرجل الدهشة الشديدة , و ساله:
- مين اللي خطفونا..؟!
فاجابه بصوت خفيض. وهو يتلفت حواليه:
- الجماعه اليهود إللى جابونا هنا ..و عاملين إن هما مصريين.. علشان يضحكوا علينا.. وعايزنا نقولهم أسرار البلد .. بس أنا لففتهم السبع لفات ..و ماقدروش يخادو مني ولا عقاد نافع..!!
ضحك الرجل كثيراُ حتى تساقطت الدموع من عينيه . ثم قال:
- معاك حق دول أسخم من اليهود..؟!
...لم يع عقل (هنداوي) الأمر جيداً أويستوعبه ؛ إلا حينما وجد كل من (عوضين) و(حسنين) و(إسماعين) و أباه و (الحج عبد العال) و آخرين من أهل القرية لم يأت ذكرهم على لسانه..!! حتى (علوان) بواب سراية (فرحات باشا)..!! و كذلك مراسلي الصحف الذين اجروا الحوار معه ؛ في نفس السجن..؟!
هنا فرح (هنداوي) فرحاً شديداً بهم - و جمعهم في حلقة حوله وأخذ يحتضنهم الواحد تلو الآخر. كمن التقى عزيزأ في الغربة بعد أمد طويل و قال لهم باشاً:
- الله الله دا الحبايب كلهم متجمعين..عند النبي ..أنتم عارفين مين اللي ناقصنا..؟!
نظر كلٍ منهم إلى الآخرين بدهشة , وسألوه جميعاً:
- ميين..؟!
فقال ضاحكاً. و بان فمه بلا أسنان أماميه:
- بشنت الجاموشه..!!
يتبـع

اترك تعليق: